Indexed OCR Text
Pages 261-280
- ٢٦١ -
[مى](١) أفضلُ [من](٣) نصيحةٍ تُوصِّله إلى الله، وتقرِّ به لربّه(٣) زُلْفَى، وتُحِلُّه
الفردوسَ الأعلى .
فالنصيحة هى هديّةُ العلماء، وإنه لن يُبدِىَ إلىَّ(٤) تحفةً أكرمَ من قبولِهِ لها ،
وإصفائِهِ بقلبٍ فارغ عن ظلماتِ الدنيا إليها.
وإنى أُحذِّره، إذا مُيَّتْ عند أرباب القلوب أحرارُ الناس، أن يكون إلا فى زُمْرةٍ
الكرام الأكياس، فقد قِيل لرسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: من أكرم الناس؟
فقال: ((أَنْقَهُمْ)) .
فقيل: مَنَ أكْيَسُ(٥) الناس ؟
فقال: ((أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْراً، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ اسْتِعِدَاداً ».
وقال صلَّى الله عليه وسلم: ((الْكَيِّرُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْذَ اْلْمَوْتِ، وَالْأَحْمَقُ
مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَاَ ونَنَّى عَلَى الهِ الْمَغْفِرَةَ(٦))) .
وأشتُّ الناس غبَاوةً وجهلا، مَنْ تُهِمَّهُ أمورُ دنياه التى (٧ يختطفها عنه٢) الموت،
ولا يُسمّه أن يعرف أنه من أهل الجنة أو النار، وقد عرَّفه الله تعالى ذلك، حيث قال(٨):
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى أَمِيمٍ * وَإِنَّ الْفَجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ﴾.
وقال(٩): ﴿فَأَمَا مَنْ طَى * وَآثَرَ الْحَيَةَ الدُّنْيَاَ) الآية.
وقال(١٠): ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَاَ نُوَفَّ إِلَيْهِمْ أَعْمَا لَهُمْ فِيهَا﴾ إلى
قوله: ﴿وَبَطِلْ مَّ كَانُوا يَعْمَنُونَ﴾.
(٢) ساقط من المطبوعة، وهو فى : د ، س.
(١) زيادة من المطبوعة على مافى: د ، س .
(٤) وس : «إليه))، والصواب فى :
(٣) فى س: ((إليه)))، والمثبت فى: المطبوعة، د.
(٦) فى س : «بالمغفرة)،
(٥) فى المطبوعة: ((أنين)» والصواب فى د، س.
المطبوعة ، د.
والمثبت فى المطبوعة، د. (٧) فى المطبوعة: ((يخلفها عند»، وفى د ((يختطفها عند))، والمثبت فى: س.
(٨) سورة الاقطار ١٣، ١٤.
(٩) سورة النازعات ٣٧ ، ٠٣٨
(١٠) سورة هود ١٥، ١٦.
- ٢٦٢ -
وإنى أُوصِيه أن يصرِف إلى هذا الْمُهِمِّ هِمَّتَه، وأن يحاسِبَ نفسَه قبل أن يحاسَب،
ويراقبَ سَرِيرته، وقَصْدَه، وهمَّتَه، وأَفعاله، وأقواله، وإصْداره، وإيراده، أُهى مقصورةٌ
على ما يقرِّبه من الله تعالى ويوصِّله إلى سعادة الأبد ، أوهى مصروفة إلى ما يعمر دنياه،
ويصلحها له إصلاحا مُنتَّصاً، مَشُوبا بالكُدُورات، مشحونا بالهموم والغموم، ثم يختِمها
بالشَّقاوة، والعياذ بالله؟
فليفْتَحْ عن (١) بصيرته؛ لتنظر (٢) نَفْسَ ما قدَّمْت لَغَدٍ، وليعام ألَّه لا (٣ مُشِفِق ولا ناظِر
لنفسبه سواء ٣).
ولْيتدبّرْ ما هو بصددِه.
فإن كان مشغولاً بعمارة ضَيْعة (٤) فلينظر، كم من قريةٍ أهلكها الله تعالى وهى ظالمة،
فهى خاوية على عروشها ، بعد عمارِها(٥).
وإن كان مقبلا على استخراج ماء، وعمارة نهر، فَلُفَكَّر: كم من بْرٍ معطّلة لا وقصر
مشيدً بعد عمارتهما(٧)
وإن كان مُهتَمَاً بتأسيس بناءٍ، فْليتأْمَّل كم من قصورٍ مشيّدة البنيان، محكمة القواعد
والأركان ، أظلمتْ بعد سكانها .
وإن كان معتنِياً بعمارة الحدائق والبساتين، فليعتبر (٨): ﴿كَمْ تَرَ كُوا مِنْ جَنَّاتٍ
وَغُيُونٍ * وَزُرُوعِ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَحْمَةٍ) الآية، ولِيقُرأ قوله(٩): ﴿أَقَرَ أَيْتَ إِنْ
مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَمْتَّعُونَ﴾ .
(١) فى المطبوعة: ((عين))، والمثبت فى : د، س.
(٢) في من : :«ونينظر»، والمثبت
فى المطبوعة ، د .
(٣) في المطبوعة، د: ((لاظرليفه، ولا يشفق سواه)». والمثبت من: ص.
(٥) فى المطبوعة: ((عمارته))،
(٤) فى س: ((ضيعته)»:، والمثبت فى المطبوعة، ".
(٦) ساقط من: س، وهو فى: المطبوعة، د.
وفي د: ((عمالها))، والمثبت في : .
(٧) فى س: ((عمارما)»، والصواب فى: المطبوعة، د.
(٩) سورة الشعراء ٢٠٥ - ٢٠٧.
(٨) سورة الدخان: ٢٥-٢٧
- ٢٦٣ -
وإن كان مشغوفاً، والعياذ بالله، بخدمة سلطان، فليذْ كُر ما ورد فى الخبر: أَنْه يُنَادِى
مُنَادٍ يومَ القيامةِ، أبن الظَّلَمةُ وأعوانهم، فلا يبقى أحدٌ منهم مَدَّلهم دواةً، وبَرَى(١)
لهم قلماً، فما فوق ذلك، إلا أحضِروا(٢)، فيُجمّعون فى تابوتٍ من نار، فيُلْقَوْن
فى جهنم.
وعلى الجملة، فالناس كلَّهم إلا من عصَم الله نَمُوا اللهَ فنسِيَهم، وأعرضوا(٣) عن
الََّوُد(٤) للآخرة، وأقبلوا على طلب أمرين: الجاه، والمال ، فإن (٥ كان هو٥) فى طنَب
جاهٍ ورياسة، فليتذَ كَّر (٦) ما ورد به الخبر: [أَنَّ](٧) الأمراء يحشرون يوم القيامة فى
صُوَرَ الذَّرِّ، تحت أقدام الناس، يطوُوَمَّهم بأقدامهم، ولْيقْرأ ما قاله تعالى، فى(٨) كل
متكرّ جبَّار .
(٦ وقد قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّ: ((يُكْتَبُ الرَّجُلُ جَبَّاراً وَمَا يَمْلِكُ إِلَّ
أَهْلَ بَيْتِهِ)) أى إذا طلب الرياسةَ بينهم، وتكبَّ عليهم، وقد قال عليه السلام: (( مَاذِئ ◌ْبَآنِ
ضَارِيَانٍ أُرْسِلَا فِىِ زَرِيبَةٍ غَضَمِ بأكثرَ فَسَاداً من حُبِّ الشرفِ فى دِين الرجلِ المسلم».
وإن كان فى طلب المال وجْهِ فَلْيتأمّل قَوْلَ عيسى؟) عليه السلام: يا معشر الحَوَارِيِّن،
العينُ مَسَرَّة فى الدنيا، مَضَرَّةٌ فى الآخرة، بحَقٍ أقول، لا يدخل الأغنياء مَلَكوت السماء.
وقد قال نبيّنا صلَّى الله عليه وسلم: (( يُحْثَرُ الْأَغْنِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَرْبَحَ فِرَ قٍ:
رَجُلٌ جَعَ مَلًا مِنْ حَرَامٍ، وَأَنْفَقَهُ فِى حَرَامٍ، فَيُقَالُ: اذْعَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ.
وَرَجُلٌ جَمَعَ مَلًا مِنْ حَرَامٍ، وَأَنْفَقَهُ فِى حَلَالٍ، فَيُقَالُ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ .
(١) فى المطبوعة: ((أوبرى))، والمثبت فى : د، س.
(٢) فى المطبوعة: ((حضر))، وفى د .: ((حضروا))، والمثبت فى : س.
(٤) فى د : ((التردد»،
(٣) س: ((فأعرضوا))، والمثبت فى: المطبوعة، د.
(٥) فى المطبوعة، د: ((كانوا))، والمثبت فى : س.
والصواب فى : المطبوعة ، س .
(٦) فى المطبوعة، د: ((فليتذكروا))، والمثبت فى : س.
(٧) ساقط من: س، وهو فى المطبوعة، د. (٨) فى س: ((من))، والمثبت فى المطبوعة، د.
(٩) مكان هذا فى المطبوعة، د: ((وقد قال عيسى))، والثبت فى : س.
- ٢٦٤ -
(( وَرَجُلٌ جَمَعَ مَلًا مِنْ حَلالٍ، وَأَنْفَقَّهُ فِى حَرَامٍ، فَيُقالُ: اذْعَبُوا ﴾ إِلَى النَّارِ (١).
وَرَجْلْ جَمَعَ مَلًا مِنْ حَلَالٍ ، وَأَنْفَقَهُ فِى حَلَالٍ ، فَيُقَلْ: قِفُوا هُذَا، وَاسْأَلُوهُ ،
لعَلَّهُ [ضَيَّعَ ](٢) بِسَبَبِ غِنَاءُ(٣) فِيمَاَ فَرَضْنَهُ(٤) عَلَيْهِ ، أَوْ قَصَّرَ فِصَلَاتِهِ (٥) ، أُوْ فِ
وُضُورِهَا، أَوْ سُجُودِهَا، أَوْ خُشُوعِهاَ، أَوْ ضَيَّحَ شَيْئًا مِنْ [فَرْضٍ](٦) الزَّكَاَةِ وَاْلْحَجِّ.
فَيَقُولُ الرَّجُلُ: جَعْتُ الْمَلَ مِنْ حَلَالٍ، وَأَنْفَقْتُهُ فِى حَلَالٍ، وَمَا ضَيَّعْتُ شَيْئًاً
مِنْ حُدُودٍ الْفَرَائِضِِ، بَلْ أَتَيْتُهَاَ بِتَمَامِياً.
فَيْفَلْ(٧): لَمَلَّكَ بَهَيْتَ، وَاخْتَلْتَ (٨) فِ شَىْءٍ مِنْ رِيَبِكَ؟
فَيَقُولُ: يَا رَبٌّ، مَا بَهَيْتُ بَِلِ، وَلَا اخْتَنْتُ فِى بِيَبِى.
فَيْقَالُ: لَعَلَّكَ فَرَّْتَ فِيمَا أَمَرْنَكَ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَحَقٌّ(٩) الْجِيرَانِ،
وَالْمَسَاكِينِ، وَقَصَّرْتَ فِى (١٠النَّعْدِيمِ وَالْتَأْخِيرِ ١٠)، وَالتَّفْضِيلِ وَالتَّْدِيلِ.
وَيُحِيطُ هُؤْلَاءٍ بِهِ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْتَبْتَهُ (١١) ◌َيْنَ أَنْهُرِنَ، وَأَحْوَجْنَا إِلَيْهِ ،
فَقَصَّرَ فِى حَقًِّا .
فَإِنْ ظَهَرَ تَقْصِيرْ ذُهِبَ بِهِ إِلَى النَّارِ، وَإِلَّا قِيلَ لَهُ: قِفْ، هَتِ الْآَنَ شُكْرَ
كُلِّ ◌ِعْمَةٍ، وَكُلِّ شَرْبَةٍ، وَكُلِّ أَكْلَةٍ، وَكُلِّ لَذَّةٍ، فَلَا يَزَالُ يَسْأَلُ (١٣) وَيُسْأَلُ.
فهذه حال(١٢) الأغنياء الصالحين المصلحين، التأمين بحقوق الله تعالى، أن يطُول
وقوفهم فى العَرَصات ، فكيف حال المفرِّطين المهمكين فى الحرام والشبهات، المكاثرين به
(١) ساقط من: س، وهو فى المطبوعة، د. (٢) ساقط من المطبوعة، د، وهو فى: س.
(٣) بعد هذا فى المطبوعة، ( زيادة: ((تهاون))، والمثبت فى: س. (٤) فى المطبوعة: «فرضنا»
(٥) فى س: ((الصلاة))، والمثبت فى: المطبوعة، د .
والمثبت فى : د ، س .
.(٦) ساقط من المطبوعة، وهو فى: د، س .
(٧) و المطبوعة، د: ((فيقول»، والمثبت
فى : س، ويدل فى منیأنی .
(٨)، فى المطبوعة: ((أواختلت))، والمثبت فى: د ، س ..
(٩) فى المطبوعة: ((وجبر))، والمثبت فى: د، س. (١٠) فى س: ((التقدم والتأخر)
والمثبت فى المطبوعة، د. (١١) فى المطبوعة: ((أغنتبه))، والمثبت فى : د، س .
(١٢) ضبط الياء بالفتح من: س، ضبيط قلم: (١٣) فرس: ((جالة))، والمثبت فى: المطبوعة، د.
- ٢٦٥ -
المُتَنَعِّمِين بشهواتهم، الذين قيل فيهم(١): ﴿أَلْهَاَ كُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَبِرَ﴾.
فهذه المطالبُ الفاسدة، هى التى استولَتْ على قلوب الخلق، فسخَّرها (٢) للشيطان،
وجعلها ضُحَكَةً له، فعليْه وعلى كل مستمرّ (٣) فى عداوة نفسِه، أن يتعلّم علاجَ هذا
المرض ، الذى حلَّ بالقلوب .
فعلاج مرضِ القلب(٤) أهُّ من علاج مرضٍ الأبدان، ولا ينجُو إلا من أنَى اللّهَ
بقَلْبٍ سليم ..
وله دواءان :
أحدهما، ملازمةُ(٥) ذَكْرِ الموت، وطول التأمل [ فيه](٦)، مع الاعْتبار بخاتمة
الملوك، وأرباب الدنيا، أنهم كيف ◌َوا كثيرا، وبنَوْا قصورا، وفرحوا بالدنيا بَطَرًا
وغُرُورا، فصارت قصورُم قبورا، وأصبح ◌َجْعهم هباءً منثورا: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًّا
مَقْدُورًا﴾(٧)، ﴿أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَْنُونَ
فِى مَسّا كِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ ﴾(٨) فقصوره(٩)، وأملاكهم،
ومساكنهم، صوامتُ ناطقة، تشهد بلسان حالها على غُرُور عُمَّالها. فانظر الآن فى جميعهم
﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْرًا﴾(١٠).
الدواء الثانى :
تدبُّ (١١) كتابِ الله تعالى، ففيه شفاء ورحمة للعالمين.
وقد أوصى رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم بملازمة هذين الواعظينَ(١٢)، فقال: تَرَكْتُ
فِيَكُمْ وَاعِظَيْنِ صَامِتً وَنَطِقًّا، الصَّامِتُ الْمَوْتُ، وَالنَّاطِقُ الْقُرْ آنُ)).
(١) سورة التكاثر ٢،١ .
(٢) فى س: ((فنخرها))، والمثبت فى : المطبوعة، د.
(٣) فى المطبوعة: ((مشمر))، والمثبت فى: د، س. (٤) فى س: ((القلوب)»، والمثبت
(٥) فى المطبوعة، د: ((ملازمته))، والمثبت فى : س.
فى : المطبوعة ، د .
(٦) زيادة من : س ، على مافى المطبوعة، د.
(٧) سورة الأحزاب ٣٨.
(٨) سورة السجدة ٠٢٦ (٩) فى المطبوعة، د: ((قصور°م))، والمثبت فى: س.
(١٠) آخر سورة مريم. (١١) فى المطبوعة: ((تذكر))، وفى س: ((تدبير))، والمثبت فى: د.
(١٢) فى المطبوعة، د: ((((الوعظين))، والمثبت فى : س.
- ٢٦٩ -
وقدأصبح أكثرُ الناس أمواتا عن كتاب الله تعالى، وإن كانوا أحياء فى معايشهم، [و](١)
بُكْماً عن كتاب الله تعالى، وإن كانوا يْتُلُونَه بألسنتهم، وصُمًّ عن سماعه، وإن كانوا:
يسمعونه بآذانهم، وعُمْيًا عن عجائبه، وإن كانوا ينظرون إليه فى (محاثفهم، و](٢) مصاحفهم
نأمين(٣) عن أسراره، وإن كانوا يشرحونه فى تفاسيرم.
فاحذَرْ(٤) أن تكون منهم، وتدبرّ أمرك، وأمر (* من لميتدَّر، كيف يقوم، ويحثر!
وانظر فى أمرك وأمره) من لم ينظر فى أمر نفسه، كيف خاب عند الموت، وخسر!
والنَّغظْ بآيةٍ واحدة من(٦) كتاب الله، ففيه مَقْنَع وبَلاغ، لكل ذى بصيرة، قال
الله تعالى(٧): ﴿يَا أَيُّهَ أَّذِينَ آمَنُوالاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَأُكُمْ وَلَا أَوْلَاذْ كُمْ عَنْ ذِكْرِ الْهِ وَمَنْ
يَفْعَلْ ذُلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ إِلى آخرها .
"وإيّاك، ثم إياك، أن تشتغل يجمع المال، فإن فرحَك به ينْبيك أمر الآخرة، وَيَنْزِع
حلاوة الإيمان من قلبك .
(٨)
قال عيسى، صلوات الله عليه وسلامه: لا تنظروا إلى أموالِ أهلِ الدنيا، فإن بريق
أموالهم يذهبُ بحلاوة إيمانكٍ
وهذه ثمرةُ مجرَّدٍ (٩) النَّطَرِ، فكيف عاقبة الجمع، والطغيان، والنَّطَرِ (١٠).
وأما القاضى الجليل الإمام مَرْوان، أكثَر [الله](١١) فى أهل العلم أمثاله فهو قرَّة الفين،
وقد جمع بين المضلين: العلم، والتقوى، ولكن الاسْتِتمام بالدَّوامِ (١٣) ولا يتم الدوام إلا بما عدة
(١) ساقط من: المطبوعة، وهو فى: د، من. (٢) زيادة من المطبوعة، على مافى: ٤٥ س.
: (٣) فى د: ((وامتنن))، وفى س: ((وامين))، والكبت فى المطبوعة. (٤) في المطبوعة، د:
((وإحذر))، والمثبت فى: ١. (٥) ساقط من: «، من، وهو فى المطبوعة.
(٦) فى س: ((فى)) ، والمثبت فى : المطبوعة، د ... (٧) سورة المنافقون؟
. (٨) فى المطبوعة: «تروا))، وفي د: «غبوا»، والثبت فى :س.
(١٠) ف ـ: ((والنظر))، والثبت
.(٩) فى المطبوعة: ((حجر))، والمثبت فى : جـ ،.
(١١) ساقط من :س، وهو فى الطبوعة، د.
فى : المطبوعة ، د ...
(١٢) فى المطوعة، د: ((بإختام))، والثبت فى : من ، وما بعده
- ٢٦٧ -
من جهته، ومعاونةٍ له عليه فيا (١) يَزِيد فى رغْبتِه، ومَن أنعم اللهُ عليه بمثل هذا الولد
النَّجيب، فينبغى أن يتَّخِذِه ذُخْراً للآخرة وَوَسِيلةً عند الله تعالى، وأن يسعى فى فراغ
قلبه لعبادة الله تعالى ، ولا يقطع عليه الطريقَ إلى الله تعالى .
وأولُ الطريق إلى الله طلبُ الخلال، والقناعةُ بقَدْر الموت من المال، وسلوكُ سبيل
التواضع والخمول، والنزوعُ(٢) عن رُءونات(٣) {أهل](٤) الدنيا، التى هى مصائدُ
الشيطان .
هذا مع الهرب عن مخالطة الأمراء والسَّلاطين ، فهى الخبر: إن الفقهاءَ أُمَنَاء الله ما لم
يدخلوا فى الدنيا ، فإذا دخلوها(٥) فاتَّهِمُوهم على دينكم(٦).
وهذه أمور قد هداه اللهُ إليها، ويَّرها عليه، فينبغى أن يُدَّه (٧ ببركة الرضا ويمدَّ(٧)
بالدعاء ، فدعاء الوالد أعظمُ ذخراً وعُدَّة فى الآخرة والأولى.
وينبغى أن تقتدىَ به فيما يُؤَّرُه من التُّروع عن الدنيا .
فالولد(٨)، وإن كان فرعا، فربما صار بمَزِيد العلم أصلا، ولذلك قال إبراهيم عليه السلام(٩):
﴿يَا أَبَتِ إِّى قَدْ جَاءِى مِنَ الْمِنْمِ مَا لَمْ بَأْتِكَ فَاتَّبِمْنِى أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾.
ولْيَجْتهد أن (١٠ يجبُرُ تقْصيرَه فى القيامة"١) بتوْقِيرِه ولدَه الذى هو فِلْذة كبده، فأعظمُ
حسرةِ أهلِ النار فَقْدُهم فى القيامة(١١) ◌َيما يشفع لهم، قال الله تعالى (١٣): ﴿فَلَيْسَ لَهُ
اُلْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾.
(١) فى س: ((بماء، والمثبت فى: المطبوعة، د. (٢) فى د: ((والشروع))، والمثبت فى :
(٣) فى المطبوعة: ((رغبات))، وفى د: (( روعنات))، والصواب فى: س.
المطبوعة ، س .
(٥) فى المطبوعة، د : (دخلوا فيها)»
(٤) زيادة من: س، على ما فى : المطبوعة ، د .
(٦) في س: ((دينهم))،: والمثبت فى : المطبوعة، د.
والمثبت فى : س .
(٧) ساقط من: المطبوعة، وفي د: ((بركة الزهد أو بعده))، والمثبت فى: س.
(٩) سورة مريم ٤٣.
(٨) فى المطبوعة: «والولد)»، والمثبت فى : د. س.
(١٠) فى المطبوعة: ((يجتاز لقصده فى القيمة)): وفي د: ((يجبر تقصيره فى القيمة))، والمثبت
(١٢) سورة الحاقة ٣٥.
(١١) فى الطبوعة، د: ((القيمة))، والمثبت فى : س .
فی س .
- ٢٦٨ -
أسأل الله أن يصغِّر فى عينِه الدنيا، التى هى صغيرة عند الله ، وأن يعظّم فى عينه الذى
هو عظيمُ (١ عند الله١)، وأن يوقّنا وإياه لمرضاته، ويُحَِّه الفردوسَ الأعلى من جناته
،
بِمِنَّهَ [وفضله ](٢) وكرمه ، إن شاء الله تعالى .
﴿ومن الفتاوَى(٣) عن حُجَّة الإِسلام﴾
غير ما تضمنته ((فتاويه)) المجموعة [ المشهورة] (٤)
کتب له بعضُ الزائغين :
ما قولهُ، مَتَّع اللهُ [المسلمين ](٥) ببقائه ، وتفع(٦) الطالبين بمشاهدته ولقائه ، ومنحه
[ الله}(٥) أفضل ما منَح به خاصَّته من أصفيائِه وأوليائه، فى قلبٍ خصَّه الحقُّ [سبحانه](٤)
بأنواعٍ من الطَّرَف والهدايا، ومنحه أصنافاً من الأنوار والعطايا، يستمرُّ له ذلك فى جميع
الأوقات والأحوال ، متزايدةً مع عدم العوائق والآفات ، مع كون ظاهره معمورا بأحكام
الشرع وآدا به(٧)، منزَّها عن مآيمه ومخالفاته، ويجد فى الباطن مكاشفاتٍ وأنواراً عجيبة .
ثم إنه انكشف له نوع تعريفٍ (٨) أن المقصود من التكاليف الشرعية والرياضات
التأديبيّة، [هو ](٩) الغِطام عما سوى الحق، كما قيل لموسى، صلَّى الله عليه وسلَّ: أخْلِ
قلبَكِ [فإنى](١٠) أريد أن أنزل فيه.
فإذا تم الفِطام، وحصل المقصود بالوصول إلى القُرْبة، ودوام الترقِى(١١)، من غير فَتَرةٍ
حتى إنه لو اشتغل بوظائف الشرع وظواهره، انقطع عن حِفْظ الباطن، وتشوَّش عليه
بالالتفات عن أنواع الواردات الباطنة ، إلى مراعاة أمرِ الظاهر.
(١) فى س: (عنده))، والمثبت فى: المطبوعة، د. (٢) زيادة من: س، على مافى: المطبوعة، د.
(٣) فى س: ((الفتيا))، والمثبت فى: المطبوعة، د. (٤) زيادة من: س، على مافى: المطبوعة، د.
(٥) ساقط من: س، وهو فى: المطبوعة، د .. (٦) فى المطبوعة، د: ((ومتع))، والمثبت.
فى : س . (٧) فى المطبوعة، د: ((وأداته))، والمثبت فى: س. (٨) فى المطبوعة: ((يعرفه»،
(٩) زيادة من: المطبوعة، على مافى: د، س.
وفى د: ((يعرف))، والمثبت فى: س .
(١٠) زيادة من: س، على ما فى: المطبوعة، د. (١١) فى س: (( التوقى))، والمثبت فى :
المطبوعة ، د.
- ٢٦٩ -
وهذا الرجل لا يَنْزِعِ (١) يدَه من(٢) التكليف الظاهر، ولا يقصّر فى أحكام الشريعة ،
لكن الاعتقادُ الذى كان له فى الظواهر والتكاليف، تناقَص(٣) وتقاصر عمَّا كان فى (٤)
الابتداء من التّعظيم لموقعها(٥) عنده، ولكنه يباشرُها، ويواظب عليها عادةً، لا لأجل
الخلق ، وحِفْظٍ نظرهم ومراقبة [إنكارِم](٦) بل صارت إنْفً له، وإن نقَص اعتقادُه فيها
وتَعْظِيمُها(٧)، ما حُكْمها؟
ثم إن عرضَت لهذا شبهة (٨) أن المقصودَ (٩ من الدَّعِى والدعوة٩) ، حصولُ المعرفة والقُرْبة،
وإذا حصل هذا استغنى عن الدَّاعى(١٠) والواسطة، كيف معالجته؟
فإن قلنا : المعرفة لا تتناَهَى أبدا، بل تقبل الزيادةَ أبدا، فلا يستغنى عن الداعى أبدا
لا تَحالة، فربما قال الداعى: قد تبيَّن ما احْتِيج إلى بيانه، وشرح معالم الطرق وذهب ، فلو
احتاج السالكُ إلى مراجعته فى زوائدَ وارداتٍ ، لم تُمْكن المراجعةُ فى هذه الحالة، فيقول:
ما هو طَبِيبُ عَّتى فى هذه الحالة، لأنه غاب عن إمكان المراجعة، فما (١١) علاجه؟ (١٣ يُنجِمٍ
بالجواب مُسْتوقَى(١٣) ، حَسَب ما عوّد من شافي بيانه .
الجواب، وبالله التوفيق :
ينبغى أن يتحقَّق المريدُ هنا (١٣) أن مَن ظنَّ أن المقصودَ من التكاليف والتعبُّد بالفرائض
الفِطامُ عما سِوَى الله تعالى، والتجرُّد له، فهو مُصيب فى ظنِّهِ أن ذلك مقصود، ومخطِئ؟ فى
(١) فى د، س: («لو لم ينزع))، والمثبت فى المطبوعة. (٢) فى س: ((عن))، والمثبت فى المطبوعة، د.
(٣) فى د: ((يناقض))، وفى س: ((تناقض))، والمثبت فى المطبوعة. (٤) فى د: ((من))،
والمثبت فى : المطبوعة ، س.
(٥) فى المطبوعة، د: ((لوقعها))، والمثبت فى : س.
(٧) فى المطبوعة: ((فهو
(٦) مكان هذه الكلمة بياض فى : المطبوعة ، د ، وهى فى: س.
يعظمها))، وفى د: «ويعظمها))، والصواب فى س. (٨) فى المطبوعة، د: (( شبه)»، والمثبت
(٩) فى س: ((الدعوة والداعى»، والمثبت فى: المطبوعة، د.
فی : س .
(١٠) فى المطبوعة، د: ((الدواعى))، والمثبت فى: س. (١١) في د، س: ((ما))، والمثبت
فى المطبوعة .
(١٢) فى المطبوعة: ((نعم فالجواب منسوقا))، وفى د: ((ينعم الجواب منسونا)»،
والصواب فى: س. (١٣) فى س: ((المريد يقينا أن))، والمثبت فى : المطبوعة، د.
..
- ٢٧٠ -
ظنّه أنه كلُّ المقصود ، ولا مقصودَ سواء، بل لله تعالى فى الفرائض التى استعبد بها الجاق
أسرارُ سوى الفِطام، تقصُّر بِضاعةُ المثل عن دَرْكِها .
ومثلُ هذا الرجل المنخدِع بهذا الظنّ مثل رجلٍ بنى له أبوه قصراً على رأس جيل،
ووضع [ فيه](١) شَدَّةُ(٣) من حشيشٍ طيِّب الرائحة، وأكَّد الوصيةَ على ولدِهِ مرَّة بعد
أخرى، أن لايُخْلِىَ هذا القصر عن هذا الحشيش، طول عمره، وقال: إيَّاكُ أنْ تسَكُن:
هذا القصر ساعةً من ليل أو نهار، إلا وهذا الحشيشُ فيه.
فزرع الولد حول القصر أنواعا من الريَّحين، وجاب(٣) من البرِّ والبحر أوْقاراً (٤)
من العُودِ والعَنْبر والمسكِ، وجمع فى قصره جميعَ ذلك، مع شدَّاتٍ (٥) كثيرة من
الريَّحين الطيّبة الرائحة، فانغمرت رائحةُ الحشيش، لمَّا فاحت هذه الروائح ، فقال: لاأُشكَّ
أن والدى ما أوصانى بحفظ هذا الحشيش، إلا لطِيب رائحته، والآن قد اسْتغنيْتُ(٦)
بهذه الرياحين عن رائحته، فلا فائدة فيه الآن، إلا أن يُضيِّق علىَّ المكان، فرُِّيٍّ (٧)
من القصر .
: فلما خلا القصرُ عن الحشيش ظهَرَ من بعض ثقب القصر حيَّة هائلة، وضربته ضربةً
أشرف بها على الهلاك، (4فتفطَّن وتَبَّه٨) حيث لم ينفعه التنَبُّه، أن الحشيش كان من
خاصِّيَّتِهِ(٩) دفعُ هذه الحيّةِ المُهِلِكَة.
وكان لأبيه فى الوصيّة بالحشيش غرضان : أحدهما، انتفاعُ الولد برائحته، وذلك قد
أدركه الولد بعقْلِه، والثانى، انْدفاع الحيَّت المهلكة(١٠) برائحته، وذلك مما قصّر عن دركه
(١) ساقط من: س، وهو فى: المطبوعة، د. (٢) فى المطبوعة: (( شجرة))، والمثبت فى:
د، س، والشدة: المرة من الشد، وهو التقوية والإيثاق، وقد استعملت هنا اسمالموثق
(٣) فى المطبوعة: ((وطلب))، والمثبت فى: د، س. (٤) فى المطبوعة: (( أو تادا»، وفى س:
((أذكارا))، والمثبت فى: د. (٥) فى المطبوعة: ((شجرات))، والمثبت فى: د، س ..
(٦) فى المطبوعة: ((المتغنينا))، والمثبت فى: د، س. (٧) فى المطبوعة ((فرماه))، والمثبت
فى: د، س، وضم الراء من: س. (٨) فى المطبوعة، د: ((فقبه))، والمثبت فى :"م.
(٦) فى س: ((خاصته))، والمثبت فى، المطبوعة، د، وما فى س بعد هذا يوافقهما.
:
(١٠) فى المطبوعة: ((المهلكات))، والمثبت فى: د، من.
- ٢٧١ -
بصيرة الولد، فاغتَرَّ [ الولد](١) بما عنده من العلم، وظن أنه لاسرٌّ وراء معلومه ومعقوله،
كما قال تعالى(٢): ﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ اْلْعِلْمِ﴾ وقال(٢): ﴿فَلَمَّا جَاءٌّمُهُمْ رَسُلُهُمْ
بِالْبَقِّنَاتِ فَرِخُوا بَِ عِنْدَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾.
والمغرورْ مَن الفترَّ بعقله، فظن أنَّ ماهو مُنْتَفٍَ عن علمه، فهو منتفٍ فى نفسه .
وند (٤) قَرف أهلُ الكمال أن قالب الآدمى" كذلك القصر، وأنه معشَّش حيَّاتٍ
وعتارب مبسكات، وأنما رْقَيَتَهْ وقيدها بطريق الخاصِّيّة (٤) المكتوبات المشروعة(٦)،
بقوله سبحانه(١): ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْفُوتاً﴾، وقوله تعالى (٨):
﴿كُتِبَ عَنْكَمْ السََّمْ﴾.
("فَكَزَأنْ) الكلماتِ الملفوظة والمكتوبة فى الرُّفْية، تؤثر بالخاصَّيَّة (١٠) فىاسْتخراج
الحيَّات، بل فى استسْخار الجن والشياطين، وبعضَ الأدعية المنظومة المأثورة تؤثِّر فى
استمالةِ الملائكة إلى السعى فى إجابة الداعى ، ويقصُّر العقل عن إدراك كيفيّته وخاصّته ،
وإنما يدرِ كُ ذلك بقوة النُّبُوَّة إذا كُوشِف النبيُّ(١١) بها من اللوح المحفوظ، فكذلك صورةُ الصلاة
المشتعلة على ركوع واحد، وسجوديْن، وعدد مخصوص، وألفاظ معيَّنة من القرآن ،
متلُوَّة، مختلفةِ المقادير ، عند طلوع الشمس، وعند الزوال والغروب، تؤثِّر بالخاصِّيَّة فى
تسْكين التِّن المستكِنّ فى قالب الآدمىّ، الذى يتشعَّب منه حيَّاتٌ كثيرة(١٢) الرءوس،
بعدد أخلاقِ الآدمىّ، يلدغُه ويُنْهشُه فى القبر، متمَلُّنا من جوهر الروح وذاتِه ، أشدُّ
إيلاما من لَدْغ متمكِّن(١٣) من القالب أوَّلًا.
(١) ساقط من: س، وهو فى: المطبوعة، د.
(٢) سورة النجم ٣٠.
(٣) سورة صفر ٨٣. (٤) فى س: ((ولو))، والمثبت فى : المطبوعة، د.
(٥) و مطبوعة: ((خاصة))، وفي د: ((الخاصة))، والمثبت فى : .
(٦) ف المطبوعة: ((المشروعات))، والمثبت فى: د، س. (٧) سورة النساء ١٠٣.
(٨) سورة البقرة ١٨٣. (٩) فى س: ((فكأنما))، والمثبت فى: المطبوعة، د.
(١٠) فى المطبوعة، د: ((بالخاصة))، والمثبت فى: س. (١١) فى المطبوعة: ((السر»،
وفي د: ((التي))، والصواب فى: س. (١٢) فى المطبوعة، د: ((كبيرة))، والثبت فى: س.
(١٣) فى المطبوعة: ((مكن))، والمثبت فى: د، س.
- ٢٧٢ -
ثم يسرى أثرُه إلى الروح، وإليه الإشارة بقوله صلَّى الله عليه وسلّم: ((يُسَبِطُ عَلَىَ
الْكَافِرٍ فِى قَبْرِهِ تَِّ لَهُ تِسْمَةٌ وِتَسْعُونَ رَأْساً، صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا)) الحديث.
ويَكثُر مثلُ هذا التِّن فى خِلْقَةِ الآدمىّ، ولا يُقْمَعُهُ إلا الفرائضُ المكتوبة، فهى
المنجيات(١) عن المهلكات، وهى أنواع كثيرة بعدد الأخلاق المذمومة(٢) ﴿وَمَا يَعْلَمُ
جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّ هُوَ﴾.
فإذن فى التكليف بغرضان، أدرك هذا المغرورُ أحدهما، وغفل عن الآخر .
، وقد وقع لأبى حنيفة مثلُ هذا الظنّ فى العَقْبِيَّات، فقال: أوجب اللهُ فى أربعين شاةً
شاذّ، وقصد به إزالة الفقْرِ، والشاءُ آلةُ فى الإزالة ، فإذا حصل بمالٍ آخر فقد حصل
تَمَامُ المقصود .
فقال الشافعىّ، رضى الله عنه: صدقْتَ فى قولك إن هذا مقصود، وركبْتَ مَثْن
الخطر فى حُكْمِك بأنه لامقصودَ سواه، فيم (٣ أمَن أن٣) يقال له يوم القيامة: كان لنا
سرٌّ فِى إِشْراك (٤) الغنىّ(٥) الفقيرَ مع نفسِه فى جنْس ماله، كما كان (" فى رَمْى٦) سبعة
أحجار فى الحجِّ (٢لو رمَى(٢) بدلَهُ خمس لآلٍ، أو خمسَ سُكَّراتٍ (٨) لم يقبله ..
وإذا جاز أن يتمخَّض التقييد فى الحجّ، وأن يتمخَّص المعنى المعقول فى معاملات الخلق،
فلمَ يستحيل(٩) أن يجمع المعقول والتقييدُ جميعا فى الزكاة ؟ فتكون إزالة الفقرِ معقولة ،
والسرُّ الآخرُ غيرَ معقول .
· وزاد أبو حنيفة على هذا، فقال: المقصودُ من كلمة التكبير الثناء على الله تعالى
بالكبرياء ، فلا فرق بينه وبين ترجمته بكلِّ لسان، وبين قوله: (« الله أعظم)).
(١) فى المطبوعة: ((المنجية))، والمثبت فى: ذ.، س.
(٢) سورة المدثر ٣١.
(٣) فى المطبوعة: ((تأمره إذا))، والصواب فى: د، س. (٤) فى س: ( اشتراك))،
والمثبت فى: المطبوعة، د. (٥) فى المطبوعة: ((الغير )، وفى د: ((الفنى)»، والصواب فى : س.
(٦) فى المطبوعة: ((من يرمى))، والمثبت فى: د ، س.
(٧) فى المطبوعة: ((يؤدى))، والمثبت فى: د، س. (٨) فى المطبوعة: ((أكراد:»
والمثبت فى : د، س. (٩) فى المطبوعة: ((يتحل))، والمثبت فى: د، س.
- ٢٧٣ -
فقال الشافعىُّ: وبم(١) علمتَ أنه لافرقَ (٢فى صفات الله٢) بين العظمة والكبرياء،
مع أنه تعالى يقول: ((الْعَظَمَةُ إِزَارِى وَالْكِيْرِيَاءُ رِدَائِى))، والرِّداء أشرفُ من الإزار،
وهلا استنبطتَ مقصودَ الخضوع من الركوع ، وأقمتَ مُتامه السجود؛ لأنه أبلغ منه فى
الاستكانة!
فإن قلتَ: لعل اللهِ تعالى سِرًّا فى الركوع خاصَّةً، سوى مافهمناه، فلم يستحيل أن
يكون له(٣) سرّ فى كلمة السلام، فلا يقوم مقامه الحديثُ، وكل خطابٍ للآدمى ، وأن
يكون له سرٌ فى القرآن المعجز، فلا(٤) يقوم مقامه غيرُه، وقد أقام الترجمة مُقامه، وأن
يكون له سنْ فى الفاتحة، وقد أقام مقامَها سائرَ القرآن.
فإن كان يقول: المقصود معانى القرآن وتأثُرُ القلب، لاحروفُه وأصواتُه، فإنها آلات،
فَهَلّا قال: والمقصودُ من حركة اللسانِ تأثُّر(٥) القلب فْلْتَكْفِ(٦) (٧ القراءةُ بالقلب دون
اللسان ، والمقصود من الصلاة التواضعُ والتعظيم وملازمةُ ذكْرِ الله، فَلَيَكْفِ ٢) الجلوس
مع الله تعالى على هيئة الإِجْلال والذكر (٨ وليتْرُكْ صورة٨ً) الصلاة.
وجميعُ ماذكره(٩) أبو حنيفة بُطْلَانُهُ مظْنون غيرُ مقطوع .
أما إقامة القراءة بالقلب ، مع تَرْك حركةِ الَّسان، وملازمة الذكر، مع تَرْك الركوع
والسجود وصورةِ الصلاة ، مقطوع ببطلانها بالإجماع.
وهذا [المغرور](١٠) انْجَرَّ به ذلك الخيالُ الضعيف إلى خّرْق الإجماع، ومخالفة
الشرع القاطع .
(١) فى المطبوعة: ((ومم))، والمثبت فى: د، س. (٢) ساقط من: س، وهو فى: المطبوعة، د
(٤) فى المطبوعة، د: ((ولا)»،
(٣) فى س: ((لى))، والمثبت فى : المطبوعة، د .
والمثبت فى: س. (٥) فى س: ((تأثير)»، والمثبت فى: المطبوعة، د.
(٦) فى المطبوعة، =: ((فليكف)»، والمثبت فى : س.
(٧) فى المطبوعة مكان هذا كله: ((عن القراءة)) وفى د: ((القراءة))، والمثبت فى: س."
(٨) فى الطبوعة: ((والمؤل بصورة))، والمثبت فى: د، س. (٩) فى المطبوعة: ((ذكر».
والمثبت فى : د، س. (١٠) ساقط من المطبوعة، وهو فى: د، س.
(١٨ / ٦ - طبقات )
- ٢٧٤ -
فإذاً(١) المبتدئ فى المعرفة يجرِّد المعانىَ من الُّوَر، ويطرح الصُّوَرَ فيطفى+ نورُ معرفته
نورَ ورَعه ، فيثور عليه التُّنِّن فى قبره، فيتعجّب منه، ويبدو له من الله مالم يكن يحتسب،
فإذا أصابته ضربةُ التَنِّن ، قال : ما هذا؟
فيقال: إنما كان(٢) تِرْياقُ هذا التفّين صُوَرَ الفرائض المكتوبة.
وإليه الإِشارة بما يُروَى: ((إِنَّ الْمَيِّتَ يُوضَعُ فِى قَبْرِهِ فَتَأْتِيهِ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ
مِنْ جِهَةٍ رَأْسِهِ، فَيَدْفَمُهُ الْقُرْآنُ، فَتَأْتِيهِ مِنْ قِبَلِ رِجْنَيْهِ، فَيَدْفَعَهُ الْحَجُّ)) الحديث.
فإن أصرَّ هذا المغرور على جِهَالَتِهِ(٣)، وقال: من بلَغْ رُبْبَةَ الكمال، كما بلغتُ،
أمِن هذا التّن، وطُهِّرْ بَاطِنُه عنهِ.
فيقال له : أنت(٤) مغرور فى أَمْنِك، فلا يَأْمَنُ مكرَ الله إلا القومُ الخاسرون
فيِمَ تأمن أن يكون التّن مستكِنًا فى صميم الفؤاد ، اسْتِكْنَانَ الجمرِ تحت الرماد ،
و(٥) استكنان النارٍ فى الثّناد (٦)، وإن مات فيعود حيَّ؛ فإن مَنْبِتَه ومنبعَه هذا القالب،
الذى هو مَظِنَّة الشهوات، والصفات البشرية، وقَلْعُ الحشيش (٧ من الأرض(٧) لا يؤمن
عودُه مرّةً أخرى ، بأن يتجدد نباتُهُ، مهما كانت الأرض معرّضة لانْصِباب الماء إليها
من منابعها، فكذلك القالب مادام مَصَبَّ لوارٍدات المحسوسات والشهوات، لم يُؤْمِن فيها
عَوْدُ النبات بعد الانقطاع والانْبتات.
ونَبُِّه على هذه المعرفة والتأمُّل (٨) فى ثلاثة أمور:
الأول: بدايةُ خالٍ إبليس، وأنه (٩) كيف وُصِفِ بأنه كان مُعَلِّم الملائكة، ثم سقط
(١) فى المطبوعة بعد هذا زيادة: ((كان))، والمثبت فى: د، س. (٢) فى س بعد هذا زيادة
((هذا)»، والصواب فى: المطبوعة، ... (٣) فى المطبوعة: ((جهلاته))، والمثبت فى: د، س.
(٥) فى المطبوعة: ((أو))، والمثبت
(٤) فى المطبوعة: ( إنك )) ، والمثبت فى : د، س.
فى: د، س .. (٦) فى المطبوعة، د: ((الرماد))، والمثبت فى: س .. (٧) زيادة من : س ،
(٨) فى المطبوعة: ((بالتأمل))، والمثبت فى: د، س.
على مافى : المطبوعة ، د .
(٩) فى م، س: (( أنه))، والمثبت فى المطبوعة، وما يأتى فى الثانى يشهد له.
- ٢٧٥ -
عن(١) درجة الكمال، بمخالفة أمرٍ واحد، اغتراراً بما عنده من العلم، والغفلة(٣) عن
أسرار الله تعالى فى الاستعباد، ولم يسقطْ عن درجته إلا بكِياستِه ، وتمسُّكه بمعقوله ،
فى كونه خيراً من آدم عليه السلام ، فنَبَّه الخلقَ بهذا الرمز ، على أن البلاهة أدْنَى إلى
الخلاص من فَطَانةٍ بَثْراء ، وكِياسة ناقصة .
الثانى، حالُ آدم عليه السلام، وأنه لم يخرج من الجنَّة إلا بركوبِه ◌َبْياً واحداً؛ ليُعلم
أن (٣) ركوبَ النهىِ [فى](٤) إبطالٍ (٥إكْمالٍ كُمُخالفة٥).
الأمرُ الثالث، حالُ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنَّ هذا المغرورَ لعله [!](٦)
تسلّمْ له رتبةُ الكمال، ثم إنه ( صلَّى الله عليه وسلمْ) لم يزل يلازمُ الحدودَ، ويواظِب
على المكتوبات إلى آخر أنفاسه، بل زِيد فى فرائضه، وأُوجِب عليه التهجُّد، ولم يُوجَّب
على غيرِهِ، وقيل له(٧): ﴿يَا أَيُّهَا الْمُؤَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصُ مِنْهُ
قَلِيلًا﴾.
وإنما أُوجبت عليه هذه الزيادةُ؛ لأن الخزانة كلما ازداد جوهرُها نفاسةً وشرفً،
فينْبغى (٨) أن يُزاد(٩) حِصْنُها إحكاما وُلُوًّا؛ فلذلك قيل له فى تعليل إيجاب التهجُّد(١٠):
﴿إِنَّا سَنْلِقِى عَنَيْكَ قَوْلَا تَقِيلًا ﴾ إِنَّ نَشِئَةَ اللَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْأَ وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾.
فتبيَّن (١١) له أن هذه الصلوات هى حصنُ الكل، فلا يبقَى إلا به .
ولعل هذا المغرورَ المعتوه، يقول: إنه إنما كان يواظب عليه، إشفاقا على الخلق ، لأجْل
الاقتداء ، لا لحاجته إليه فى حفظ الكمال .
والمثبت فى : د، س .
(١) فى د: ((فى))، وفى س: ((من))، والمثبت فى المطبوعة. (٢) فى المطبوعة: ((وغفلته»،
(٣) بعد هذا فى المطبوعة زيادة: ((فى))، والمثبت فى: د، س.
(٤) ساقط من المطبوعة وهو فى: د، س. (٥) فى المطبوعة: ((الكمال لخالقه))، وفي د :
((الكمال لمخالفة))، والمثبت فى: س.
(٦) ساقط من : د، س ، وهو فى : المطبوعة.
(٧) سورة المزمل ١ - ٣.
(٨) فى المطبوعة: ((ينبغى)»، والمثبت فى : د، س.
(٩) فى المطبوعة، د: ((يزداد))، والمثبت فى : س.
(١١) فى س: ((فبين))، والمثبت فى : المطبوعة، د.
(١٠) سورة المزمل ٥ - ٦ .
- ٢٧٦ -
فيقال له: فيم زاد عليه فى التهجُّد وجوباً، هلَّا قال: إن (١ من بلَغ١) درجة النبوَّة.
يستغنى عما يحتاج إليه غيرُه، ولو قال لقُبِل منه، كما قُبِل منه أنه أُحِلَّ له نسمةٌ من النساء،
بل ما شاء ؛ فإنه بقوّة النبوّة يَقْوَى على العدل ، مع كثرة النساء، كما قُبل من المدرس:
أن يأمرَ تلامذَته بالتَّكرارِ، والسهر (٢) ليلا، وهو ينام ويقول: (٣ إنى قد٣) باغتُ درجة.
.استغنيْتُ عن ذلك، وليس يترك أحدْ تَكْراره بهذه الشَّبْهة .
ولعل هذا المغرور }(٤) إذا صار (٥) ضحكة للشيطان سخر منه، وقال [له])
أنت أكملُ من النبيِّ والصِّدِّيق، وكلٍّ من واظب على الفرائض، وعند هذا نَقْطَعَ(٧)
الطمعَ من صلاحِهِ(٨)، فهو ثُمَّ قَال فيهم(٩): ﴿وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىُّ فَنَنْ يَبْتَدُوا
إِذَا أَبَدًا﴾ .
( مسألة)
أما ما ذَكَره، من أنه لو اشتغل بالتكاليف لشغلَه ذلك عن القُربة التى نالها، والكمال
الذى بلَنَه، فهو كذب صريح، ومحال(١٠) فاحِش قبيح؛ لأن التكاليف قسمان :
أمرٌ، ونهى.
فأما المنهيَّات، مثل الزِّنا، والسرقة، والقتل، والضرب، والغيبة، والكذب،
والقَذْف، فَتَرْكُ ذلك كيف يشغَلِ عن الكمال، وكيف يحجُب(١١) عن القُربةُ، (١٢ وأيُّ:
كمال١٣ٍ) يكون موقوفاً على ركوب هذه القاذورات !
(١) فى المطبوعة، د: ((مبلغ))، والمثبت فى: س. (٢) فى المطبوعة: ((والتسهد ))، وفی د
(( والشهد))، والمثبت فى: س. (٣) فى س: ((إن))، والمثبت فى : المطبوعة، د.
.(٤) زيادة من: س، على مافى: المطبوعة، د. (٥) فى المطبوعة: ((اختار))، والصواب فى:
د، س. (٦) زيادة من المطبوعة، على مافى: د، سن. (٧) فى المطبوعة، د: ((يقطع»، والمثبت
فى : س ... (٨) فى المطبوعة، د: (( صلاته))، والصواب فى: س." (٩) سورة الكهف ٥٧.
(١٠) المحال: الكيد وروم الأمر بالحيل. القاموس (م ح ل).
(١١) فى ذ: (( حجب))، والمثبت فى : المطبوعة، س.
(١٢) فى المطبوعة: ((والكمال))، والصواب في: د، س.
- ٢٧٧ -
وأما المأمورات ، فكالزكاة ، والصوم ، والصلاة ، فكيف (١) تحجُبه الزكاة ،
ولو أنفَق جميعَ مالِهِ فقد دفع الشواغلَ (٢) عن نفسه، ولو صام جميعَ دهره فهل يفوتُهُ(٣)
بذلك إلا (٤) سَلْطنة الشهوة، فما الذى يفوت من الكال بتَّرْك الأكل ضَحوةَ النهار فى شهر
واحد هو رمضان ، وأما الصلاة فتنقسم إلى أفعال ، وأذكار، وأفعالُه قيام وركوع وسجود،
ولا شك فى أنه لا يخرج من الغُربة بالأفعال المعتادة؛ فإنه إن لم يُصَلِّ، فسيكون(٥) إما قائما،
أو قاعدا، أو مضطجعا، وغيرُ المعتاد هو السجود، والركوع، وكيف يَحْجُب عن القُرْبة
ما هو سبب القُربة، قال الله تعالى لنبِّه صلَّى الله عليه وسلَّم (٦): ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.
ومن عشِق ملكا ذَا جمال، فإذا وضَع [خَدَّه ](٢) على التراب بين يديه استكانةً له،
وجد فى قلبه مزيدَ رَوْح ، وراحةٍ ، وقربٍ، ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلَّم:
((وَ [جُعِلَتْ](٨) قُرَّةُ عَيْنِى فِىِ الصَّلَاةِ)).
(؟ فاسْتِدامةُ حالٌ) القُربة واسْتزادتها، فى السجود ، وأيسر (١٠) منه فى الاضْطجاع
والقعود، ومهما أَلْفِىَ(١١) [فى](١٢) قلبه أن السجودَ سببُ حرمانِه عن القُرْب، كان
ذلك أُنموذجا من حال إبليس، حيث أُلقِىَ (١٣) فى نفسه أن السجودَ بُحُكْم الأمر سببُ
زوال قُربِه وكمله، فكل وَلِىّ سقط من درجة القُرْبة إلى درجة اللعنة، فسيبُه ترْكُ
السجود، ومُقْتَداه وإمامه إبليس ، وكل وَلِيٍّ أُسْعِد بالتَّرَّقِّى إلى درجات القرب ، قيل له :
اسجُد، واقتَرِب، ومُقْتَداه وإمامه الرسولُ صلَّى الله عليه وسلم .
(١) فى د، س: ((وكيف))، والمثبت فى المطبوعة. (٢) فى المطبوعة: ((السوء))، والمثبت
فى: د، س. (٣) فى س: ((يقربه))، والمثبت فى المطبوعة، د. (٤) فى س: ((إلى))، والمثبت
فى: المطبوعة، د. (٥) فى المطبوعة، د: ((فيكون))، والمثبت فى: س. (٦) خاتمة سورة العلق.
(٧) ساقط من: المطبوعة، د، وهو فى: س. (٨) ساقط من: د، س، وهو فى: المطبوعة.
(٩) فى س: ((فاستدام حالة)»، والمثبت فى: المطبوعة، ذ. (١٠) فى س: ((أيسر))،
والمثبت فى المطبوعة، د. (١١) فى المطبوعة: ((ألفى))، والمثبت فى: د ، س . "
(١٢) زيادة من: س، على ما فى: المطبوعة، د. (١٣) فى المطبوعة: ((ألفى))، والكلمة فى د
بغير فقط ، والمثبت فى : ص .
- ٢٧٨ -
ولا ينبغى أن يتوهَّم الوليُّ الخلاصَ(١) عن خداع إبليس ما دام فى هذه الحياة ، بل
لا ينجو عنه الأنبياء، حتى أُجْرِىَ على لسانِهِ صلَّى الله عليه وسلم ((تلك الغَرَانِيقُ العُلا،
وإن شّفَاعَتَهُنَّ كَتْ نَجَى)) لكنَّ النبيَّ لا يُقرَّر على الخطأ كما قال تعالى(٢): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاَ
[ مِنْ قَبْلِكَ](٢) مِن رَّسُولٍ وَلَا نَسٍِ إِلَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِى أُمْنِيَتِهِ فَيَفْسَخُ
اُللّهُ مَا يُنْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ) الآية .
وأما أذكار (٤) الصلاة، فتكبير، وفاتحة، وتشهُّدُ، لا فريضةَ إلا هذا، فما وجهُ
الضرورة فى قوله: ((الله أكبر)) وفى (( الحمد لله))، والالتجاء إليه، والاستعانة(٥)
وطلبِ الهداية إلى الصراط المستقيم، وهذا مضمون الفاتحة، وكل ذلك مناجاة مع الله تعالى.
وإن صحَّ ما يقوله مثلاً ، فكل(٦) يومٍ آلاف نفس، فليصْرِف هذه الأنْقاس المعدودة إلى
الذكر، والسجود ، ولْينقص هذه اللحظات من درجات(٧) كماله، ليأمن بهذه المكتوبات
عن ضَرَرَ(٨) التِّن، الذى لا يُعْتَدُّ بشرٍ سواه، ويتخلّص من خطر الخطأ فى هذا الاعتقاد
ولاشك فى أن الخطأ ممكن فيه، إن لم يكن مقطوعاً به .
وإن قال: إنّ صَرف (٩) القلبِ إلى حفظ ترتيب الأفعال والأذكار، هو الذى يشغلنى
عن درجةٍ (١٠) الغُرْب، فهو دعوى خال؛ لأن المقتدى (١١) لا يحتاج إلى تكلف الحفظ،
بل الشَّهر(١٢) غَيْرُه، إذَا حِفِظ بيتًا(١٣) مرَّةً يناسب حاله، لم يعسر (١٤) النَّغْنِّى(١٥) به
(٢) سورة الحج ٥٢.
(١) فى المطبوعة: ((الخالص))، والصواب فى: د، س.
(٤) فى المطبوعة: ((أركان))، والمثبت فى: د.، س.
(٣) ساقط من الأصول
(٥) فى المطبوعة: ((واستعانة))، والمثبت فى: د، س. (٦) فى المطبوعة: (( وفى كل »
وفي د: ((وكل))، والمثبت فى سن. (٧) فى س: ((وجه)). والمثبت فى: المطبوعة، د.
(٨) فى المطبوعة: ((ضر»، والمثبت فى د، س. (٩) فى المطبوعة: ((عزف))، وفى د: ((عرف))،
والمثبت فى: س. (١٠) في س: ((وجه)) والمثبت فى: المطبوعة، د. (١١) فى المطبوعة، د:
((الهدى))، والمثبت فى: س. (١٢) فى س بعد هذا زيادة: ((بذكر))، والمثبت فى المطبوعة، د ..
(١٤) فى المطبوعة: ((يعتبر»
(١٣) فى المطبوعة: ( شيئًا))، والمثبت فى: د، س."
والكلمة فى دكذلك بدون نقط، والصواب فى: س. (١٥) فى المطبوعة: ((اليقين)»، والصواب
فى : د ، س .
- ٢٧٩ -
مع حفظ طريقه وألْحاِه (١)، بل يجد من نفسه فى ذلك هِزَّةً ونشاطا، فكيف لا تكون
قُرَّةُ عينِ العبد فى مناجاة محبوبه وخدمته التى رسمها ، وارتضاها له !
مسألة )
بل معنى ارتفاع التكليف من الولىّ أَن العبادةَ تصير قُرَّة عينهِ، وغذاء روحه، بحيث
لا يعبر عنه، فلا يَكُون عليه كلفة فيه، وهو كالصِيِّ يكَلَّف حضورَ المكتب، ويحمل على
ذلك قهْرا؛ فإذا أنِس (٢) بالعلم، صار ذلك ألفَّ الأشياء عنده، ولم يصبر عنه ، فلم يكنْ فيه
كُلْفة، وتكليف الجائع تناولَ (٣) الطعام اللذيذ مُحال؛ لأنه يأكله بشهوته(٤) ، ويلْتَذُّ به
فَأَىُّ معَّى لتكليفه ؟
فإذا تكليفُ الولىِّ محال، والتكليف مرتفع عن الولىِّ بهذا المعنى، لا بمعنى أنه
لا يصوم ، ولا يصلِّى، ويشرب ، ویزنى.
وكما يستحيل تكليفُ العاشِق النظرَ إلى معشوقه، وتقبيلَ قدميه(٥)، والتواضعَ له؛
لأن ذلك مُنْتَهَى لذَّتِهِ وشهوته، فكذلك غذاء روح الولىِّ فى ملازمة ذكِرِه، وامتثالِ أمره
والتواضع له بقلبه ، لا يمكنه إشراك القالب مع القلب فى الخضوع، إلا بصورةٍ السجود،
فيكون ذلك كمالاً لِلَذَّةِ الخضوع والتعظيم، حتى يشترك فى الالتذاذ قلبُه وقالبه،
كما قيل(٦):
* ألا فاسْقِنِى خَمْرًا وقلْ لَى هِىَ الخرُ(٧)*
أى ليُدرِك سمعِى لذَّةَ اسمِهِ، كما أدرك ذوقى طعمه .
(١) فى المطبوعة: وإلحاحه))، والصواب فى: د، س. (٢) فى المطبوعة: ((ألين))، وفى
د: ((أيس))، والصواب فى: س. (٢) فى المطبوعة، د: ((ليتناول))، والمثبت فى: س.
(٤) فى س: ((بشهوة))، والمثبت فى: المطبوعة، د. (٥) فى س: ((قدمه))، والمثبت فى
المطبوعة، د. (٦) صدر بيت لأبى نواس ، وعجزه :
* ولا تَسْقِنِى سِرًّا إذا أَمْكَنَ الجهز *
ديوانه ٢٧٣ .
(٢) فى د، س: ((ألااسقنى))، والمثبت فى المطبوعة، والديوان ..
- ٢٨٠ -
بل تنّهى لَذَّةُ الولىِّ من القيام الله(١)، فإِنِتا، مناجيا، إلى أن لا يدرك [ألَم](٢)
الورمَ فى القدم، فيقال له: ألم يغفِر [اللهُ](٣) لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر؟
فيقول: ((أَفَلاَ (٤) أَكُونُ عَبْدًا شَكُوَّرا)).
( مسألة)
أما قولك: ((إن) (٥) إذا تكلَّف المواظبة على العبادات المشروعة، وقد تغيَّ اعتقاده
فيها، وسقط وَقْعُها من قلبه، فهل ينفعُه ذلك؟)).
فَاعلمْ أنه لو لم يعتقِدْ أنّه لا فرقَ بين وجودها وعدمها، فى حفظ درجةِ الكَل والقُرْب
أو دفْعِ مهلكات الباطن(٦)، وجوِّز أن يكون لله تعالى سِرُّ فيها، ليس يطّيِع عليه
هو (٧) فعبادته صحيحة.
وإن اعتقد أنه لا فرق بين وجودِه وعدمه، وأنه لا يتصَّور أن يكون تحت خاصِّيَّته سرّ،
هو لا يَطَلِع عليه، فعيادته باطلة، بل إيمانه بالإلهيّة والنُّبُوَّةِ مُخْتَلٌّ (٨) باطل، فإنه إذا
لم يجوِّز فى كمالٍ قدرة الله تعالى (٩ بَعَينِهِ سِرًّاً) من الأسرار، وخاصِّيَّةً من الخواصّ
فى الأعمال والأذكار ، فليس مؤمناً بكمال القدرة، ويرى القدرةَ قاصرةً على (١٠) قَدْرٍ عقله،
وهو كفر صريح .
وإن جوَّز ذلك، ولكن (١١) اعتقد أنه لم يكلّف به، فهو كافر بالنبوّة، جاهل بما عُلِم
(١) فى المطبوعة: ((لربه)) والمثبت فى: د، س. (٢) ساقط من المطبوعة، وهو فى : د، س.
(٤) و س : « ألا »،
(٣) ساقط من المطبوعة، وهو فى: من، وفي د: «لك اته )) .
والمثبت فى: د، والمطبوعة. (٥) فى س: ((اية)»، والثبت فى: المطبوعة، د.(٦) فى المطبوعة، د.
((الباطل»، والمثبت فى: س، ويشهد له ما يأتى فى قوله: ((أودفع المهلكات الباطنة التي تلدغ فى القلب)).
(٧) جاءت هذه الكلمة فى المطبوعة بعد ((عليه)) الآتية، والمثبت فى: ه ، س .
(٨) فى المطبوعة: ((تخيل))، وفي د: ((تحتل))، والمثبت فى: س. (٩) فى المطبوعة:
((سرا بيته))، والمثبت فى: د، س، مع رفع ((سن)) فى: س. (١٠) فى س: ((عن))، والمثبت
فى: المطبوعة، د. (١١) فى المطبوعة: ((وإن يكن))، وفى د: ((ويكن))، والصواب فى : س.