Indexed OCR Text

Pages 321-340

- ٣٢١ -
ذرّيّته إلى هذا الوقت، وله تعالى أسرارٌ لا يُدرِكبا إلّا خواصُ عباده، وللأمة(١)
رضى الله عنهم عنده مقاماتٌ لاينتهى إليها عُقولُ أمثالِنا، فكان الرّأْىُ السَّدِيدُ لمن رأى
قواعِدَ البلادِ مستمرَّةٌ على شىءٍ غيرِ باطل أن يُجْرِىَ الناسَ على ما يَعْهَدون، ولكن إذا
أراد اللهُ أمرًا هيّأ أسبابَه، ولعلّ سببَ زوالٍ دولة الذكور بهذا السَّب.
وقد حُكِىَ أنه رُنِىَ (٢) فى النوم، فقيل: ما فعل اللهُ بك؟ قال: عذَّبِى عذاباً شديدًا
يجعل القُضناة أربعة، وقال: فَرَّقْتَ كلمةَ المسلمين. ولا يَخْفَى على ذى بصيرة ما حصل من
تفرُّق الكلمةِ وتعدُّدِ الأمراء، واضطراب الآراء .
وقد قال أبو شامةً لمّا حَكَى ضَمَّ الْقُضاةِ الثلاثة: إنه(٣) ما يعتقد أن هذا وفع قَطُّ .
وصدَقَ ، فلم يقع هذا فى وقتٍ من الأوقات ، وبه حصلت(٤) تعصُّبَاتُ الذاهب، والفِتَنُ
بينَ الفقهاء، ويُحْكَى أن القاضِىَ تَاجَ الدِّين ركِب وتوجّه إلى القَرافة، ودخل على الفقيه
مُفَضَّل، حتّى تولَّى عنه الشرقية، فقيل له: فَرُوح إلى شخصٍ حتى تولَّه! فقال: لولم يفعل
لَّلْتُ(٥) رِجْلَه حَتّى يقبلَ؛ فإنه يسُدُّ عِّى (٦) ثُلْمَةً مِن جَهنّم .
وكان الأمراء الكبار يشهدون عنده فلا يَقْبَل شهادََّهم، فيقال: إن ذلك أيضاً مِن
جملة الحَوامِلِ على ضَمِّ القضاة الثلاثة إليه .
ويِمًا يُحْكِى مِن رياسة قاضى القضاةتاج الدِّين وذكائه وسرعة إدراكه، أن أبا الحسين
(١) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ز: ((والأئمة رضى الله عنهم. وعنده مقامات ٠٠٠))،
ولم يرد هذا الكلام فى حن المحاضرة .
(٢) فى المطبوعة: ((رأى مع ذلك فى النوم))، وأسقطنا هذه الزيادة، كما فى : ج، ز ،
والطبقات الوسطى ، وحسن المحاضرة .
(٣) ذكر أبو شامة ذلك فى حوادث سنة (٦٦٣)، وعبارته: ((وهذا شىء ما أظنه جرى
فى زمان سابق)) .
(٤) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ز: (( حدث)) .
(٥) فى المطبوعة: ((قبلت))، والمثبت من: ج، ز، وحين المحاضرة ١٦٧/٢.
(٦) فى المطبوعة: ((على))، وأثبتنا ما هى: ج، ز، وحين المحاضرة.
(٨/٢١ - طبقات)

- ٣٢٢ -
الجَزّار الأديب كان يصحّبُه، وكان قاضى القضاة لشدَّة تَصْلِبِه فى الدِّين يعرِفِ الناسُ منه
أنه لا يرخِّصُ لأحدٍ، فَظَفِرٍ بعضُ أعداء الجَزَّارِ بورقة بخطّ الجَزَّارِ، يدعو فيها شجعناً:
إلى مجلس أُنْس، ووَصَف المجلس، ووضَع الورقةَ فى نسخةٍ من ( صحاح الجوهرىّ)»
فى القائمة الأولى منها، وأعطى الكتاب(١) لِدَلّال الكُتُب(٢)، وقال: اعرِضْه على:
قاضى القضاة ، فأحضره له، فقرأ الورقةً وعرف خطَّ الجَزّار، وقال الدلال: رُدَّ الكِتَابَ:
إلى صاحبه، فإنه مايبيعه، فقد فهمنا مَقْصِدَه. فلما حضر الجَزَّار ناوله قاضى القاضى الورقةَ
فقهم، وقال: يامولاى، هذا (٣) خَطِّ من ثلاثين سنة. ثم اشتهى الجزار أن يعرِفَ.
ماعند القاضى ، وهل تأثر بالورقة، فأغفله أيّامًاً ثم حكى له (1) فى أثناء مجلس: أن شخصا.
كان يصبحَبُ قاضِىَ القضاةَ عِمَادَ الدّين (٥) ابنَ الشُّكْرِىّ، فوقعت له شهادةٌ على شخص،
فسابقه ذلك الشّخصُ وإِدَّعى عليه أنه استأجره من مدَّةٍ كذا لِيُغََّ له فى عُوْسٍ بَكَذا ،
وقَبض الأجرة ولم يُغَنِّ، فأنكر، وانفصلت الخصومة، ثم وقعت (١) له الدَّعْوَى على
المدَّعى المذكور، وشَهِد ذلك الشاهدُ، فقال قاضى القضاة تاج الدِّين: (٧ ماصنع ابن السُّكْرِىُّ؟
فقال له الجَزّار: لم يقبل فيهادته. فقال قاضى القضاة تاج الدين (٢): ما أنصف ابنُ السُّكَّرىّ.
فعرف الجَزّار أنه لم يتأتّر بالورقة .
توقَّ رحمه الله ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، سنة خمس وستين وسمائة،
بالقاهرة(٨)، ورؤاه بعضهم بأبياتٍ منها:
(١) فى المطبوعة: ((الكتب))، والمثبت من: ج، ز.
(٢) فى المطبوعة: ((البكثف))، وأثبتنا الصواب من: ج، ز.
(٣) كذا فى المطبوعة؟ وفى : ج، ز: ((هذه)).
(٤) فى : ج، ز: «إنا))، والثبت من المطبوعة.
(٥) تقدمت ترجمته فى صفحة ١٧٠ من هذا الجزء.
(٦) فى المطبوعة: ((رفعت))، وأثبتنا الصواب من: ج، ز.
(٧) ساقط من المطبوعة، ز، وأثبتناء من : ج.
(٨) زاد المصنف فى الطبقات الوسطى: ((ودفن بفح القطم)).

- ٣٢٣ -
يَعْرُ بِعْ رْتَبَ لَعَلِي بَعْدَهُ .. ◌َنْعَ السَّمَاحِرَ بِحْتَ أَمْ لَمْ تَرْبَحِ
ماتَ الَّذِىِ قَدْ كُنْتَ مِنْهُ نَسْتَحِى
قَدَّمْ وأَخِّرْ مَنْ تَشَاءُ وَتَشْتَهِى
والأَعَزُ (١) الذى يُنْسَب إليه: قرأت بخطّ قضى القضاة علاء الدين(٢) الآجرِّىّ،
رحمه الله أن (٣) الأَعَزَّ: فنُ حُكْر(٤) وزير الملك الكامل عن أبى بكر بن أيوب، قال:
وهو أبو أم قاضي القضاة تاج الدين .
والعَلَّمِىّ، بالتخفيف: نِعْبة إلى عَلَامةَ (٥) . وهى قبيلة من لَخْم (٦).
(١) هذه الواو ليت فى المطبوعة، وزدناها من : ج، ز .
(٢) فى المطبوعة: ((العلاى))، والمثبت من : ح، ز .
(٣) زيادة من المطبوعة على ما فى : ج، ز .
(٤) هو عبد الله بن على بن الحسين. ترجمته فى ذيل الروضتين ١٤٧، ونعبر ٩٠/٥، والبداية
والثنهاية ١٠٩/١٣، وفوات الوفيات ٤٦٣/١، وغير ذلك كثير.
(٥) قل العنف فى الطبقات الوسعلى: ((بالعين المهمة واللام المخففة الفتوحتين».
(٦) زاد الصنف في ترجمة القاضى تاج الدين ، فى الطبقات الوسطى ، قال :
((وسعت أبى رضى الله عنه يقول: حكى لنا شيخنا الفقيه نجم الدين ابن الرِّفعة أن الفاضى
تاج الدين مناق صدرُه يوما ولم يعلم لذلك سببا، وصار كلما تعاطى أسباب الانشراح لا يُفُيده
ذلك شيئا، فركب بغلته وأطلق عناتها، وصارت تمشى به كيف شاءت ، فسارت به إلى
إلى أماكنَ لا يَعْهَدُها، حتى وردتْ دَرْباً غير نافذٍ، فدخلتْ فيه وأتتْ باباً فدفعته برأسها
فتعجَّب، وأمر غلامَه فطرق ذلك البابَ، فقالٍ الذى فى الدار: إنى عارٍ مكشوفُ المَوْرة،
جائع عاجز عن القيام، فأغِثنى، ففتح الباب فوجد الرجلَ على الحال التى ذكرها، فأصاح
شأنَه. وانشرح صدرُهُ، وعَلٍ أن اللهَ أراد به خيرا. رحمه الله ورضى عنه» .

- ٣٢٤ -
١٢٢٧
عبد الوهّاب بن علىّ بن علىّ بن عُبيد الله*
أبو أحمد الأمينُ(١) بن سُكّينة
مُسْنِدِ العِراق ومحدّته، ضياء الدِّين الشُّوفىّ الفقيه.
وسُكَّيْنَةٍ جَدَّتُه أمُّ أبيه .
وُلد فى شعبان سنةً تسعَ عشرةَ وخمسمائة .
وسَمِع الكثيرَ من أبيه، وأبى القاسم (٢) بن الحُصَين، وأبى غالب محمد بن الحسن
الماوَرْدِىّ، وزاهِرِ بن طاهِرِ الشَّحّامِىّ، والقاضى أبى بكر (٣) الأنصارىّ، وأبى منصور(٤).
ابن زُرَيْق القَزَّاز، وأبى (٥) القاسم بن السَّمَرْ قَنْدِىّ، وغيرهم .
روى عنه الشيخ الموفَّقُ [بن قدامة](٦)، وأبو موسى ابن الحافظ عبد الغنى، والشيخ
أبو عمرو بن الصَّلاح، وابن خليل، والضّياء، وابن النجّار، وابن الدُّبَيْشِىّ، والنجيب
ئ
عبد اللطيف ، وابن عبد الدائم، وخلائقُ.
وصَحِب الحافظين: ابنَّ عساكِرَ ، وابنَ السَّمعانىّ، واستفاد بصحبتهما، وقرأ الَّذْهب
والخِلاف على أبى منصور ابن الرّزاز. وكان على ما يقال دائمَ النَّكرار لكتاب ((التَّبيه))
* له ترجمة فى: البداية والنهاية ٦١/١٣، ذيل الروضتين ٧٠، شذرات الذهب ٢٦،٢٥/٥،
طبقات القراء ٤٨٠/١، الغير ٢٣/٥، ٢٤، الكامل لابن الأثير ١٣٧/١٢، النجوم الزاهرة
٢٠٢،٢٠١/٦.
(١) كذا ضبطت النون بالضم فى الطبقات الوسطى، بضبط القلم، وعليه فيكون ((الأمين)
لقبا لعبد الوهاب صاحب الترجمة، لكن الذهبى فى العبر، وابن العماد فى الشذرات يجعلانه لقبا لأبيه ((على)،
وقد نبهنا على هذا فى الجزء السابع ، صفحة ٤٦٢ .
(٢) هبة الله، كما صرح فى الطبقات الوسطى.
(٣) محمد بن عبد الباقى، كما فى الطبقات الوسطى.
(٤) الذى فى الطبقات الوسطى: (وأبى منصور بن خيرون، وأبى البدر الكرخى)). وسيظهر
كل ذلك فى فهارس الأعلام إن شاء الله ...
(٥) ذكره المصنف فى الطبقات الوسطى باسمه: إسماعيل بن أحمد السمر قندي.
(٦) زيادة من المطبوعة على ما فى: ج ، ز .

:
- ٣٢٥ -
كثيرَ الاشتغال ((بالمُبدَّب)) و((الوَسِيط)). وقرأ الأدب على أبى محمد بن الخَشّاب،
وتخرَّجَ فى الحديث بابن ناصِرٍ، وَمَدّ الله له فى العُمر، حتّى قُصِد من الأقاليم، وكان
شيخَ وقتِه فى علوّ الإسناد. قال ابن النجّار: وفى المعرفة والإتقان، والزُّهد والعبادة،
وحُسْنِ السَّمْت وموافقة السُّنّة، وسُلوك طريق(١) السَّلَف الصالح.
قال: وكانت أوقاتُهُ محفوظةً، وكلماتُه معدودةً، فلا تمضى له ساعةٌ إلّا فى قراءة
القرآن أو الذّكر أو الحديث أو التهجُّد، وكان كثيرَ الحجّ والعمرة والمجاورة بمكة ،
مستعملًا لُّنّة فى جميع أحواله(٢). وأثنى عليه كثيرا ثم قال: لقد ظُْت شرقاً وغرباً،
ورأيتُ الأئمة والعلماء والزهّادَ فما رأيت أكمل منه، ولا أحسنَ حالًا(٣).
وقال القاضى يحيى بن القاسم مدِّرسُ النّظامية: كان ابنُ سُكَّيْنَةَ لايضيّع شيئا من
وقته، وكنا إذا دخلنا عليه يقول: لا تَزِيدوا على: سلامٌ عليكم . لكثرة حرصه على
الْمُباحثة وتقريرٍ الأحكام .
وقال أبو شامة(٤): كان ابن سُكينة من الأبدال.
توفى فى تاسع عشر ربيع الآخر ، سنة سبع وستمائة ببغداد .
١٢٢٨
عثمان بن سعيد بن كَثِير*
القاضى شمسُ الدِّين أبو عمرو الصَّهَاجىّ الفاسِىّ
قَدِمٍ مِصْرَ فى صباه وسكنها ، وتفقَّه على الشيخ شهاب الّدين الطُّوسىّ، وبرع فى الذهب،
وسَمِعِ هِبَةَ الله الْبُوصِيرىّ وغيّرَه ..
(١) فى المطبوعة: ((طريقة))، والمثبت من: ج، ز، والطبقات الوسطى.
(٢) زاد المصنف فى الطبقات الوسطى: ((فى مدخله ومخرجه وملبه ومأكله ومشربه».
(٣) بعد هذا فى الطبقات الوسطى: ((روى عنه الحافظ أبو بكر الحازمى وغيره من أقرانه،
وروى عنه ابن النجار ، وغيره من طلابه » .
(٤) عن ابن الدبينى، كما فى ذيل الروضتين، الوضع السابق.
* ترجم له السيوطى فى حسن المحاضرة ٤١٢/١. وجاء فى أصول الطبقات الكبرى: ((عثمان
ابن كثير)»، وأثبتنا ما فى الطبقات الوسطى، وحسن المحاضرة ، ويشهد لصوابه الترتيب الهجائي.

-- ٣٢٦ -
وَلَى قضاءَ قوص، ودرَّس بالجامع الأقمر بالقاهرة.
مولده سنة خمس وستين وخمسمائة ظنًّاً، وتوقّ بالقاهرة فى جمادى الأولى سنة تبع و
وستمائة .
١٢٢٩
عثمان بن عبد الرحمن بن موسى بن أبى نصر الكُرْدِىّ الشَّهْرَزَوْرىّ
*
الشيخ الكلامه تقيّ الدِّين، أحد أئمة السلمين عِنْهاً ودِينً، أبو عمرو بن الشَّلاح
وُلِدَ سنة سبع وسبعين وخمسمائة.
وسَمِعَ[الحديث] (١) بالموصل من أبى جعفر عبيد الله بن أحمد البغدادي المعروف بأن السَّمِينَ،
وهو أقدمُ شیخ له.
وسَمِيع ببغداد من ابن سُكَيْنَةَ، وابنَ طَبَرْزَد، وبيابُور من منصور الفَراءِىّ، والمؤِيَّد
الطَّوسِىّ، وغيرِها، وبَرْوَ مِن أبى النَّرِ السَّمعانى، ومحمد بن عمر المَمْمودِىّ، وغيرها،
وبِدِ مَشْق من القاضى عبد الصمد بن الحَرَسْتانى، والشيخ الموقَّق ابن قدامة، وغيرها.
روى عنه الفَخْر عمر بن يحيى الكَرَ جِىّ، والشيخ تاج الدِّينِ الفِرْ كَاجِ، وأحمد بن هِيةٍ
الله بن عساكِرَ، وخَلْقٌ.
* له ترجمة فى : البداية والنهاية ١٦٩٠١٦٨/١٣، تذكرة الحفاظ ١٤٣٠/٤ -١٤٣٣
ذيل الروضتين ١٧٥، ١٧٦، شذرات الذهب ٢٢١/٥، ٢٢٢، طبقات ان هداية الله ٨٤
العبر ١٧٧/٥، ١٧٨، المختصر لأبى الفدا ١٧٤/٣، مرآة الزمان ٧٥٧/٨، مفتاح السعادة
٦١،٦٠/٢، ١٤٧، ١١٤٨ النجوم الزاهرة ٣٥٤/٦، وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٨-
وفى حوائى الأعلام للأستاذ الزركفى ٣٦٩/٤ مراجع أخرى للترجة.
(١) زيادة من المطبوعة، والطبقات الوسطى، على ما فى : ج، ز:

- ٣٢٧ -
وتفقّه عليه خلائقُ، وكان إماماً كبيرلا فقبها لحدِّثَ، زاهدًاً ورعاً، مفيداً معلّماً .
استوطن دِمَشْقَ، يُعيد زمانَ السّالفين ورَعا، ويَزِيدُ بهجتها بروضة على جَنى كلٌّ طالبٍ
جناها ورَعا، ويُفِيد أهلها، فما منهم إلّا مَن اغترف من بَحزِه واعترف بَدَرْءٍ(١)، وحَفِظ
جاذِبَ مِثْله ورَعا (٣).
جال فى بلاد خُراسانَ، واستفاد مِن مشايخها ، وعلَّق التعاليقَ المفيدة، وورد دِمَشْقَ ،
ودرّس بالمدرسة الصَّلاحّية(٣) بالقُدس، ثم عاد إلى البلاد، ثم ورد دمشق مقيماً مستوطناً،
ووَلِيَ تَدْرِيس الرّواحية والشاميّة الجُوَّانيّة، ومشيخةَ دار الحديث الأشرفّة.
قال ابنُ خلِّكان(٤): كان أحدَ فُضلاء عصره فى التفسير والحديث والفقه ، وله
مشاركةٌ فى فنون عِدّة.
وذكر غيرُهُ أن ابن الصَّلاح قال: ما فعلتُ صغيرةً فى عمرى قطُّ. وهذا فضل من الله عليه عظيم.
توفى سَحَر يوم الأربعاء، خامسَ عِشِرِى(٥) ربيع الآخِرِ (٦) سنةً ثلاث وأربعين
در"، » .
(١) كذا فى المطبوعة، ز، وفى ج: ((بدرره))، وفى الطبقات الوسطى: ((واعترف بالتقاط
(٢) بعد هذا فى الطبقات الوسطى :
((وصنّف التصانيف المفيدة، منها علوم الحديث، وطبقات الفقهاء، وأدب المفتى، وشرح
مشكل الوسيط، كلَّها حِسانٌ، بالنةُ فى الإحسان، مفيدةٌ لكلّ إنسان، وله الرِّحلةُ، وهى
عبارةٌ عن فوائدَ جمعها فى رحلته إلى الشرق ، عظيمة النفع فى سائر العلوم ، مفيدة جدًّا، فى
مجاميعَ عِدّة، وله الفتاوى ، وهى أيضا من محاسنه ، وقد جمعها بعضُ طلبته .
تفقَّه عليه جماعةٌ، منهم القاضيان تقى الدين ابن رَزِين، وشهاب الذين الخُوَبِّ، وزين
الدين الفارِقِيّ)).
(٣) تنسب إلى السلطان صلاح الدين الأيوبى، كما صرح صاحب الشذرات ، لكن ابن خلكان
يسميها المدرسة الناصرية، ويذكر أنها منوبة إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب.
والمنشئء واحد كما ترى لكن الخلاف فى النسبة .
(٤) فى وفيات الأعيان ، الموضع السابق ، باختلاف يسير .
(٥) فى المطبوعة: ((عشر))، والمثبت من: ج، ز، والطبقات الوسطى، ووفيات الأعيان.
(٦) فى أصول الطبقات الكبرى: ((الأول))، وأثبتنا ما فى الطبقات الوسطى، والوفيات.

: - ٣٢٨ -
وستمائة، وازدحم عليه الخلْقُ فُعُلَّىَ عليه بالجامع، وشَّعوه إلى باب الفَرَج، فعُلََّ عليه.
بداخله ثانياً، ورجع الناسُ لأجل حصار البلد بالحُوارزْميَّة، وخرج به دون العشرة مشمِّرين
مخاطِرين بأنفسهم، فَدفنوه بطرَفى مقابرٍ الصوفّة، وقبرُه على الطريق فى طرفِها الغربىّ ظاهرٌ"
يُزار ويُتبرَّك به، قيل: والدُّعَاءِ عندَ قَبْرِه(١) مستجاب .
(ومن المسائل والفوائد عنه)
أفتى ابن الصَّلاح فى امرأة حاضِنة، أراد الأب أن يَتْرِعَ مِنها الولدَ مَدَّعياً أَنْـ
يُسافر سفرَ نُقْلة، وأنكرت هى أمْلَ السفر: بأن القولَ قولُه فى السّفَر مع يمينه .
• وأفتى رحمه الله، فى جارية اشترتها مغنّيةٌ وحملها على الفساد: أنها تُباع عليها،
واستند فيه إلى نقلٍ نقله عن القاضى الحسين، أن السيِّدَ إذا كلَّف عبده من العمل ما لا
يُطيقه، يُباع عليه. والنقلُ غريبٌ، والمسألة مليحة، وكلامُه محمولٌ على ما إذا تعيّن بيعُه
طريقاً(٢) خلاصه من الُْلم ، وإلّا فلا يتميَّن البيعُ.
وقد نازعه الشيخ برهانُ الدِّين بن الفِرْكاح، وقال: قد صحّ فى (صحيح مسلم))(٢):
( وَلَا تُكَلِّفُوُهُمْ مَا يَغْلِيُمْ فَإِنْ كَلَّقْتُهُوُمْ فَأَعِينُوُهُمْ)) ولم يقل: فَبِيعُوُهم، وفى
((التتمة)) فى الباب الخامس، فى أحكام المليك: لو امتنع من الإنفاق على مملوكه، فالحاكم
يُخْبِره على الإنفاق، وفى الرافعىّ، قُبيل كتاب الخَراج(٤)، فى كلامه على الخارجة: وإنضرب.
عليه خّراجاً أكثرَ ممّا يليق بحاله، وألزمه أداءه، منعه السُّلطان. فدلَّ أنه يُمْنّع ولا يُباع
عليه . وهذا ملخّص كلام الشيخ برهان الدين .
(١) فى المطبوعة: ((عنده مستجاب))، والمثبت من: ج، ز.
(٢) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ز: ((خلاصاً له)).
(٣) أخرجه الإمام مسلم فى ( باب إطعام الملوك مما يأكل، وإلباسه ما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه،
من كتاب الأيمان) ٠١٢٨٣/٣
(٤) فى المطبوعة، ز: ((الجراح)) بالجيم والجاء، وفى ج تشبه الكلمة أن تكون
ما أثبتناه بالماء والجيم.

- ٣٢٩ -
• جزم الرافعىُّ فى باب الَّنذر فى أوائل النَّظر الثانى فى أحكامه: بأنه لو نذر أن يُصلَِّ
قاعِداً جاز أن يقعُدَ ، كما لو صرَّح فى نذره بركعة له الاقتصارُ عليه، قال: وإن صلى قائما فقد أتى
بالأفضل . ثم قال بعدَ ثلاثٍ ورَفات: إن الإمام(١) حكى عن الأصحاب أنه لو قال: علىَّ أن
أصلّىَ ركعةٌ، لم يلزمه إلَّ ركعة" واحدة، وأنه لو قال: علىَّ أن أصلِّى كذا قاعِدًا، يلزمه
القِيامُ عندَ القدرة، إذا حملنا المنذورَ على واجب الشَّرع، وأنهم تكلَّفوا فرقاً بينهما، قال(٢).
ولا فرقَ ، فيجب تنزيلها على الخِلاف . انتهى .
وقد رأيته فى ((النهاية)) كما نقله، ولا بن الصَّلاح مع تبُحّره فى المنقوّل حظّ وافرٌ من
التحقيق، وسُلوكٌ حَسنٌ فى مَضايق التدقيق، وقد أخذ يحاول فَرْفًا بين الركعة والتُّعود،
بأن الْتُمودَ صفةٌ أفردها بالذِّكر، وقصدها بالنذر ، ولا قُرْبةَ فيها فلغت(٣) الصَّفَة وَيِقِى
قولُه (أصلِّى)) فالتحق بما لو قال: ((أصلِّى)) مقتصرا عليه، فيلزمه القِيامُ على أحد القولين
وليس كذلك قوله: (( ركعة)) فإنها نَفْسُ المنذور، وهى قُرْبةٌ، وصِفة" إفرادها بالذّكر
ليست مذكورةً ولا منذورة . هذا كلامه .
ولست بموافِق له فيه، كما سأذكر، غيرَ أنى قبلَ مُشاقَّتَه أقول لك أن تَزِيدَ (٤) هذا
الفَرْقَ تحسينا بأن تقول: وقوله (« ركعة) مفعول ((أَصَلّى))(٥) وهو وإن كان فَضْلَةٌ ،
لكن متى حُذِف لفظاً قُدِّرَ صِناعةً، بخلاف (( [ركمةٌ](٦) قاعِدًا)) فإنه حالٌ من الفاعل ،
لو حُذِف لفظا لم يُقَدَّر، فكان التافُّظُ به دليلَ القصد إليه، بخلاف ((ركعة)) فربما كان التلفّظ
(١) يعنى إمام الحرمين الجوينى.
(٢) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ز: ((قلا))، وعلى ما فى المطبوعة يكون الضمير راجها
إلى إمام الحرمين ، وعلى ما فى النسختين يكون راجعا إليه وإلى الرافعى .
(٣) فى المطبوعة: ((فنفيت))، وأثبتنا ما فى: ج، ز، وسيأتي نظيره فى كلام المصنف.
(٤) فى: ج، ز: ((تؤيد))، وأثبتنا ما فى المطبوعة، وتراه الأولى .
(٥) فى المطبوعة: ((صلى))، وأثبتنا ما فى: ج، ز، وهو ما سبق فى نص المسألة.
(٦) زيادة من المطبوعة على ما فى : ج، ز .

- ٣٣٠ -
بها في كراً ناجفعول، لأنه لو حُذِف لم يتمَّن تقدير ركعة، بل جاز تقديرُ ركعتين، لأنا تتطلَّب
بالصَّناعة مُطْلقَ كونه ركعةً أوركعتين ونحوَها، لا خُصوصَ واحدٍ منهما، فكان قوله:
((قاعدًا)) مع قوله: ((أُصلِّى)) فى قرة قضيّتين وجملتين مستقلّتين، فَلّنا منهما ما ليس
بُقْرِبة، بخلاف قوله (( ركعة» فإنه ليس فى قوة قضّةٍ أخرى، بل هوٍ مِن تَمَامِ القعيَّة
الأولى، لو لم يلفِظْ به لَقَدَّره سامِعُه، وانتقل دِهِنه إلى المُطْلَق منه (١) إن لم يتعيَّن له الخاص" (٢)،
فلم يَزِد قوله: (ركعة)) على قوله: ((أَصلِّ) من حيثُ الصِّناعةُ، بخلاف ((قاعداً))، هذا
منتهى ما خطر لى فى تحسينه .
ثم أقول: ما الفَرْقُ بُسلم، وتقريرُ ذلك عند سامعِه يستدعى منه تهلا علىَّ فيما القيه.
فأقول: ما الرَّكْمَةُ بمعلوبةُ الشارع أبداً، من حيثُ إنها ركعة، بل من حيث إنّها تُؤثر
ما تقدَّم، فهناك يُطلَب انفرادُها، وهذا أمرٌ لا يكون فى الوَتْر، فلا تكون الركعةُ من
حيثُ انْفَرَادُها قُرْبَةً إلّا فى الوَّثْرِ، فَلَ يَزَم بالنَّذْر، وهى والقُعودُ سَواءِ، كِلاها مطلوب
العدمِ إلّا فى الوَتْرِ، فُيُطلَب وجودُهَا ليُوير المتقدِّمَ، وذلك كركعتين خفيفتين يصليهما
بعدَها عن قُعُود، وقَد رُوِىَ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلمٍ، وقيل: إنهما (٣) سنة الوَ ثْرِ
كَالِ كمتين بعد المغرب سُنَّة المغرب، وجُعِلت ركمتا الِوَثْرِ بَعْدُ(٤) جازةً عن قُعود، إشارةٌ
إلى أنه غير واجب ، وقيل : إن ذلك منسوخ .
فإن قلت: لو كانت رَكْمَةُ الْوَتْ لاتُطْلَب إلّ لكونها تُويرُ ما تقدَّم، ◌َمَا صَحْ
الاقتصار عليها، لكن الصَّحِيحُ صِحّةُ الاقتصار على ركعة واحدة.
قلت: هو، مع صِحَّتِه على تلوُّمٍ فيه، خلافُ الأفضل ، فليس بقُرْبةٍ من حيث إنه
ركمة منفردة.
(١) فى المطبوعة: ((منه إلى المطلق))، والمثبت من: ج، ز .
(٢) فى المطبوعة: ((الحاضر))، والتصويب من: ج، ز.
(٣) كذا فى المطبوعة، وفى ج، ز: «إنه)».
(٤) كذا فى المطبوعة، وفى ج، ز: ((تعد))"، وعلى الدال شدة .

- ٣٣١ -
فإن قلت: لو ◌ّ لك ذلك، لَمَا جاز اللَّهُلُ فى غير الِوَثْ بَركمةٍ منفردة، لكنه(١) يجوز
على الصَّحيح.
قلت: إِنما جاز الْمُطْلَقِ كونِهِ صلاةً، لالخصوصِ كونِه ركعةً، ففى الرَّكمة المنفِدة
عُمُومٌ وخُصوصْ، فُعوم كونها صلاةٌ صَّها قُرْبَةً، وخُصوصُ كونها ركمةً ليس من
الْقُرْبة فى شىء ، إلّا فى الوَرْ، فالتزامها فى غيرِ الوِّرَ بالَّذر من حيثُ خصوصُها لاَيَصِحُّ ،
كالقُعود سواء. وهذا تحقيق ينبغى أن يُكْتَب بسَوادِ الليلِ على بياض النّار، وبماء الذهب
على نار الأفكار .
وقد رَدّ ابنُ الرِّفعة كلام ابن الصلاح بما لا أرْتضيه، فقال: دعواهأنه لاقُرْبَةً فى الْقُعود،
قد يُمْع إذا قلنا بالأصح، وهو جوازُ التّنَفْلِ مضطجعاً مع القُدرة على القِيام.
قلت : وفيه نظرٌ، فجوازُ التنفُّل مضطِجِعاً لا يقتضى أنّاً جعلنا نَفْسَ الْقُّعودِ قُرْبَةً،
بل غايةُ الأمر أنّا(٢) قلنا: إنه خيرٌ من الاضطجاع، والتحقيق أن يقال: عدمُ الاضطجاعِ
خيرٌ منه وإن صَحْ(٣)، ووراءه صورتان: القِيامُ، وهو مطلوبٌ للشارع بخصوصِهِ،
والقعودُ ، وليس هو مغلوباً، من حيثُ خصوصُه، بل من حيثُ عمومُه، وهو أنه ليس
باضطِجاع، فخَرَج من هذا أن خُصوصَ القُعودِ ليس مقصودٍ قطٌّ ، وإن وقع تَسُمُحْ فى العِبارة
فلا يُعْبأ به .
ثم قال ابنُ الرِّفْعة: وإن قلنا: لا يجوز الاضطجاعُ مع القدرة على القيام ، فقد يقال:
الوفاء بِالنّذر ليس على الفور، وقد يَعْجِز عن القِيام، فيكونُ الْقُعود فى حقّه فضيلةً ،
فيصير كما لو نَذْر الصَّلاةَ قاعدًا وهو عاِجِزٌ، والصَّحيح(٤): يُعْتَمَدُ الإمكان.
قلت: وقد عرفتَ بما حققتُ اندِفَاعَه، وأن القعودَ لا يكون فضيلةً أبداً، ثم يزداد
(١) فى المطبوعة: ((لكن))، والمثبت من : ج، ز .
(٢) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ز: ((أن)).
(٣) فى المطبوعة: ((خير منه وأرجح))، وأثبتنا ما فى : ج، ز.
(٤) فى ج: ((والتصحيح)»، والثبت من : ز ، والمطبوعة.

:
- ٣٣٢ -
[ هذا](١) (٢) وَيَقْوَى بأن ٢) الاعتبارَ فى الَّذر بوقت الإلزام(٣)، وإلّا فلو تمَّ ماذكره،
واكْتُفِى باحتمال العَجْزِ مصحِّحاً فى المستقبل، مصحِّحاً فى الحال، لَصِحَّ نَذِرُ المُفْلِس
والسَّفِيهِ عِثْقَ عَبْدَيْهما، وإن لم يَنْقُدْ إعتاقُهما فى الحال، لاحتمال رَفْع الحَجْرِ مع بقاء
العَبد ، وقد وافق هو على أنه لا يَنْفُذ .
.. ثم قال ابنُ الرِّفْعة: ثم قولُ ابن الصَّلاح: ((وليس كذلك قولُه: ركمة)) إلى آخره،
قد يُمْنَع، ويقال: ماقدَّمه الناذِرُ من قولَه «أصلِّى)) إذ نَزَّلْناه على واجِب الشّرع،
محمولٌ على ركعتين، وقوله بعده: ((ركعة)) مناقض له، وحينئذ فقد (٤) يقال بإلغاء قوله
(( ركمة)) أو بإلغاء جميع كلامه، ويلزم مثلُ ذلك فى نَذْرِ الصَّلاة قاعِدًا.
قلت: وفيه نَظَر، فإن الإختلافَ فى الحَمْل على واجِب الشَّرع أو جازه، إنما هو حالةُ
الإطلاق، لاحالةُ التقييد بجائزِه، وهنا قد فيّد تركمة، فلا يمكن إلغاؤه، وهو كالنَّقييد
بأربع، وقد قدّمنا أن قولَه ((ركعة)) مفعولُ ((أصلِّى)) فلا بُدّ منه تقديرا إن لم يكن منطوقاً،
فكيف يُحْكَم بإلغائه ؟
● أفتى ابنُ الصَّلاح فى ورَثَةٍ اقتسموا التَّرِكَةُ ثم ظهر دَيْنٌ، وَوَجد صاحبُ الدِّين
عَيْناً منها فى يد بعض الورثة: بأن للحاكم أن يبيعَ تلك العينَ فى وَفَاءِ الدَّين، ولا يتعيَّن
أن يبيعَ على كلِّ واحدٍ من الورثةَ مايخصُّه من الدَّين. وهو فرعٌ حَسَنُ وفِقْهٌ مليح .
ومن الواقِعات بينَ ابنِ الصَّلاحِ وأهلِ عصره، ولا نذكر ما اشتهر بينَه وبينَ
ابنِ عبد السلام، فى (٥) مسألة صَلاة الرَّغائب، ومسألة الصلاة بحسَب (٦) الساعاتِ ونخره)(٧).
وإنما نذكر مايُسْتَحسن، وهو عندنا فى محل النّظر:
(١) زيادة من: ج، ز، على ما فى المطبوعة.
(٢) كذا فى المطبوعة، ومكانه فى: ج، ز: ((بأن يقوى)».
(٣) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ز: ((الالتزام)).
(٤) فى المطوعة: ((قد))، وزدنا الفاء من : ج، ز ..
(٥) كذا فى المطبوعة، ومكانها فى: ج، ز: ((مثل))، وقد سبقت مسألة صلاة الرغائب
فى صفحة ٢٥١ من هذا الجزء .
(٦) فى: ج، ز: ((تحت))، وأثبتنا ما فى المطبوعة.
(٧) فى المطبوعة: ((ونحوها))، والمثبت من: ج، ز .

- ٣٣٣ -
· فرعٌ تعمُّ به البَلْوَى: امرؤ يقول: اشْهَدَوا علىَّ بَكذا. هل يكون به مُقِرًّا؟
أفتى ابنُ الصِّلاح بأنه لا يكون مُقِرًّا. كذا ذكر فى باب الإقرار من ((فتاويه»، وذكر
أن تقريرَه سَبَق منه، وكان ذلك باعتبار ما كان يكتب فى ((فتاويه)) على غير ترتيب ،
وهى الآن مُرتَّبة .
والمسألة التى أشار إلى أنها سبقت فى آخر ((الفتاوى)) ذكر فيها ذلك، وأنه مذهبنا،
وأن المخالِفَ فيه أبو حنيفة، وأن المسألة مصرَّحُ بها فى ((العُدّة)) للطبرىّ، وفى (الإشراف))
للهَرَوِىّ، وذكر أنه وقف على المسألة بعضُ مَن يُفْسِى بدِ مَشْق من أصحابنا، فأرسل إليه
مستنكرا، يذكر أن هذا خِلافُ ما فى (( الوسيط»؛ فإن فيه: لو قال: أَشْهِدُك علىَّ بما فى
هذه القَبالة (١) وأنا عالِمٌ به، فالأصحّ جَوازُ الشَّهادة على إقراره بذلك.
قال ابنُ الصَّلاح: فقلت: إن تلك مسألةٌ أخرى مباينةُ لهذه، فقَرُقٌ بينَ قولِهِ:
أُشْهِدك علىَّ. مضافاً إلى نفسه، وبين قوله: اشْهَدْ علىَّ. غيرَ مُضِيفٍ إلى نفسه شيئا،
ثم ينبغى أنه إذا وَجد ذلك ممَّنْ عُرْفُه استعمالُ ذلك فى الإقرار يُجْعل إقرارًا. وفى ((البَيان))
أن ((اشْهَدْ)) ليس بإقرار؛ لأنه ليس فى ذلك غيرُ الإذن فى الشَّهادة عليه، ولا تَعرُّضَ
فيه الإقرار. هذا كلامه .
ولسنا نُوافِقُه عليه؛ فإن حاصلَه أمران: أحدهما: أنه يقول: انْهَدْ علىَّ بكذا، أمرٌ
وليس بإقرار ، وهذا مُحْتْمِلٌ، لكنا نقول: هو (٢) متضِّن للإقرار تضّناً ظاهِرًا شائعاً.
والثانى: أنه يُفَرِّق بين: أُشْهِدُك علىَّ، واشْهَدْ عَلَىَّ. وهذا غيرُ مسلَّم له، وغاية
ما حاول فى الفَرْقِ ما ذَكر، ومعناه أن ((أُشْهِدُك)) فعلٌ مسنَدٌ إلى الفاعِل، ومعناه:
أُسَيِّرْكُ شاهِدًا بخلاف ((اهْهَدْ عَلَىَّ)) والأمر كما وَصف، غير أنه لايُجْدِيه شيئًا؛ لأن الأمر
(١) القبانة - بفتح القاف - قال الإمام الفيومى فى المصباح المنير (فى ب ل): ((وتقبلت العمل من
صاحبه: إذا التزمته بعقد ، والقبالة، بالفتح: اسم المكتوب من ذلك ، لما يلتزمه الإنسان من عمل ودين
وغير ذلك )).
(٢) فى المطبوعة: ((هذا))، والمثبت من: ج، ز .

- ٣٣٤ -
بأن يْهَد عليه فوقَ الإقرار، وعليه ألفاظ كثيرة من الكتاب والسُّنة، مثل: ﴿ وَأَفْهَدُ:
بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾(١) وأمثلتُه تَكْثُر، وما ذكره من النَّقل عن ((الإشراف» و «العُدَّة» :.
صحيح، لكنه قولُ مَن يقول: ((اشْهَدْ عَلَىَّ)) ليس بإقرار، وهو أحد الوجهين، ومَأَخَذُ،!
جَهَاثُ المشهودِ به، لاصيغةُ ((إِثْهَدْ))، أمّا تسليم أنْ (أَشْهِدُك)) إقرارٌ" ، مع منع أن
((اشْهَدْ)) ليس بإقرار، فلا يَنْتَهِض، ولا قاله الغَزَّالِيّ ولا غيْرُه، وما كافٍ(٢) الخطاب
فى قول الغَزّالىّ: ((أَشْهِدُك)) يفيد قَصْدَه الفصلَ بينَه وبينَ (ائْهَدْ)) كما يظهر من تأمْلِ
المسألة فى كلام الأصحاب، وهى مذكورة فى باب القضاء على الغائب، فى كتاب القاضى إلى
القاضى، ومَأْخَذُ المنع فيها الجَمالُ بالَشْهُود به لا غَيْرُ .
ومَن تأمّل كلام ((الإشراف)) و(الْعُدّة) والإِمام (٣)، والغَزّالىّ، والرافعىّ، ومَن
بَعْدَهم، أَيْن بذلك، بل قد صرّحَ الغزّاليّ نفسُه فى ((فتاويه)) بما هو صريحٌ فيها، بقوله،
فإنه أفتى فيمَن قال: أُشْهَدُوا علىَّ أنى وقفت جميعَ أملاكى. وذَكَرِ مَصْرَنَهَا، ولكن:
لم يحدّدها: بأن الجميعَ يصير وقفاً، وليس هنا (أُشْهِدُكم)) والظنّ هذه المسألة ألّا (٤).
مفروغٌ مَنْهَا ، وَمَن حاول أن يأخذَ مِن كلام الأصحاب فرقاً بين ((أَشْهَدْ)) و((أُشْهِدُك))
فقد حاول المُحال، نعم لو عُمََّ ابنُّ الصّلاح قوله: ((أُشْهِدُك)) و ((اشْهَدْ)) كلّ منهما
ليس بإقرار، لم يكن مُبْعِدًا، وكان موافقاً لوجهٍ وجبه فى المذهب، وأمّا مانقله عن صاحب
((البيان)) أن ((اشْهَدْ)) ليس فيه غيرُ الإذن، فلم أجد هذا فى ((البيان)) والذى وجدته
[ فيه ](٥) فى باب الإقرار، ما نَُّّه: فَرْعٌ، لو كتب رجلٌ: لزيدٍ علىَّ ألفُ دِرْمٍ.
ثم قال للشهود: اشْهَدُوا علىَّ بما فيه. لم يكن إقرارا. وقال أبو حنيفة: يكون إقرارًا،
دليلنا أنه ساكت عن الإقرار بالمكتوب، فلم يكن إقرارًا، كما لو كتب عليه غيرُه، فقال:
(١) سورة آل عمران ٥٣.
. (٢) فى المطبوعة ، ز: ( كان))، وأثبتنا الصواب من: ج.
(٣) يعنى إمام الحرمين الجوينى؛ وقد نبهنا على هذا كثيرا.
(٤) فى المطبوعة: ((أنه))، والمثبت من: ج، ز.
(٥) سقط من المطبوعة، وأثبتناه من: ج، ز .

- ٣٣٥ -
اعْهَدُوا بماكُتِبِ فيه. أو كمالو كتب على الأرض، فإن أبا حنيفةً وافقنا على ذلك.
انتهى .
وأحسَبُه أخذه من ((عْدَّة الطّبْرىّ)) فإنه فيها كذلك من غير زيادة، ذكره أيضا فى
باب الإقرار، وهو أيضا فى ((الإشراف)) لأبى سعد المروىّ، كما نقل ابنُ الصَّلاح،
وليس فى واحدٍ من هذه الكتب الفصلُ بينَ ((أُشْهِدْك)) و((اشْهَدْ))، ولا تحدُّوا عن
هذه المسألة، مِن حيث لفظُ الشهادةِ أصلًا، إنّما كلامهم من حيثُ الإقرارُ بالمجهول المضبوط،
ومِن ثَمَّ أقول: الإنصاف أن مسألةَ الغَزّالِىّ فى ((الفتاوى)) أيضا لم يقْصَد بها إلى صيغة
((اشْهَدُوا)) بل إلى أن التبادَة تصِحُّ على جميع الأملاك، وإن لم يحدّد، أما الفَرْق بين
((اشْهَدُوا)) و ((أَشْهِدُ كم)) فلم يتكلّم فيه أحدٌ غيرُ ابنِ الصّلاح، وليس بُسَلَّ، نعم يؤخذ
مِن كلام الغَزّالِيّ عدمُ الفرقِ؛ لأن ((اشْهَدُوا)) لو لم يكن إقرارً ا لقال الغَزّالى إنه ليس
بإقرار، لأن جهة عدم التحديد تكون(١) مِن جهة الصِّيفة، فلمّا لم يَقْلْ ذلك دَلَنا ذلك
منه على إن عِنْدَه أن كَونَ الصِّيفةِ (٢ صيغةَ الإقرار٢) أمرٌ مفروغ منه، وهو الغالب على الظنّ
حقيقةً فيما عندى، ويشهد له أيضا قولُ أصححا بِنا فى الاستِرِعاء: إذا قال الشاهدُ للْمُقِرّ:
أَشْهَدُ عليك بذلك؟ فقال المُقِرّ: نعم. كان استِرِعاء صحيحاً، وإن قال: احْهَدْ". فثلاثَة
أوجه، وهو: أوكَدُ مِن نَعم ، لما فيه من لفظ الأمر، والثانى: لا يكون استرعاء صحيحاً،
والثالث: إن قال: الْهَدْ علىَّ، كان استِرْعاء صحيحاً لنفى الاحتمال، بقوله: علىَّ. وإن اقتصر
على: اعْهَدْ. لم يكن استِعاء صحيحاً، أما لو قال: الْهَدْ علىَّ بكذا(٣). فاسترعلا صحيح
قطعاً. قال الرُّويانيّ فى (البحر)): لانْتِفَاء(٤) وُجوهِ الاحتمالِ عنه.
وهذه المسائل فى(٥) ((الحاوى)) و (البحر))، ومَن تَأمّلها عَلِم أن ((اشْهَدْ)) استِعَاءٌ صحيحٌ،
(١) فى ج: ((تكمن))، وفى ز ما يشبهها، والمثبت من المطبوعة.
(٢) هكذا فى: ج، ز، ومكانه فى المطبوعة: «الإقرار)».
(٣) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ز: ((بذلك)).
(٤) فى المطبوعة: ((لا تنفى))، والتصويب من: ج ، ز.
(٥) فى المطبوعة: ((من))، وأتتنا ما فى : ج، ز .

- ٣٣٦ -
وإقرارٌ مُعْتَبَرَ، لا يتطرّق إليه الخَلَلُ من لفظه، بل مِن جهالة ماسُلط عليه، ولذلك جزموا.
فى : اشْهَدْ علىَّ بذلك. أنه استرعالا صحيحٌ، وبه جزم الرافعىُّ أيضاً، ولفظه ؛ أو يقول:
اشْهَدْ علىَّ شَهَادَلِى بكذا. أو يقول: إذا اسْتُشْهِدْتَ على شهادتى فقد أذِنْتُ لك فى أن
تَشْهَد . انتهى.
وما قاله ابنُ الصَّلَاحِ يُضْبه ماقاله ابنُ أبى الدّم، فى الشَّهادة على الإقرار، وقد قدَّمنا.(١)
فى ترجمته فى هذه الطبقة .
١٢٣٠
عثمان بن عبد الكريم بن أحمد بن خليفة الصّنهاجيّ*
أبو عمرو بن أبى محمد، الشيخ العلامة سَدِيدِ الدين اللَّْمَفْتِىّ
ولد بَزْمَنْت، سنةَ خمس وستمائة، وبَرَع فى الفقه، ودرَّس بالمدرسة الفاضلِيّة(٢)
بالقاهرة ، وناب فى القضاء .
وكانت له اليدُ الأُولَى فى معرفة المذهب وفَصْلِ الخُصومات، وكان أحدَ مُعِيدى الشيخ
الفقيه أبى الطاهر الأنصارىّ ، خَطيب مِصر صاحب الكرامات، وأحدَ مُعِيدى الشيخ
عِزّالدِّين بن عبدالسّلام.
قال القاضى أحمد بن عيسى بن رِضوان بن الَسْقَلانىّ، فى كتابه(٣) الذى ألّغهفى مناقب
الخَطِيب [ أبى الطاهر](٤): شَهدتُهُ يوماً، يعنى السَّديد التَّْ مَنِىّ، وقد أشار إليه الشيخ
عِزُّ الدّين بإعادة دَرْسه بعدَ فراغه، فشرع فى إعادته، وأخذ في إيراده، فأجاد فى عبارته ،
بحيث كان الأفاضلُ ممَّ حضر يَعْجَبون ويَطْرَبُون، وإذا حاوله الحاسدون، تلالِمانُ الحال:
﴿قُل لَّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُقْلَبُونَ﴾(٥) انتعمى.
(١) انظر صفحة ١١٦.
* ترجم له السيوطى فى: حسن المحاضرة ٤١٦/١.
(٢) كذا فى المطبوعة، والطبقات الوسطى، وحن المحاضرة، وفى: ج، ز: ((القطبية)).
(٣) هو كتاب «العام الظاهر فى مناقب الخطيب أبى الطاهر))، انظر فهارس الكتب فى الجزء السابع
وسبق فى ترجمة أحمد بن عيسى بن رضوان من هذا الجزء.
(٤) زيادة من المطبوعة، على ما فى: ج، ز، وانظر التعليق السابق. (٥) سورة آل عمران ١٢.

- ٣٣٧ -
وكان الشيخُ السَّديدُ كما وَصف وأزْيدَ .
وعنه أخذ الفِقْهَ فقيهُ الزّمان أبو العباس ابن الرَّفْعة.
ويُحْكَى أنه كان يُحبّ القَضاء، وأنه كان يدعو فى سُجوده: ﴿رَبِّ هَبْ لِ
حُكْماً﴾(١).
توفّى بالقاهرة(٢) حاكماً.
١٢٣١
عثمان بنعیسی ین دِرْباس*
القاضى ضياء الدين أبو عمرو الهدباني(٣) المارانيّ(٤)، ثم المصْرىّ
صاحب ((الاستقصاء)) فى شرح ((الُهَذَّب))، و(( شرح الَّلَمَع))(٥) فى أصول الفقه ،
وغيرهما من التصانيف .
تفقّه بإرْ بِلَ على الخِضْر بن عَقِيل ، ثم بدمشق على ابن أبى عَصْرُون، وسمع الحديث
من أبى الجُيوش عساكِرَ بن علىّ ، وناب فى الحُكم عن أخيه قاضى القضاة صدر الدِّين
عبد الملك ، وكان مِن أعلم الشافعيّة فى زمانه، بالمقه وأصُولِهِ .
(١) سورة الشعراء ٨٣
(٢) فى ذى القعدة سنة أربع وسبعين وستمائة، كما صرح المصنف فى الطبقات الوسطى، وكما فى حسن
المحاضرة أبنا .
* له ترجمة فى: حسن المحاضرة ٤٠٨/١، شذرات الذهب ٧/٥، وفيات الأعيان ٤٠٨٤٠٦/٢
وجاء اسم المترجم فى المطبوعة: ((عمر))، وأثبتنا الصواب من: ج، ز، والطبقات الوسطى، ومصادر الترجمة.
(٣) فى المطبوعة: ((الهدمانى))، وأثبتنا ما فى: ج، ز، ووفيات الأعيان، والشذرات، وجاء
فى الطبقات الوسطى: ((الهذباني)) بلقال المعجمة المفتوحة مع فتح انهاء، ولم نعرف شيئا عن هذه النب كلبا.
(٤) بفتح الميم، وبعد الألف راء مفتوحة، وبعد الألف الثانية نون: هذه النسبة إلى بنى ماران بالمروج
تحت الموصل . كذا قال ابن طكان .
(٥) لأبي إسحاق الشيرارى، كما صرح المصنف فى الطبقات الوسطى، وسبق فى ترجمته، صفحة ٢١٥
من الجزء الرابع .
(٨/٢٢ - طبقات)

- ٣٣٨ -
قال التفليسِىّ: ثم عُزِل عن نيابة أخيه، وعن تدريسٍ كان بيده بظاهر القاهرة ،
ووقف عليه جمالُ الدّين خشترين مدرسةً أنشأها بالقَصْر.
مات بمصر (1) سنة اثنتين وستمائة، وقد قارب التسعين سنة(٢)
١٢٣٢
عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عَمّويه(٢)
ابن سعيد بن الحسين بن القاسم بن نصر بن القاسم بن محمد بن عبد الله
ابن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصِّدِّيق عبد الله
ابن أبى قُحافة* رضى الله عنه.
أبو عبد الله، وقيل: أبو نصر، وقيل: أبو القاسم الصُّوفى، ابن أخى الشيخ
أبى النَّحِيب .
هو الشيخ شِهاب الدِّين الشُّهْرَ وَرْدِىّ، صاحب ((عَوَارِفِ المَعَارِفِ))(٤)
(١) فى ثانى عشر ذى القعدة. كما صرح المصنف فى الطبقات الوسعنى.
(٢) ذكر المصنف فى الطبقات الوسطى مألتين عن المترجم هكذا:
• « لو لم يجد إلا الماءَ المُشَمَّس، قال فى الاستقصاء: يَعْدِلُ إلى التيمم.
• يجوز الاستنجاء باحية الحربىّ، وفى جوازه بالغارِّ وجهان، ذكرهما فى الاستقصاء)».
انتهى ما فى الطبقات الوسطى. وقوله: ((المربى")» جاءت خالية من النفط. الكن حددت]
الياء فيها .
(٣) تراجع هذه السلسلة مع ما سبق فى ترجمة عم المترجم، صفحه ١٧٣ من الجزء السابع.
* له ترجمة فى: البداية والنهاية ١٣٨/١٣، ١٣٩، ١٤٣، تذكرة الحفاظ ١٤٥٨/٤، ذيل
الروضتين ١٦٣، شذرات الذهب ١٥٣/٥، ١٥٤، العبره ١٢٩، مرآة الجنان ٧٩/٤ - ٨٢،
مرآة الزمان ٦٧٩/٨، ٦٨٠، مفتاح السعادة ٣٥٥/٢، ٣٥٦، النجوم الزاهرة ٢٨٣/٦ - ٢٨٥،
٢٩٢، وفيات الأعيان ١١٩/٣، ٠٠١٢٠
(٤ ) فى الطبقات الوسطى بعد هذا :
((قال فيه تلميذه ابن باطيش: هو شيخُنَا، شيخ الإسلام ومعدن الحقيقة، وإمام الوقت ،
وفريد العصر، سُئِلٍ عن مولده، فقال: سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، بُهْرَ وَرْد، ونشأ بها=

- ٣٣٩ -
وْلِيد فى رجب، سنةً تسع وثلاثين وخمسمائة، بُهْرَوَرْد، وقدم بغدادَ، فصحب عمَّهُ
الشيخ أبا النَّجِيب عبد القاهر، وأخذ عنه التصوفَ والوعظ ، وصحب أيضا الشيخ
عبد القادر(١)، وصحب بالبصرة الشيخ أبا محمد بن عبد(٢).
وسَمِعِ الحديثَ من عمَّ، ومن أبى المظفَّ عِبة الله بن الشّبْلىّ، وأبى الفَتح بن البَطِرْ،
وَمَعْفَر بن الفاخر، وأبى زُرْعةَ الَقْدِسِىّ ، وأبى الفتوحِ الطّائِىّ، وغيرهم .
روى عنه ابن الدُّ بَيْشِيّ، وابن نُقْطَةَ، وِالضِّياء، والزَّكِىّ البِرْزالىّ، وابن النجار،
والقُوحِيّ، وأبو الغنائم بن عَلّان، والشيخ العِزّ الفارُونِيّ، وأبو العباس الأبَرْ فُوهِىّ،
وخلق (٣).
إلى أن بلغ قريباً من ست عشرة سنة، ثم توجه إلى بغداد، وضحب عمه وتفقَّه عليه، وقرأ
الخلاف، وباحَتَ فى المسائل، ولَزِمه إلى أن تَوََّ، ثم بَعْدَه صَحِب الشيخ أبا القاسم بن فَضْلان،
إلى أن برع فى الفقه، ثم أقبل على الاشتغال بالله وسلوك طريق الآخرة ، واستغرق أوقاته
بالعبادات والأوراد ، ولَزِمِ بابَ الله تعالى، ففتح اللهُ عزّ وجلّ عليه حتى صار أو حدَ زمانِهِ،
ودعا الخلقَ إلى الله سبحانه وتعالى، وكان كلامه آخذاً بمجامع القلوب، صادِرًا عن معاملة
ورياضة ..
قال: وأقبل عليه الخليفةُ الإمامُ الناصرُ لدين الله أبو العباس أحمد أمير المؤمنين، واستهمنه
رسولا إلى عدَّة مواضعَ، فما توجَّه فى أمرٍ إلا وتمّ ببركته . انتهى)).
(١) هو الشيخ عبد القادر الجيلى، كما صرح ابن خلكان .
(٢) فى وفيات الأعيان: ((عبدالله)) ولفظ الجلالة زيد من بعض فمخ الوفيات.
(٣) فى الطبقات الوسطى بعد هنا :
• (« وكان أرباب الطريق من أهل عصره يكتبون إليه صورة فتاوى، يسألونه عن عى
من أحوالهم، وقد كتب إليه بعضُهم: ياسيّدى، إن تركتُ العملَ أخلاتْ إلى البطالة ، وإن
عملتُ داخَنَنِى الْفَجْبُ، فأيُّها أولَى؟ فكتب جوابه: اعمل واستغفر اللهَ من العُجْب. وأخباوه
فى ذلك كثيرة ، وشعره كثيرٌ حسنٌ بالغ.
توَّ ليلةَ الأربعاء مستهلَّ المحرم سنة اثنتين وثلاثين وستمائة)).

:
- ٣٤٠ -
وكان فقيهاً فاضلاً، صوفيًّا إماماً وَرِعاً، زاهِدا عارفاً، شيخَ وقته فى علم الحقيقة،
وإليه المنتهى فى تربية المريدين، ودُعاء الخلق إلى الخلق، وتَسْليك طريق العبادة والخَلْوة.
أخذ التصوّفَ عمَّن ذكرناه، والفقهَ عن عمّ أبى النَّجِيب أيضا، وعن أبى القاسم
ابن فَضْلان .
قال ابن النجّار: كان شيخَ وقتِه فى علم الحقيقة، وانتهت إليه الرِّياسة فى تربية
الُرِيدين، ودُعاء الخَلق إلى الله، وتسليك طريق العبادة والزُّهْد، ضَحِبِ عمَّه، وسَلك.
طريقَ الرِّياضاتِ والمجاهدات، وقرأ الفقهَ والخِلافَ والعربيَّة ، وسَمِع الحديث، ثم انقطع
ولازم الخَلْوةَ ، وداوَمَ الصَّوْمَ والذِّ كْرَ والِبادة.
قال: ثم تكلَّم على الناس، عِنْدَ عُلُوِّ سِنّه، وعقد مجلسَ الوعظ بمدرسة عمه
على دِجْلَةِ.
قال: وقُصِد من الأقطار، وظهرت بركاتُ أنْفَاسِه على خلقٍ من المُصاة فتابوا،
ووصل به خلقٌ إلى الله، وصار له أصحابٌ كلُّجوم.
قال: ورأى مِن الجاه والحُرْمَة عِنْدَ الملوك مالم يَرَه أحدٌ .
قال: ثم أضَرَّ فى آخرٍ عمرِهِ، وأَقْسِدِ، ومع هذا فما أخلَّ بالأوراد ودوامِ الذِّكْر،
وخُضور(١) الجُمَع فى مَجَنَّته، والمُغيِىِّ إلى الحجّ ، إلى أن دخل فى عشر المائة.
قال: ومات ولم يُخَلِّفْ كَفَناً، مع ما كان يدخلُ له.
قال ابن نُقْطةَ: كان شيخَ العِراق فى وقته، صاحِبَ مجاهدة [وإيثارٍ ](٢) وطريقٍ
حميدة، ومروءةٍ تامّة ، وأورادٍ على كِبَرِ سِنَّه.
(١) العبارة فى الطبقات الوسطى: ((وحضور المسجد الجامع يوم الجمعة فى محنة )»
(٢) زيادة من: ج، ز، على ما فى الطبقات الوسطى .