Indexed OCR Text
Pages 101-120
وكان سعيدُ بنُّ المُسيِّب يُكثِرُ أنْ يقولَ في مجلسِه: اللَّهُمَّ سَلِّم سَلِّم (١). وقال الشُّعبيُّ : خَطَبَ عبدُ الملكِ بنُ مَروان فقال : اللَّهُمَّ إنَّ ذُنوبي عِظامٌ ، وهي صِغارٌ في جنبٍ عَفْوِكَ يا كريم ، فاغِفِرْها لي . قال الذهبيُّ : كان عبدُ الملكِ بنُ مَروان من رجالِ الدَّهرِ ودُهاةِ الرِّجال ، وكان الحَجَّاجُ ابنُ يوسف الثَّقَفيّ من ذُنُوبِه(٢) . وعن سعيدِ بنِ جُبَير قال: التَّوَكُلُ على الله جِماعُ الإيمان وكان يَدعُو : اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ صِدِقَ التَّوَكُّلِ عَليكَ وحُسنَ الظَّنِّ بك (٣). وعن عليٍّ بنِ الحُسَين قال: فَقْدُ الأحِبَّةِ غُربة وكان يقولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك أنْ تُحَسِّنَ فِي لَوَائِحِ(٤) العُيونِ عَلانِيَتَي وتُقَبِّحَ فِي خَفيَّاتِ العُيونِ سَرِيرَتي اللَّهُمَّ كما أسأتُ وأحْسَنتَ إليَّ ، فإذا عُدتُ فعُد عليّ (٥) . قال زَيدُ بنُ أسْلَم : كان من دُعاءِ عليٍّ بنِ الحُسَين: اللَّهُمَّ لا تَكِلْني إلى نفسي فأعجزَ عنها ، ولا تَكِلْني إلى المَخلُوقين فيُضَيِّعُوني(٦) . وقال عُتبةُ بنُ عبد الله العَنبَريّ : سمعتُ بكراً المُزَنِيّ يقولُ في دُعائِه : أصبحتُ لا أملِكُ ما أرجو ، ولا أدفَعُ عن نفسي ما أكره أمري بيدٍ غَيرِي ، ولا فقيرَ أفقرُ منِّي(٧) . قال أبو الأشهب : سمعتُ بكرَ المزنيّ يقول : اللَّهُمَّ ارزُقنا رزقاً يَزِيدُنا لك شُكراً ، وإليكَ فاقَةً وفَقْراً ، وبكَ عمَّن سِواكَ غِنَىّ (١) انظر السير: (سعيد بن المسيب) ٢١٧/٤ -٢٤٦، وانظر النزهة: ٤٨٢ /٧. انظر السير: ( عبد الملك بن مروان) ٢٤٦/٤ -٢٤٩، وانظر النزهة : ٥/٤٩٠. (٢) (٣) انظر السير: ( سعيد بن جبير) ٣٢١/٤ - ٣٤٣، وانظر النزهة : ٦/٥٠٥ . (٤) لوائح الشيء : ما يبدو منه وتظهر علامته عليه . (٥) انظر السير: (علي بن الحسين) ٣٨٦/٤ -٤٠١، وانظر النزهة : ٦/٥١٩. (٦) انظر السير: (علي بن الحسين) ٣٨٦/٤ -٤٠١، وانظر النزهة : ٧/٥١٩. (٧) انظر السير: ( بكر بن عبد الله) ٥٣٢/٤ -٥٣٦، وانظر النزهة : ٥/٥٥٠ . ١٠١ قال حُمَيدُ الطَّويل: كان بكرُ ابنُ عبد الله مُجَابَ الدَّعوة(١). وعن طَلقِ بنِ حَبيبٍ ، أنَّه كان يقول في دعائِه: اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ عِلمَ الخائفين مِنْكَ وخَوفَ العالِمِين بكَ، ويَقِينَ المُتوكلين عليكَ وتَوَكُّلَ المُوقِنِين بكَ ، وإنابَةً المُخبتين إليكَ وإْباتَ المُنيبين إليكَ، وشُكرَ الصَّابرين لكَ وصَبرَ الشَّاكرين لكَ ، ولَحَاقاً بالأحْياءِ المَرزُوقين عندك(٢). وعن اللَّيْثِ : كانَ ابنُ شِهابِ الزُّهريّ يَختِمُ حديثَه بدُعاءٍ جامع يقولُ : اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ من كُلِّ خيرٍ أحاطَ به عِلمُك في الدُّنيا والآخرةِ ، وأعوذُ بكَ من كُلِّ شيءٍ أحاطَ به عِلمُك في الدُّنيا والآخرةِ ، وكان من أَسْخَى مَنْ رأيتُ ، كان يُعطِي ، فإذا فَرَغَ ما معه يَسْتَلِفُ من عَبِيدِهِ ، ويقولُ : يا فُلانُ أسْلِفِني كما تَعرفُ، وأُضْعِفُ لكَ كما تَعلمُ، كان يُطْعِمُ النَّاسَ الثَّريدَ ويَسْقِيهِمُ العَسَلَ، وكان يَسْمُرُ على العَسَلِ كما يَسْمُرُ أهلُ الشَّرابِ علىْ شَرَابِهِم، ويقول: اسْقُونا وحَدِّثُونا وكان يُكثِرُ شُربَ العَسَلِ، وسَمعتُهُ يَبكي على العِلمٍ بِلِسَانِهِ ، ويقولُ: يَذْهَبُ العِلمُ ، وكثيرٌ ممن كان يعملُ به فقلتُ له : لَو وَضَعْتَ من عِلمِكَ عند مَنْ تَرجُوِ أنْ يكونَ لكَ خَلَفَاً قال: والله ما نَشَرَ أحدٌ العِلمَ نَشْرِي ، ولا صَبَرَ عليه صَبْرِي ، ولقد كُنَّا نَجلِسُ إلى ابنِ المُسَيِّب، فما يَستَطِيعُ أحدٌ منَّا أنْ يَسْألَه عن شيءٍ إلاَّ أنْ يَبتدِىءَ الحديثَ أو يأتيَ رجلٌ يسْألُهُ عن شيءٍ قد نَزَلَ به (٣) . وعن ابنِ شَوذَب قال : كان أيُّوُب السَّختيانيّ يؤُمُّ أهلَ مسجده في شهرِ رمضانَ ، ويُصلي بهم في الركعةِ قدرَ ثلاثينَ آية ، ويُصلي لنفسِه فيما بين الترويحَتين بقدر ثلاثين آية وكان يقولُ هو بنفسه للنَّاس: الصَّلاة، ويُوتِرُ بهم ، ويَدعُو بدُعاء القُرآن ، ويُؤَمِّنُ مَنْ خلفَه وآخرُ ذلكَ يُصلِّي على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ويقولُ: اللَّهُمَّ اسْتعمِلنا (١) انظر السير: (بكر بن عبد الله) ٥٣٢/٤-٥٣٦، وانظر النزهة: ١/٥٥١. (٢) انظر السير: (طلق بن حبيب العنزي) ٦٠١/٤ -٦٠٣، وانظر النزهة: ٣/٥٦٧. (٣) انظر السير: (أخبار الزهريّ) ٣٢٦/٥ -٣٥٠، وانظر النزهة: ٦/٦٠٦. ١٠٢ بِسُنَّتِهِ وأوْزِعنا بهَديهِ واجعلنا للمتقين إماماً ثم يَسجُدُ ، وإذا فَرَغَ من الصَّلاة دعا بدَعَوَاتٍ(١) . وكان عَطَاءٌ السَّليميّ يقولُ في دُعائِه : اللَّهُمَّ ارْحَم غُربتِي فِي الدُّنيا ، وارْحَمْ مَصْرَعِي عند المَوت ، وارْحَم قِيامِي بين يديكَ(٢). ودَخَلَ موسى الكاظِمُ مسجدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فسَجَدَ سجدةً في أولٍ الليلِ وهو يقولُ في سُجُودِهِ : عَظُمَ الذَّنبُ عندي فليَحْسُن العَفوُ من عندكَ يا أهلَ التَّقوى ويا أهلَ المَغفِرَة فجَعَلَ يُردِّدُها حتى أصبَحَ(٣) . قال محمدُ بنُ يَزِيدَ الرِّفاعيّ : حَذَّثني عَمِّي كثيرُ بنُ محمد قال : سَمعتُ عُمرَ بنَ ذرٍّ يقولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا قد أطَعْنَاكَ في أحَبِّ الأشياءِ إليكَ أنْ تُطَاعَ فيه : الإيمانُ والإقرارُ بك، ولَمْ نَعْصِكَ في أبغَضِ الأشياءِ أنْ تُعْصَى فيه : الكُفرُ والجَحْدُ بك، اللَّهُمَّ فاغْفِر لنا بينهما، وأنتَ قلتَ: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِالَّهِ جَهْدَ أَتِمَنِهِمٌّ لَا يَبَّعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُونٌ﴾(٤) ، ونحنُ نُقُسِمُ بالله جَهْدَ أيمَانِنَا لَتَبْعَثَنَّ مَنْ يَمُوتِ أَفَتُراكَ تَجمَعُ بينَ أهلِ القَسَمَينِ في دارٍ . واحدة ؟(٥) وعن حَمْزَةَ بنِ دهقان قال : قلتُ لبشرِ بنِ الحَارِث: أُحِبُّ أنْ أخْلُوَ معَكَ قال : إذا شِئتَ فيكُونُ يوماً فَرَأيْتُه قد دَخَلَ قُبَّةً ، فَصَلى فيها أرَبَعَ ركعاتٍ لا أُحسِنُ أصلي مثلها ، فسمعتُه يقولُ في سُجودِهِ : اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلمُ فوقَ عَرشِك أنَّ الذُّلَّ أَحَبُّ إليك من الشَّرفِ ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعلمُ فوقَ عَرشِك أنَّ الفَقْرَ أَحَبُّ إليك من الغِنَى، اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعلمُ فوقَ عَرشِك أنِّي لا أُوثِرُ على حُبِّكَ شيئاً، فلمَّا سَمعتُه، أخَذَنِي الشَّهِيقُ والبُكاءُ ، فقال : اللَّهُمَّ أنت تَعلمُ أنِّي لَو أعلمُ أنَّ هذا ها هُنا لَم أَتَكَلَّم (٦) . انظر السير: ( أيوب السختياني) ٦/ ١٥ -٢٦، وانظر النزهة: ١٠/٦٢٦. (١) (٢) انظر السير: (عَطاء السَّليميّ) ٨٦/٦-٨٨، وانظر النزهة: ٣/٦٣٤ . انظر السير: ( موسى الكاظم) ٢٧٠/٦ - ٢٧٤، وانظر النزهة: ٢/٦٥٠. (٣) (٤) سورة النحل : ٣٨ انظر السير: (عُمر بن ذر) ٦/ ٣٨٥ - ٣٩٠، وانظر النزهة: ٤/٦٦٠. (٥) (٦) انظر السير: (بشر بن الحارث) ٤٦٩/١٠ -٤٧٧، وانظر النزهة: ٦/٨٨٦. ١٠٣ وفي طبقات السُبكيّ (٢٣٧/٥) نقلاً عن شَهدَة بنتِ أحمد ابن الفَرَج الإبري قالت : سمعتُ القاضي الإمامَ عزيزي بن عبد الملك من لفظه سَنَةَ تسعين وأربع مئة يقولُ: اللَّهُمَّ يا واسِعَ المَغْفِرة، ويا باسِطَ اليَدَيْنِ بالرَّحْمَةِ افعَلْ بي ما أنتَ أهلُه، إِلَاهِي أَذْنَبتُ في بعضِ الأوقاتِ ، وَآمَنْتُ بكَ في كُلِّ الأوقاتِ ، فَكَيْفَ يَغْلِبُ بعضُ عُمرِي مُذنِباً جَمِيعَ عُمرِي مُؤْمِناً إِلَاهِي لو سَألْتَنِي حَسَنَاتِي لِجَعَلتُها لكَ مع شِدَّةِ حَاجَتِي إليها وأنا عَبدٌ ، فَكَيْفَ لا أَرْجُو أَنْ تَهَبَ لي سَيئاتِي مع غِنَاكَ عنها وأنتَ رَبٌّ ، فيا مَنْ أعْطَانِي خَيْرَ ما في خَزَائِهِ ، وهو الإيمانُ به قبلَ السُّؤالِ لا تَمنَعْنا أَوسَعَ ما في خَزَائِك وهو العَفْوُ مع السُّؤالِ، إِلَهِي حُجَّتِي حَاجَتِي ، وعُدَّتِي فَاقَتِي فَارْحَمْنِي إلهي كيف أمْتَنِعُ بالذَّنبِ من الدُّعاءِ ولا أراكَ تَمنَعُ مع الذَّنبِ من العَطَاء ، فإنْ غَفَرَتَ فخيرُ راحمٍ أنتَ وإِنْ عَذَّبتَ فغيرُ ظالمٍ أنتَ إلهي أسألكَ تَذَلُّلاً فأعْطِي تَفَضُّلاً (١) . قال الضِّياءُ: لَمْ أَرَ أحَداً أَحسَنَ صلاةً من الإمامِ العِمادِ المَقدِسيّ ، ولا أتَمَّ بخُشُوع وخُضُوعٍ ، قِيلَ: كان يُسَبِّحُ عَشْراً يَتَأنَىّ فيها ، وكان يَصُومُ يوماً ويُفْطِرُ يوماً وكان يَمِضِي يومَ الأربعاء إلى مَقَابِرٍ بابِ الصَّغيرِ عندَ الشُّهَدَاءِ ، فيدعُو ويَجتَهدُ ساعةً طويلة(٢) . ومن دُعائِهِ المَشهُور: اللَّهُمَّ اغْفِر لأقسَانا قلباً وأكبَرِنا ذَنْباً وأثْقَلِنَا ظَهْراً وأعظَمِنَا جُرما(٣). وكان يَدعُو : يا دَلِيلَ الحَيَارَىْ دُلَّنَا على طريقِ الصَّادِقِينَ، واجعَلنا من عِبادِكَ الصّالحین (٤) . (ط ) ضابطٌ في الدُّعاء عند القُبور والأماكن والأوقات الفاضِلَة : جاء في ترجمة السيدة نفيسة ابنة أمير المؤمنين الحَسَنِ بنِ زَيْد ابنِ الحَسَنِ بنِ عليّ بنِ أبي طالب، قال الذهبيُّ: قِيلَ: كانت من الصَّالحات والعَوَابِد، والدُّعاء (١) انظر السير: (شَيْذَلَه) ١٧٤/١٩ - ١٧٥، وانظر النزهة: / هامش (٢). (٢) انظر السير: ( العماد المقدسيّ) ٤٧/٢٢-٥٢، وانظر النزهة : ١/١٦٦٥. (٣) انظر السير: ( العماد المقدسيّ) ٤٧/٢٢-٥٢، وانظر النزهة: ٢/١٦٦٥. (٤) انظر السير: (العماد المقدسيّ) ٤٧/٢٢-٥٢، وانظر النزهة: ٣/١٦٦٥. ١٠٤ مُستَجَابٌ عِندَ قَبْرِها، بل وعند قُبُورِ الأنبياءِ والصَّالحين وفي المَساجِد ، وعَرَفَة ومُزْدَلِفَة ، وفي السَّفَرِ المُبَاحِ، وفي الصَّلاة، وفي السَّحَر ، ومن الأَبَوَين ، ومن الغائب لأخِيه ، ومن المُضطرِّ، وعند قُبُورِ المُعَذَّبين، وفي كلِّ وقتٍ وحين ، لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١)، ولا يُنهَى الدَّاعِي عن الدُّعاءِ في وقتٍ إلاَّ وقتَ قَضَاءِ الحاجَة ، وفي الجِمَاع ، وشِبه ذلك ويتأكَّدُ الدُّعاءُ في جَوفِ الليلِ ، ودُبُرِ المَكتُوبات ، وبعدَ الأذان(٢). وقال صاحب التُّزْهَة: لم يَثبُت عنه صلى الله عليه وسلم شيءٌ في كَوْنِ الدُّعاء مُسْتَجاباً عند قُبُورِ الأنبياء والصَّالحين ، والسَّلفُ الصَّالح لا يُعرَف عنهم أنَّهم كانوا يَقصِدون قُبُورَ الأنبياء والصَّالحين للدُّعاء عندهم، ويَرَى ابنُ الجَزَريّ في (( الحِصْنِ الحَصِين)) أنَّ اسْتِجابةَ الدُّعاء عند قُبُور الأنبياء والصَّالحين ثَبِّتَتَ بالتَّجرِبة، وأفَرَّهُ عليه الشَّوكاني في ((تُحِفَةِ الذَّاكرين)) (ص ٤٧ ) لكن قَّدَه بشَرْطِ ألاَّ تَنشَأَ عن ذلك مَفسَدَة ، وهي أنْ يُعتَقَدَ في ذلك المَيِّت ما لا يجوزُ اعتقادُه كما يَقَعُ لكثيرٍ من المُعتَقِدِين في القُبُور، فإنَّهم قد يَبلُغُون الغُلُوَّ بأهلها إلى ما هو شِرٌ بالله عَزَّ وجَلّ فيُنادُونَهم مع الله ، ويَطلُبُون منهم ما لا يُطلَبُ إلاَّ من الله عَزَّ وجَلّ ، وهذا مَعلُومٌ من أحوالِ كثيرٍ من العاكِفِينَ على القُبُورِ خُصُوصاً العامَّة الذين لا يَفطنُون لدَقائِقِ الشِّرْكَ(٣). (١) سورة غافر ، الآية : ٦٠ (٢) انظر السير: (نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب) ١٠٦/١٠ -١٠٧، وانظر النزهة : ٣/٨٥٦ . (٣) انظر السير: (نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب) ١٠٦/١٠ -١٠٧، وانظر النزهة : ٨٥٦/ هامش (٣). ١٠٥ ثالثاً : حُبُّ الله وُبُّ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ١ - مِنْ وسَائِلٍ نَيْلِ مَحَيَّةِ الله : سُئل أبو محمّد عبد الله محمّد المُرْتَعِش، بماذا يَنَالُ العبدُ المَحَبَّةَ ؟ قال : بموالاةِ اللهِ ومُعاداةِ أعداء الله(١). ٢- مَحَبَّةُ الله فَرْضٌ : قال أبو الفتح عبدُ الرَّحيمِ خادمُ ابن خَفيف: سَمعتُ الشَّيخَ - يَعنِي ابنَ خَفيفٍ - يقول : سألنا يوماً أبو العبَّاس بنُ سُرَيْج بشِيراز ونحنُ نَحضُرُ مَجلِسَه للفقه فقال : أَمَحَبَّةُ الله فرضٌ أو لا؟ فقُلنا : فَرض قال : ما الدَّليلُ؟ فما فينا مَنْ أجَابَ بشيءٍ ، فسألْنَاه فقال: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُّكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قولِهِ تعالَى: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللّهِ وَ رَسُولِهِ﴾ الآية (٢) قال: فَتَوعَّدَهُم الله على تفضيل مَحَبَّتِهم لغيرِه على مَحَبَّتِهِ ، والوعيدُ لا يَقَعُ إلاَّ على فَرْضٍ لازِمِ(٣). ٣- مَنْ أَحَبَّ اللهَ أَطَاعَه : عن عُتبة الغلام قال: مَن عَرَفَ اللهَ أحَبَّه، ومَن أحَبَّه أطاعَه (٤). (أ) مِنْ ثِمَارِ الطَّاعَة: عن الأعمش ، قال لي شقيقُ بنُ سَلَمَة : نِعمَ الرَّبُّ رَبُنا ، لو أطَعْنَاهُ مَا عَصَانا(٥) . انظر السير: ( المُرتعش) ٢٣٠/١٥ -٢٣١، وانظر النزهة : ٤/١٢٢٣. (١) (٢) سورة التوبة ، الآية : ٢٤ . انظر السير : ( ابن خَفيف) ٣٤٢/١٦-٣٤٧، وانظر النزهة: ٢/١٢٩٨. (٣) (٤) انظر السير: ( عُتْبَة الغَلام) ٧/ ٦٢ - ٦٣، وانظر النزهة: ٩/٦٧٦. انظر السير: ( شقيق بن سلمة ) ٤/ ١٦١ - ١٦٦، وانظر النزهة : ٥/٤٦٩. (٥) ١٠٦ (ب) اسْتِغْلالُ مَوَاسِم الطَّاعَة : عن أبي حَرِيز ، أنَّ سعيدَ بنَ جُبَيْر قال: لا تُطفِئُوا سُرُجَكُم ليالي العَشر ، تُعجِبُه العِبادة ويقول: أيقِظُوا خَدَمَكمْ يَتَسَخَّرُون لصومِ يومٍ عَرَفَةٍ (١) . (ج) الطَّاعَةُ تُورِثُ التَّمَتُّعَ بالجَوارِحِ : قال القاضي ابنُ بكران الشَّاميّ : قلتُ للقاضي أبي الطِّيب الطَّبَري شَيخِنا وقد عُمِّر: لقد مُتِّعتَ بِجَوَارِحِكَ أيُّها الشَّيخ! قال : ولِمَ ؟ وما عَصَيتُ اللهَ بواحدةٍ منها قَطُّ أو كما قال(٢) . (د) اغْتِنَامُ القُوَّةِ حَالَ الشَّباب : وقال أبو الأحْوَص : قال لنا أبو إسحاق السَّبيعي: يا معشَرَ الشَّباب اغتَنِموا - يَعني: قُوَّتَكُم وشَبَابَكم - قَلَّمَا مَرَّت بي ليلةٌ إلاَّ وأنا أقرأُ فيها ألفَ آيَةٍ ، وإنِّي لأقرَأُ البَقَرَةَ في رَكَعَةٍ ، وإِنِّي لأَصُومُ الأَشْهُرَ الحُرُمَ ، وثلاثَةَ أيامٍ من كل شَهر والإثنين والخميس(٣). (هـ) صِيانَةُ الجَوَارِحِ عن المَعَاصِي : عن عبدِ الله بنِ عُروَة قال: نَظَرَ أبي إلىْ رِجِلَيْهِ في الطِّست، فقال: إنَّ اللهَ يَعلمُ أنِّي ما مَشَيتُ بكِ إلَى مَعْصِيَةٍ قَطُّ وأنا أعلم (٤) . ٤- حُبُّ الصَّحَابَةِ للرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم : وقال عُروَةُ: جاءَ الزُّبَيْرُ بِسَيفِه، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( مَا لَكَ؟)) قال: أُخْبرتُ أنَّكَ أُخِذتَ، قال صلى الله عليه وسلم: ((فكنتَ صانِعاً ماذا ؟)) قال: كُنتُ أضْرِبُ به مَنْ أَخَذَكَ، فدَعا له ولسَيْفِه(٥) . انظر السير : ( سعيد بن جبير) ٣٢١/٤ - ٣٤٣، وانظر النزهة : ٤/٥٠٦. (١) (٢) انظر السير: ( أبو الطيب الطبري) ٦٦٨/١٧ - ٦٧١، وانظر النزهة: ٣/١٣٧٣. انظر السير: ( أبو إسحاق السَّبيعي) ٣٩٢/٥ -٤٠١، وانظر النزهة: ١/٦١٦. (٣) انظر السير: (عُروة) ٤٢١/٤ -٤٣٧، وانظر النزهة: ٣/٥٢٧. (٤) (٥) انظر السير: (الزبير بن العوام) ٤١/١ -٦٧، وانظر النزهة: ١/١٢٧. ١٠٧ ولمَّا قَدِمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ كان يُبعَثُ إليه كلَّ يومٍ جفنةً من ثَريد اللَّحمِ أو ثَريدٍ بلَبَنٍ أو غَيرِهِ ، فكانت جفنةُ سعدِ بنِ عُبَادَة تدُورُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في بُيُوتِ أزواجِهِ(١). وعن أُسَيدِ بنِ حُضَيْرِ - وكان فيه مِزَاح - أنَّه كان عِندَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَطَعنَه النبيُّ بُعُودٍ كان معه فقال: أَصْبرنِي(٢) قال صلى الله عليه وسلم: ((اصْطَبِر))، قال : إنَّ عَليْكَ قميصاً وليس عليَّ قميصٌ ، قال: فَكَشَفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم قميصَه ، قال : فجَعَلَ يُقَبِّلُ كشحه ويقولُ: إنَّما أرَدْتُ هذا يا رسولَ الله(٣). وعن زَيدِ بنِ أسْلَم عن أبيه قال: قَدِمنا الشَّامَ مع عُمَرَ فأذَّن بلالٌ فذَكرَ النَّاسُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فلَمْ أَرَ يوماً أكثر باكياً مِنْهُ(٤) . وعن أنسٍ قال : قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَقدُمُ عليكم غداً قَومٌ هم أَرَقُّ قُلُوباً للإِسلام منكم )) ، فَقَدِمَ الأَشْعَرُّون، فلمَّا دَنَوا جَعَلوا يرتَجِزُون: غَداً فَلْقَى الأَحِيَّة مُحَمَّداً وحِزْبَهْ فلمَّا أنْ قَدِمُوا تَصَافَحُوا، فكانوا أولَ مَنْ أحْدَثَ المُصافَحَةِ(٥). وعن أبي رُهم: أنَّ أبا أيُوبَ الأنْصَارِيّ حَدَّثَه : أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَزَلَ فِي بَيْتِنا الأسْفَل وكُنتُ في الغُرفَةِ ، فَأُهْرِيقَ ماءٌ في الغُرِفَةِ ، فَقُمتُ أنا وأُمُّ أَيُوبَ بقَطِيفَةٍ لنا نَتَبَّعُ الماءَ ، ونَزَلتُ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ لا يَنْبَغِي أن نَكُونَ فَوْقَكَ، انتَقِلْ إلى الغُرِفَة فَأَمَرَ بِمَتَاعِهِ فَتُقِلَ - ومَتَاعُهُ قليل - قلتُ: يا رسولَ الله، كنتَ تُرسِلُ بالطَّعام ، فأنظُرُ فإذا رأيتُ أثَرَ أصابِعِكَ، وضَعتُ فيه يَدِي(٦) . (١) انظر السير: (سعد بن عبادة) ١/ ٢٧٠ -٢٧٩، وانظر النزهة: ٢/١٦١. (٢) أصبرني : أقدني ، واصطبر : استقدَّ . انظر السير: ( أسيد بن حضير) ١/ ٣٤٠ -٣٤٣، وانظر النزهة : ٣/١٧٤. (٣) (٤) انظر السير: (بلال بن رباح) ١/ ٣٤٧ - ٣٦٠، وانظر النزهة: ٢/١٧٦. انظر السير: ( أبو موسى الأشعري) ٢/ ٣٨٠ -٤٠٢، وانظر النزهة : ٤/٢٧٨. (٥) (٦) انظر السير: (أبو أيوب الأنصاري) ٢/ ٤٠٢ -٤١٣، وانظر النزهة: ١/٢٨٣. ١٠٨ وعن أبي قَتَادَة الأنصاريّ قال: كُنَّا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسْفَارِهِ ، إذا تأخَّرَ عن الراحِلَة، فدَعَمتُه بيدي ، حتى استيقظَ ، فقال صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ احفَظْ أبَا فَتَادَة كما حَفِظَني مُنذُ الليلةَ ما أرَانا إلاَّ قَدْ شَقَقْنَا عَليكَ))(١). وقال المغيرةُ بنُ شعبة : بَعَثَتْ قريشٌ عامَ الحُدَيْبيَة عُروَةَ بنَ مَسْعُود إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ليُكَلِّمَه فأتاه ، فكَلَّمَه، وجَعَلَ يَمَسُّ لِحِيَتَه، وأنا قائمٌ على رأسِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مُقَنَّعٌ في الحديد، فقال المُغيرةُ لعُروَةَ : كُفَّ يَدَكَ قبل أن لا تصلَ إليكَ، فقال: مَنْ ذا يا مُحمَّد؟ ما أفَظَّه وأغْلَظَه قال : ابنُ أخِيكَ ، فقال: يا غُدَرُ ، والله ما غَسَلتُ عنِّي سَوْءَتَكَ (٢) إلاَّ بالأمسِ(٣) . قال ضِمَامُ بنُ إسماعيل : حَدَّثِي يَزِيدُ بنُ أبي حَبيب ، وموسى ابنُ وَزْدان ، عن كعب بنِ عُجْرة قال : أتيتُ النَبيَّ صلى الله عليه وسلم يوماً، فرأيتُه مُتَغَيِّراً، قلتُ : بأبي وأمي ، ما لي أراكَ مُتَغَيِّراً؟ قال صلى الله عليه وسلم: (( ما دَخَلَ جَوْفِي شيءٌ منذُ ثلاثٍ)) فذهَبتُ ، فإذا يَهودٌّ يَسْقِي إِلاّ له ، فَسَقَيتُ له على كلِّ دلوٍ بِتَمْرَةٍ ، فجَمَعْتُ تَمْراً ، فأتَيتُه به فقال صلى الله عليه وسلم: ((أتُحِبُّني يا كعْبُ))؟ قلتُ : بأبي أنت - نَعَم قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الفَقْرَ أسْرَعُ إلى مَنْ يُحِبُّني من السَّيلِ إلى مَعَادِنِه ، وإِنَّكَ سَيُصِيبُّكَ بَلاءٌ فأعِدَّ له تِجْفَافاً )) قال: فَفَقَدَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : مرِضَ، فأتاهُ ، فقال له صلى الله عليه وسلم: ((أَبْشِر يا كعْبُ)) فقالت أُمُّه : هَنيئاً لكَ الجَنَّة فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ هَذِهِ المُتَألِيَةُ على الله؟ )) قال: هي أُمِّي قال صلى الله عليه وسلم: (( ما يُدرِيكِ يا أُمَّ كعْب ، لَعَلَّ كَعْباً قال ما لا يَنْفَعُه ، أو مَنَعَ ما لا يُغْنِيه)) (٤) . (١) انظر السير: (أبو قتادة الأنصاري) ٤٤٩/٢-٤٥٦، وانظر النزهة: ٢/٢٩٠. (٢) أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلاً من بني مالك من ثقيف ، فتهايج الحيّان من ثقيف ، بنو مالك رهط المقتولين ، والأحلاف رهط المغيرة ، فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية ، وأصلح ذلك الأمر . (٣) انظر السير: (المغيرة بن شعبة) ٢١/٣ -٣٢، وانظر النزهة: ٤/٣٢٣. (٤) انظر السير: (كعب بن عجرة) ٣/ ٥٢-٥٤، وانظر النزهة: ٧/٣٣١ . ١٠٩ ٥- حُبُّ مَنْ بَعْدِهِم له صلى الله عليه وسلم : عن عبدِ الرحْمَانِ بنِ رَزين قال: أَتَيْنَا سَلَمَةَ بنَ الأكْوَعِ بالرَّبَذَة ، فأخْرَجَ إلينا يَداً ضَخْمَةً كأنَّها خُفُّ البَعِير ، فقال : بايَعتُ بِيَدِي هذه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وقال : فَأَخَذْنا يَدَه فَقَبَّلْناها(١) . قال محمدُ : وقلتُ لعَبِيدَة بن عمرو : إنَّ عِندَنا من شَعرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من قِبَلِ أنسٍ بنِ مالك، فقال: لأَنْ يَكونَ عِندي مِنْهُ شَعرَةٌ أَحَبُّ إليَّ من كُلِّ صَفْراءِ وبِيْضَاءٍ على ظَهرِ الأرض . قال الذهبيُّ: هذا القَولُ من عُبَيْدَة هو مِعْيارُ كَمَالِ الحُبّ، وهو يُؤْثِرُ شَعرَةً نَبَويَّةً على كُلِّ ذهبٍ وفِضَّةٍ بِأَيْدِي النَّاس . ومِثلُ هذا يقُولُه الإمامُ بعدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بخَمسينَ سنةٍ ، فما الذي نَقُولُه نحنُ في وقتِنا لو وَجَدْنا بعضَ شَعرِه بإسْنادٍ ثابت ، أو شِسْعَ نعلٍ كان له ، أو قُلامَةَ ظُفرٍ أو شَقْفَةً من إناءٍ شَرِبَ فيه صلى الله عليه وسلم فَلَو بَذَلَ الغَنِيُّ مُعظَمَ مالِه في تحصيلِ شيءٍ من ذلك عِندَه أكُنتَ تَعُدُّه مُبَدِّراً أو سَفِيهاً؟ كلاَّ فابذُل مالَكَ فِي زَورَةِ مسجِدِه الذي بني فيه بيدِه والسَّلامِ عليه عندَ حُجرَتِه في بَلَدِهِ ، والتَّذَّ بالنَظَرِ إلى أُحُدِهِ وأحِبَّه ، فقد كان نبيُكَ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّه وتَمَلَّ بالحُلُولِ في رَوضَتِهِ ومقعَدِه ، فَلَنْ تكونَ مُؤمِناً حتّى يكونَ هذا السيِّدُ أحَبَّ إليكَ من نفسِك وولَدِك وأموالِك والنَّاسِ كلِّهم وقَبَّلْ حَجَراً مُكَرَّماً نَزَلَ من الجَنَّةُ، وضَعْ فَمَكَ لائِماً مكاناً قَبَّلَه سَيِّدُ البَشَر بَيَقِين ، فهنََّكَ الله بما أعطاك، فما فوقَ ذلك مَفْخَر ولو ظَفِرنا بالمِحجَن الذي أشَارَ به الرسولُ صلى الله عليه وسلم إلى الحَجَرِ ثمَّ قَبَّلَ مِحْجَنَه، لحُقَّ لنا أنْ نَزَدَحِمَ على ذلك المِحْجَن بالتَّقْبِيل والتَّْجِيل، ونحن نَدْرِي بالضَّرُورة أنَّ تَقِيلَ الحَجَرِ أرْفَعُ وأفْضَلُ من تَقْبِيل مِحْجَنِه ونَعْلِه صلی الله عليه وسلم . (١) انظر السير: (سلمة بن الأكوع) ٣٢٦/٣ -٣٣١، وانظر النزهة: ٤/٣٨٨. ١١٠ وقد كان ثابتُ البُنَانِيُّ إذا رَأْىُ أنَسَ بنَ مالك أخَذَ يَدَه فَقَبَّلَها ويقولُ يدٌ مَسَّتْ يَدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فنقولُ نَحنُ إذْ فاتَنا ذلك: حَجَرٌ مُعَظّمٌ بمَنِزِلَةِ يَمِينِ اللهِ في الأرضِ مَسَّته شَفَتَا نَبيِّنا صلى الله عليه وسلم لائِماً له، فإذا فاتَكَ الحَجُّ وتَلَقَّيْتَ الوَقْدَ فالْتَزِمِ الحَاجَّ وقَبَّل فَمَه، وقُلْ: فمٌ مَسَّ بالتَّقبِيل حَجَراً قَبَّلَه خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم(١) . وعن عَبدَة بنتِ خالدِ بنِ معدان قالت : قَلَّما كان خالدٌ يَأوِي إلى فِرَاشِه إلاَّ وهو يَذْكُرُ شَوْقَهُ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وإلى أصحَابِهِ من المُهاجِرِينَ والأنْصَارِ ، ثُمَّ يُسَمِّيهِم ويقولُ: هُمْ أَصْلِي وفَصْلِي ، وإليهِم يَحِنُّ قَلِي ، طالَ شَوقِي إليهم فعَجِّل ربِّ قَبَضِي إليك ، حتّى يَغْلِبَه النَّومُ وهو في بعضٍ ذلك(٢). وعن بكّار بنِ محمدٍ قال : كان ابنُ عَون قد أوصى إلى أبي وصحبته دهراً ، فما سَمعتُه حالِفاً على يَمِينٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ ، كان طَيِّبَ الرِّيحِ ، لَيِّنَ الكُسوة ، وكان يَتَمِنَّى أَنْ يَرَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في النَّومِ فَلَمْ يَرَهُ إلاَّ قَبْلَ مَوتِه بيَسِير ، فسُرَّ بذلك سُروراً شديداً قال : فنَزَلَ من درجتِه إلى المسجِدِ فسَقَطَ فَأُصِيبَتْ رِجِلُه، فَلَمْ يَزَلْ يُعالجُها حتّى ماتَ رحمه الله(٣) . ونَقَلَ الشَّيخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَويّ : أنَّ أبا جَعْفَرَ التِّرمِذِيّ جَزَمَ بطَهَارَةٍ شَعرٍ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وقد خَالَفَ في هذه المسألةِ جُمهُورَ الأصْحاب . قال الإمامُ الذَّهَبِيُّ : يَتَعَيَّنُ على كلِّ مُسلمٍ القَطعُ بِطَهَارَةِ ذلك، وقد ثَبَتَ أنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا حَلَقَ رَأْسَه ، فَرَّقَ شَعرَه المُطَهَّر على أصحَابَه ، إكْرَاماً لهم بذلك ، فَوَالَهَفِي على تَقْبِيلِ شَعْرَةٍ منها (٤). (١) انظر السير: (عَبيدة بن عمرو) ٤٠/٤ -٤٤، وانظر النزهة: ٤/٤٣٩. (٢) انظر السير: (خالد بن معدان) ٥٣٦/٤-٥٤١، وانظر النزهة: ٦/٥٥١. (٣) انظر السير: (عبد الله بن عون) ٦/ ٣٦٤ _ ٣٧٥، وانظر النزهة: ٤/٦٥٧. (٤) انظر السير: (أبو جعفر الترمذيّ) ٥٤٥/١٣ -٥٤٧، وانظر النزهة: ٣/١١١٥. ١١١ ٦ - حُبُّ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم صَحَابَتَه : عن عائشة أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَبَّلَ عُثمانَ بنَ مَظْعون وهو ميّت ، ودُموعُه تَسيلُ على خدٍّ عُثمان بن مَظْعون(١) . وعن ابن عُمَرَ قال : سمعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نساءَ الأنصار يبكين على هَلكاهنَّ فقال صلى الله عليه وسلم: (( لكنَّ حَمْزَةً لا بواكي له ))، فجِئنَ فبگین على حَمْزَة عنده إلى أن قال صلى الله عليه وسلم: (( مُروهنَّ لا يَبكين على هالكِ بعدَ اليوم))(٢) . وعن أسماء بنت عُمَيس قالت : دخل عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فدَعا بني جَعْفَر ، فرأيتُه شمَّهم وذَرفَت عَيناه ، فقلتُ : يا رسولَ الله! أبَلغَكَ عن جَعْفَر شيءٌ؟ قال: ((نعم، قُتِلَ اليومَ))، فقُمنا نبكي، ورجَعَ ، فقال صلى الله عليه وسلم: ((اصْنَعوا لاَلِ جَعْفَرٍ طَعاماً ، فقد شُغِلُوا عن أنفُسِهِم ». وعن عائشة، رَضيَ اللهُ عنها، قالت: لمَّا جاءت وفاةُ جَعْفَر ، عَرفْنا في وجْه النبيّ صلى الله عليه وسلم الحُزْن(٣). عن أسلم ، عن أبيه قال : ما كنَّا نَدعو زَيدَ بنَ حارثة إلاَّ زَيْدَ بن محمّد ، فنزلت : ◌ْ أَدْعُوهُمْ لِّبَآِبِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾(٤). وعن أبي عمرو الشَّيْباني قال : أخبرني جبلةُ بنُ حارثة قال : قَدمتُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقُلتُ : يا رسولَ الله! ابعَثْ معي أخي زَيداً قال صلى الله عليه وسلم: ((هُوَ ذا فإن انْطَلَقَ، لَمْ أَمْنَعْهُ)) ، فقال زيدٌ: لا والله! لا أخْتارُ عليكَ أحداً أبداً قال : فرأيتُ رأيَ أخي أفضلَ من رأيي(٥) . (١) انظر السير: (عُثمان بن مَظْعون) ١٥٣/١ -١٦٠، وانظر النزهة: ٣/١٤٢. (٢) انظر السير: ( حَمِزَة بن عبد المطلب) ١/ ١٧١ -١٨٤، وانظر النزهة: ٧/١٤٣. (٣) انظر السير: ( جَعْفَر بن أبي طالب) ٢٠٦/١ -٢١٧، وانظر النزهة: ١/١٥٠. (٤) سورة الأحزاب ، الاية : ٥ . (٥) انظر السير: (زيد بن حارثة) ١ / ٢٢٠ -٢٣٠، وانظر النزهة: ١/١٥٢. ١١٢ عن محمد بنِ أسامة ، عن أبيه قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لزَيدِ ابنِ حارِثَة : (( يا زَيدُ أنتَ مَوْلايَ، ومِنِّي وإليَّ، وأحَبُّ القومَ إليَّ )). وعن عبدِ الله بنِ دِينار ، سَمِعَ ابنَ عُمَرَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، أمَّرَ أسامةَ على قومٍ فَطَعَنَ النَّاسُ في إمارَتِه فقال صلى الله عليه وسلم: ((إِنْ تَطَعَنُوا في إمارَتِه، فقد طَّعَنتُم في إمارَةِ أبيهِ ، وايمُ الله إنْ كان لخَلِيقاً للإمارة ، وإن كان لِمِنْ أحَبِّ النَّاسِ إليَّ ، وإنَّ ابنَه هـذا لأحَبُّ النَّاسِ إِلَّ بَعْدَه )). وقال ابنُ عُمَرَ : فَرَضَ عُمرُ لأسامةَ بنِ زَيدٍ أكثَرَ مِمَّا فَرَضَ لي، فَكَلَّمتُه في ذلك فقال : إنَّه كان أحَبَّ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنكَ، وإنَّ أباهُ كان أحَبَّ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ أبيك(١). عن معاذ قال: لَقَيَتي النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: (( يا مُعاذُ! إنِّي لأُحِبُّكَ في الله )) قلتُ: وأنا والله يا رسولَ الله أُحبُّكَ في الله قال صلى الله عليه وسلم: ((أفَلا أُعَلِّمُكَ كلماتٍ تقُولُهنَّ دُبُرَ كلِّ صَلاة: رَبِّ أَعِنِّي علىُ ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسْنٍ عِبادَتِك))(٢). قال عمرُو بنُ العاص في مرضِه ، وقد جَزِعَ ، فِقِيلَ له : قد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُدنيك ويَستَعمِلُك، قال: والله ما أدْرِي ما كان ذاكَ مِنْهُ ، أحُبٌّ أو كان يَتَلَّفُنِي، ولكنْ أشْهَدُ على رَجُلَين أنه ماتَ وهو يُحِبُّهُما: ابنِ أمِّ عبدٍ وابنٍ سُمَيَّة (٣). عن عائشةَ قالت : أرادَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يَمسحَ مُخاطَ أسامة بن زيد ، فقُلتُ : دَعني حتى أكونَ أنا التي أفعلُ، فقال صلى الله عليه وسلم: (( يا عائشةُ، أَحِبِّه ، فإِنِّي أُحِبُّه ». ٠ قال الذهبيُّ : كان سِنُّه في سِنِّها (٤). انظر السير: (زَيد بن حارثة) ٢٢٠/١-٢٣٠، وانظر النزهة: ٣/١٥٢. (١) (٢) انظر السير: (معاذ بن جبل) ٤٤٣/١-٤٦١، وانظر النزهة: ٤/١٩١. (٣) انظر السير: (عبد الله بن مسعود) ١/ ٤٦١ - ٥٠٠، وانظر النزهة: ٣/١٩٥. انظر السير: ( أسامة بن زيد) ٤٩٦/٢-٥٠٧، وانظر النزهة: ١/٢٩٧. (٤) ١١٣ ٧- من مُقْتَضَیاتٍ ◌ُبِّه صلى الله عليه وسلم : (أ) اتِبَاعُ سُنَتِهِ : عن منصور الكلبيّ : أنَّ دِخْيَةَ الكلبيّ خَرَجَ من المِزَّة إلى قَدْر قرية - عقبة من الفسطاط ، وذلك ثلاثة أميال في رمضان ، ثم أَفْطَرَ ، وأَفْطَرَ معه أُناسٌ ، وكَرِهَ الفِطرَ آخرون ، فلمَّا رَجَعَ إلى قريته ، قال: والله لقد رأيتُ اليومَ أمراً ما كنتُ أظُنُّ أنّي أراه: إِنَّ قَوماً رَغِبُوا عن هَذْيّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ - يقولُ ذلك للذين صاموا - ثم قال عند ذلك : اللَّهُمَّ اقْبِضِي إليك(١) . قال الإمامُ الذهبيُّ: وفي مُسْند الشَّافعيّ سَماعنا أخْبَرَنِي أبو حنيفةَ بنُ سَمَّاك ، حَدَّثَنِي ابنُ أبي ذِئب عن المَقْبري عن أبي شُرَيْح أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ قُتِلَ له قَتِيلٌ فهو بخَيرِ النَّظَرَيْن: إنْ أَحَبَّ أخَذَ العَقلَ، وإنْ أحَبَّ فَلَهُ القَوَد )»(٢) . وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهْدِيّ : سَمعتُ سُفيانَ - يَعِنِي الثَّورِيّ - يقولُ : ما بَلَغَنِي عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَديثٌ قَطُّ إلاَّ عَمِلتُ به ولَو مَرَّة (٣) . وقال عبدُ الرَّحمنَ بنُ مَهْدِيّ : حَدَّثَنَا عبدُ الواحِد بنُ زِيادٍ ، قال : لَقِيتُ زُفَرَ بن الهُذَيلِ رَحِمَه الله ، فقُلتُ له : صِرتُم حَدِيثاً فِي النَّاسِ وضُحْكَة قال : وما ذاكَ : قلتُ: تَقُولونَ: ((ادْرَؤوا الحُدودَ بالشُّبُهاتِ))، ثُمَّ ◌ِئْتُم إلى أَعْظَمِ الحُدودِ فقُلْتُم : تُقَامُ بالشُّبُهات قال : وما هو ؟ قلتُ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ )) فقُلْتُم : يُقتَلُ به - يَعِنِي بالذِّمَيّ - قال: فإنِّي أُشْهِدُكَ السَّاعَةَ أَنِّي قَدَ رَجَعتُ عنه . قال الذهبيُّ : هكذا يكونُ العَالِمُ وَقَّافاً مع النَّص (٤). (١) انظر السير: (دحية الكلبيّ) ٢/ ٥٥٠-٥٥٦، وانظر النزهة: ٤/٣٠٤ انظر السير: ( ابن أبي ذئب) ١٣٩/٧ - ١٤٩، وانظر النزهة: ١/٦٨٦. (٢) (٣) انظر السير: (سُفيان الثوريّ) ٢٢٩/٧ -٢٧٩، وانظر النزهة: ٥/٦٩٦ انظر السير: (زُفَر بن الهُذَيل) ٣٨/٨ -٤١، وانظر النزهة : ١/٧٢٥. (٤) ١١٤ وقال يَحْيَىُ بنُ يَحْيَى التَّمِيميّ: سَمعتُ أبا يُوسُفَ - يَعني القاضِي - عندَ وَفَاتِه يقول : كُلُّ ما أَفْتَيْتُ به فقد رَجَعتُ عَنه إلاَّ ما وافَقَ الكتابَ والسُّنة ، وفي لفظٍ إلاَّ ما في القُرآن واجتمعَ عليهِ المُسلِمون(١). وقال المروذيُّ : قال لي أحمدُ بنُ حَنْبَل : ما كَتَبتُ حَديثاً إلاَّ وقد عمِلتُ به حتى مَرَّ بي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، احْتَجَمَ وأعْطَى أبا طَيْبَةَ ديناراً، فَأعْطَيتُ الحَجَّام ديناراً حِينَ احْتَجَمتُ (٢) . وقال سعيدُ بنُ عبد العزيز : سَمعتُ أحمدَ بنَ أبي الحَوَارِيّ يقولُ : مَنْ عَمِلَ بلا اتُبَاعِ سُنَّةٍ فَعَمَلُهُ باطِلٌ(٣). رُؤْيَا تَدُلُّ علىْ قُوَّةِ الاتِّبَاع للنَبِيِّ صلى الله عليه وسلم : قال محمدُ البُخَارِيُّ : سَمعتُ النَّجْمَ بنَ الفُضَيل يقولُ : رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كأنَّه يَمشِي، ومحمدُ بنُ إسْمَاعِيلَ يَمْشِي خَلْفَه فَكُلَّمَا رَفَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم قَدَمَه وَضَعَ محمدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ قَدَمَه في المكانِ الذي رَفَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم قَدَمَه(٤) . كان ابنُ عُمَرَ شَديدَ التَّاسِّي برسُولِ الله صلى الله عليه وسلم : عن نافع قال : لَوْ نَظَرْتَ إلى ابنِ عُمَرَ إذا اتَّبَعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَقُلتَ : هَذَا مَجْنون(٥). وعن نافعٍ : أنَّ ابنَ عُمَرَ كان يَتَّبِعُ آثارَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كلَّ مكانٍ صَلَّى فيه ، حَتّى إِنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَزَلَ تحتَ شَجَرةٍ ، فكان ابنُ عُمَرَ يَتعاهَدُ (١) انظر السير: (القاضي أبو يوسف) ٥٣٥/٨-٥٣٩، وانظر النزهة: ٥/٧٨٨. (٢) انظر السير: (أحمد بن حنبل ) ١٧٧/١١ - ٣٥٨، وانظر النزهة: ٣/٩٢٩. (٣) انظر السير: (أحمد بن أبي الحواريّ) ٨٥/١٢- ٩٤، وانظر النزهة: ٤/٩٨٥. انظر السير : ( أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢-٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٠١٢. (٤) (٥) انظر السير: (عبد الله بن عُمر) ٢٠٣/٣ -٢٣٩، وانظر النزهة: ٢/٣٦٦. ١١٥ تلك الشَّجرةَ ، فَيَصُبُّ في أصْلِها الماءَ لكَيْلا تَيْيَس(١). وعن ابنِ عُمرَ قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( لَوْ تَرَكِنَا هذا البَابَ للنِّساءِ )) قال نافعٌ: فَلَمْ يَدخُلْ منهُ ابنُ عُمَرَ حتّى ماتَ. قال الشُّعبيُّ : جَالسْتُ ابنَ عُمرَ سنةً، فما سَمعتُه يُحدِّث عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلاَّ حَدِيثاً واحداً (٢) . (ب) حُبُّ آلٍ بَيْتِهِ الصَّالِحِين : لمَّا تُؤُفَِّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تَعَلَّقَتْ آمالُ فَاطِمَةَ الزَّهْراءِ بمِیرائِه ، وجاءَتْ تَطْلُبُ ذلكَ من أبي بكرِ الصِّدِّيق رضي الله عنه، فَحَدَّثَها أنَّ سَمِعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((لَا نُورَثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ)) فَوَجَدْتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَعَلَّلَتْ(٣)، (٤). وعن الشَّعبيِّ قال: لمَّا مَرِضَتْ فاطمةُ الزَّهْرَاءُ، أَتَى أبو بكر رضي الله عنه فاسْتَأْذَنَ ، فقالَ عليٌّ : يا فاطمةُ ، هذا أبو بكر يَسْتَأْذِنُ عليكِ، فقالت: أتُحِبُّ أنْ آَذَنَ له قال : نَعَمْ قال الذهبيُّ : عَمِلَتْ السُّنَةَ رضي الله عنها، فَلَمْ تَأَذَنْ في بيتِ زَوْجِهَا إلَّ بِأَمْرِهِ . قال : فأذِنَتْ له ، فدَخَلَ عليها يَتَرَضَّاها، وقال: والله ما تَرَكْتُ الدَّارَ والمالَ والأهلَ والعَشِيرَةَ إلَّ ابِغَاءَ مَرْضاةِ اللهِ ورَسُولِه ومَرْضاتِكُمْ أَهْلَ البَيْتِ . قال : ثُمَّ تَرَضَّاها حتّى رَضِيَتْ(٥) . (١) انظر السير: (عبد الله بن عُمر) ٢٠٣/٣ -٢٣٩، وانظر النزهة: ٣/٣٦٦. (٢) انظر السير: ( عبد الله بن عُمر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة : ٤/٣٦٦. (٣) تَعَلَّلَتْ : أَيْ تَلَهَّتْ عَنْهِ وَتَشَاغَلَتْ. (٤) انظر السير: (فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم) ٣/ ٢٨٠ - ٣٢١، وانظر النزهة: ٢/٢٢٩. (٥) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢٧/٨) وإسناده صحيح، لكنه مرسل ، وذكره الحافظ في الفتح (١٣٩/٦) ونسبه إلى البيهقي، وقال: وهو وإن كان مرسلاً فإسناده إلى الشعبي صحيح. ١١٦ تُوفِّيَتْ رضيَ اللهُ عنها بعدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بخَمْسَةِ شُهور أو نحوها ، وعاشَتْ أربَعَاً أو خَمْسَاً وعشرينَ سنةً(١) . وعنِ الحُسَينِ قال : صَعَدتُ المِنْبَرَ إلى عُمرَ ، فقُلتُ : انْزِلْ عن مِنْبَرِ أبِي واذْهَبْ إلىْ مِنْبَرِ أبيكَ فقال رضي الله عنه: إنَّ أبي لَمْ يَكُنْ له مِنْبَر! فَأَفْعَدَنِي مَعَه ، فلَمَّا نَزَلَ قال : أَيْ بُنَّ! مَنْ عَلَّمَكَ هذا؟ قُلتُ: ما عَلَّمَنِيهِ أحَدٌ قال: أيْ بَيَّ! وهَلْ أَنْبَتَ علىُ رُؤُوسِنا الشَّعْرَ إلاَّ الله ثُمَّ أنْتُم، وَوَضَعَ يَدَه علىْ رَأْسِه، وقال: أيْ بَيَّ! لَوْ جَعَلْتَ تأتِينا وتَغْشَانا(٢). وعن عبدِ الرَّحمنِ الهَمْدانيّ قال: دَخَلَ أبو الطُّفَيل على مُعاويةَ فقال: ما أبقَى لكَ الدَّهرُ من تُكلِكَ عَلِيَّاً؟ قال: ثُكل العَجُوز المِقْلاتِ والشَّيخ الرَّقُوب قال: فَكَيْفَ حُبُّكَ له ؟ قال : حُبُّ أُمِّ مُوسَى لموسى، وإلى الله أشْكُو التَّقْصِيرَ . وكان أبو الطُّفَيَل ثِقَةً فيما يَنْقُلُه ، صادِقاً ، عالِماً ، شاعِراً، فارساً، عُمِّر دَهْراً طَوِيلاً وشَهِدَ مع عليٍّ حُرُوبِهِ (٣) . (ج ) شِعرٌ في حُبِّ آلِ البَيْتِ : عن الرَّبِيعِ بنِ سُلَيْمانَ قال: حَجَجْنا مع الشَّافِعِيِّ، فما ارْتَقَى شَرَفاً ولا هَبَطَ وادِياً إلاَّ وهو يَبْكِيَ ويُنْشِدُ: (٤) . واهتفِ بقاعدِ خِيْفَنا والنَّاهِضِ يا راكِباً قِفْ بالمحصَّبِ مِنْ مِنَى فَيْضاً كمُلْتَطِمِ الفُراتِ الفائِضِ سَحَرَّاً إذا فاضَ الحَجِيجُ إلى مِنَى فليَشْهَدِ الثَقَلانِ أنَّي رافِضِي إِنْ كانَ رِفْضَاً حُبُّ آلِ مُحمَّدٍ (١) انظر السير: (فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم) ٣/ ٢٨٠ - ٣٢١، وانظر النزهة: ٠٣/٢٢٩ انظر السير : ( الحُسين الشهيد) ٢٨٠/٣-٣٢١، وانظر النزهة : ٤/٣٨٢. (٢) انظر السير: ( أبو الطُّفيل) ٤٦٧/٣- ٤٧٠، وانظر النزهة: ٣/٤١٠. (٣) (٤) انظر السير: (الإمام الشافعيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٨/٨٥٠. ١١٧ رابعاً : الأُخُوَّة ١ - فائدة الأخُوَّة : عن عبَّاس بنِ يَزيد قال: قال وهبُ بنُ مُنَبُّه: اسْتكثِرْ من الإخْوانِ ما اسْتطَعْتَ ، فإن اسْتغنَيْتَ عنهم لَمْ يَضُرُّوكَ، وإن احْتَجْتَ إليهِم نَفَعُوك(١). ٢ - ضَياعُ من كان بلا إخْوة: عن الإمام الشافعيّ : ضَيَاعُ العالِمِ أن يكونَ بلا إخْوان، وضَيَاعُ الجاهِلِ قلةُ عَقْلِه ، وأضْيَعُ منهما مَنْ واخَى مَنْ لا عَقْلَ له(٢) . قال الصُّعْلوكيّ : إذا كان رِضَا الخَلق مَعسُوراً لا يُدْرَك، كان رِضَا الله مَيْسُوراً لا يُترك إنَّا نَحْتَاجُ إلى إخْوانِ العُشْرة لوقتِ العُسْرةِ(٣). ٣- الأخُوَّة في الله عِوَضٌ عن أخُوَّة النَّسَب : قال القاسمُ بنُ محَمَّدٍ : قد جَعَلَ الله في الصَدِيقِ البَار المُقْبِلِ عِوَضاً من ذِي الرَّحمِ العاقِّ المُدْبِرِ (٤). ٤- قد يكونُ الأَخُ في النَّسَبِ مُؤذِياً : قال أبو إسْحاقَ الحَضْرَميّ : كان ابنُ المُعذَّل من الفِقْهِ والسَّكِينةِ والأدَبِ والحَلاوَةِ في غاية ، وكان أخُوهُ عبدُ الصَّمَد الشَّاعِرُ يُؤذِيه، فكان أحمدُ يقولُ له : أنتَ كالأُضْبع (١) انظر السير: (وهب بن منبه) ٤/ ٥٤٤ - ٥٥٧، وانظر النزهة : ٥٥٤/ ٧. (٢) انظر السير: ( الإمام الشافعيّ) ١٠/ ٥-٩٩، وانظر النزهة: ٤/٨٤٩. انظر السير: ( الصعلوكي) ١٧ /٢٠٧ - ٢٠٩، وانظر النزهة : ٤/١٣٣٧. (٣) (٤) انظر السير: (القاسم بن محمد) ٥٣/٥- ٦٠، وانظر النزهة : ٧/٥٧٩. ١١٨ الزَّائِدَة، إنْ تُركَتْ، شانَتْ، وإنْ قُطِعَتْ الَمَتْ وقد كان أهلُ البَصْرَةِ يُسَمُّونَ أحمدَ الرَّاهِب لِتَعَبُّدِهِ ودِينِهِ(١) . ٥ - قاعدةٌ في حُقوق الأُخوة : قال حُمَيْدُ الطَّويل : كان الحَسَنُ البَصْرِيّ يقول : اصْحَب النَّاسَ بما شِئْتَ أن تَصْحَبَهم ، فإنَّهم سَيَصْحَبُونكَ بمثله(٢) . ٦- ضوابطٌ لاستمرار الأخُوَّة : يُرْوَى عن رَجَاءِ بنِ حَيْوَة قال: مَنْ لَمْ يُؤْاخ إلَّ مَنْ لا عَيْبَ فيه قَلَّ صديقُه، ومَنْ لَمْ يَرْضَ من صديقِه إِلَّ بالإخلاصِ له دامَ سُخْطُهُ، ومَنْ عاتَبَ إخْوانَه على كُلِّ ذنبٍ كَثُرَ عَدُوُه(٣) . ٧ - فقدُ الأُخوة غُربة : عن أبي الحُسَيْن العَتكيّ قال : سَمعتُ إبراهيمَ الحَربيّ يقول لجَمَاعةٍ عنده : مَنْ تَعُدُّون الغَريبَ في زَمانِكم ؟ فقال رجلٌ : الغَريبُ مَنْ نَأَى عن وطنِهِ ، وقال آخرون : الغَرِيبُ مَنْ فارقَ أحباءه فقال إبراهيمُ الحَربِيُّ : الغَريبُ في زمانِنَا رجلٌ صالِحٌ عاشَ بين قومٍ صالحين ، إنْ أمَرَ بمعروفٍ آزَرُوه وإنْ نَهَىُ عن مُنْكِرٍ عانُوه ، وإِنْ احْتَاجَ إِلى سَببٍ من الدنيا مانُوه ، ثم ماتوا وتركوه . قال المَسْعُودِيُّ : كانت وَفَةُ الحَربِيّ المُحَدِّث الفَقِيه في الجانب الغربيّ وله نٌَّ وثمانونَ سَنةً، وكان صَدُوقاً، عالماً ، فَصِيحاً ، جَوَاداً، عفيفاً، زَاهِداً، عابِداً، ناسِكاً ، وكان مع ذلك ضَاحِكَ السِّن ظَرِيفَ الطَّبْعِ ولَمْ يكُنْ معه تَكَبُّرُ ولا تَجَبُّرٌ، ورُبَّما مَزَحَ مع أصدقائِهِ بما يُسْتحْسَنُ منه، ويُسْتَقْبَحُ من غَيْرِهِ ، وكان شيخَ البغداديّين في وقتِه وظَرِيفَهم وزاهِدَهم وناسِكَهم ومُسْنِدَهم في الحديث(٤) . (١) انظر السير: (أحمد بن المعدل) ٥١٩/١١-٥٢١، وانظر النزهة: ٢/٩٦٤. (٢) انظر السير : ( الحسن البصري) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة: ٢/٥٦٢. انظر السير : ( رجاء بن حيوة ) ٥٥٧/٤ - ٥٦١، وانظر النزهة : ٢/٥٥٨. (٣) (٤) انظر السير: (إبراهيم الحربيّ) ٣٥٦/١٣ -٣٧٢، وانظر النزهة: ٦/١٠٩٤. ١١٩ ٨- تَبَشُّمك في وجْه أخيك صَدَقَة : قال عارمٌ: حَدَّثنا حَمَّادٌ قال: ما رأيتُ رجلاً قَطُّ أَشَدَّ تَبَشُمَاً في وُجُوهِ الرِّجالِ من أيُّوبَ السِّخْتيانيّ(١) . ٩ - الزِّيارة بين الإخْوَة : قال السُّلَميُّ : سَمعتُ محَمَّدَ بنَ عليّ الحِيريَّ يقولُ: سَمعتُ أبا عُثْمانَ الحِيريَّ يقولُ: لَو وَجَدتُ من نَفْسِي قُوةٌ لَرَحَلْتُ إلى أخي محَمَّدَ بنِ الفَضْلِ ، فَأَسْتَروحُ برؤيتِه(٢). ١٠ - قلَّةُ الزِّيارَة بين الإِخْوَة لا تَعني وجُودَ جَفاء : قال أحمدُ بنُ محَمَّد بنُ الصَّقْرِ : سَمعتُ أبا الحُسَيْن بنَ قُرَيشٍ يقولُ : حَضَرْتُ إبراهيمَ الحَربيّ - وجَاءَهُ يُوسُفُ القاضي، ومعه ابنُه أبو عُمَر - فقال له : يا أبا إسحاق! لو جئناكَ على مقدارِ واجبٍ حَقِّكَ ، لكانت كُلُّها عِندَكَ فقال ليس كلُّ غَيْبَةٍ جَفْوَةً ، ولا كلُّ لقاءٍ مَوَدَّةً ، وإنَّما هو تَقَارُبُ القُلُوب(٣). ١١ - الصَّبرُ علىْ قَسْوة بعض الإخْوَة: قال محَمَّدٌ بنُ الفَيْضِ : قَدِمَ ابنُ أكْثَمَ دِمَشْقَ مع المأمون ، فبَعَثَ إلى أحمدَ بنِ أبي الحَوَاريّ، فجاءَ إِليه وجالَسَه ، فخَلَعَ يَحْبى عليه طويلةً وملبوساً ، وأعْطاهُ خَمْسَةً آلافِ درهم، وقال: فَرِّقْها يا أبا الحَسَن حيثُ تَرَى، فدَخَلَ بها المَسْجِدَ وصلَّى صَلَوَاتٍ بالخِلِعَة ، فقال قاسمُ الجوعيّ: أَخَذَ دراهمَ اللُّصُوص ، ولَبِسَ ثيابَهم ، ثمَّ أتى الجَامِعَ ومَرَّ به وهو في التَّحِيَّاتِ، فلمَّا حذاه لَطَمَ القَلَنْسُوة ، فَسَلَّمَ أحمَدَ ، وأعْطَى القَلَنْسُوةَ ابنَه إبراهيمَ ، فَذَهَبَ بها، فقال له مَنْ رَآهُ: ما رأيتَ ما فَعَل؟(٤). (١) انظر السير: ( أيوب السختياني) ١٥/٦ -٢٦، وانظر النزهة: ٣/٦٢٦. (٢) انظر السير: (واعظ بلخ ) ١٤/ ٥٢٣ -٥٢٦، وانظر النزهة: ١/١١٧١. (٣) انظر السير: (إبراهيم الحربيّ) ٣٥٦/١٣ -٣٧٢، وانظر النزهة: ٤/١٠٩٤. (٤) انظر السير: (الجُوعيّ) ٧٧/١٢ -٧٩، وانظر النزهة: ٢/٩٨٤. ١٢٠