Indexed OCR Text

Pages 61-80

- ٦٢ -
الهِمّة فى استيفاء القصاص، فكتبت(١) هذه الرسالة المسماة: بالسيف الصارم فى قَطْع
العَضُدِ الظالم، ولِأجازِيَةِ عن حسناتِهِ العشر بأمثالها، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ
ظْلِهِ فَأُولَئِكَ مَ عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾(٢) وقال تعالى: ﴿وَأُلْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾(٣)
وجِراحةُ اللسانِ أعظمُ من جراحةِ السُّنان. قالِ الشَّاعر:
ولا يَنْتَمُ مَاجَرَعَ الَلسانُ(٤).
جراحاتُ السَّنَانِ لها التِثامٌ
وقال آخر(٥):
وبَعْضُ الحِلْ عِنْدَ الجَهْ
نجاة
وفى الثّرُّ
وقال آخر (٦) :
إذعان
للذلة
لأُنْجِيكَ إِحْسانُ
نَ
لاتَطْمَمُوا أَنِ مُهِينُونا ومُكْرِمَكُمْ
وَأَن نَكُفّ الأَذَى عنكم وتُؤْذُونَاً
وأسأل الله تعالى التوفيق، وبيده أزٍمَّة التحقيق.
أقول: أيّها السائلُ رحمك الله، أمّا قولك فى الجواب: إنه كلامٌ تمجُّه الأسماعُ، ومَنَفِرُ
عنه الطَّباع، إلى آخره، فنقول بُوجِبه: أكن بالنسبة إلى مَن كانت حاسّتُه غير سليمة،
أو سَدَّ عن الإصاغة إلى الحقّ سَمْعَه، وأبى أن ينطِقَ بالحقّ لِسانُه، وهذا قريبٌ ممّا
حَكَى اللهُ سبحانه وتعانى، عن الكُفَّار المعاندين: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ عِمَّا تَدْخُونَاَ
إِلَيَّةٍ وَفِي آذَانَِ وَفْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾(٢).
(١) فى المطبوعة: ((فكتبت منها هذه))، وأثبتنا ما فى: ج، ك.
(٢) سورة الشورى ٤١
(٣٠) سورة المائدة ٤٥
(٤) البيت من غير نسبة فى تاج العروس ( دم ل)، وانظر معناه فى البيان والتبيين:٠ ١٦٧/١
والعقد الفريد ٨١/٣٠٤٤٥/٢
(٥) هو اقتد الزمانى، واسمه شهل بن شيبان ، والبيعان من قصيدة حاسبة . أنظرها فى شرح
ديوان الحماسة، المرزوق ٣٨/١
(٦) هو الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، ويعرف بالأخضر اللهى، والبيت من قصيدة
حماسية أيضا، تراهاً فى شرح ديوان الحماسة، للرزوقي ٢٢٤/١
(٧) الآية الخامسة من سورة فعلت .

- ٦٣ -
وقولُك: كم عُرِض على ذى طبع سليم وذِى ذِهنٍ مستقيم، فلم يفهم معناه ولم يعلم
مُؤَدَّاهُ(١) . نقول: هذا كلامٌ مُبَهافِتٌ، إذلو كانوا ذا (٢) طبع سليم وذِهن مستقيم، لفهموا
معناه، وتَفَّنوا لُوجِبه ومقتضاه، فإن ذا الطبع السليم مَن يُدرِكُ الَّمِحَةَ وإن ◌َلَطُفَ شأنُها،
ويتنبّه على الرَّمْزَة وإن خَفِىَ مكانُها، ويكون مُسترسِلَ الطبيعة منقادَها، مُشْتِلَ القَريحةِ
وقّارَها، ولكنهم كانوا مِثْلَك كَرًّا جاسِياً(٣) وغليظاً جافياً، غيرَ دارين بأساليب النَّظم
والنَّثْر، غيرَ عالِمِين كيف يُرتَّب الكلامُ ويُؤْلَّف، وكيف يُنْظَم ويُرْصَف(٤) ﴿أَمْ تَحْسَبُ
أَنَّ أَ كْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّ كَالْأَ نْبَِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَِيلًا﴾(٥)
أماً محمتَ قولَ بعضِ الفُضلاء(٦):
عَلَّ فَحْصُ الَعَانِ مِن مَكَامِنِهَاَ
وَمَا عَلَىَّ إِذَا لَمْ تَنْهَمِ البَقَرُ
أو نقول : فَرَضْنا أنهم كما زعمتَ ذا(٢) فهم سليم وطبع مستقيم، لكنهم ما اشتغلوا
بالُلومِ حَقَّ الاشتغال، فأين هم مِن فَهْ هذا المقال؟ أما سَمِعوا قولَ مَنَ قال:
لو كان هذا الِمُ يُدْرَكُ بِالْفَى مَا كَان يَبْقَى فِى الْبَرِيَِّ جَاهِلُ
وقولَ آخَرٍ :
لن تَبْلُغَ الَّجْدَ حتَّى تَلْمَقَ الصَّبِرَا(٨)
لا تَحْسَبِ المَجْدَ تَمْراً أنتَ آكِلُهُ
ومع أن أمثالَ هذه الغَوامِضِ، كمانَّه عليه الزَّمخشرِىُّ، لا يَكْشِف عنها مِن الخاصّة
(١) في المطبوعة: ((مواده)). وصححناه من: ج، ك، وسبق فى صفحة ٤٩.
(٢) هكذا فى الأصول، وسبتكرر كثيراً، وهو على الحكاية، وإلا حقه: ((ذوى)).
(٣) فى المطبوعة: ((مثلك جلفا وغليفنا جافيا)). وأثبتنا ما فى: ج، ك.
(٤) فى المطبوعة: ((ويوصف)). والتصحيح من: ج، ك.
(٥) سورة الفرقان ٤٤
(٦) هو البحترى. والرواية فى ديوانه ٩٥٥/٢:
على نحت القوافى من مقاطعها وما علىّ لهم أن تفهم البقر
وانظر لروايتنا حواشى الديوان .
(٧) انظر التعليق رقم (٢).
. (٨) البيت من غير نسبة فى أيات الاستشهاد، لاين فارس. نوادر المخطوطات٠ ٢ / ١٥٧.

- ٦٤-
إلّا أَوْحَدُهم وأخَصُّهم، وإلّا واسِطَتُهم وذَصُّهم، وعامَّتُهم تُماةٌ عن إدراك حقائقها.
بأحْدافِهم (١)، عُناةٌ فى يد التقليد، لا يُعُنُّ عليهم بجَزّ (٢) نَواصِيهم وإِطلاقِيمَ (٣)، هذا مع أنّ
مَقَاماتِ الكلامِ متفاوتةٌ ، فإن مَتَامَ الإيجاز يُبابن مَقَامَ الإطنابِ والمساواة، وخطابَ
الذِّكِىِّ يُبَايِنُ خِطابَ الْغَنِىّ، فَكما يَجِب على البليغِ فى مواردِ التفصيل والإشباع ،
أن يُفَصِّلَ ويُشْبِعَ، فكذلك الواجب عليه فى خطاب الإجمال والإيجاز، أن يُجْملَ ويُوجِزَءَ
أنشد الجاحظ (٤):
يَرْمُونَ بالخُطَبِ الطُّوالِ وتَارَةً وَحْىَ الْلَاحِظِ خِذَّةَ الرُّقَبَاءِ(٥)
وأَّةَ صناعةِ البلاغة يَزَوْنَ سلوكَ هذا الأسلوبِ فى أمثال هذه المقامات، مِن كمل البلاغة
وإصابة المَحَزّ.
فنقول: إنما أوجز الكلامَ وأوْهَمَ الَرامَ، اختباراً لتَنْبِيهِك(٦) أو مِقْدَارِ تنتُهُك،
أو تقول: عَدَل عن التصريح احترازاً عن نسبة الخطأ إليك صريحاً، والْعُدولُ عن التصريح
بابٌ من البلاغة، يُصار إليه كثيراً وإن أورَث(٧) تطويلا.
ومِن الشواهد لِما نحن فيه شهادةً غيرَ مَرْدُودة، روايةُ صاحب (المفتاح))(٨) عن
القاضى شُرَيح: أن رجلاً أَقَرَّ عنده بشىءٍ ثم رَجِع يُفْكِرِ، فقال له ثُرَيْح: شَهِد عليك
(١) فى المطبوعة: ((باصدافهم)). والتصحيح من: ج ، ك.
(٢) فى المطبوعة: ((لا لمن غلبهم يجز)). والتصحيح من: ج ، ك ..
(٣) فى المطبوعة: ((واظلافهم)). والكلمة فى: ج، ك من غير فقط. ولعل ما أثبتناه
الصواب .
(٤) فى البيان والتبين ٤٤/١، ١٥٥، ونسبه لأبى دؤاد بن حريش الإيادى، وهو غير أبى دواد
الإيادى الشاعر الجاهلى ، المسمى: جارية بن الحجاج .
(٥) فى المطبوعة: ((وهى الملاحظ)). وأثبتنا الصواب من: ج ، ك، والبيان. وفى حواشيه:
عنى بالملاحظ : العيون .
(٦) فى المطبوعة: ((لتنيهك أو مقدار تنهيك)). والمثبت من: ج ، ك.
(٧) فى المطبوعة: ((أردت)). والصحيح من : ج، ك.
(٨) مفتاح العلوم ، للسكاكى ٩٧ (باب علم المعانى).

- ٦٥ -
ابنُ أختٍ خالتك. آثَرَ شْرَيخ التطويل؛ ليَعْدِلَ عن التصريح بنسبةِ الحماقة إلى المُنكِرِ؛
الكونِ الإنكارِ بعدَ الإقرار إدخالًا للُنُقِ فِى رِبِقَةَ (١) الكذِبِ لا مَحَالَةٍ.
وأمّا قولك ثانيا: فَره بما لا يدُلّ عليه بُطابقةٍ ولا بتضُمُنٍ ولا بالتزام، ثم تقول :.
حاسِلُهُ كذا. فَتَغَيْتَ أوَّلًّا الدِّلالاتِ، ثم أَثْبَّ ثانياً له معّى وَذَكَرتَهَ، فأنت كَاذِبُ،
إمّا فى الأول أو الثانى .
وأيضا: قد قلت أوّلا بأنّه (٢) كِهَذَيان الَحْمُوم ليس له مفهومْ، ثم قلتَ: حاصلُهُ
كذا. فقد أدخلتَ عُنُتَك فى رِبْةِ الكَذِب، اتَّقِ اللهَ، فإن الكذِبَ صغيرةٌ والإصرارَ
عليها(٣) كبيرةٌ، والَعَاصِى تَجُرُّ إلى الكُفْرِ، قال الله تعالى: (ثُمَّ كَانَ عَاقَةَ الَّذِينَ أَسَاهُوا
السُّوَأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَتِ اللهِ﴾(٤).
ثم إن قولك: حاصلُهُ أن نُبوتَ أحدِ الأمرين هاهنا متحقِّقٌ ، وأن التردُّدَ فى الضَّيين،
فحقيقٌ أن يُسألَ عنه بالهمزة مع ((أم)) دون ((هل)) مع (( أو)) فإنه سؤالٌ عن أصلِ
الثبوت . يُوهِم أنك الذى استنبطت هذا العنی مِن كلامه ، وفهمته منه ، ولیس کذلك،
جل لَّا بَلَفَك هذا الجوابُ بقيتَ حائرا مَاءًّا، لاتفهم مُؤْدًّا.(٥) ولا تعلم معناه، وكنتَ تَعْرِضِه
على مَنَ زعمتَ أنهم كانوا ذا(٦) طبعٍ سليم وفهمٍ مستقيم، فىا فَهِمُوا معناه، وما تَثْرُوا على
مؤرَّا(٧)، فصِرْتَ ضُحْكَةً للضاحكين وسُخْرَةً لِلساخِرِين، فلمَّا حال الحولُ وانتشرِ القَولُ،
(١) فى المطبوعة: ((التق فى رقبة))١. والتصحيح من: ج ، ك، ومفتاح العلوم ، وسيأتى هذا
الكلام قريباً .
(٢) فى المطبوعة: ((أنه)). وأثبتناما فى : ج، ك.
(٣) فى المطبوعة: ((عليه)). وأثبتا ما فى: ج، ك.
(٤) الآية العاشرة من سورة الروم .
(٥) فى المطبوعة: ((مراده)). وصححناه من: ج، ك، وسبق فى صفحة ٤٩.
(٦) انظر حواشى صفحة ٦٣.
(٧) فى المطبوعة: ((مواده)). والصحيح من: ج)) ك. وسبق قبل سطرين.
(٠/ ١٠ - طبقات الثانية)

- ٦٦ -
جاء ذاك(١) الإمام الألعِىُّ، أُعنى الشيخَ أمينَ الدّين حاجِى دادا، وتمثْل بين بدى والدى،
وقال كماقلتَ :
i
.. فنحنُ عِعطاشٌ وَأَنْتُمْ وُرُودْ
أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنِ الماءِ فَيْضًاً
فقرأه(٢) عليه قراءةَ تحقيقٍ وإتقانٍ وَتدقيق، فلما كشف الوالدُ له الغِطاء، ظهر له
أن كلامَك كان كسرابٍ بِقِيةٍ يحسّبْه الظَّمَانُ ماء(٣)، فجاء إليك وأفْرَغ فى صِماخَيْك،
وأقَرَّ عينَيْك، فكان من الواجب عليك أن تقول : حاصله كذا، على مافهمته من بعض
تلامذته؛ لئلا يكونَ انتِجالا، فإن ذلك خيانةٌ والله لا يحبّ الخائنين.
فإن كابَرْتَ وجعلتَنِى مِن الْمُدَّعينِ، فَقُلْ: فأتِ بآيةٍ (٤) إن كنتَ مِن العارِفِين، فأقول:
أمّا بالنسبة إلى الآخرة، فَكَفَى بالله تَجيداً بيننا وبينَكُم، وأمّا بالنسبةِ إلى الدنيا، ففضلاء
◌ِبْرِيرَ(٥)، فإنهم عالِمِون بالحال، عارِفون أنّ الأمر (٦) على هذا المنوال، ولهذا ما وَسِعَكَ
أن تكتبَ هذه الهَذَيانات وأنت فى تِبْرِيرَ، مخافةَ أن تصيرَ هُزْأةً للساخرِين وضُحْكَةً
لتناظِرِينَ، بَل لِمَا انتقلت إلى أهل بلدٍ لا يَدْرُونِ الصَّحِيحِ، تكَلَّمْتَ بَكْلٍّ فَبيح، لكن
وقعتَ فيما خِفْتَ منه .
وأمّا قولك: ثالثاً لانُخلِّمِ تحقُقَ أحدِ الأمرين حقيقةً، إلى آخرِ ماقلّم. فكلُه مخالفٌ
للظاهر، والْأملُ عَدَبُه، وتحقيقُ الجواب فيه يظهرُ ممّا أذكره فى آخر الجواب.
الرابع:
وأمّا قولك: رابعاً إن ((أو)) هذه هى الإضرابيّة، أفهذا باعُكَ فى الأوجُهِ (٧) الإعرابية؟
(١) فى الجرعة: ((جاد الإمام)). وأنبما الصواب من: ج، ٤.
(٢) و: ج . ك : ( قرأ)) .. وأنها ما فى المطبوعة.
(٣) راجع سورة النور ٣٩
(٤) فى المطبوعة: «فأن به)). والتصحيح من : ج ، ك. وانظر سورة الشعراء ١٥٤
(٥) فى: ج ، ك: ((البريز)). فى هذا الوضع والذى إليه، وأثبتنا ما فى المطبوعة.
(٦) فى المطبوعة: (بالأمر)). وأثبتنا ما فى: ج، 2.
(٢) فى: ج ،كه ((الوجه))، وأثبتنا ما فى المطبوعة " وسبق فى صفحة ٥٠ .

- ٦٧ -
فنقول: أوَّلًا، لاشكّ أنك عند تسطير هذا السؤال ماخَطَر لك هذا بالبال، بل لمّا اغْتُرِض
عليك تَمَحَّلْتَ هذا المقال (١).
وثانياً : المثالُ الذى ذكرتَه غيرُ مطابقٍ لكلامك، لو فرضنا أنه من كلام الفُصحاء.
وثالثا: أنه لا يستقيم أن تكونَ ((أو)) فى كلامك للإضراب؛ لفّوات شرطِه، فإن
إمامَ هذا الفَنّ سِيبَوَيْهِ، إنما أجاز ((أو )) الإضرابِيّة بشرطين: أحدهما تقدُّمُ نَفْىٍ أو شَهْىٍ،
والثانى: إعادة العامِل، نحو ماقام زيد أو ماقام عمرو، ولا يثمْ زيدٌ أو لا يقُمْ عمرو، نقله
عنه ابنُ عُصْفُور، هكذا مذكورٌ فى «مُغْنِى (٢) الَّبِيب من كتب الأعاريب)»، ثم قال
•صنَُّهُ ابنُ هِشام المِصِرىّ، رحمه الله: ويِمّاً يؤِيّد نقلَ ابن عُصْفُور أن سيبَوَيُه رحمه الله ،
قال فى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آنِمَا أَوْ كَفُوراً﴾(٣): ولو قلت: أو لأُطِعْ كَفُورا، انقلب
المعنى، يعنى يصير إضراباً عن النهىِ الأول، ونهياً عن الثانى فقط. انتهى.
فلا يمكن حَمْلُ ((أو)) فى كلامك على الإضراب، فَظَهَرَ: مَنِ التَّقْصِيرُ باعُهُ فى علم
الإعراب ، أمِثْلُكَ يُعرِّضُ بهذا لمَنْ كان أدْنَى تلامذته فارساً فى علم الإعراب ، مقدَّماً
فى جُملة الكُتّاب، لكنّ نَحْوَكَ انحصر فى ((الجُمَل)) الذى صُنِّ لعِدِانَ الكُتّاب،
وحُرِمْتَ من الكنوز التى أودعها سِبِبَوَيْه فى ((الكِتَاب)).
ثم على تقدير تسليم إتيان ((أو)) للإضراب مطلقاً، كما ذهب إليه بعضهم ، لا يندفع
الإيرادُ؛ لأن مِن شَرْطٍ (٤) ارتفاع شأنِ الكلامِ فى باب البلاغة، صُدورَه مِنْ بليغِ عالم
بجهات البلاغة، بَصِيرٍ بِطُرُقَ حُسْنِ الكَلام، وأن يكون السامِعُ معتقداً أن المتكلّمَ
قصَد(٥) هذا فى تركيبه، عن على منه، لاأنه وَقَع منه اتّفاقًا، ولا شُورٍ منه، فإنه إذا أساء
(١) فى المطبوعة: (("تحت هذا بالقال)). وضححناه من: ج، ك.
(٢) مغنى الليب ٦٧/١ (مبحث أو). وانظر الكتاب ليبويه ١٨٤/٣، ١٨٨
(٣) سورة الإنسان :٢
(٤) فى المطبوعة: ((شأن)). وأثبتنا ما فى: ج، ك.
(٥) هكذا فى المطبوعة، وفى: ج، ك: ((قصدها)).

- ٦٨ -
السامعُ اعتقادَه بالمتكلّم، ربّما نسَبه فى تركيبه ذلك إلى الخطأ، وأنزل كلامه منزلةَ ما رادقُ
به من الدَّرجةِ النَازِلَةَ.
وممّا يَشْبَدُ لك ما تقل صَاحِبْ(٢) ((المفتاح))، عن علىّ رضى الله عنه: أنه كان
يُشَيِّعَ جِنازَةً، فقال له قائلِ: مَنِ الْمُقَوفِّى؟ يلفظ اسم الفاعل، سائلا عن المُتَوفَّى،
فلم يقل: فلانٌ، بل قال: اللهُ تعالى، ردًّا لكَلامِهِ عليه، مخطّئًا إيّاه، منيًّاً له بذلك على أنه
كان يجب أن يقول: مَنِ الْمُتَوقّى، بلفظ المعمول، ويقال: إن هذا الواقعَ كان أحد الأسباب
التى دعَتْه إلى استخراج على النجو، فأهر أبا الأسود الدُّؤَّلِيّ بذلك [ فأخذ فيه](٣) فهو (٤)
أُولُ أئمة على النَّحْو ، رضى الله عنهم أجمعين(٥)
ولا شك أنه يقال: تَوَّقَى، على البناء للفاعل، أى [ أخذ](٦) وحينئذ يكون كنايةً
عن: مات، بمعنى أن المِّتَ أَخِذ بالتَّمامِ مُدَّةَ عُمرِهِ فمات، فَالْمُتَوفِّى(٢) هو المَيْتُ، بطرِيق
الكتابة. ويقال: تُوَقِّىَ، على البناء للمفعول، أى أُخِذِ (٨) رُوحُه، وحينئذ يكون الميتُ هو
الْمُتَوَقَّى حقيقةً، والْمُتَوفِى هو الله، ولما سأل مَن هو من الأوساط مِن علىّ كرَّم اللهُ وجهه،
(١) فى المطبوعة: ((ما لا يليق به)). وأثبتنا ما فى: ج، !ـ
(٢) مفتاح العلوم الكاكن ١٢٢ (باب علم المعاني).
(٣) ساقط من المفتاح.
(٤) فى المطبوعة: ((فهنا)). وأثبتط ما فى: ج، ك، والمفتاح.
(٥) بعد ذلك فى المفتاح: ((وما فعل ذلك كرم الله وجهه إلا لأنه عرف من السائل أنه ما أورد
لفظ ((المتوفى)) على الوجه الذى يكسوه جزالة فى المعنى وخامة في الإيراد، وهو وجه القراءة المنسوبة
إليه: ﴿ وَأَّذِينَ يَتَوَّفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجاً﴾ بلفظ بناء الفعل الفاعل، من إرادة معنى:
والذين يستوفون مدد أعمارهم)). انتهى كلام صاحب المفتاح. وانظر لتوجيه هذه القراءة؛ المحتسب فى
تبيين وجوه شواذ القراءات ١٢٥/١، تفسير الآية ٢٣٤ من سورة البقرة، وراجع الكشاف ٣٧٢/١،
حيث ذكر الزمخشرى أن المسؤول أبو الأسود الدؤلى، وأنه الذى كان يشيع الجنازة
(٦) سقط من المطبوعة، وأنجناه من: ج ، ك.
(٧) فى المطبوعة: ((والمتوفى)). وأثجنا ما فى : ج ، ك.
(٨) فى المطبوعة: ((أخذت)). وأتجاما فى: ج، ك. والروح يذكر ويؤنث، ولكن الأكثر
التذكير . راجع المصباح المنير.

- ٦٩ -
عن (١) الميت، بلفظ المُتَوقِّى، الذى هو مِن تركيب البُلناء، أجابه بما يليق به أن المُتَوفِى
هو الله تعالى ، وفيه بيان أنه يجب أن يقول: مَنِ المُتَوّى، بلفظ اسم المفعول الذى يليق به،
كما يقوله الأوساط، لأنه لا يخشى (٢) الكناية ..
وإذا سمعنَ ماتلونا عليك، وتأمَّلْتَ المقصودَ من إبرادِنا هذا الكلامَ عليك، يَتَنَّسُ
الجوابُ عن الثالث والرابع فى زِهْنك، النََّسَ الجَلِيَّ.
وأما قولك: خاما، هب هذا خطأ صريحاً، أليس المقصودُ هنا كالصُّبح، فما كان
لو اشتغلتَ بالجواب .
فنقول: الجوابُ عنه من وجهين: أحدهما: أن الأَّةَ قد صَرَّحوا بأنه لا يُكْتَبُ على
الفتوى إلا بعد تصحيح السؤال .
والثانى: [أنََّ](٣) يَحْتَمِلُ أن (٤) يكون قد أحسن الظَّنَّ فى حَقُّك بأن مِثْلَ هذا
لا يَخْفَى عليك، ومع ذلك يكون قد خَطَر له أنك قد فعلتَ هذا امتحانًا، هل يتفطَّنُ أحدٌ:
لتركيبك أم لا؟ فعلى هذا كيف يتعدّى عن التنبيه إلى المقصود؟
وأما قولك : سادسا، قد أوجب الشرعُ رَزَّ التحية والسلام .
· فالجواب عنه أيضا من وجهين: أحدهما: أن الواجبَ هو الرَّةُّ لا الكتابة، فَيَحْتَمِلُ
أن يكونَ قد ردًّ بلسانه وما كَتَب ، وما أعرِف أحداً مِن الأصحاب قال بوجوب الكِتابة،
أُوَ ماسمتَ ما أجاب الفضلاء عن المُزَ نىِّ ، حيث قيل: إنه لم يكتب أوَّلَ المُخْتَصَر: بسم الله
الرحمن الرحيم .
والثانى: أنك زعمتَ فى الوجه الثامن أنك ماخَصَصْتَه بالسؤال، بل أوردته على وجه.
التعميم والإجمال .
فنقول: حينئذٍ لا يجب عليه بعينه رَدُّ السلام، بل على واحدٍ لا بعينه، لكن أعْذُركَ
(١) فى: ج، ك: ((من)). وأثجا ما فى المطبوعة.
(٢) هكذا فى الأصول، ولعل الصواب: ((لا يحسن)).
(٣) ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من : ج ، ك ،
(٤) فى المطبوعة: ((أنه)). والمثبت من: ج، ك.

- ٧.٠ -
فى مسألة رَدِّ التحيّة، لأنك فى الفقه ماوصاتَ إلى باب الطهارة، فكيف بمبائلَ تُذْ كَرَ
فى أواخر الفقه .
وأما قولك: سائِاً(١)، زَعَمِ أنه مِن بناتٍ خَع(٢) عليهنّ الِّياب .
فالجواب عنه: أن الزَّعْمَ قولٌ يَكون مَظِنَّةٌ للَكَذِب، وما ذَكره: مِنِ الحقِّ الأَبْلَج،
ومن ظنَّ خِلاَفَ ذلك فقد وقع فى الباطل اللَّجْلَجِ(٣)، لأَنّ مُرَأْدَه ببناتٍ خَلَع (٢) عليهنّ الثياب،
نتائجُ فِكْرِه التى انتشرت فى البلاد، كشرح المنهاج، والمصباح، وشرح التصريف،
والنِّكات(٤)، وحوائى شرح المُفَصّل، والمفصّل، والمفتاح، وحوائى المصابيح، وشرح
الشّة، وحوائى الكشّاف، وحوائى الطوالع، والمطالع، وشرح الإشارات ، وغير ذلك
مِمّا يطول ذِكْرُه.
وقولك: فلا رَيْبَ فى أنها تكون ميّتةً أو باليةً، دالٌ (٥) على جَهْلِك، لأنّ قولَ
العالِم (٦) لا يموت، ولو مات العالم، ولهذا يُحْتَجّ به، أما قال بعضُهم (٢): العلماء باقُونَ
ما بَقِىَ الدهرُ، أعيانُهم مفقودةٌ، وآثارُهم (٨) فِى الْقُلوبِ موجُودة.
قولُك : مِصْداقُ كَلامِهِ أن (٩) يَنْبَِ عنها فَى مَاهِيَةِ.
(١) فى الأصول: ((تاسعا)) ولا يستقيم مع ترتيب كلام العضد السابق، ولا مع ما يأتى.
(٢) فى المطبوعة: « خلعت)»، فى الموضعين. وأثبتنا ما فى: ج، ك ، وتقدم فى كلام العضد.
(٣) فى الأمول: ((اللجج))". وابدنى أثبتناه هو الصواب. ومن أمثال العرب: ( الحق أبلج
والباطل جلج)»: أمى يتردد فيه صاحبه فلا يصيب مخرجا، وأصل ذلك: الضفة والأكلة يرددها الرجل
فى فيه، فلا تزال تتردد إلى أن بيعها أو يقذفبها. الكامل للمبرد ١٤/١، ١٥
(٤) فى المطبوعة: ((الكتاب)). وأثبتنا ما فى: ج، ك.
(٥) فى المطبوعة: ((دليل))، وأثبتنا ما فى ج ، ك.
(٦) في المطبوعة: ((لأن العلم لا يموت)). والتصحيح من: ج، ك.
(٧) هو سيدنا على بن أبى طالب، كرم الله وجهه ، من كلمة له طويلة ، لكميل بن زياد النخعى.
شرح نهج البلاغة ٣٤٦/١٨، والعقد الفريد ٢١٢/٢
(٨) فى المرجعين المذكورين: ((وأمثالهم)). قال ابن أبي الحديد: أى آثارهم وما دواوه من
العلوم .
:
(٩) فىالمطبوعة: ((أنه)). وأثبتنا ما فى: ج، ك، وسبق فى كلام العضد.

- ٧١ -
قلت: الحَذَرَ الحَذَرَ، فإنها نارٌ حامية.
وقولك: أو بأتى بمِثْلِها فنرى مامِيَة .
قلت: نَجم، لكن بشرط أن تَنْزِعَ من صماخَيك(١) صِمام الصَّمَم، حتّى أُفْرِغَ فيها
شيئاً مِن مَبَاحِث الحِكِّم.
فأقول، وبالله التوفيق: فما(٢) ذكره والدى فى الفَرْق: أن صاحب الكشّاف إنما
حَكم بأن قوله ﴿ مِنْ مِثْلِهِ) إذا كان صفةَ سُورةٍ، يجوز أن يعود الضمير إلى ( ما) وإلى
﴿عَبْدِنَا﴾ وإذا(٣) كان متعلّاً بفَأْتُوا، تعيّن أن يكون الضمير للعبد، لأنه إذا كلن صفةً،
فإن عاد الضميرُ إلى (ما) تكون (مِن) زائدة، كما هو مذهب الأخْفَض فى زيادة ((مِنْ)»
إذالمنى حينئذ: فأتُوا بِسُورةٍ مِثْلِ القرآن، فى حُسن النَّظْم واستقامةِ المعنى ، وفَخامةِ
الألفاظ وجَزالةِ التركيب، وليس النَّظَرُ إلى أن يكونَ مِثْلَ بعضِ القرآن أو كُلِّه ، بل
لاوجهَ لهذا الاعتبار، يؤيّده قوله تعالى فى موضع آخر: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا
مَنِ اسْتَطَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾(٤) وقال تعالى فى موضع آخر: ﴿فَأَتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ
◌ُفْتَرَيَتٍ وَادْعُوا مَن ◌ِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ ذُونِ اللهِ﴾(٥) فلا تكون ((مِنْ)) لتبعيضٍ ولا
لبتداثيّة، لأنه ليس المقصودُ أن يكونَ، تدأ الإتيانِ هذا أو ذاك.
. "وإنّ عاد الضمير إلى ﴿عَبْدِنَا) تكون (( مِنْ)) ابتدائية، وهو ظاهِرِ.
وأما إذا كان ﴿ مِنْ مِثْلِهِ﴾ متعلّقًا بَأَتُوا، فلا يجوز أن تكون ((مِنْ)) زائدة؛
لأن حرفَ الجرّ إذا كان زائدا لا يكون متعلّقاً بشىء، فتعيَّن أن يكونَ المعنى: فأتُوا بِسُورةٍ
مِن مِثْلِ عَبْدِنا، وتكون ((مِن )) ابتدائية.
ثم قال: أو تقول: إنما قال صاحب الكشاف إن ﴿ مِنْ مِثْلِهِ﴾ إن كان صفةً سُورةٍ ،
(١) فى المطبوعة: ((صماخك)). والابت من: ج ، ك.
(٢) فى المطبوعة: ((فى))). وأثبتنا ما فى: ج، ك.
(٢) فى المطبوعة: ((إن). والتمت من: ج، !.
(٤) سورة يونس ٣٨
(٥) سورة هود ١۴

- ٧٢ -
يَحْتَمِلُ عَوْدَ الضمير إلى (١٠) وإلى {عَبْدِنا) لصحَّةِ أن يقال: سُورَةٍ كائنةٍ مِن ◌ِمِثْلِ
مَانَزَّلْنَا، بأن تكونَ السورةُ بعضَ مِثْلِ مافُزِّلِ، أو يكون مِثْل ما نُزِّل مُبتدأُ نُزُولِهِ،
ولصحة أن يقال: سورةٍ كائنة من مثْلِ عَبْدِنا، بأن يكون قد قله، ويكون تركيبه
وَكَلِمَهِ ،
وأما إن كان ﴿ مِنْ مِثْلِهِ) متعلَّقً: أَثُوا، فيتبيّن أن يكون عائداً إلى (عَبْدِنا)
الاستقامةِ أن يقال: فأتوا من مِثْلِ عَبْدِنا، أى مِن عَبْدٍ (١) مِثْلِهِ، بأن يكون كلامه،
ولا يستقيم أن يقال: فأُتُوا مِن ◌َّدٍ (١) مِثْلِ م ◌َزَّلْنا، أى من جهته، إذلا يستقيم أن
يقال: أتى هذا الكلامُ مِن قُلان، إلّا إذا كان ذلك الْغُلانَ مِمَّن يمكن أنْ يكونَ هذَا
كَلَامَه، ويكونَ هذا الكلامُ منقولًا مِنْه، مَرْوياً عنه، وهذا ظاهر، ولهذا ،ابسط
الّخشىُ الكلام فيه ، بل اقتصر على ذ کره، والله أعلم ..
وأمّا قولك: ثامنًا، إن السؤال(٢) لم يُجَمِنَّ به مُخاطَبٌ دُونَ مخاطَب.
فهذا كلامُ المجانين، لأنّك(٢) بعثتَ هذا السؤال على يد الشيخ علاء الدين الباوَرْدِىّ،
إلى خلفته وطلبتَ بنه الجواب، لكن لما اشتبه عليك القَول، أخذتَ تُبْدِى الَّزَقَ
والعَول(٤)، فتارةٌ تَمْنَع وتخله صواباً، وأخرى رؤٌ(٥) وتظنّه جواباً [أما](٦) تستحى
من الفضلاء الذين كانوا مُطَّين على هذا الحال ، ولقد صدق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم،
حيث قال: ((إنَّ (٧) مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُُّوَّةِ الأُولَى: إذَا لَمْ تَسْتَخْىَ
فَأَصْنَعُ مَاشِئْتَ)».
(١) فى: ج ، ك: ((عند)) بالنون، فى هذا الوضع والذي يليه. وأثبتنا ما فى المضوعة
(٢) فى: ج، ك: ((إن لم) .. وأثبتا ما فى المطبوعة، وسبق فى كلام العضد.
(٣) فى المطبوعة: ((لا بل))، وأثبتنا ما فى: ج، ك.
(٤) فى : ج ، ك: (( بيدك الغرف والفول)). وأثبتنا ما فى المطبوعة، ويقال: عال الرجل عولا:
(٥) فى المطبوعة: «مزده)). وأثبتنا ما فى: ج، ك.
جار وظلم .
(٦) سقط من المطبوعة ، وأثبتناه من: ج ، ك.
(٧) فى الأصول: (((:١ أدرك)) .. وأثبتنا ما فى صحيح البخارى (باب إذا لم تستحى قاصع ماشئتم
من كتاب الأدب) ٣٥/٨، وسنن ابن ماجه (باب الحياء، من كتاب الزهد) ١٤٠٠
(٨) يقال: استعيا يتحى، واستجا يتحى، والأول أعلى وأكثر. النهاية ٤٢٠/١

- ٧٣ -
ثم إن الذى يُقْضَى منه المَجَبُ حالُكَ فى قِلّة الإنصاف، وفَرْطِ الجَوْرِ والاعتساف،
وذلك أن هذا ماهو أوَّلُ سؤالٍ سألتَه عنه، بل مازلتَ منذ تولَّيتَ القضاء كَلَّ عِلِيه،
حيث سِرْتَ، غيرَ مُنفكّ من اقتباس الأحكام مِن فَتَاويه، أينما توجّهتَ، تسأله فى الأحكام
الشرعية عن النَّقِير والفِطْسِير، ثم فى تضاعيف ذلك لمّا سألته عن آية من التفسير، ونبَّك
على تصحيح التقرير، حاشَتْ(١) منك الحَمِيَّة، فشرَعْتَ تَجْحَد فضلَه، وتُنكر سَبْقَه،
هَيْاتَ هَبْاتَ .
* اتَّعَ الخَرْقُ على الراقِعِ (٢).
وقولك : راعيتَ فيه طريقَ التعظيم والإجلال.
نعم هذا كان الواجبَ(٣) عليك؛ لأنك أنت السائلُ)) والسائلُ كْتعلَّم، والمسئول
[عنه](٤) كالعلِّم، فالواجبُ عليك تعظيمُه، وعليه أن يُرْشِدَك، وقد فَعَل، بأن هداك
إلى تصحيح السؤال .
وقولك : فَأَتَّى(٥) رأى نفسَه أهلًا لهذا الخطاب؟.
قلتُ: مِن فضلِ الله العظيم أن جعله أستاذَ العلماء فى زمانه ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى
مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَزَيْنَهُمْ مُلْكَاعَظِيماً﴾(٦)
ولقد أحسن بَديعُ الزّمان، حيث قال:
بِمَا أَوْدَعْتَ رَأْسَكَ مِنْ فُضُولٍ
أراكَ عَلَى شَنَا خَطَرِ مَهُولٍ
مَتَى احْتَاجَ النَّارُ إلى دَلِيلِ
طَلْتَ عَلَى نَقَدُّمِنَاَ دَلِيلًا
وقولك: فهل لَا رَزَّه(٧) عن نفسه إلى مَن هو أجَلُّ مِنْه قَدْراً وأنْوَرُ منه بَدْرا .
(١) فى: ج، ك: ((جاش)). وأثبتاما فى المطبوعة.
(٢) انظر ٣٩٤/٩
(٣) هكذا فى المطبوعة، وفى: ج، ك: ((كالواجب».
(٤) زيادة من : ج ، ك ، على ما فى المطبوعة .
(٥) فى المطبوعة: ((فإنه)). وصححناه من: ج، ك. وراجع كلام العضد السابق.
(٦) سورة المناء ٥٤
(٧) فى المطبوعة: ((رد على)). وفى: ج)، ك: ((رد عن)). وأثيتنا ما سيق فى كلام العضد.

- ٧٤ -
فالجواب عنه من وجهين: الأول: أنك بشتَ إليه وسألته(١) عنه، فصار كَفَرْضِ
العَين بالنسبة إليه، فلذا قل ما حاضله أن السؤالَ يحتاج إلى التصحيح بالنظر الدَّقيق، ليصيرٌ
مستحقاً للجواب من أهل التحقيق.
والثانى: قل لى: مَنْ كان فى البين(٢) فى ذلك الزمان ممَّن يُمائله أو يُدانِيهِ؟.
وقولك: فى هذه البلدة من زعماء التحرير (٣) وعلماء النَّحاررِ.
ثُمَّدٌ لكنْ كَهم أو أكثرُهم تلامذته، أو من تلامذة تلامذته، وهذا مما لايُنكِره
غيرُ جاهلٍ مازِد، أو حاسِدٍ مُعانِد، أوَمَا كانوا يُهْذِبُون(٤) إلى دُرَر فوائده من كل فَجٌ
عميق ، ويتزاخون على اجتلاب دِرَرِ سَباحِئه فريقاً بعد فريق، وما أحْنَ قول من قال:
وجُحوِدُ مَنْ حِجَدِ الصَّباحَ إذا بدَا مِن بَعْدِ مَا انْتَشَرَتْ له الأضواء
ما دَلَّ أن الشمس ليس بطالِعِ
بل أنَّ عَيْناً أَنكَرَتْ عَمْيَاه
وأما قولك: تاسعا، البليغُ مَنْ عُدَّتِ هَفَواتُهُ، والجَوادُ مَنْ حُصِرَتْ عَثَرَابُهُ، إلى
آخر ،اهَذَّيْتَ .
فالجواب عنه: حاشا أن يكونَ من البلغاء الذين تكون هَقَواتُهم معدودة، أو مِن
الجَواد الذى تكون عِثَرَانُهُ محصورةً، فإنك قد عَثَّتَ فى هذا السؤال والجواب تعثيرا كثيرا
كما تَرَى، ولولا دَعْدَعْتُنا لك لَبقيتَ عليْراً أبدا، وقد قيل:
ولا لابْنِ عَمِّ كَبَّهُ الدَّهْرُ دَعْدَعَ(٥)
لَحَى اللهُ قَوْماً ! يقولُوا لِمِاشْرٍ
(١) فى : ج، ك: ((وسألت))، وأنبتا ما فى المطبوعة.
(٢) هكذا فى الجنبوعة، وفى: ج، ك: ((النصر)» بنقط النون فقط، ولم نعرف صوابه.
(٣) الذى تقدم فى كلام العضد: «وحولة العلماء التحارير».
(٤) فى المطبوعة: (( يهرعون)). وأثبتنا ما فى: ج ، ك، يقال: أهذب الإنسان في معية،
والفرس فى عدوه، والعنائر فى ضجرانه: أسرع. وفى حديث أبى ذر رضى الله عنه: ((فحمل يهذب
الركوع)»: أى يسرع فيه ومتابعه. الان (م ذب) والنهاية ٢٥٥/٥
(٥) البيت من غير نسبة فى الصحاح والان (دع ع). ورواية الصحاح: ((ناله الدهر»
. ورواية الثان: ((ناله المشر». ودع دع: كلمة يدعى بها للعائر، فى معنى: قم وانتمش واسلم

- ٧٥ -
بل أنتَ مِثل قول الشاعر :
فُضُولٌ بلا فَضْلٍ وسِنٌّ بِا سَناً وُولْ بِلا طَوْلٍ وَعَرْضٌ بِلا عِرْضٍ
وأما قولك: عاشرا، أظنك قد غَرَّكَ رَهْطٌ قد احتَفَوا مِن حَوْلِك، وألْقَوُا السمعَ .
إلى قولك ، إلى الآخر .
فالجواب : أن هذا فَنَّ فَاسِدٌ قد نشأ من سُوءٍ فَهِمِك، وخَطأِ قياسِك، لأنك قِسْتَه
على نَفْنِك، والأمر على عكسٍ ذلك، لأنك قدرَ كِبِتَ الشَّطَط والأهوال، وبذلتَ الغُرَ
والأموال، حتى أجتمع عندك جمع من الفَنَقة الجُّال، لإِيَعْرِفون الحرامَ مِن الحلال،
ولا يُمِّون الجوابَ عن السؤال، يعظِّمُونك فى الخِطاب، ويُصَدِّقونك فى الغِياب(١)،
يُمثِّلُونك بذَوِى(٢) الرَّقَب، فقُل بالله قولاً صادِةٍ، هل تقدَّمتَ فى مدَّةٍ حياته فى مجالس
التدريس وحِلَقِ المُناظرة؟ وهل عليك العِلْ جَمالُ وأَّبة؟ أوَ مَا كنت بالعامّة مُشْتَبِهِ،
وبالأتراك مُقْتَدِهْ(٣) ؟ يَجُرُونك إلى كلِّ بَلَدٍ سَحِيقٍ، ويرِمُونَك فى (٤) كلِّ فِيعٌ عَمِيقٍ،
وهل لّا سَنَّمْتَ رأىَ مخدومِك محمد بن الرشيد(٥) وزير السلطان أبى(٦) سعيد ، حین بنى
باسمِه المدرسة الحجرية فى الربع الرشيدية، وحضرتَ بينَ يديه يومَ الإِجلاس، صامتاً
كالبُرْمةُ(٢) : عد الهِراس، وفَقَدتَ الحَواس، وكنتَ كالوَسْواس الخنّاس، الذى يُوسْوس
فى صُدور الناس، فنعوذ بالله من أمثالِك مِن الجِنّة والناس.
(١) فى: ج، ك: ((الحجاب)). والمثبت من المطبوعة.
(٢) فى المطبوعة: ((بدون)) وأثبتنا ما فى: ج ، ك.
(٣) فى المطبوعة: ((معتدة)). وصححناه من: ج، ك، وأصله: ((منتد)) من الاقتداء، الحنث
به حاء الكت .
(٤) فى المطبوعة: ((من)). واثبتنا ما فى: ج ، ك.
(٥) راجع ترجمته فى الدرر الكامنة ٢٥٢/٤
(٦) راجع ما تقدم فى حواشى صفحة ٤٦
(٧) البرمة، بضم الباء : قدر من حجارة، وقيل: القدر مطلقا، وهى فى الأصل: التخذة من
الحجر المعروف بالحجاز واليمن . الان ( ب ر م ).

- ٧٦
وأما الذين اجتمعوا عند والدى واشتغلوا عليه وتمثلوا بين يديه بمفهم العلماء (١) الأبرار،
والمُّلحاء الأخيار، بداواله الأنفس والأموال، منهم الإمام الهمام الشيخ شرف الدين
الطِّيِىّ، شارعُ الكشّاف، والنِّيان(٢)، وهو ككس لا يَخْشَى بكلِّ مكان
ومنهم الإمام المدقق نجم الدين سعيد(٣)، شارخ شرح الماجديّة، والعَرُوضِ السَّاوِيَّةُ(٤)
وهو الذى سار بذكره الرّ كبان.
ومنهم النُّوران فرج بن أحمد الأرْدُبِلِىّ، ومحمد بن أبى الطَّيِّبِ الشَّرَازِىّ، وهما
كالتوأمَيْنَ، قَرَاضَا بِلِبان وأىّ لِبان، وَرَكَمَا مِنْ أَجْلَا(٥) العلوم فى عُشْبٍ أُخْصَبَ
مِن أعمان .
(١) فى: ج، ك: ((علماء)). وأعداما فى المطبوعة. وفيها: ((الأبرار الصلحاء)) وزدنا الواو
من : ج ، ك.
(٢) يريد: وصاحب الثنيان، وهو التيان فى المبانى والبيان. وتعنى: هو الخمسين بن محمد بن
عبد الله، ترجمته في الدرر الكامنة : ١٥٦/٢
(٣) ذكره السيوطى فى بنية الوعاء ٥٩١/١، قال: « سعيد العجمى المشهور بالنجم سعيد، خارح
الحاجية، لم أقف له على ترجمة، وشرحه هذا كبير، جعله شرحاً للمتن والشرح الذى عليه للمصنف،:
وفيه أبحاث حسنة».
والجاجية: هى الكافية فى النحو، لجمال الدين أبى عمرو عثمان بن عمر ، المعروف بابن الحاجب،
وقد ذكر صاحب كثيف الفنون ١٣٧١ من شروحها شرح نجم الدين سعيد العجمى، هذا ، قال
ويقال له : الشرح العيدى ». وانظر التعليق التالى:
: (٤) فى المطبوعة: ((الناغوجية)). وفى: ج، ك: ((الباوحية)). وكل ذلك خطأ- والعروض
الساوية، ويقال: عروض السباوى: قصيدة لامية، وقمى التصيدة الحناء ، فى العروض والقوافى،
نظمها صدر الدين محمد بن محمد الاوى ، وأولها:
بحمد المليك الحق ذى الطول والعلا
وشكر أياديه أفتح متفمثلاً [متضئلا]
مفتاح السعادة ٠٢١١/١ ٢٢٠، كشف الظنون ١١٣٦، وذكر من شروح هذا العروض شرح
حجم الدين هذا، وسماه: نجم الدين سعيد بن محمد العيدى. ومن هذا الشرح نسخة مهد المخطوطات
بجامعة الدول العربية برقم (١٣) = وض. فهرس المخطوطات المصورة ٤١٤/١، وجاء فيه اسم الناظم:
((زين الدين محمد الناوى)). واسم الشارع: ((نجم الدين سعيد بن المولى السعيد محمد الجبريزى)).
بقى شىء: وهو أن ما جاء فى الفخدين ج، ك: ((الاوجية)) بجاء مهملة واضحة، ولو كان
((الباوجية» بالجم، لكان باثراء فإن النسبة إلى ساوه: ساوى وناوجى معجم البلدان لياقوت ٢٤/٣
(٥) فى المطبوعة: («أكل)) والتصحيح من: ج، ك.

- ٧٧ -
ومنهم قاضى القضاة نظام الدين عبد الصَّعد، وهو ممّا لايُشَقّ غُبارُه، ولا يَخْفَى عن
غير المعترض مِقِدارُه. فكم لوالدى مِنْ مِثْلهم من التلامذة فى كلِّ بلدٍ، بحيث إنى لوأريد
أن أذكرَهم ببعض تراجهم أحتاجُ إلى مَّدات، فيكون تضييعا للقرطاس وتضييقا للأنفاس،
فهؤلاء لَمَمْرِى رِجَالٌ إذا أممن انتأمُّلُ فيهم، عَرَف أن ماءَهُم بَلَغَ (١) قُلَتَيْن، فلم يَحْمِل
خَئاً .
وقولك : فاقْبل النَّصيحة .
فتقول: ياأيُّها المُسْتَنْصَحُ(٢)، لِمَ لانصحتَ نفسَكَ، حتى كنّا سَلِمِنا من هذه
الَهَذَيَنَات(٣)، أما سَمِعت قولَه تعالى: ﴿أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَفْتَوْنَ أَنْتُسَكُمْ﴾(٤)
وقول الشاعر(٥):
لاتَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْنِىَ مِثْلَهُ عَارُ عليكَ إذا فَلْتَ عَظِيمُ
فأنت الباعِثُ لى على هذه الكلمات ، وإلّا أين أنا والبحثُ عن أمثال هذه الأسرار ،
والحوضُ فى الجواب عن نتائج قَرائح الأخيار (٦)، قال الشاعر(٧):
إذا لم تُكَدَّرْ كان صَفْواً غَدِيرُهَا
وما النَّْسُ إلّا نُطْفَةٌ فى قَرارَةٍ.
لكن الضَّرورة إلى هذا المقدارِ دَعَتْنى، وفى المثل: لو ذاتُ سِوارٍ لَطَمَتْنِى (٨)،
(١) فى المطبوعة: ((مبلغ)). وأثبتنا ما فى: ج، ك. وهذا التعبير من مصطلحات فقه السادة
الشافعية ، وتقدم فى الجزء التاسع ١١٣
(٢) فى: ج، ك: ((النصح)) وأثبتنا ما فى المطبوعة.
(٣) فى المطبوعة: ((هذا الهذبان)). وأثبتنا ما فى: ج، ك.
(٤) سورة البقرة ٤٤.
(٥) أبو الأسود الدؤلى. ديوانه ١٣٠، وتغير القرطي ٣٦٧/١
(٦) فى المطبوعة: ((الأخبار)). وأثبتنا ما فى: ج ، ك.
(٧) هو عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن عطية بن الخطفى، والبيت فى ديوانه ٤٦، برواية :
(( نظافة بقرارة)).
(٨) المعنى: لو ظلمنى من كان كفؤالى لهان على، ولكن ظلمنى من هودونى .. ويروى: أو غير
ذات سوار لملتنى. مجمع الأمثال ١٧٤/٢، ٢٠٢ (باب اللام).

- ٧٨
قال الشاعر (١):
فَنَكَّبَ عِنْهُمُ: دَرْءَ الْأعادِى .. ودَاوَوْا بِالجُنُونِ مِنِ الجُنُونِ(٢)
ثم إنى أستغفرُ اللهَ العظيم الذى لا إلهَ إلَّا هُو الحىُّ القَيّوم، غَفَّار الذُّنُوب، سنَّارِ
الْغُيوب، وأتوب إليه، وأحلِفُ بالله العظيم أن القاضِىَ عضُدَ الدّين، تفَّده اللهُ برحمته،
١٠ كان يعتقد فى والدى رحمه الله، الذى عَرَّض به فى الجَوَاب، بل كان معظّاً له غاية التعظيم،
خُضُوراً وغَيْبةً، وحاشَ لله أن أعتقدَ أيضاً فيه ماتعرَّضتُ له فى بعض المواضيع، بل أنا
معظِّمٌ فى، معتقد أنه كان من أكبر الفضلاء وأما ثلِ العلماء، وكذا والدى رحمه الله،
كان يعظّمه أكثرَ مِن ذلك، نعم إنما يَعرِف ذا الفضلِ مِن الناس ذَوُوه، والشيطانُ فذَيْزَعُ
بين الأحِّة والإخْوة، وإنما كتبت هذه الكلماتِ استيفاء للقِصاص، فلا يَظُنَّ ظانِ أَنّ
محقُرٌ له، فإنه قد يُسْتَوْلَى القصاصُ مع التعظيم، ويَعْرِف هذا مَن يعرفُ دَقائقَ الفقهِ . ثم إنى
أرجو مِن كَرمِ الله سبحانه وتعالى، أن يتجاوَزَ عنّا جميعَ مَازَلَّتْ بِهِ القَدَم، وَظَغَى به القلم،
وأن يجعلنا ممَّ قال فى حقِّهم: ﴿ وَنَزَعْنَا مَفِى سُدُورِهِمْ مِنْ غِرّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ
مُثَنَا بِلِينَ}(٣) والحمد لله رب العالمين ؟[وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
أجمعين ]٤) .
٠
(١) أبو الغول الطبوى، والبيت من قصيدة فى أمالى القالى ٢٦٠/١، ٢٦١، والشعر والشعراء.
٤٢٩/١، وشرح الحماسة للمرزوق ٤٣/١
(٢) فى المطبوعة: ((فناغت عنهم دار الأعادى)) وفى: ج، ك: ((ملت عنهم ذرا الأعادى» ولم
يتقيد فى الكلمة الأولى سوى الجداء الفوقية، وأثبتنا الصواب من المراجع المذكورة قبل. والمعنى: حرّف
هذا الضرب عن هؤلاء القوم إعوجاج الأعداء وخلافهم، وداووا الشر بالشر ، وهذا كما يقال: لا يقل
الحديد إلا الحديد، وأصل النكب: لميل، والدره: أصله الدفع، ثم استعمل فى الخلافة؛ لأن المختلفين
بتدافعان. من شرح الحماسة .
(٢) سورة الحجر ٤٧
(٤) سقط من المطبوعة ، وأثبتناه من: ج ، ك.

- ٧٩ -
١٣٧٠
عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة"
قاضى القضاة ، عِزّ الدين أبو معمر.
وَلِمُ قاضى القضاة شيخِنا بدرِ الدين أبى عبد الله.
١
أما والدُهُ فسبَقت ترجمتُه(١).
وأما هذا فمولده فى سنة أربع وتسعين وستمائة، بدمشقَ المحروسة، بالمدرسة العادليّة
الكُبرى، بمنزل والده، حيث كان قاضي القضاة بالشام، ورُبِّىَ فى عزّ زائد، وسَعْدٍ کثیر،
وديانةٍ وقصوُّنٍ، وطَنَبٍ للحديث، طَلَب بنفسه، وسَمِع الكثير، وارتحل من مصر
إلى الشام .
سمع من أبى المعالى الأبَرْ قُوهِىّ، وأنى الفضل أحمدَ بن هبة الله بن عساكر.
ولمّا عَمِىَ والدُه قضى القضاة بدر الدين، ووَلِيَ القضاء بالديار المصرية قاضى القضاة
جلالُ(٢) الدين، استقرَّ القاضى عِنّ الدين على وكالة بيت المال ووكالة الخاصّ، وتدريس
زاوية الإمام الشافعىّ رضى الله عنه بمصر، وتدريس الفقه والحديث بجامع طُولُون، ونَظَرِهِ،
وتدريس جامع الأقر، ونظرِه، وغير ذلك من [ الشَّرَف(٣) و] الوظائف، ولم يَزَلْ إلى
أن صُرِفٍ قاضى القضاة جلالُ الدين، فتولى هو قضاءَ القضاة بالدِّيَّر المِصريّة فى سنة ثمان
وثلاثين وسبعمائة، واستمرَّ فى عِزَّ ورِفعة، بيده قضاء القضاة(٤) والخطابة، وما أُضِيف
* له ترجمة فى: البداية والنهاية ٣١٩/١٤، البدر الطالع ٣٥٩/١، ٣٦٠، حسن المحاضرة
٣٥٩/١، ٤٢٥، ١٧١/٢، الدرر الكامنة ٤٨٩/٣ - ٤٩١، ذيول تذكرة الحفاظ ٤١، ٤٢،
٣٦٣، ٣٦٤، رفع الإصر ٣٥٥/٢ - ٣٥٩، الملوك، القسم الأول من الجزء الثالث ١٢٥،
شذرات الذهب ٢٠٨/٦، ٢٠٩، طبقات الإسنوى ٣٨٨/١ - ٣٩٠، طبقات الحفاظ السيوطى
٥٣١، ٥٣٢، العقد الثمين ٤٥٧/٥ -٤٦٠، فبرس القبارس ٢٢٥/١، النجوم الزاهرة ٩٠،٨٩/١١
(١) الجزء التاسع ١٣٩
(٢) هو محمد بن عبد الرحمن بن عمر القزويني. سبقت ترجمته فى الجزء التاسع ١٥٨
(٣) زيادة من : ج ، ك ، على ما فى المطبوعة.
(٤) في المطبوعة: ((قضاء القضاة بالديار المصرية والحمثابة)). ولم ترد هذه الزيادة فى: ج، ك،
وكأنها قفزت إلى عين الناسخ أو الطابع من السطر السابق.

إليهما مع الزاوية وجامع طولون، إلى سنة تسع وخمسين(١) وسبعمائة، فى نَوْبةٍ صَرْ غَتُْش،
عُزِل عن القَضاءِ ومُضافاته، واستمرَّ على الزاوية، وجامع طُولُون، فاستمرَّ على ذلك ثمانين
يوما، ثم أُعِيد إلى أنتضاء وما معه، عندَ ذَهابِ دولةٍ صَرْ غَتْمُش، فعاد مخطوباً مطلوبًا.
واستمرَّ يَتَقلَّقُ كلَّ وَقْتٍ مِن المَنْصِب، ويُؤْثُ الانقطاعَ والُزْلَةَ، ويطلَبُ الإقالَةِ،
فلا يُجاب، إلى شهر جمادى [الأولى](٢) سنةَ ت وستين وسبعمائة، دخل على نظام
لذلك الأميرِ الكبيرِ يَلْبنا، مُدِّ المملكة، أعَزَّ الله نَصْرَه، وعزل نفسه، وصحَّم على
عدم العَوْد
واتَّفَقَ له مالم يَتَّقْ لقاضٍ قَبْلَه، مِنِ العَظَمَةِ، ونَزَل(٣) الأمير الكبير يَلْيَغًا بنفسه،
وهو مَلِكُ البسيطة إلى داره، ودخل عليه [ورَجاه](٤) أن يعود، فأبى واستمرٌّ على الزاوية
وجامع طُولُون وجامع الأمر، وانفصل عن القضاء ومُتَعَلَّقاته، إلى أوان الحجّ، أخبره فقير
أنه رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فى المنام، يقول له: (٥) ((فُلاَنٌ أَوْحَشَنَا)) وذَكر هو
أنه رأى والدَه يقول فى التام الذى رآه الفقير: صحيحٌ. فَحَجَّ وجاور بمَلَّة، إلى جمادى الأولى
توجّه إلى زيارة النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم، وعاد إلى مكةً ، فأقام بها ثلاثة أيامٍ مُعانى، ثم
مَّرِضٍ فاستَمِرَّ بِه الْمَرَضُ عِثْرةَ أيامٍ، فَتوفَّىَ فى عاصر جمادى الآخرة سنة سبع وستين
وسبعمائة [بمكّة](٦)، ودُفِنٍ فى حادى عشر، بينَ الفضيل بن عياض، والشيخ بحجم الذين
الأصفهاني
(١) فى الأصول: ((وأربعين)). وصححناه من طبقات الإستوى، والدرر الكامنة، والعقد
الثين، وحسن المحاضرة، الموضع الأخير المذكور فى صدر الترجمة.
(٢) تكملة + ترك لها بياض فى: ج، ك - من طبقات الإستوى، والحقد المين، وجبان
المحاضرة.
(٣) فى المطبوعة: ((ونزول)). وأثبتنا ما فى: ج، ك.
(٤) زيادة من المطبوعة، على ما فى : ج، ك، وحسن المحاضرة.
(٥) فى: ج، ك: (يافلان)). وأثبتنا ما فى المطبوعة.
(٦) زيادة من: ج، ك، على ما فى المطبوعة.

- ٨١ -
وبالجُملة كلن نَسْمَةً سعيدةً(١)، مِن سُعداء الدنيا بالمشاهدة، ومِن سُعداء الآخرة،
فما يَغْلِبِ على الظَّنِّ، مُحِبًّا للحديث ولسماعه، مَعْمورَ الأوقات بذلك، نافِذَ الكلمة، وجيهاً
عند الملوك، كثيرَ العبادة، كثيرَ الحِجِّ والمُجاورة، ونال مالم ينله أحدٌ قبلَه، مِن مَزِيد
السَّعد، مع حُسْنِ الشَّهرة، وتَقَاذِ الكلمة، وطُولِ المُدَّة، وكثرةِ السُّكون .
١٣٧١
عبد الرحمن بن يوسف بن إبراهيم بن على*
شيخنا نجم الدين الأَسْفُونِيّ(٢) ، أبو القاسم
صاحب (( مختصر الرَّوْضة))، وقد قرأْتُ عليه بعضَه بالحُجرة النبويّة، على ساكنها
أفضلُ الصلاة والسلام [ وأَممُّ التحيّةِ والإ كرام]» ، فى سنة سبع وأربعين وسبعمائة.
مولدُه سنةً سبعٍ وسبعين وستمائة .
وتفقه بالصعيد على الشيخ بهاء الدين القِغْطِىّ، وقرأ القُرآنَ وتردّد إلى الحَجِّ ، ثم جاوَر
بمكَّةَ إلى حين وفاتِهِ .
وكان رجُلًا صالِحاً عالِماً، يعرِف الفقهَ والفرائضَ وغيرهما .
توفّى فى ثالث عشر ذى الحِجّة، سنةً خمسين(٤) وسبعمائة بمِنَى، وَنُقِلَ إلى المَعْلَى.
(١) فى: ج، ك: ((قسمه سعيد)). وأثبتنا ما فى المطبوعة.
* له ترجمة فى: حسن المحاضرة ٤٢٨/١، الدرر الكامنة ٤٥٩/٢، شذرات الذهب ١٦٧/٦،
طبقات الإسنوى ١٧٧/١ - ١٧٩، العقد الثمين ٤١٥/٥ - ٤١٨، مرآة الجنان ٣٣٤/٤، النجوم
الزاهرة ٢٤٨/١٠. وقد جاء اسم المترجم فى المطبوعة: ((عبد العزيز)). وأثبتناه «عبد الرحمن» من:
ج، ك ، والمراجع المذكورة .
(٢) راجع التعريف بهذه النسبة فى ٤٠٩/٩
(٣) زيادة من المطبوعة، على ما فى: ج ، ك .
(٤) فى المطبوعة: ((خ)). وصححناء من: ج، ك ، ومراجع الترجمة المذكورة.
(٦/ ١٠ - طبقات الشافعية)