Indexed OCR Text
Pages 221-240
٠
- ٢٢١ -
لَهَ مَطْلَبُ أفْنَى تَنِيهِ عُمْرَهُ وحاجاتُ نَفْسِ لانُجَاوِزُ صَدْرَُ(١)
أُعَدَّ لهما باهَ الشَّفِيعِ المُشْفَعِ(٢).
وقال :
لله دَرُّ الِفِئَةِ الأَمْجَادِ
عَرَفُواوهُمْ بِالنَّوْرِ مِن وادى الغَضا
فَسَرِوْا لَنَجْدِ لاَ يَمَلُّون السُّرَى
لاَ يَقْطَّمُونِ مِنِ الَنَاهِلِ مَعْلَماً
لم يَتْهِم ◌ُولُ الطريقِ لَهُمُ ولا
سَّهُ مَسَّ النَّاسِ جُونُهُمْ
سفهم
وتكادُُنفسُهُمُ تَفِيظُ وتَحْتَسِى
نادَ تْهُمُ النَّجُبُ الرَّ كَائِبُ عِندَما
طِيبُ الحَياةِ بَنَجْد إلّا أَنَّهُ
فأجابهاَ صِدْقُ العَزيمةِ إنّما
◌ِ دَرَّهُمُ فَقَدْ وَسَلُوا إلى
السَّالِكِينَ مَسَالِكَ الأَفْرادِ(٣)
أَنْ رَبَلُوا لِبَارِكِ الْعُبَّادِ (٤)
أو يَظْغَرُوا مِنْهَا بَكُلَّ مُرادٍ
إلّا ولاحَ سِواه بالمرصادِ
عَدَمُ الرَّفِقِ ولا نَفَادُ الرّادِ
كأساً تُمِيلُهمُ عَلَى الأعوادِ (٥)
بِنَسِيمِ نَجْدٍ أو غِناءِ الحادِى(٦)
أَطَّتْ بَوَفْعِ السَّوطِ والإِجْهَادِ(٧)
مِن دُونِ ذاكَ تَفتُّتُ الا كبادٍ
نحنُ المَالِ أنْفُسُ الأجوادِ
ظِلِّ النَّسيمِ وبَرْدٍ حَرِّ الصادِى
(١) فى المطبوعة: ((يمنيه ... لاتجاوز صده)). والتصحيح من: ج، ك، والديوان، والفوات.
(٢) فى: ج، ك: ((أعد عطفا جاء ٠٠٠))، وأثبتنا الصواب من المطبوعة، والديوان، والقوات.
(٣) ديوانه ١٧١، نقلا عن طبقات البكى ، وحدها.
(٤) فى المطبوعة: ((إذ رحلوا))، والمثبت من: ج، ك .
(٥) فى المطبوعة: ((من الناس)). والتصحيح من: ج، ك. وننبه هنا إلى أن ناشر ديوان
ابن دقيق العيد قد اعتمد فى إثبات هذه القصيدة على مطبوعة الطبقات وحدها، فلم تر فائدة من ذكر
رواية الديوان .
(٦) تفيظ: "تموت. وقوله: ((تحتى)): هو هكذا فى المطبوعة. ولم يتضح الرسم فى: ج ، ك.
فإن صح ((تحتى)» فيفهم فى البيت على التعبير المجازى، فإن الاحتباء هو: عد الساقين إلى الظهر
بثوب أو بغيره .
(٧) أمات الإبل نشط أطيطا: أنت تعبا أو حنبنا.
- ٢٢٢ -
والدَّارُ قَفْرَا مِنْهُمُ بِمادٍ
وَلَقَدْ بَعِزُّ عَلَىَّ أَنَّهُمُ غَدَوْا
بَيْنَ اعِراضٍ عَواتِقٍ وغَوادِى
تُدْفِىِ الهَلاكَ ولو ◌َعَدِ مْتُ الهادِى
فَلَأَ نْهَضَنَّ إلى الحِمَى مُتَوجِّهاً
ولَأَقْطَعَنَّ عَليهِ كُلَّ مَفَازَةٍ
وقال :
يقولون لى هَلَّا نَهِضْتَ إلى العُلَا
وهَلَا شَدَدْتَ الِسَ حَتَّى تُحِبّها
فَيِها مِنِ الأعيانِ مَنْ فَيْضُ كَفَّهِ
وفيها قُضاةٌ ليس يَخْفَى عَلَيْهِمُ
وفيها شُيُوعُ الدِّينِ وَالفَضْلِ والأَلَى
وفيها وفيها والمَهَانَةُ ذِلَّةٌ
فقلتُ نعم أسْمَى إذا شئتُ أن أُرَى
وأسْعَى إذا ما لَذَّ لِ طُولُ مَوْقِفِى
وأسْعَى إذا كانِ النَّفَاقُ طَرِيقِى
وأسْعَى إذا لم يَبْقَ فِيَّ بَقِّيّةٌ
فَكّمْ بِينَ أربابِ الصُّدُورِ مَجَالِس
وَكَم بينَ أربابِ العُلومِ وأهلِها
فالَذَّ عَيشُ الصابِرِ الْتَقْنَّعِ (١).
بِمِصْرَ إلى ذِكُ الجَنَابِ المُرَفْحِ(٣)
إذا شاءِ رَوَّى سَيْلُهُ كُلَّ يَلْفَعِ
نَمَّنُ كَوْنِ العِلْمِ غَيْرَ مُضَمَعٍ(٢).
يُشِيرُ إليهم بالْعُلَى كُلُّ أَطْبُعِ
فَقُمْ وَاسْعَ واقِصِدْ بَابَ رِزْقِكَ وَاقْرَعٍ(٤)
ذليلاً مُهاناً مُسْتَخَفًّا بِمَوْضِى (٥)
على بابِ مَحْجُوبِ اللّاءِ مُصَنَّعِ
أروحُ وأغدُو فى ثِيَابِ التّصَنَّعِ
أُراعِى بها حَقَّ النُّفَى والتَّورُّعِ
يُتَبُّلها نارُ الْغَضَا بينَ أَضْلُعِى (٦).
إذا بَحْتُوا فى الُشْكِلاتِ بَمَجْمَعِ
(١) ديوانه ١٧٨، نقلا عن الطبقات، ومعيد النعم السبكى ٧٠.
(٢) فى معيد النعم: (( إلى ظل الجناب)).
(٣) فى المطبوعة: ((تيقن كون))، والمثبت من: ج، ك، ومعيد النعم.
(٤) فى المطبوعة، ك:((والمهابة)). والتصحيح من: ج، ومعيد النعم.
(٥) فى المطبوعة: ((مستحقا لموضع)) وقد أهمل نقط ما بعد الماء فى: ج، ك، وأثبتنا ما فى
معيد النعم .
(٦) فى أصول الطبقات: ((وكم))، وأثبتناه بالفاء من معيد النعم، وهو أدق وأبلغ. وفى
العيد: (( مجالاً).
- ٢٢٣ -
وقد شَرَءُوا فيها إلى شَرِّ مَشْرَعٍ(١)
مُنَاظَرَةٍ تَحْمِى النُّفُوسَ فَتِّْى
أو الصَّمْتِ عَنْ حَقِّ هناكَ مُضَيِّعٍ(٣)
وإمّا نَلَقِّى غُصَّةِ الْتُجَرِّعِ(٣)
مِنِ السَّفَهِ المُزْرِى بِمَنْصِبٍ أُهِلِهِ
فإمَّا تَوَّى مَسْلِكِ الدِّينِ والنََّى
وقال : ..
مالَنَا قَرْعَةٌ لَغَيْرِ الغَرامِ(٤)
نَزَّهُونا عن استماعِ السلامِ
عن سِوَى راءَةٍ وأهلِ الخِيامِ
ليس فى الوقتِ وُصْلَةٌ لحديثٍ
ليس إسعادُ مِثْلِهِ بَحَرَامٍ(٥)
ياخَلِيلِى دُعاءَ صَبٍّ فَرِيحِ
لِأَدى بَرْقَ أرْضِهِم مِن قِيامِ
لستُ أَقْوَى على النّهوضِ بنَفْسِى
وقال :
وسَبِيلُ السُّلُوِّ غَيرُ سَبِيلِى(٦)
دَمْعُ عَيْنِى عَلَى الْغَرامِ دَلِيلِى
ليس لِيَ التفاتَةٌ لِمَذُولِ (٧)
لاتَخَافا عَلَى مِن كُثْرِ عَذْلِ
نَحْوَ نَجْدٍ وهاجَ مِّى عَلِيلِى
كلَّ ما لاحَ بارِقٌ ذُبْتُ شوقاً
فَوْقَ وَجْدِى وَبَيَن خَدٍّ عَسِيلٍ (٨)
وتَرَدَّدتُ بِينَ وَجْدٍ جَدِيدٍ
(١) فى المطبوعة: ((مناظره يحمى النفوس فينتهى))، وأثبتنا الصواب من: ج)، ك، ومعيد
النعم. وقوله: ((مناظرة)) يقرأ بالجر، على أنه تمييز (كم)) الخبرية، فى البيت السابق، وقوله:
(( تحمى)) جاء بحواشى معيد النعم: أى تجعلها حامية متقدة من الغضب.
(٢) فى معيد النعم: ((إلى السفه)).
(٣) فى معيد النعم: ((الدين والتقى)».
(٤) ديوانه ١٨٢، نقلا عن طبقات السيكى وحدها.
(٥) فى الأصول: ((ياخليلى دعا صب قرح)). وترى الصواب ما أثبتنا ليستقيم الكلام وزناً
ومعنى، وقد كتبها ناشر الديوان: ((دعا صبا قريجا)» فغير ما فى الطبقات - وهى مصدره الوحيد -
ليعرب («صبا)) (مفعولا لدعا. ويلزم عليه أن يكون ((خليلى)) بتشديد الياء، وهو مخل بوزن البيت.
وجاء فى المطبوعة: ((إسعاف مثله))، وأثبتنا ما فى: ج، ك .
(٦) ديوانه ١٨٢، نقلا عن الطبقات وحدها.
(٧) فى المطبوعة: ((لا تخافى))، والمثبت من: ج، ك .
(٨) فى ج: ((وتردد بين)). والتصحيح من: ك، والمطبوعة. وفى الديوان: ((خد أسيل)).
ولنا ندرى من أين جاء ناشره بهذا، فإنه ذكر أن مصدره الوحيد فى هذه القطعة: طبقات السبكى،
والرواية فيها ما تراه .
- ٢٢٤ -
وقال :
عَنْ نَظَرِ الوافِىِ ونَهْمِ اللواحُ(١)
دَقَّتْ مَعَانِى حُسْنِكُم فى الملاح.
لِلهِ أيامٌّ مَضَتْ لِ بِكُم
أيامُ وَصْلِ نِلْتُ فيها الذِى
وقد بَقِيتُ اليومَ مِنْ بَعْدِها
ما قُوَّهُ مَن [قد] طارَ مِن وَ كْرِهِ
أِيتُ أَرْعَى مِن نَجُومِ الدُّجا
علمتُ ياظالمُ بِعِدَ اللّفا
وقال(٤) :
◌ِكَ كُلَّ يومٍ فى زِيادُ
لَكَ لو تُواتِيِنِى السَّمَاد:
لمَ يَنْتَظِمْ لِ فِيكَ عَادَهْ
دٍ وأرْتَجِى نَيْلَ الشَّهادة
يَفْنَى الزَّمَانُ ومِحْتَقِىِ
بالَغْتُ فِى طَلَى وِما
تَنْأَى وَتَدْنُو دائماً.
أَفْنَيْتُ عُمْرِى فِى الجِهَا
وقال(٥) :
سِرْ فَكَفِّى بِغَيْضِ دَمْعِى قبلى
١ كْثَرَ العَاذِلُونَ فِيِكَ وَلكنْ
بَيْنَ رُا نَجْدٍ وَتِكَ البِطاخْ
أُهْوَى وأكثرتُ مِنَ الإِقتراخُ
كطارٍ قَدْفُسَ مِنهُ الجَنَاحْ
ولا عَلَى مَن سَلَا فَاسْتَرَاحٌ(٢)
أَسِيرَ لِيلِ مالَهُ مِن بَرَاحْ
وقَسوةِ القابِ أُخّاكَ الصَّباحْ(٣)
وأحادِيتُ: صَبْوَّتِي فِيكَ تْلَى (٦)
لم يَجِدْ عَذْلُهُمْ بَقْلِ مَجْلَا
ليس تَبْفِى سِواكَ فى الناسِ خِلَّا
وَقَفَتْ هِمَّتِى عِلِكَ وُقُوفَاً
(١) ديوانه ١٧٠، نقلا عن الطبقات وحدها.
(٢) فى المطبوعة، والديوان نقلا عنها: ((ما قوت))، وأثبتنا ما هى: ج، ك، وأنبتنا ((قد))
من الديوان، وقد أحسن ناشره، فبها يستقيم وزن البيت .
(٣) فى المطبوعة: ((حال الصباح))، وأثبتها ناشر الديوان: ((حيال))، وأنبتنا ما فى: ج، 4.
(٤) ديوانه ١٦٩، نقلا عن الطبقات وحدها.
(٥) ديوانه ١٨١، نقلا عن الطبقات وحدها .
(٦) فى المطبوعة، والديوان: ((دمعى سلا
. فيك تبلى))، والمثبت من : ج
- ٢٢٥ -
وأُرَدتَ الِبِعَادَ فَازْدَوْتُ ذُلَّا(١)
غِبْتَ عَّى عنابَ أُنْسِىِ ورُشْدِى
حينَ لاَفَى جَمَالَكَ الفَرْدَ وَلَّى (٢)
إِنَّ صَبْى بَلْقَى الشَّدائِدَ لكنْ
وقال [ يستدعى من انبساط بعض إخوانه](٣) :
لِيَ رَوْحاً قد مقتُهُ يَمِينُكْ(٤)
طالَ عَهْدِى بِرُوَّيةِ الرَّوْضِ فِابْعَتْ
مُرَّ طَعْمِ الفِراقِ ملكَ خَدِينُكْ
أنت خِدْنُ المُلا فلا ذاقَ يَوْماً
مانِ أنْ ليس فى البِلادِ قَرِينُكْ
قلتَ للْمُقْسِمِ المؤكِّدِ الأَبْـ
تَ وكافى الدُّنْيَا لِيَرَّتْ يَمِينُكْ
قلتَ صِدْقًاً وِجِئْتَ حقًّاً ولو قد
وقال(٥) :
لَى بَقْلِ خَطَرَاتِكْ
ماأَدْ
بابَدِيعَ الحُسْنِ
فِيكَ سِرِّ سَحَرَ الأَزْ
بابَ فى استِحسانِ ذاتِكْ
أنَّه. فى لَحْظَاتِكْ
مافَهِمْنَا عَنكَ إلَّ
سَطْوَةً مِنْ سَطَواتِكْ(٦)
أنا أرجُوكَ وأُخْتَى
فٍ وَمِن حُسْنِ صِفاتِكْ
فبما فِيكَ مِنْ اللُّطْ
تلف رُوحِى بَحَيَاتِكْ(٧)
لا تَدَعْ حَجْرِكَ لِ
(١) فى المطبوعة، والديوان: (((لا))، وأثبتنا ما فى: ج، ك.
(٢) فى المطبوعة، ج: ((لكن صبرى)). ولم تظهر الكلمة الأولى فى ك ، فأنبتنا ما فى الديوان.
(٣) ما بين المحاصرتين سقط من المطبوعة، وأتيتناه من: ج، ك. وكلمة: ((انباط)، ليت
واضحة فى المخطوطتين، وأتبعناها اجتهادا. ولملها: ((أسباط)). وهو: جمع السبط، نبات دون الذرة،
يستخرجه الناس ويأكلونه خبرا وطبخا. راجع الان ( س ب ط ) .
(٤) فى المطبوعة: ((روحا قد فقه))، والمثبت من: ج، ك.
(٥) ديوانه ١٧٩، نقلا عن الطبقات وحدها .
(٦) فى الأصول، والديوان: ((أنا أرجو أو أخشى)). واجتهدنا فى إثبات ما يستقيم به الوزن.
(٧) قوله: ((تلف روحى ) هو هكذا فى الأصول والديران، ولا نطمئن له.
(١٠ / ٩ - طبقات الشافعية)
- ٢٢٦ -
وقال (١) :
حَ. المُحِين ◌ِذاتِكْ
اسْتَعْبَد أَرْوا
بالذى
كَ يُرَى مِنِ حَرَ كاتِكْ
وبلْطْفٍ مِن مَعاني
وبِنُورِ الحُسْنِ إِذْ يَحْـ
وِبكَ مِن كلِّ جهاتِكْ
رَكُ مِن [حُسْنِ] صِفاتِكُ (٢)
وبسِرُّ فَوْقَ ما يُدْ
لا تُذِقْنِى الَوْتَ فى
بَدِّكَ عَدَّى بِجَاتِكْ
جَمَالُكُمْ لايُحْصَرُ
وحُّكُمْ بَيْنَ الحَدَّا
دَارِى بَكُمْ لاَ تَنْطَفِى
هجر
ويِثْلُكُمْ
٠١٠٠٠٠١
لا يَظْهَرُ
مُسْتَوْدَعْ
ولَوْ عَتِى لاَ تَفْتُرُ
إذا أنَّىَّ اللَّيِلُ أنَى
الهَمُّ بِكُمْ والفِكَّرُ
فَإنْ أَكُنْ وَذِ كْرَ كُمْ
ولِى عَذُولْ فِكُمُ
١٠٥
طابَ وَذَّ السَّهَرُ
ويُكْثِرُ
◌ُقْلِقُنِى
ذِكْرِمُمُ
يقولُ لِ تُقِلُّ مِن
وتَحْمِلُ الشِّوِقَ الذى
حملتَه
وتُقْصِرُ
وتَصِرُ (٤)
ما أُطِقُهُ
والله
هَلْ أنا إلا بَشَرُ(٥)
(١) ديوانه ١٨٠، نقلا عن الطبقات وحدها. ويرى ناشر الديوان أن هذه القطعة والسابقة من
قصيدة واحدة، لا تحادعما فى الغرض، والقافية والوزن .
(٢) ما بين الحاضرتين زاده محقق الديوان؛ وبمثله يستقيم الوزن.
(٢) ديوانه ١٧٣، حكاية عن الطبقات وحدها.
(٤) فى المطبوعة، والديوان: ((ويحمل ... ويصبر))، بالياء التحتية، وأنبتناه بالتاء الفوقية
من : ج، ك .
(٥) فى المطبوعة، والديوان: ((وهل)). وأسقطنا الواو كما فى: ج، ك، وهو الصواب
لاستقامة الوزن .
- ٢٢٧-
وقال(١) :
لقد بَعُدَتْ لِيلَى وَعَزَّ وِصالُها
فَنْ لِي بِنُوقٍ لا تزالُ تَمُدُّها
ولكنَّا جِسْمٌ يَذُوبُ وصَبْرُهُ
لَسَمْرِى لقد كَنَّفْها فى مَسيرِها
وتشكى لى التسويف والسَّوْط والبُرحى
وتسألُفِى رِفْقاً بها وبضَعْفِها
ولمِيسِ آَمَالْ بَأَبِلَى تَعَنَّقَتْ
يُقَرِّبُ عِنْدِى وَصْلَها حسنُ أُطْفِها
وإنّى لَأَرضَى اليومَ بعدَ تَشَوُّقِى
فبادِرْ إلى نَجْدٍ وَلُذْ بَنَسيِها
وفاحَ نسيمُ الرَّوْضِ حَتَّى تَطَّرَتْ
وَغَنَّتْلَكَ الأَطيارُ مِن كُلِّ جاذِبٍ
فلا تَبْخَلِى أَن تُرْسِلِى لِيَ نَسْمَةً
كما عَزَّ بِينَ العالَمِينَ مِنْالُها
قُواها ولا يَدْنُو إليها كَلالُمَا(٢)
يَحولُ وأرواحٌ يُخافُ زَوالُها
بُوعَ مَدَّى قد قَلَّ فيه احتمالُها
ولو خفَ من شوقى أَجيب سؤالُها(٣)
ولو خَفَّ مِنِ سَوقِ أُجِيبَ سؤالُها(٤)
أخافُ المَنَايا قبلَ كَوْفِى أذلُها (٥)
وَيُبْعِدُها استغناؤُها ودَلالُها (٦)
إلى أن أراها أن يَزُورَ خيالُها
وبَرْدِ جَناها ثم طِب ظِلالها(٧)
رُبُكَ بِرَيَّاهُ وَرَقَّ جَمالِها
فَأَطْرَبَ أهلَ الحَىِّ مِنها ما أُها (٨)
نَبُلُّ عليك الشوق مِّى بِلالُها(٩)
(١) ديوانه ١٨٥، ١٨٦، عن الطبقات وحدها .
(٢) فى المطبوعة: ((إلى كلالها))، وأثبتنا الصواب من: ج ، ك.
(٣) هذا البيت لم يرد فى المطبوعة، وأثبتناه من : ج، ك .
(٤) فى المطبوعة: ((شوقى)) بالدين المعجمة، وأتيتناه بالسين المهملة من: ج، د، وهو أولى
ليخلف ما تقدم فى البيت السابق. على أن تكرير العجز فى البيتين غريب .
(٥) فى المطبوعة: ((والعيش)) بالشين المعجمة، وأنبناء بالدين المهملة من: ج ، لي.
(٦) فى المطبوعة: ((يقرب فى وصلها)). وفى: ج، ك: ((بقرب لعندى وصلها)). وامل
ما أثبتناه هو الصواب .
(٢) فى المطبوعة: ((وبرد جناه)). وفى ج: ((حياة)). وفى ك: ((حبات))، وأثبتنا ما فى
الديوان، وهو اجتهاد من ناشره ، لذا سبق أن مرجعه الوحيد فى هذه القصيدة طبقات الشافعية وحدها.
(٨) فى: ج، ك: «وغنت بك))، والمثبت من المطبوعة.
(٩) قوله: ((عليك)) هو هكذا فى الأصول، ولعل صوابه: ((عليل)).
- ٢٢٨ -
ونَفْحَةُ رِيحٍ من هناك انتقالُها(١).
فياحَبَّا بَرْقُ بأرضِ مَسَرَّةٍ
عَسِيرٌ عَلَى مَرِّ الزّمانِ الحلالُها
عَقَدْتُ علَى حُبّى لِذِكْرِكِ مُقْدَةً
وقال(٣) :
فيأخُسْرَ مَن أضحَى لذلك باذِلا
ألَّ إِنَّ ◌ِنْتَ الكَرْمِ أُغْلِىَ مَهْرُها
وبالنارِ والفِسْلِينِ والْمُهْلِ آَخِلا
تُزَوَّجُ بالَقْلِ الُكرَّمِ عاجِلا
وقال(٣)
وبَعْضُهُمْ فِى الْبَلاءِ غَائِبْ(1).
بَعْضَىُ أَخِلَّايَ صَارَ مَيْئاً
يُحْصَى وَ يُقْصَى ولا يُقارَبْ(٥).
وبعضُهُمْ حَاضِرٌ ولكنْ
فلاً غَرِيبٌ، ولا مُعاسِبٌ
وصِرْتُ بِينَ الوَرَى وَحِيداً
فلا تَلُمْفِى عَلَى إكتشابي
وقال(٦) :
سُرورٌ مِثْلِى من العجائب
وليس غَيرُ اللّهِ مِنِ آسِى (٧)
قد جَرَّحْنَا يَدُ أيَّامِنا
ليسوا بأهلٍ لسوَى الياس (٨)
فلا تُرَجِّ النّاسَ فِي حَاجَةٍ
(١) فى المطبوعة: ((فيأحمد برق))، وأثبتنا الصواب من: ج، ك. وفيهما: ((بأرض تسره))،
وأثبتنا ما فى المطبوعة ، ورواية الديوان :
* فياحبذا برق فى أراضى مسيرة *
وهو مضطرب الوزن .
(٢) ديوانه ١٨١، نقلا عن الطبقات وحدها.
(٣) ديوانه ١٦٧، نقلا عن الطبقات وحدها.
(٤) فى المطبوعة والديوان: ((أخلالى))، وأثبتا ما فى: ج)، ك، وهو أضبط الوزن.
(٥) فى: ك: ((يختفى ويقصى)). والكلمة الأولى غير واضحة فى ج، ولعلها: ((يجنى))
من الجفاء ، وأثبتنا ما فى المطبوعة ، والديوان .
(٦) ديوانه ١٧٥، ١٠٧٦ .
(٧) فى الأصول: ((خرجتنا))، والتصحيح من الديوان.
(٨) فى الأصول: ((فلا ترجو الناس))، وأثبتنا رواية الديوان، وبها يستقيم الوزن
- ٢٢٩ -
ولا تَقِسْ بِالعَقْلِ أفعالَهُمْ
لا يَعْدَمُ الْآنِىِ لأموالِهِمْ
وإنْ تُجالِسْ مِنْهُمُ مَعْشَراً
بأكُلُ بِضْ لَحْمَ بْضٍ وَلا
لا رَغْبَةٌ فى الدِّينِ تَحْمِيهِمُ
فاهْرُبْ مِنِ الخَلْقِ إِلَى رَبِّهِمْ
وقال(٥):
إذا كنتُ فى نَجْدٍ وطِيبٍ نَسِيمِها
فإن كنتُ فيهم ذُبْتُ شَوقاً ولَوْعَةً
وقد طالَ مابينَ القَرِبِقَيْنِ فِصَّتِى
وقال(٨):
فى أرضٍ نَجْدٍ مَنْزِلٌ الفؤادِى
ما كان أقْرَبَهُ عَلَى مَن رامَهُ
أَسْبُو إليه معَ الزّمانِ فكيفَ لا
عَمَّتَهُ شَوْبِى وَصِدْقَ وِدَادِى
بمسَرَّةٍ لولا اعتراضُ عَوادٍ
أَصْبُو وتلكَ مَكَازِلِى وبِلادِى
(١) فى الديوان: ((ولا تزد)).
(٢) فى الديوان: ((الخماس)).
(٢) فى الديوان: ((وإن تخالط .... هويت فى الدين)).
(٤) فى المطبوعة: ((يخشى فى الغيبة)). وفى: ج، كـ: ((يخش))، وأنبتنا رواية الديوان.
وراجع حواشيه .
(٥) ديوانه ٠١٧٢
(٦) رواه المقرى فى نفح الطيب ٦٨/١، ٢٥٦/٥: ((فحر)). والوضعان معروفان.
وقد ذكرهما البكرى فى معجمه ١١٨٨: ٠١١٩٠
(٢) فى الديوان: ((وإن كنت .... إلى ساكنى)).
(٨) ديوانه ١٧٢، نقلا عن الطبقات وحدها .
ولا تُردْ شَكْوى إليهمْ فَلَا مَعْفَى الشَّكْواكِ إلى قاسٍ (١)
ما مَذْهَبُ القَومِ بُنُقاسٍ
مِن ذِلَّةِ الكَلْبِ سِوَى الحاسِ (٢)
حَوِيتَ فى الذَّنْبِ عَلَى الرّاسِ (٣)
يَحْسِبُ فى الغِيبةِ مِن باسٍ (٤)
عَنْم ولا حِنْمةُ جُلَّاسٍ
لا خَيْرَ فى الخُلْطِ بالنَّاسِ
تذكَرْتُ أَهلِى بِالَّوَى فسُحَجٍَّ (٦)
على ساكِنِى نَجْدٍ وَعِيلَ نَصَبُّرِّى(٧)
فَمَنْ لِ بِفَجْدٍ بينَ قومِى وَمَعْشَرِى
- ٢٣٠ -
أرضٌ بها الشَّرُفُ الرَّبِيعُ وغايةُ المِنَّ الَنِيعِ وَمَسَكَنُ الْأجْوادِ
بمكائد الأعداء والجُسَادِ
أُوِقُها تخرجتُ مِنْهَا عَنْوَةً
وقال(١) :
يامُنْيَغِى أُمَلِى ببابِكَ واقِفْ
أشكُو إليكَ سَبابةً قدِ أنْرَتَتْ
ويُزاعَ شَوْقٍ لم قَزَلْ أَبْدِى النَّوَى
لم يَبْقَ لى أملْ سِوَاكَ فإنَ تَفُتْ
، لم أستَبِذَّ بِغَيْرٍ وَجْهِكَ مَنْظَراً
وقال(٦) :
مَنْ عَذِيرِى مِن مَعْشَرٍ هَجَرُوا اللَّهْ
لا يرون الإنسانَ قد نالَ حَظًّا
والجودُ بأَبِى أن يكونَ مُضاعَاً
لِيَ كْسَ وَجْدٍ فِىِ الهَوَى إِثْراءَ (٢)
تْمِى به حتى استجالَ نِزاء،(٣)
ودَّعَتُ أيامَ الحَياةِ وَداءاً(٤)
وسِوَى حَدِيثِك لا أُحِبُّ سَاعَ (٥)
لَ وَادُوا عن طُرْفِهِ المُستَقْيَة
مِن صَلاحٍ حَتّى يَكونَ مَيِرَ
فصل فى شىء من نثره وهو كثير
وله ديوان خُطَب مفرَد معروف، ونحن نذكر هنا ماهو بالغُ فى الإجادة، مِمَّا خَرج عن
ديوانه، فمِن ذلك قولُه فى خُطبة شَرْح الإلمام :
أَمَّا بعدَ {حمدِ الله](٢) فإن الفقهَ فى الدِّين منزلةٌ لا يُخْفَى شرفُها وعلاؤُها (٨)
(١) ديوانه ١٥٦.
(٢) رواية الديوان :
* فى فى المحوى كأى النوى إتراعا #
(٣) فى الأصول: ((وفراغ شوف)). والتصحيح من الديوان، وجاء فى المطبوعة: ((قراءة)»
وأنبتنا ما فى : ج ، ك، والديوان.
(٤) فى الديوان: ((يقت).
(٥) فى الديوان: ((لا أستاذ الغير .... لا أريد سماعا)).
(٦) ديوانه ١٦٩ ، نقلا عن الطبقات وحدها .
(٢) زيادة من المطبوعة، على ما فى : ج ، ك .
!
(٨) فى المطبوعة: ((علاها .... أضواها))، والمثبت من: ج، ك.
- ٢٢١ -
ولا تحتجبُ عن العقولِ طَوالِمُها وأضواؤها، وأرفَعُها بعد فهمٍ كتابِ الله المنزَّل: البحثُ
عن معاني حديثٍ نبِّه المرسّل؛ إذ بذاك تَثْبُت القواعدُ ويستقرُّ الأساس، وعنه يقومُ
الإجماعُ ويَصدُر القياس، وما تعيَّنْ شَرْعاً تميَّن تقديمُهُ مُروعاً، وما يكون محمولًا على الرأس
لا يحسُن أن يُجعلَ موضوعاً، لكنَّ شَرْطَ ذلك عندنا أن يُحفظَ هذا النَّظام، ويُجعلَ
الرأىُ هو الأمومَ والنَّصُّ هو الإمام، وتُردُّ المذاهبُ إليه، وتَرِدُ الآراء المنتشرةُ حتى تقفَ
بين يديه، وأمّا أن يُجعلَ الفرعُ أصلًا، وبُرَدَّ (١) النصُّ إليه بالتكلُّفِ والتحثيل، ويُحَمَلَ
على أبعدِ الْلَحَامِلِ بنَطاقة الوَعْمُ وسَعَة الْتَّخُل، ويُرتكبَ فى تقريرِ الآراءِ الصَّبُ
والذَّلُول، ويُحْتَعلَ مِن التأويلات ما تْفِرُ منه النّفوسُ وتستنكره العقول، فذلك عندنا
مِن أرد! مَذْهب، وأسوإ طريقة، ولا نعتقد أنه يحصُل معه النَّصيحةُ الدِّين على الحقيقة،
وكيف يقع أمرٌ مع رُجْحانِ مُنافِيه؟ وأَنَّى يَصِحُّ الوزنُ بِمِيزانٍ مالَ أحدُ الجانَبَيْن فيه؟
ومتى يُنْصِفُ حاكمُ مَلكَتْهٍ غَضَبِيّةُ (٢) المَصبّة؟ وأين يقع الحقُّ مِن خاطر أخذله
العِزَّةُ بالحمّة؟
ثم أخذ فى ذلك إلى منتهى الخُطبة .
ومِن ذلك خُطبة شرح مختصر ابن الحاجب:
الحمدُ للهِ مُنَزِّلِ الكتاب، ومُفُصِّلِ الخِطاب، وفاَح أبوابِ الصَّواب، وما لحٍ
أسبابِ الثَّواب .
أحمَدُهُ وهِباتُهُ تَنْزِلُ(٣) بغير حساب، وأعبده وإليه الَرِجِعُ والمَآب، وأرجوه وأخافه
فِيَدِه الثَّواب والعقاب.
وأشهد أن لا إلهَ إلَّ اللهُ وحدَه لاشريكَ له، شهادةً مُقَدِّمَاتُ دلائِها مُبَيِنَةُ الأسباب،
ونتيجةُ اعتقادِها جَنَّةٌ مُفتَّحةُ الأبواب .
(١) كذا فى المطبوعة، وفى : ج، ك : ((برد ».
(٢) فى المطبوعة: ((غضبة))، والمثبت من: ج)، كـ.
(٣) فى المطبوعة: ((وهنا يره بغير حساب))، وما أثبتنا هو اجتهادنا فى قراءة ما جاء فى ج الك))
حيث إن الحروف فيهما عارية من النقط .
- ٢٣٢ -
وأشهدُ أن محمداً عبدُهُ وَرسولُه، أرسله وقد طال زَمَنُ الفَتْرة ونُسِيتِ الآداب، وبَعُد
عهدُ النَّبُوّة فزال الحقُّ وإنْجاب، فنازِلُ الْهُدَى خَراب، ومَعَاهِدُهُ لاتُمْتَادُ ولا تُنْتَاب،
وللناس بالشَّهوات والشُّبُهَاتِ إعجاب، حتى أُفرِدَ النَّظَرُ بالدنيا، وادَّعِىَ تَعدُّدُ الأرباب،
فاختار اللهُ محمداً فى أشرفِ الأنسابِ وخِيرة الأحساب، نذيراً بينَ بَدَى العذاب، وبَشيراً
لَمَن أطاع الحقَّ وأجاب ، وأيَّده بُعْجزاتٍ تَدَفَعُ عارِضَ الارتِياب، وتكشفُ أنوارَ
اليقين ليس دُونَهَا حِجاب، وتَدَعُ القلوبَ مطمئنةً لارتاع من جانب الشُّبهات ولا تَرْتَاب،
فعلَّى الله على سيدنا محمدٍ صلاةً وسلامًا يدخُل فيهما الآلُ والأصحاب.
أمَّا بعدُ، فإن التصنيفَ فى على الأحكام وتَبين الحلال من الحرام ، وإن كانت شِدَّةُ
الحاجة إليه تُوجِبُ وَقْتَ الِهِمم عليه، وَوُقُوفَ الإمكانِ بين يديه، فإن شِدَّةَ خَطَرِهِ وعَظِيمَ
غَرَرِه(١)، ممّا يُؤْجِبُ مَهَايَةَ الشَّروع فى تلك الَشَارِع، والتَّوقّف عن الحُكْمِ على مَقاصِدٍ
الشارع .
ما هى إلا أَعراضٌ تُتْهتك، وأجسامٌ تُفََّك، وأعمالٌ يُتْعَب لها وُ يُنْصَب، وأموالٌ
يَنْبُتَ مِلكُها ويُسْلَبِ، ودمَا تُعْصَم وتُسْفَح، وأُبْضاعٌ تُحَرَّم أو تُنْكَح.م.
هذا مع تَشَمُّبِ مَواقِعِ النَّظَرِ، وتَارُضِ مَسَالِكِ الغِبَرَ (٢)، ومَلالٍ يَعْتَرِى الأَذِهانِ،
وتَقَصِيرٍ حُيِلَ عليه طَبْعُ الإنسانِ.
فالطّرِيقُ خَفِىُّ الَسَارِبِ، والغايةُ مَخُوفَةُ المواقِبِ، وما قَلَّ(٣) من ذلك يتقوّى
الخاطِرِ(٤) الرادع، ويتوقّ(٥) الرأى الخادع، ويخاف الآمن(٦) ويقلَق (٢) الرادع
. (١) فى المطبوعة: ((وعظم غزره))، والمثبت من: ج، ك.
(٢) فى المطبوعة، ج: ((العير)) بالياء التحتية، وقد أهمل الفقط فى ك. ونرى صوابه والعبر»
بالباء الموحدة ، وسيأتي نظيره فى الصفحة التالية.
(٣) كذا فى الأصول، ولعل الصواب: ((وبأقل)).
(٤) فى المطبوعة: ((الخواطر))، والمثبت من: ج، ك. وسياق الكلام قلق.
(٥) فى: ج، ك: (( ويتقوى))، والمثبت من المطبوعة.
(٦) فى المطبوعة: ((الأمر))، وأثبتنا ما فى ج ، ك .
(٧) فى المطبوعة: ((ويتعلق))، والمثبت من: ج، ك.
- ٢٣٣ -
ولقد كان سَلَفُنا الصالح رضوان الله عليهم، الطريقِ هذا الخوفِ سالِكين، ولأزِيَّةِ
الوَرَعِ والخَشْبة مالِكِين، فَتَدافَعُوا الفَتْوَى لشِدَّة التَّقْوَى، وأجابوا عن اليَسيرِ عندَما
سُئِلُوا عن الكثيرِ، وأجْرَوا(١) الدُّموعَ فَرَقا، وجَرَوْا إلى غايةِ النَّحرِّى طَلَقًا .
ثم آل الأمرُ إلى الَّسامُحِ والتَّساهُل، والفَفْلة والتَّنَافُل، فأُطلقَت أعِنَّةُ الأفلام،
وأرسِلَت بَوَادِرُ الكَلام، ويُوِىَ بِساطُ التَّورُّع راءً، وعُدَّ التَّوَغُفُ جَهالةً أو وَسْواسًاً،
وتَوَهَّموا الدَّرُّعَ دليلًا على كثرة الحاصِلِ، والإِحجامَ علامةً على قِلَّةِ الواصِلِ، وأحَدُ
الأمرين لازِمُ لهم! إمَّا أن يَدَّعُوا أنهم أَعْلَمُ مَمَّنَ سَبَق، أو يُسَلِّمُوا أنهم ما طَرَق قُلوبَهم
مِن مَخافةِ الله ما ألَمَّ بِقُلوب العارِ فِين وطَرَق، هذا ما يتعلَّق بُغُرور الأُخرى.
وأمّا فى الدّنيا وإن كان يَعُّ كلّ تصنيف، فإن المرءَ يُغْعِبُ(٢) أفكارَه، وبَكِدَ ليلَه
ونهارَهِ، وَيَقدَحُ زِناءَ القَرِيحَة، حتى بَرِىَ قَدْحُه، ويَرَقُب ◌َرَ الحقائق حتَّى يقبَلَّجَ سُبحُه،
وبَرُوضُ مَصاعِبَ النَّظر حتّى يُصْحِبَ (٢) جامِحُها، ويَسْتَدْلِ شَوارِدَ العِبَ (٤) حتّى
يَقْرُب نازِحُها، فإذا يَنْجلى (٥) له من ذلك فادِرَةُ أبداها، وتأمّل أن يُودِعَ بالفِكْر
خاِتَهَا، وبَتَنَقَّى بالشُّكرِ مَبْداها، قام الحاسدُ نقبَّح تلك الصُّورةَ الحسنةَ وشانها، وحَقَّر
تلك الجُملة الجميلةَ وشانها، وقال بلسان الحال أو المقال(٦): لقد دَلَّك أيها المصنِّفُ الغُرورُ
واستهواك الغَرُور، وخاب الَنا وصَفِرَ الإِناء وطاشَ السَّهِمُ وطال الَوَهْم، وطاح الفَهم،
فالرَّوضُ هَشِيم، والَرْتَعُ وَخِيم، والَوْرِدُ وَشَلُ (٧) وإن ظُنَّ أنه جَمِيمٍ(٨)، إلى أمثال ذلك
(١) فى المطبوعة: ((فربما أجروا))، وأثبتنا ما فى: ج، ك.
(٢) كذا فى المطبوعة. وفى: ج، ك: ((يبعت)).
(٣) فى المطبوعة: (يصعب))، والمثبت من: ج، ك. ويقال: أصحب البعير والدابة: انقادا،
وأصحب: ذل وانقاد بعد صعوبة. اللسان (س ح ب ).
(٤) فى المطبوعة: ((الغير))، والمثبت من: ج، ك. وانظر حاشية (٢) فى الصفحة السابقة.
٠
(٥) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ك: ((ينحل)).
(٦) فى المطبوعة: ((والقال))، والمثبت من: ج، 2.
(٧) في المطبوعة: ((وسيل)). وفى ج، ك: ((وسل)). والصواب ما أثبتنا. وماء وشل: قليل.
(٨) فى الأصول: ((حيم)، بالحاء المهملة، وصوابه بالجيم، وهو بمعنى الكثير.
:
- ٢٣٤ -
من أثر الحسد الذى يَدَعُ الجواطِرَ فىِ كَعَد، والنّفوسَ فى مُجَاهَدَِّهَا فِى كَبَد، ويَكْسِفُ
البالَ وُيُقَلِّص الآمال، ويُكَدِّر مِنِ المَشْرَب العَذْبِ الزُّلال، ويُحَرِّم مِنِ الأحالة (١)
السَّجَرَ الجَلال، ويُقَبِّحُ من الإحسان أجملَ الجلال، حتى إنّ الكتابَ الذى صنّفَه الإمام
العَلَّامة الأفضلُ أبوِ عمرو عثمان بن عمر بن أبى بكر الدُّوِيِىّ(٢) الأصل الصَّعيدى المَولِهِ،:
المعروف بابن الحاجب، رحمه الله، وسَمّاء: الجامع بين الأمّهات، أنَى فيه بالمَجَب العُجاب،.
ودَما قَصِىَّ الإجادة فكان المُجاب، وراضَ عَصِىَّ المُرادِفزالَ شِماسُه وانْجاب ، وأبدَى
ما حَقُّه أن تُصْرَفَ أعِنَّةُ الشَّكرِ إليه، وتُلْقَى مَقالِدُ الاستِحمان بينَ يَدِيه، وأن
يُبالَغَ فى استحسانه، ويُشْكَرَ نَفَحَاتُ خاطِره ونَفَتَاتُ لِسانه، فإنه رحمه الله تَيَّرت له
البلاغَةُ، فتفيّأْ ظِلَّهَا(٣) الظَّليل، وتفجَّرت ينا بيعُ الحِكمة فكان خَاطِرُ، بَبَطْنِ الَسِيل،
وقَرَّبِ المَرْمَى نَفْف [الحِمْلَ] (٤) الثَّقيل، وقام بوظيفة الإيجاز فناداه لِسانُ الإنصاف:
ما عَلَى الْحْسِنِينِ مِن سَبِيل(٥).
ومع ذلك فلم يَعْدَمِ الذَّامَ حَسْنَاؤُه(٦)، ولا رُوعِىَ اجتهادُه فى خدمة العلم واعتناؤه)،
بل أنْحِىَ(٧) عَلَى مَقاصِدِه فَذُمَّت (٨) أنحاؤه، وقُصِد أن يُسْتكفَأَ (٩) من الإحسان صحيفته
(١) هكذا فى الأصول. ولعلها: ((الإجادة)). وسيأتى نظيرها.
(٢) انظر مأخذ هذه النسبة فيما سبق ٣٢٢/٧.
(٣) فى المطبوعة: ((ظلالها)). والتصحيح من: ج ، ك.
(٤) زيادة من : ج ، ك ، على ما فى المطبوعة.
(٥) اظر الآية ٩١ من سورة التوبة .
(٦) فى الأصول: ((حاده)). والصواب ما أثبتنا، ليتفق مع المثل المعروف: ((لا تقدم الحناء
ذاما)). وأيضا ليتم السجع المبنى على الهمزة المضمومة. والقام: العيب . راجع المان (ذى )) وذكر
المكل. وانظره فى بجمع الأمثال ٢١٣/٢ ( حرف اللام - باب لا) .
(٧) فى المطبوعة: ((انتهى))، والمثبت من : ج، ك .
(٨) فى المطبوعة، ك: ((قدمت)). والتصحيح من: خ، وفى: ج ، كـ: ((الجاوء))، والثبت
من المطبوعة .
(٩) فى المطبوعة: ((وقصد أن من يتكفى)). وق ج، ك: « وقصد أن من أن ينتكفاً ..
واعلى ما أثبتناه هو الصواب .
- ٢.٣٥ -
وإذاوُه، فتارةً يُعابُ الفظُه بالتَّعقيد، وطَوْزاً يقال: لقد رَمَى المعنى مِن أَمَدٍ بَعِيد، ومَرَّةً
يُفْسَبُ إلى السَّهو والغَلَط، وأخرى رَجَّح غيرَ المشهور، وذلك معدودٌ من السَّقَط، وجُمِل
ذلك ذريعةً إلى التَّنفير عن كِتابه، والتَّهيد فيه، والغَضَّ ممن يَتَّبِعِ أَرَ سُلوكِه وَيَقْتفيه،
وهذا عندنا مِنِ الجَوْرِ البَيِّن ، والطريقِ الذى سُلوكُ سِواء والمُدولُ عنه مُثميِّن .
فأمّا الاعتراضُ بالتَّعقيد والإِغِماض، وُّما كان سبُه بُعْدَ الفَهم، ويُعَدُّ الذَّنِبُ
هذاك الطَّرْف لا للنَّجْم، وإنما وُضِعت هذه المختصَرات لقَرأْحَ غيرِ فَرَائح، وخَوَاطِرَ إذا
استُسْقِيَت كانت مَواطٍِ، وأذهانٍ بَتَّقِدُ أُوارُها، وأفكارٍ إذا رامَت الغابةَ قَصَّر مِغيارُها،
فُرُ بما أخذها القاصِرُ ذِهنا، ثما مكَّ لها لَفَظً ولا طَرَقِ مَعْنِى، فإن وَقَفَ هناك وسَلّمْ سَغِمِ،
وإن أَنِفِ بالنّسبة إلى التقصيرِ فأطلقَ لِسانَه أَثْمِ، وهو مخطئٌ فى أوّلِ سُلوكِ الطريق،
وظالِمٌ لنفسِه حيث حَمَّلها ما لا تُطِيق.
وسَبِيلُ هذه الطبقة أن تَطَلُبَ المبسُوطاتِ التى تَفَرَّدت فى إيضاحها، وأبْرِزَت مما نِيَهَا
سافِرَةً عن نِقَابِها، مشهُورةً بغُررِها(١) وأوضاحِها.
والحكيمُ مَن يُقِرُّ الأمورَ فى نِصلبها، ويُعطِى كلَّ طبقةٍ مالا يليقُ إلَّا بِها.
وأمَّا السَّهِرُ والغلطُ، فما أمكنَ تأويلُهُ على شىء بتأَوَّل، وما وُ جِد سبيلٌ واضحٌ إلى
توجيهه(٢) حُمِلَ على أحسَنِ مَحْمِل، وما اسْتَدَّتْ(٣) فيه الطرقُ الواضِحة، وتُؤْمِّلَتْ
أسبابُ حُسْنِهِ أو صِحَّتِهِ (٤) فلم تكُنْ لائحة، فلسنا نَدَّعى أنير مَعْصُوم عِصْمَه، ولا تتكلَّفُ
تقديرَ ما نعتقده غلطاً بأن ذلك أبهَجُ(٥) وَصْمَه، فالحقُّ أولَى مارُفِع عَلَّمُه، ورُوعِيَت
ذِمَمُه، ووُفِّيَت من العِناية قِسَمُه، وأقسم المحقَّقُ أن لا يعافَه فَبَرَّ قَسَمُه، وعَزَمِ النَّظرُ
أن يلزَمَ مَوَقِفَه فَتْبَقَتْ قَدَمُه.
(١) فى الأصول: ((بعذرها)). خطأ. والغرر: جمع ((الغرة))، وهى بياض فى الجبهة.
والأوضاح: جمع (( الوضع)» يفتحتين، وهو معنى الغرة. والمراد هنا: الوضوح والجلاء.
(٢) كذا فى المطبوعة. وفى: ج، ك: ((توجهه)).
(٣) فى المطبوعة: ((اسندت))، والمثبت من: ج)، ك.
(٤) فى الأصول: ((أوضحته)). وامل ما أثبتناه هو الصواب.
(٥) كذا فى المطبوعة. وقد أهمل النقط فى: ج، ٥)، ولا يظهر لنا وجهه .
حا
- ٢٣٦ -
ولكن لا يجعلُ ذلكٍ ذَرِيمَةٌ إلى تركُ الصَّواب الجَمّ، ولا نَسْحِلُّ أن نُقَيمَ فى حَقِّ
المصنَّفِ شيئاً إلى(١) ارتكاب مَرْكِبِ الذَّمَ، والذَّنِبُ الواحدُ لايُهْجْرُ له الحَبِيب،"
والرَّونةُ الحَسْنَاءُ لأُنْرَكُ لِمَوَضِعِ قَبْرِ جَدِيب (٢)، والحسناتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات،
وتركُ المَصالحِ الراجِحة للمَفَاسِدِ المَرْجُوحِةِ مِن أعظم المَبَاآت(٣)، والكلامُ يَحْمِلُ بعضُه
بَعْضنا، ومَنْ أَسْخَطه (٤) تقصيرٌ يَسِيرٍ، فَسَيِقِفُ على إحسانٍ كبيرٍ فَيَرْضَى.
ولو ذَهَبْنا نتركُ كلّ كتابٍ وَقَع فيه غَلَط، أو فَرَطَ مِن مُصنَفه سَهْوٌ أو سَقْط،
الضاقَ علينا المجال، وقَصَر السِّجال، وجَحَدْنا فضائلَ الرجال، وفاتَنَا فوائدُ نُكاِرُ تَدِيدَ.
الحَصا، وفقَدْنا مَوائدَ هى أجْدَى علينا مِن تَفَارِيِقِ العَضَا(٥).
ولقد نَفَع اللهُ الأُمّةَ بَكتُبٍ طَارَت كلَّ الَطار، وجازَت أجوازَ(٦) الفَلَوَات وأَنْبَاجَ
البحار، وما فيها إِلَّا ما وَقَع فيه عَيب، وعُرِفٍ منه غَلَطٌ بغيرِ شَكٍّ ولا رَيْب (٧)،
ولم يجعلْهُ الناسُ سَبَباً لَرَفْضِها وهَجْرِها، ولا تَوقَّقُوا عن الاستِضاءة بأنوارِ الهداية مِن
أُقُقَ فَجْرِها .
(١) فى المطبوعة: ((إلا))، والمثبت من: ج)، ك.
.(٢) فى المطبوعة: ((حديث)). والتصحيح من: ج، ك .
(٣) فى: ج، ك: ((الثاب))، وأنيتنا ما فى المطبوعة، وبه تم السجع فى الفقرة، وكأنه جمع
((المباءة)) بمعنى المرجع، ويكون المراد: ((من أعظم ما يرجع إليه)».
(٤) فى المطبوعة: ((أنحظه))، والتصحيح من: ج، ك.
(٥) هذا مثل يضرب فيمن نفعه أعم من نفع غيره، فيقال: إنك خير من تفاريق العصا، وأبقى
من تفارق العصا. وذلك أن المصا تقطع فتصير ساجورا - وهو خشبة تجعل في عنق الكلب - ويقطع
الأجور فيصير أوتادا، ثم تقطع الأوتاد فتصير كل قطعة شظاظا ـ وهو العود الذى يدخل فى عروة:
الجوالق - ثم تقطع الشظاظ مهارا، وهو العود يجعل فى غم الفصيل لثلا يرضع أمه، إلى فوائد أخرى
كثيرة. راجع مجمع الأمثال ٣٧/١ (باب الهمزة) وثمار القلوب ٦٢٨، والان (فرق).
(٦) فى الأصول: ((حارت أحوار)) بالجاء المهملة والراء، وصوابه بالجيم والزاى. وجازت:
عبرت وقطعت وسارت. والأجواز؛ الأوساط، وجوز كل شىء: وسطه. اللسان (جوز).
(٧) فى المطبوعة: ((ريق)). والتصحيح من : ج، كـ.
- ٢٣٧ -
وسَلَّكْنا عندَ الإنصافِ تلك السَّيل، ولا ◌ِدْعَ فى أن يُعْطَى الشخصُ حُكْمَ السعب
والتبتيل(١) .
يا ابنَ الأعارِب ما عليها باسُ لَم تَأْبَ إلَّا مَا أَبِهُ الناسُ(٢)
على أنه لمَّا طالَ الزمانُ قليلا، عاد جدّ ذلك السنب قليلا، فحَفِظ هذا الكتابَ
الحُفَّاظ، واعتُنِىَ منه بالَعَافِى والألفاظ، وشُدَّت عليه يَدُ الضَّانة(٣) والحِفاظ، وقامت له
سُوقٌ لا يدَّعيها(٤) ذو الجاز ولا مُكاظ، فوُ كَُّت به الأسماعُ والأبصار، وكَثُرت له
الأعوانُ والأنصار، وسَكَّنت الدَّهماء فحُمِدَ ذلكِ النَّفْعِ لُثار، وأُنسِّسَ بناء(٥) الإنصاف
عَلَى الفَقْوى ◌ُهُدِمِ مَسجدُ الضَّرار، فابيضَّتْ تلك اللَّالِىِ السُّود، ومات الحسدُ أو مات
المحسود، فكان كما قلتُ(٦) :
وأَدِمْ لهَا تَعَّبَ القَريحةِ والجَسَدْ
ادابْ عَلَى جَمْعِ الفَضائلِ جاهِداً
بَلَغْهِ يِمِّنْ جَدَّ فيها واجَْهَدْ
واقصِدْ بها وَجْهَ الإِلِهِ وَنَفْعَ مَنْ
هَمَلًا فَبَعْدَ الَوتِ يَنْقَطِعُ الحَسَدْ
واثُرُكْ كلامَ الحاسِدِينَ وبَنْيَهُمْ
فقد آن إذَن وحُقَّ أَن نَشرحَ هذا الكتابَ شرحاً يُعينُ الناظِرَ فيه ، على فَكِّ لفِظِه
وفَهمِ مَعانِيه، على وجهٍ يُسَمِّلُ الماهِرِ مَساعَه وَذَوْنَه، ويَرَفَعُ القاصِدَ فيلحِقُّهُ بدرجةٍ
مَنْ هوَ فَوْفَهَ ، ويسلكُ سبيلَ مَعرفتِهِ ذُلُلًا، ويُدرِكُ به ناظِرُه من وضوحِهِ أَمَلًا :
(١) كذا فى المطبوعة. وفى: ج، ك: ((والنبيل)). ولم يظهر لنا صواب الكلمة. وكذلك
(((الغب)) جاءت هكذا فى المطبوعة، وأهمل النقط فى: ج، ك ، ولم نعرف صوابها.
(٢) جاء هذا البيت فى الأصول منثورا متصلا بما قبله وبما بعده. وجاء حجز البيت هكذا: ((لمن
تاب إلا ما أباه الناس)). وامل اجتهادنا فيه صواب.
(٣) فى الأصول: ((الصبابة)). وهو خطأ.
(٤) فى المطبوعة: ((لا يدعها))، والمثبت من: ج، ك ..
(٥) فى المطبوعة: ((بها)). والتصحيح من: ج، ك.
(٦) ديوانه ١٧٢، نقلا عن الطبقات وحدها .
- ٢٣٨ -
فاستخرتُ الله تَعَلَى فى وَضْعِ هذا الشَّرح، قاصداً فيه لمشرةٍ أمور:
الأول: التعرُّضُ لِبَسْطِ ألفاظِهِ الْمُفْفَلَة، وإيضاح مَعانيه المشكلة، وإظهارٍ مُضَراتِه.
المُهْمَلة، فأذكُر السائل أو المسئلة، أبسطُ العِبارةَ فيها، وأقتصرُ على ذلك إن رأيتُ أنه.
يَكَفِيها، وإلَّ رَجعتُ إلى تنزيلِ ألفاظِ الكتاب على ذلك الذى بسطتُه مَوْضِعاً موضِعًا،
لأجمعَ بين البيانِ الإِجمالىِّ وَالتَّفصيِىّ(١) مَما، اللهم إلا مَواضِعَ يسيرةً أَخذَ الإشكالُ
بِخَقِها، ورامَت الأذهانُ الرائقةُ سُلوكَها فالنبَس عليها جميعُ طُرقِها، فإنّا أَطوى تلك
على غَرِّها(٢) ، ونَرْبأ بأنفسِنا عن رُكوبٍ مَرَاكِبِ المَشْف مُستيدين باللّهُ مِن شَرِّها،
والعاقلُ يختارُ السكوتَ على التَّخِيط، وإذا لم يكن بُدُّ من أحد الحَمْلَين فى هذا
بالبسيط.
عَلَى أَنّى لا أجزِمُ بالصِّحّةِ لتلك المواضِع، ولا أعتقدُ العِصْمَةَ إلَّ لَمَن يَشَهِدُ له بها
القَواطِع، ولقد سمعتُ أبى رحمه الله، يحكى ما معاه أو قريب منه: أن المصنّفَ سُئل عن
شىء من هذا الكتاب، فلم يأتِ منه بجواب، وذكر أنه إنما وضعه على الصِّحّة.
الثانى: تفسيرُ ألفاظِهِ الغَرِيبة واللّغويّة، وكيفيّةِ النَّطْق بها على مُقْتفَى العربيّة،
وذِكرُ شىءٍ مِن الاشتقاقات الأدبيّة، والتحرُّزُ ممّا يُعَدُّ مِن ◌َحْنِ العَوام، والتّحفْظُ
مِن التَّصحِيف (٣) الذى هو إحدَى القوام(٤)، ولقد بُلِىَ بذلك(٥) مِنِ ضَعَقَةِ الْفُقُّهَاء مَن
(١) فى المطبوعة: ((والتفصيل)). والتصحيح من : ج ، ك.
(٢) يقال: طويت الثوب على غيره: أى على كسره الأول. وكل كسر متثن فى ثوب أو جلد:
غر، بفتح الغين . اللسان ( غ زر ) ..
(٢) فى المطبوعة: ((التصنيف))، وأثبتنا الصواب من: ج، د.
(٤) هكذا فى الأصول. ولم تجد له معنى إلا ما ذكروه من ((القوام)) بضم الفاف، وهو داء فى
قوائم الشاء. ولعل الصواب: ((الطوام)» جمع (( طامة)) بتشديد اليم. وقوله: (( إحدى ))
صوابه: ((أحد)) .
(٥) فى المطبوعة: ((من ذلك))، والمثبت من: ج ، ك.
- ٢٢٩ -
صَفِرَ(١) مِن الأدبِ مَزَادُه(٢)، وقَلَّ فى طريق العربيَّة زادُه، وخَفَّت (٣) عن تلك اللطائف
طِباعُه، وتفاءتْ عن تلك الفَاهِلِ رِباعُه.
الثالث: أَنْسُبُ الأقوالَ الْمُهُمْلَةِ(٤) إلى أربابها إذا أُطِلِقَت، وأَمِيزُ أقوالَ الإمامِ
مِن أقوالِ الصَّحابة (٥) إذا عُطِمَت المُخالَفَةُ ذِهم وتحقَّقَت، وأُبَيِّنُ الأصحَّ مِن القولَيْن
إِذا لم يُبَّن، وأعيِّنُ الأشْهَرَ مِن الخِلاف إذا لم يُعَيِّن، كلُّ ذلك بَحَسَب ما انْهَى عِلِى
إليه، ووَقَفَ بحثِى بَحَب الحالِ الحاضرِ عليه.
الرابع: أُراعِى فى المسائل الَذِهبيَّة التوجيهَ والتعليل، ولا أدَتُها تَتردَّدُ بين أَنحاء
الثَّمليل (٦)، فَا قَوِيَتْ فى الاعتبارِ مُنَّتُه ومبانيه(٧)، ورَجَحتْ عندَ النُّظّارِ رُنْبَتُهُ
ودِرابَتُهُ(٨)، أوضحتُ الطريقَ إليه أىَّ إيضاح، وجَلوتُ الحَقَّ هنالك كالقَمَرِ اللَّيَاحِ،
وما ضَعُفَت مِن القواعدِ مادَّتُهُ، وخَفِيَت على التَّحقيق جادَّتُهُ، اكتفيتُ فيه (٩) بالميَسُور
مِن التعليل، أو أخذتُ على غيرِى فَحَكَيْتُ مَا قِيل، فما كُلُّ مَسْك(١٠) يَصُلُح وِعاء
للمِسْك، ولا كلُّ ضَعِيفٍ يُوسَمُ بِمَةِ التَّرْك.
(١) فى المطبوعة: ((صفر)) بالغين المعجمة، وأثبتناه بالفاء من: ج، ك، يقال: صفر الإناء
من الطعام ، والشراب : خلا .
(٢) فى الأصول: ((مراده)) بالراء، ولعل صوابه بالزاى، كما أثبتنا، ويكون جمع مزادة، وهى
التى يحمل فيها الماء، ويناسبه ما تقدم من قوله: ((صفر))، وما يأتي من قوله: ((زاده)). لكان الزاى.
(٣) فى المطبوعة: ((وضعفت))، والمثبت من: ج ، كـ.
(٤) فى المطبوعة: ((المهمة)). والتصحيح من: ج ، ك .
(٥) فى المطبوعة: ((أصحابه))، والمثبت من: ج ، ك .
(٦) فى المطبوعة: ((التضليل))، والمثبت من: ج، ك. والتعليل هنا، من (العلة)» بمعنى
الداء والمرض .
(٧) فى المطبوعة: ((ومايته)). ولا معنى له، والمثبت من: ج، ك .
(٨) هكذا فى المطبوعة، وفى ج، ك: ((ودراسه)) بنقطتين من تحت قبل الهاء فقط، ولم تعرف
صوابه .
(٩) فى المطبوعة: ((به))، وأثبتنا ما فى: ج ، ك .
(١٠) فى المطبوعة: ((نيك)). والتصحيح من: ج، ك. والمك: الإجاب، لأنه يمك فيه
الشىء إذا جعل سقاء: مقاييس اللغة ٠٣٢١/٥
- ٢٤٠ -
الخامس: أُحْكِمُ مِن صناعةِ الحديثِ ما أُورِدُه، وأْقِنُ ما أُنُص فيه وأَشْرِدُه، فإن
حَكَمتُ بِصِحَّةٍ حديثٍ بإسنادِ ذلك إلىَّ، فَبَعد أن أُنزِعَ رِداء التّعُّبِ عِنْ مَمْكِىَ،
وأُؤْدِّى حَقَّ النَّصيحةِ للسُّنَّةِ كما يَتَمَّن، وأحتَرِزُ مِن الَيَلِ إلى نَصرِ مذهبٍ مُعَيَّن، فإِن
وَجَدَ المُستَدِلُّ مطلوبَهَ، بَغَى على أو ثقِ أساس، وإلّا فَلْدِلِ(١) إلى غير النّصِّ مِن أنواعٍ
الاستدلال والقياس .
(وإن حكيتُ الصحّةَ عن غيرِى فعن حَقٍّ(٢) لاتمتدُّ يدُ الشكِّ إلى لَبْسِهِ، وقد قيل:
مَنَ أحال على غيرِ، فقد احتاطَ لنَفْسِهِ، ومَا عَزوْتُه إلى الكتبِ المشهورةُ ، فهو فيها عدد
المراجعة ،َ وجود، فإن وُجِد فى مَظِنَّتِه وإلّا فعندَ التقبُّع بحصُلُ المقصود.
وقد وقَع الجماعةٍ مِن الفقهاء وغيرِ هم فى ذلك خَذّل، وأقدم بعضُهم على أمر ليتَه
عنه نَكل .
وقد حكيتُ فى هذا الكتابِ مِن غرائبِ الأخبارِ، وشَوارِدِ الآثار، ما يَعِزُّ وجودُ.
عندَ الفقهاء الذين خَصُّوا الفقهَ بالسِناية، وحَدُّوا(٣) جَمَاحَ المسيرِ إلى الرِّواية.
السادس: ما جَزْمتُ بنقلِه عن أئمّة الاجتهاد، تخرَّيتُ فيه، ومنحته من طريق
الاحتياطِ ما يكفيه، فإن كان مِن أحدِ المذاهب الأربعة نقلتُه من كتبٍ أصحابه، وأخذتُه
عن المَتْن فأتيتُ الأمرَ مِن بابه، ولم أعتبر حكايةَ الغَير عنهم، فإنه طريقُ وقَع فيه الخَلَلِ،
وتعدّدَ مِن جماعةٍ مِن النَّقَلة فيه الزَّلَل، وحكى المخالفون للمذاهبِ عنها ماليس منها
وما كان مِن الأقوال للمتقدِّمين للصَّحابة ومَن شدَّ عَمَّن ذكر ناه من المخالفين، فاعتمادِى فيه
على كتاب الإشراف(1)، للحافظ أبى بكر بن المُنذِر رحمه الله، فبأنواره اهتديت، وبطريقه
(١). فى المطبوعة: ((فليعد إلى))، والمثبت من: ج ، ك
(٢) فى المطبوعة: ((فقدحى)، وأثبتنا ما فى : ج، د
(٣) فى المطبوعة: ((وقضوا)، والمثبت من: ج، ك. والحص: حلق الشعر، ويقال: طائر
أحص الجناح: أى قليل شعره، القاموس ( خ ص س.).
(٤) فى المطبوعة: ((الإشراق)). وفى ج: ((الأسرار))، وأثبتنا الصواب من: ك، وسبق
فى ٠١٠٢/٣