Indexed OCR Text
Pages 241-260
- ٢٤١ -
ثم أتْنى على الغَزَّالِىّ فى الكشف، وقال: [هو](١) أعرف بالفقه منه بأصوله،
وأما علمُّ الكلامِ ، الذى هو أصول الدين؛ فإنه صنّف فيه أيضا، وليس بالمستبحِر فيها ،
ولقد فطنتُ لسبب عدم اسْتِبْحاره [فيها](٣)، وذلك أنه قرأ على الفلسفة قبل استبحاره
فى فن أصول الدين، فكَسَّبَتْه (٣) قراءةُ الفلسفة جراءةً على المعانى، وتسهيلا للهُجوم
على الحقائق؛ لأن الفلاسفةَ تمٌُّ مع خواطرها، وليس لها حكم شرعٍ(٤) ترعاه، ولا تخاف
من مخالفةٍ أَنَّةٍ تَثْبَعَها .
وعرَّفنى بعضُ أصحابه، أنه كان له مُكوف على ((رسائل إخوان الصفا)) ، وهى إحدى
وخمسون رسالة، ومصنّفها فيلسوف قد خاض فى على الشَّرْعِ والعقل(٥) ، فمزج ما بين العلمين،
وذكر الفلسفةَ وحَسَّنَها فى قلوب أهل الشرع بأبيات يتلوها عندها ، وأحاديثَ يذكرها ،
ثم كان فى هذا الزمان المتأخر رجلٌ من الفلاسفة، يُعرَف بابن سِينا، ملأ الدنيا تآليفَ
فى علم الفلسفة، وهو فيها إمام كبير، وقد أدَّنْهُ (٦) قُوَّتُه فى الفلسفة إلى أن حاول ردًّ أصول
العقائد إلى علم الفلسفة، وتلطّفَ جُهْدَه حتى تَمَّ له ما لم يتِمَّ لغيره، وقد رأيت جَمَلًا
من دواوينه، ورأيت هذا الغَزَّالِّ يُعَوِّل عليه فى أكثر ما يُشير إليه من الفلسفة.
ثم قال: وأما مذاهب الصُّوفية، فلست أدرى على من عَوَّل(٧) فيها .
ثم أشار إلى أنه عَوَّل على أبى حَيَّن التَّوْحِيدِىّ.
ثم ذكر تَوْهِية أكثرٍ ما فى ((الإحياء)) من الأحاديث، وقال: عادة المُتَوَرِّعين
أن لا يقولوا : قال مالك ، قال الشافعىّ ، فيما لم يثبت عندهم .
(١) ساقط من: د، ز، وهو فى: المطبوعة. (٢) ساقط من المطبوعة، وهو فى : د، ز .
(٢) فى المطبوعة: ((فأكسبته))، والمثبت فى: د، ز. (٤) فى المطبوعة: ((شرعى»،
والمثبت فى : د، ز. (٥) فى د، ز: ((النقل))، والمثبت فى المطبوعة .
(٦) فى د، ز: ((أداه))، والمثبت فى : المطبوعة.
(٧) فى د، ز ((عوله)) وأثبتنا ما فى المطبوعة، وسيعيده المصنف فى صفحة ٢٤٧.
(٦/١٦ - طبقات)
..
- ٢٤٢ -
ثم أشار إلى أنه يستحسِن أشياء، مَبْناها على مالا حقيقة له، مثل قوله فى قَصَّالأظفار:
أن تبدأ بالسََّّابة؛ لأن لها الفضل على بقيّة الأصابع، لكونها المُسَبِّحة، إلى آخر ما ذكَر
من الكيفيّة ، وذكر فيه أثراً .
وقال: من مات بعد بلوغه، ولم يعلم أن البارى قديمٌ، مات مُسلِما إجماعا.
قال : ومَن تساهل فى حكاية هذا الإجماع، الذى الأقرب أن يكون فيه الإجماع
بعكس ما قال، محقيقٌ أن لا يُوثَقَ بما نقَل.
وقد رأيتُ له أنه ذكَر أن فى علومه هذه ما لا يسوغ أن يُودّع فى كتاب ؛
فليت شعرى أحقٌّ هو أو باطل؟ فإن كان باطلا فصدق، وإن كان حقًّاً، وهو مادُه
بلا شك ، فلم لا يُودَع فى الكتب، ألِغُمُوضِهِ ودِقَتَّه؟
[ قال](١): فإن كان هو ؛ فما المانع أن يفهمه عليه.
هذا ملخَّص كلامِ المازَرِىّ .
وسَبقه إلى قريب منه من المالكية أبو الوليد الأُرْطُوشِيّ(٢)، فذكر فى ((رسالة(٣)
(١) زيادة من المطبوعة ، على ما فى : د ، ز .
(٢) فى د، ز: ((الطرطوسى)»، والمثبت
فى : المطبوعة، والمعروف بهذه النسبة أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد الطرطوشي، المتوفى سنة عشرين
وخسمائة، وكانت له الرحلة إلى المشرق، وأخذ عن أبى بكر محمد بن أحمد الشاشى الشافعى.
انظر الدياج المذهب ٢٧٦، معجم البلدان ٥٢٩/٣، نفح الطيب ٢٩٠/٢، وفيات الأعيان ٣٩٣/٣
والذى يكنى بأبى الوليد شيخه أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد الباجى، المتوفى سنة أربع وسبعين وأربعمائة
انظر الديباج المذهب ١٢٠، نفح الطيب ٢٧٢/٢.
فلعل الأمر اختلط على المصنف فأعطى كمية الأستاذ لتلميذه .
والطرطوشي، بضم العطاءين بينهما راء ساكنة وبعدها واو ساكنة وشين معجمة، نسبة إلى
طرطوشة، وهى مدينة من آخر بلاد المسلمين بالأندلس . اللباب ٨٦/٢، وفيات الأعيان ٣٩٥/٣،
الديباج المذهب ٢٧٨ نقلا عن الوفيات .
وضبطها ياقوت بفتح الطاء الأولى، وقال : مدينة بالأندلس تتصل بكور بلنسية، وهى شرقى
بلنسية وقرطبة قريبة من البحر . معجم البلدان ٠٥٢٩/٣
وذكر المقرى أن الطرطوشي، بضم الطاءين، وقد تفتح الظاء الأولى: نفح الطيب ٩٢/٢
(٢) فى المطبوعة: ((رسالته)»، والمثبت فى: د، ز .
- ٢٤٣ -
إلى ابن مُظَفٍَّ(١))): فأما ما ذكرتَ من أمر الغَزَّالِيّ، فرأيت الرجلَ، وكلَّمته، فرأيتُه
رجلاً من أهل العلم، قد نبضَتْ به فضائلُهُ، واجتمع فيه العقلُ، والفهم ، وممارسة العلوم،
طولَ زمانه .
ثم بَدَا له [الانصرافُ](٢) عن طريق العلماء، ودخل فى غمار العَمَّال.
ثم تصوَّف ، فهجر العلوم وأهلها ، ودخل فى علوم الخواطر ، وأرباب القلوب ،
ووساوس الشيطان .
ثم شابَها بآراء الفلاسفة، ورُموز الحلَّاج، وجعل يطعَن على الفقهاء والمتكلِّمين.
ولقد كاد(٣) ينسلِحُ من الدين، فلما عمل (( الإحياء) عَمَدَ يتكلّم فى علوم الأحوال ،
وَمَراِز الصوفية، وكان غيرَ أَنِيس بها، ولا خبيرٍ بمعرفتها ، فقط على أمِّ رأسه ،
وُحَن کتابه بالموضوعات . انتهى .
وأنا أتكلّم على كلامِهما، ثم أذكر كلامَ غيرِها، وأنعقَّبه أيضا، وأجتهد أن لا أتعدَّى
طَوْرَ الإنْصاف، وأن لا يلحقنى عِرْقُ الحَمِيَّة والاعْتِساف. وأسأل الله الإمداد بذلك(٤)
· والإسعاف، فما أحدٌ منهم معاصراً لنا ولا قريباً، ولا بيننا إلا وُصْلَة العلم، ودعوةُ الخلق
. إلى جناب الحق ، فأقول :
أما المازَرِىّ ، فقبل الخَوْض معه فى الكلام أقدِّم لك مقدِّمة، وهى:
أن هذا الرجل كان من أذْ كى المنارِبَة قريحةً ، وأحدِّهم ذهنا ، بحيث اجْتَرأ على شرح
((البرهان))(٥) لإمام الحرمين، وهو لُغْزُ الأمَّة، الذى لا يُحُوم نحو حماه ، ولا يُدَنْدِنِ
حول مَغْزَاه، إِلا غَوَّاص على المعانى، ثاقبُ الذهن ، مبرِّز فى العلم .
(١) فى الديباج المذهب ٢٧٧ أن من تلاميذ أبى بكر الطرطوسى، ابن ظافر، وهو أبو عبد الله
محمد بن عبد الرحمن، ابن عطية، وكان خديما له، متصرفا فى حوائجه. (٢) ساقط من: د ، ز، وهو
فى المطبوعة. (٣) فى د، ز: ((كان))، والمثبت فى: المطبوعة. (٤) فى المطبوعة: ((لذلك»،
والمثبت فى د، ز. (٥) سبق للمصنف أن ذكر هذا فى ترجمة إمام الحرمين، فى الجزء الخامس ١٩٢
وما بعدها ، وذكر المشكلات التى عملها عليه المازرى .
- ٢٤٤ -
وكان مُصَمِّما على مقالات الشيخ أبى الحسن الأشْعَرِىّ، رضى الله عنه ، جليلها
وحقيرما، كبيرِها، وصغيرِها، لا يتعدَّاها، ويُبَدِّع مَن خالفه، ولو فى التَّْرِ اليسير
والشىء الحقير .
ثم هو مع ذلك ما لكىُّ المذهب، شديدُ الَيْل إلى مذهبِه، كثير المناضلة عنه
وهذان الإمامان، أعنى: إمام الحرمين، وتلميذَه الغَزَّالِّ ، وصلا من التحقيق
وسعة الدائرة فى العلم، إلى المبلغ الذى يعرِف كلُّ ◌ُنْصِفِ بأنه ما انْتعَى إليه أحد بعدهما،
وربما خالَفَا أبا الحسن فى مسائل من علم الكلام ، والقومُ، أعنى الأشاعرة، لاسيما المغاربة
منهم، يستصعبون هذا الشُّنْع، ولا يرَوْن مخالفةَ أبى الحسن فى نَقَيرٍ ولا قِطِيرٍ،
وكأنما عَناه الغَزَّالِيّ، بقوله :
وربما ضعَّفا مذهب مالك فى كثير من المسائل، كما فعلا فى مسألة المصالح المرسلة
وعند ذكر التَّرجيح بين الذاهب .
فهذان أمران نَفر(٢) المازَرِىّ منهما، ويُنْضَمُّ إلى ذلك أن الطرقَ شتَّى مختلفة،
[ وقَلّ](٣) ما رأيت سالكَ طريق إلا ويستقبح الطريقَ التى لم يسُلُكْها، ولم يُفْتَح عليه.
من قِبَلِها ، ويضَع عند ذلك من غيرِهِ ، لا ينجُو من ذلك إلا القليلُ من أهل المعرفة
والتَّمْكِين.
ولقد وجدت هذا واعتبرتُهُ ، حتى فى مشايخ الطريقة .
وَلا يَخْفَى أن طريقةَ الغَزَّالِيّ التصوُّفُ، والتَّعَمُّق فى الحقائق، ومحبةُ(٤) إشارات
القوم، وطريقةَ المازَرِىّ الجمودُ على العبارات الظاهرة، والوقوف معها، والكلُّ حَسَن،
ولله الحمد، إلا أن اخْتِلاف الطريقيْن يُوجِب تَبَائِنَ الِزَاجَيْن، وبُعْدَ ما بين القلبيْن،
(٢) فى د: ((أمزاه»، وفى ز :
(١) فى د .: ((بياض أباصله)).، وفى ز: ((بياض)).
«لغره)، والمثبت فى المطبوعة، واصل ما فى د من عزه يعزه فهو عزه، إذا لم يكن له أربع فى الشىء
انظر الفائق ٢/ ٢٤٠، واللسان (ع زه) ٠٥١٤/١٣ (٣) ساقط من المطبوعة، وهو فى: د، ز.
(٤) فى د: ((ومحنته))، وفى ز: « ومعه)) والمثبت فى المطبوعة.
--: ٢٤٥ -
لاسيما وقدانضمَ إليه ماذكرناه من المخالفة فى المذهب، وتوقُمِ المازّرِىّ أنه يضَع من مذهبه،
وأنه يخالف شيخَ السنة أبا الحسن الأشْمَرِىّ، حتى رأيتُهُ، أعنى المازّرِىّ، قال فى ((شرح
البرهان)»، فى مسألةٍ خالف فيها إمامُ الحرمين أبا الحسن الأشْعَرِىّ، وليست من القواعد
المعتبرة ، ولا المسائل المهمّة: ((من خطَّأ شيخَ السنة أبا الحسن الأشْعَرِىّ فهو الخطأ))(١)
وأطال فى هذا .
وقال فى الكلام على ماهيَّة العقل، فى أوائل ((البرهان))، وقد حكَى عن الأشْعَرِىّ
أنه يقول: العقل هو العلم وأن الإمامَ، رضى الله عنه قال مقالَة الحارث المُحاسِىّ: إنه
غريزة، بعد أن كان فى ((الشامل)» يفكرِها: وإنه إنما رضِيَها لكونه فى آخرٍ عمره قرَع
باب قوم آخرين، يُشير إلى الفلاسفة.
فليت شِعْرِى، ما فى هذه المقالة مَا(٢) يدلّ على ذلك.
وأعجب من هذا أنه، أعنى المازَرِىّ، فى آخر كلامِهِ اعترف بأن الإمامَ لا ينحو نحوَهم،
وأخذ يُحِلّ من قَدْرِهِ، وله من هذا الجنس كثير .
فهذه أمورٌ تُوجِب التَّنَافِ بينهم، وتحمل المنصِفِ على أن لا يسمعَ(٢) كلام المازَرِىّ
(٤ فيهما ، إلا بعد حُجَّة ظاهرة .
ولا تحسَب أننا نفعل ذلك إزْراء بالمازَرِىِّ»، وحطًا من قدرِهِ، لا والله، بل بيَّنًا(٥)
بطريق الوهْم عليه، وهو فى الحقيقة معذور؛ فإن المرء إذا ظنَّ بشخص سُوءًا قَلَّما أمعن
بعدذلك [فى](٦) النظر إلى (٧) كلامه، بل يصير بأَدْنىَ لَمْحَةٍ أَدلّت (٨)، يحمل أمره على السوء،
ويكون مخطئاً فى ذلك، إلا من وَفَّق الله تعالى، ممن بَرَىّ عن الأغراض، ولم يظن إلا
(١) فى المطبوعة: ((المخطئ'))، والمثبت فى: د، ز. (٢) فى د، ز: ((كم))، والمثبت فى :.
المطبوعة. (٣) فى د: ((يحمل))، والمثبت فى: المطبوعة، ز. (٤) ساقط من: د، وهو فى المطبوعة، ز.
(٥) فى د، ز: ((بيتا))، والمثبت فى: المطبوعة. (٦) ساقط من المطبوعة، وهو في : د، ز.
(٧) فى المطبوعة: ((فى))، والمثبت فى: د، ز. (٨) فرد: ((أو قلت))، وفى ز: ((أو ولت))
والمثبت فى المطبوعة .
- ٢٤٦ -
الخير، وتوقّ عند سماع كلِّ كلمة ، وذلك مقام لم يصل إليه إلا الآحادُ من الحاق ، وليس
المازَرِىّ بالنسبة إلى هذَين الإِمامين، من هذا القَبِيل .
وقد رأيتَ فعله فى حقٍّ إمام الحرمين، فى مسألة الاسترسال ، التى حكيناها فى ترجمة
الإمام، فى الطبقة الرابعة(١)، وكيف وهِم على الإمام، وفهِم عنه مالا يفهمه عنه العوامّ ،
وفوَّق نحوه ◌ِهامَ الْعَلَامِ.
إذا عرفتَ هذه المقدمة، فأقول: إن ما ادَّعاه [من](٢) أنه عرف مذهَبه، بحيث قام له
مَقام العَيان(٣)هو كلام٣) عجيب، فإنا لا نسْتجيز أن نحكم على عقيدةٍ أحدٍ بهذا الحكم،
فإن ذلك لا يطَّلِع عليه إلا الله ، ولن تنتهى إليه القوانين والأخبار أبدا .
وقد وقفنا نحن على غالب كلام الغَزَّالِىّ، وتأمَّلنا كتب أصحابه الذين شاهدوه ، وتناقلوا.
أخبارَه، وهم به أعرف من المازَرِىّ، ثم لم نْتَهِ إلى أكثر من غلبة الظنّ، بأنه(٤) رجل
أُشْعَرِىُّ المعتقَد، خاض فى كلام الصُّوفية .
وأما قوله: ((وذكر هُمَلا من مذاهب الموحّدين، والفلاسفة، والمتصوِّفة، وأصحاب
الإشارات )» فأقول : إن عتی بالموحِّدین ، الذین یوحِّدون الله، فالمسلمون اول داخل فيهم،
ثم عَطْفب الصوفية عليهم يوهِمٍ أنهم ليسوا مسلمين، وحاشا لله.
وإن عَى به أهلَ التوكل على الله، فهم من خيرٍ فِرَق الصوفية ، الذين هم مُن خَيْر
المسلمين، فما وجهُ عطف الصُّوقية عليهم بعد ذلك؟
وإن أراد أهلَ الوحدة المطلقة، المنسوبَ كثيرٌ منهم إلى الإلحاد والحُول، فعَاذ الله ليس
الرجلُ فى هذا الصَّوْبِ، وهو مصرِّح بتكفير هذه الفئة، وليس فى كتابه شىء من
معتقداتهم.
(١) الجزء الخامس، صفحة ١٩٣، وما بعدها. (٢) ساقط من: د، ز، وهو فى: المطبوعة
:
(٣) فى د: ((وكلام))، وفى ز: ((فكلام)» والمثبت فى المطبوعة.
(٤) فى د، ز: ((فإنه)) والمثبت فى المطبوعة .
- ٢٤٧ -
وأما قوله: (( الغَزَّالِيّ ليس بالمتبحِّر فى علم الكلام)» فأنا أوافقه على ذلك ، لكنى
أقول: إن قَدَمَه فيه راسخ، ولكن لا بالنسبة إلى قَدَمِهِ فى بقيّة علومه، هذا ظنِّى .
وأما قوله: ((إنه اشتغل فى الفلسفة قبل اسْتِبْحَاره فى فنِّ الأصول»، فليس الأمرُ
كذلك، بل لم ينظُرُ فى الفلسفة إلا بعد ما استبْحَر فى فنِّ الأصول، وقد أشار هو ، أعنى
الغَزَّالِىّ، إلى ذلك فى كتابه ((المنقذ من الضلال))(١)، وصرَّح بأنه توعّل فى علم الكلام
قبل الفلسفة .
ثم قول المِأَزَرِىّ: ((قرأ علمَ الفلسفة قبل استبحاره فى علم الأصول))، بعد قوله :
((إنه لم يكن بالمستبْخِرِ فى الأصول)) كلامْ بناقِضِ أولُه آخرَه.
. وأما دَعْواه أنّهُ تجرَّاً على المعانى، فليست له جُرْأة إلا حيث دَلَّه الشرعُ، ويدَّعى
خلافَ ذلك [من](٢) لا يعرف الغَزَّالِيّ، ولا يدرى مع مَن يتحدَّث.
ومن الجهل بحالِهِ دَعْوَى أنه اعتمد على كتب أبى حيَّان التَّوْحِيدِىّ، والأمر بخلاف
ذلك، ولم يكن عمدتُه فى ((الإحياء)) بعد معارفِه، وعلومه، وتحقيقاًته التى جمع بها شمل
الكتاب، ونظَم بها محاسنه، إلا على كتاب ((قوت القلوب))، لأبى طالب المكِّى،
وكتاب ((الرسالة)) للأستاذ أبى القاسم القُشَيْرِىّ، المُجْمعِ على جلالتهما، وجلالة مصنّيْهما
وأما ابن سِينا، فالغَزَّالِيّ يكفِّره، فكيف يُقال إنه يقْتدِى به؟
ولقد صرَّح فى كتاب ((المنقذ من الضلال)) أنه لا شيخً له فى الفلسفة ، وسنحكى
كلامه فی ذلك، إن شاء الله تعالى .
وقوله: (( لا أدرى على مَنْ عَوَّل فى التصوف )) .
قلتُ: عوَّل على كتاب (( القوت))، و ((الرسالة))، مع ما ضَمَّ إليهما من كلام
مشايخه، أى علىّ العَلائِىّ(٣)، وأمثالِهِ، ومع ما زادَه من قِبَل نفسِهِ، بفكْره، ونظره،
(١) المنقذ من الضلال صفحات ٧٨-٠٨١ (٢) ساقط من: د، ز، وهو فى المطبوعة.
(٣) فى د: ((العلابى))، وفي ز: ((العلانى))؛ والمثبت فى المطبوعة.
- ٢٤٨ -
وما فُتح به عليه، وهو عندى أغلبُ ما فى الكتاب، وليس فى الكتاب للفلاسفة مَدْخَل،
ولم يصنفه إلا بعد ما ازدری علومهم ، ونعى عن النظر فی کتبهم، وقد أشار إلى ذلك فى
غيرٍ موضعٍ من ((الإحياء)).
ثم فى كتاب ((المنقذ من الضلال» ما نصُّه: (١) ثم إنى [ما](٢) ابتدأتُ بعد الفراغ من
علم الكلام بعلم الفلسفة(٢)، وعلمت يقيناً أنه لا يقف على فساد نوعٍ من العلوم من لا يقف
على مُنْتعَى ذلك العلم، حتى يساوِىَ أعلمَهم فى أصل العلم، ثم يَزِيد عليه، ويجاوز فرجتَهِ،
فيطَّلع [ على](٤) ما لم يَطَّلِعْ عليه صاحبُ العلم من غَوْر وغائِلة؛ (* فإذْ ذاك*) يمكن أن
يكون ما يدَّعيه من فسادِه حقا، ولم أرَ أحدا من علماء الإسلام (٦ وجّه عنايته إلى ٦) ذلك ،
ولم يكن فى كتب المتكلِّمين(٧) من كلامهم حيث اشتغلوا بالردِّ عليهم، إلا كلماتٌ معقّدة
مُبُدَّدة ظاهرة التناقض والفساد، ولا يظُن الاعتراف(٨) بها عاقلٌ عامّىّ، فضلًا عمَّنَ يدَّعي
دقائقَ العلوم.
فعلمتُ أن ردَّ [ هذا](٩) المذهب قبل فهمه والاطّلاع على كُنْهِهِ يرْمِى(١٠) فى عَماية،
فشعرت عن ساق الجد فى تحصيل ذلك العام، من الكتب، بمجرَّد المطالعة، من غير
(١١استعانَةٍ بأستاذ(١) [ وتعلُّم](١٣)
فأقبلت على ذلك فى أوقات فَراغِى ، من التَّدريس والتَّصْفيف فى العلوم الشرعية،
وأنامهمٌ (١٢) بالتدريس والإفادة، (١٤ ◌ِبَلَّ غُلَّ نَفَرَ ١٤) من الطلبة ببغداد، فأطلعنى الله تعالى
(١) صفحة ٨٣،٨٢. (٢) زيادة على ما فى المنقذ من الضلال. (٣) فى: د، ز: «الفلاسفة»،
والمثبت فى المطبوعة . والمنقذ من الضلال .. (٤) ساقط من: د، ز، وهو فى: المطبوعة، والمنقذ من
الضلال. (٥) في المطبوعة: ((فإنه بذاك))، والمثبت فى: د، ز، وفى المنقذ: «وإذ ذلك)).
(٦) فى د: ((وعنايته))، وفى المنقذ: ((صرف عنايته وهمه))، والمثبت فى: المطبوعة، ز.
(٧) فى المطبوعة: ((المسلمين))، والمثبت فى: د، ز، والمنقذ من الضلال.
(٨) فى المنقذ من الضلال: ((الاغترار».
(٩) ليس فى المنقذ من الضلال.
(١٠) فى المنقذ من الضلال: ((رد)). (١١) فى الأصول: ((استيعابه بإسناد)»، والمثبت
فى المنقذ من الضلال، وتقدم فى كلام المصنف ما يشهد له. (١٢) ليس فى المنقذ من الضلال.
(١٣) فى المنقذ من الضلال: ((ممنو)) أى مبتلى. (١٤) فى المنقذ من الضلال: (إثلاثمائة نفس)).
- ٢٤٩ -
بمجرَّد المطالعة فى هذه الأوقات(١) على مُنْتَهَى علومِهِم ، فى أقلّ من سنتيْن.
ثم لم أزل أواظِب على التفكّر فيه، بعد فهمِه، قريبا من سنة، أعاودِه وأراوِدِه،
وأتفقَّد ◌ِوائلَه وأغواره ، حتى الطَّلمتُ على ما فيه من خِداع ، وتلبيس ، وتحقيق
وتحيُّل (٣)، اطّلاعا لم أشكَّ فيه .
فاسمع الآن حكايتى(٣)، وحكايةَ حاصل علومهم؛ فإنى رأيت(٤) (٥أصنافا ورأيت(٥)
علومَهم أقساما، وهم على كثرة أصنافهم تلزمُهم وِجهة(٦) الكفر والإلحاد ، وإن كان بين
القدماء منهم ، والأقْدَمين، والأواخر منهم، والأوائل تفاؤُت عظيم فى البُعد عن الحقِّ،
والقرب منه . انتهى .
وقال بعده(٧): فصل، فى بيان أصنافهم، وشُمول سِمَة(٨) الكفر كافَّتهم ، واندفع
فى ذلك .
فهذا رجلٌ ينادى على كافَّة الفلاسفة بالكفر ، وله فى الردِّ عليهم الكتبُ الفائقة ، وفى
الذَّبِّ عن حريم الإِسلام الكلماتُ الرائقة، ثم يُقال إنه بَفى كتابه على مقالتهم، فياللهِ(٩)
وياللمسلمين: نعوذ بالله من تعصُّب يحمل على الوقيعة فى أثمّ الدين.
وأما ماعاب به «الإحياء)» من توصِنة(١٠) بعض الأحاديث، فالغَزَّالِيّ معروف بأنه لم تكن
له فى الحديث يدُ باسِطة، وعامَّة ما فى ((الإحياء)) من الأخبار والآثار، مُبدَّ فى كتب
من سبقه من الصُّوفية والفقهاءُ، ولم يُسنِد الرجلُ لحديثٍ واحدٍ ، وقد اعتنى بتخريج
أحاديث («الإحياء)» بعضُ أصحابنا، فلم يشِذَّ عنه إلا اليسير.
وسأذكر جملةً من أحاديثه الشاذَّة، استفادةً .
(١) فى المنقذ بعد هذا زيادة: ((المختلة)). (٢) فى المنقذ: ((وتخيل)).
(٣) فى المنقذ: ((حكايته)). (٤) فى المنقذ: ((رأيتهم ... (٥) ساقط من: المطبوعة،
وهو فى: د، ز. والمنقذ من الضلال. (٦) فى المنقذ ((وصمة)) .. (٧) المنقذ من الضلال ٨٤.
(٩) فى المطبوعة: ((يالله))، والمثبت فى: د، ز .
(٨) فى المنقذ: ((وصية».
(١٠) فى المطبوعة: ((تومية))، والمثبت فى: د، ز .
- ٢٥٠ -
وأما ما ذكروه فى قصِّ الأَظْفارِ، فالأمر المُشار إليه، يُرْوَى عن على كرَّم الله
وجهه، غير أنه لم يثبت، وليس فى ذلك كبيرُ أمر، ولا مخالفةُ شرع ، وقد سمعتُ
جماعةً من الفقراء، يذكرون أنهم جرَّبوه، فوجدوه لا يخطىء، مَن داوَمَه أُمِن من
وجَع العين .
ويرؤُون من شعر علىّ، كرَّم الله وجهه هذا (١):
ابدأْ بَيْنَاكُ وبِالْخِنْصَرٍ فى قصِّ أظفارِكُ واسْتَبْصِر
لا تفعل فى الرِّجْل ولا تحْتَرَ(٢)
واخْتَمْ بسَبَّابِتِها هكذا
والأصبعِ الوُسْطَى وبالْخِنْصَرِ
وابدا ليُسْراك بابهامها
بِنْصَرُها خاتمةُ الأَيْسَرِ
ويقبعُ الْخُنْصَرِ سَبَّابَةٌ
مِن رَّمَدِ العين كما قد قُرى
هذا أمانٌ لك قد حزته
وأما قول المازَرِيّ: ((عادة المتورِّعين أن لا يقولوا: قال مالك)) إلى آخره، فليس:
ما قال الغَزَالِيّ: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)) على سبيل الجزم، وإنما يقول عَزْوٌ
بتقدير الجزم ، فلو لم يغلبْ على ظنِّه لم يُقْلِه، وغايته أنه ليس الأمر على ما ظن .
وسنعقد فصلاً للأحاديث المنكرة فى كتاب «الإحياء)).
وأما مسألة مَن مات ولم يعلم قِدَم البارِى، ففرق بين عدم اعتقادٍ بالقدم، واعتقادِ أن
لا قِدَم ، والثانى هو الذى أجمعوا على تكفير من اعتقده.
فمن استحضّر بذهنه صفةَ القِدَم، وتفاها عن الباري، [و](٣) أو جَبَها مِنْفِيَّة،
أو شكَّ فى انتفائها، كان كافراً .
(٤ وأما " السَّاذَج فى(٥) مسألةَ القِدَم، الحالى، الخِلْو(٦) المؤمنُ بالله على الجملة،
(١) ليس هذا الشعر فى الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين. (٢) سقط ((لا تفعل » من: د،
(٣) ساقط من : د، ز ،
وهو فى: المطبوعة، ز)، وفى ز فوق كلمة ((الرجل)) ((البدو)).
(٥) ساقط من : ز،
وهو فى المطبوعة. (٤) فى ز: ((إذا ما))، والمثبت فى: المطبوعة، د.
وفى المطبوعة: (( من)))، والثبت فى: د .
(٦) فى د، ز: ((الحاف)) وأمنها: ((الجاف»،
والمثبت فى المطبوعة .
- ٢٥١ -
فهو الذى ادَّعى الغَزَالِيّ الإِجْاعَ على أنه مؤمن على الجملة، ناجٍ منْ حيثُ مُطلَق
الإيمان الجُمْلِى (١).
ومن البليَّة العظمى، والمصيبة الكبرى، أن يُقُال عن مثل الغَزَّالِيّ: إنه غيرُ موثوقٍ
بنقله، فما أدرى ما أقول، ولا بأَّى (٢) يلقى الله مَن يعتقد ذلك فى هذا الإمام.
وأما تقسيم المازَرِيّ فى العلم، الذى أشار حجَّة الإسلام أنه لا يُودَع فى كتاب ،
فوَدِدْت لولم يذكُرْه، فإنه شُبّه عليه .
وهذا المازَرِيّ كان رجلا ، فاضلا، ركنا(٣)، ذكيًا، وما كنت أحسبه يقع فى مثل
هذا، أو خَفِىَ عليه أن للعلومِ دقائق، نهَى العلماء عن الإفصاح بها، خَشْيَةً على ضُعفاء الخلق،
وأمورُ(٤) أُخَر لا تحيط بها العبارات، ولا يعرفها إلا أهلُ الذَّوْق، وأمورٌ (٤) أُخَر لم
يأذن الله فى إظهارها؛ لِحِكَم تَكْثُر عن الإحصاء.
وماذا يقول المازَرِيّ فيما خَرَّجه البُخارِيّ فى ((صحيحه))(٥) من حديث أبى الطَّفَيل،
سمعتُ عليًّاً، رضى الله عنه، يقول: حدّتوا الناس بما يعرفون، أيحبّون أن يُكْذَّب
اللهُ ورسولُهُ ؟
:
وكم مسألةٍ أَصَّ العلماء عن عدم الإفصاح بها، خَذْيةً على إفضاح(٦) من
لا يفهمها .
وهذا إمامنا الشافعىُّ، رضى الله عنه، يقول: إن الأجير المشترك لا يضمّن.
٦
قال الربيع : وكان لا يبوحُ به خوفاً من أجير السُّوء.
قال الربيع أيضا: وكان الشافعىّ، رضى الله عنه يذهبُ إلى أن القاضىَ يقضى بعلْمِه،
وكان لا يُوح به ، مخافَة قُضاة السُّوء.
(١) فى د، ز: ((الحملى))، والمثبت فى المطبوعة.
(٢) فى د: ((يأتى))، وفى ز: بابى»، والمثبت فى المطبوعة.
(٣) كذا فى الأصول، ولعل صوابها ((زكنا)» بزاى مفتوحة وكاف مكسورة. والزكانة: الفطانة.
(٤) فى المطبوعة: ((وأمورا)) على النصب، عطفا على دقائق، والمثبت فى : د، ز.
(٥) فى مصحيح البخارى (باب من خص بالعلم قومادون قوم كراهية أن لايفهموا، من كتاب العلم، ٤٤/١
(٦) و د، ز: ((إفصاح))، والمثبت فى : المطبوعة.
- ٢٥٢ -
فقد لاح لك بهذا أنه ربما وقع السكوت عن بعضِ العلم ؛ خشية من الوقوع فى
محذور ، ومثل ذلك یکثر(١) .
وأما كلام الطَّرْطُونِيّ(٢)، فمن الدَّعاوَى العارية عن الدَّلالة، وما أدرى كيف
اسْتجاز فى دينه أن ينسب هذا الحبْرَ إلى أنه دخل فى وَسْواس الشيطان، ولا من أين اطّلع
على ذلك .
وأما قوله: (( شابها (٣) بآراء الفلاسفة، ورموز الحلاج)) فلا أدرى، أىَّ رُموزٍ فى
هذا الكتاب، غير إشارات القوم، التى لا ينكرها عارف! وليس الخَلاَج رموز:
يُعرَف بها .
وأما قوله: ((كاد ينسلخ من الدين))، فياكما كلمة، وقانا الله مرَّها.
وأما دعواه أنه غيرُ أنيس بعلوم الصُّوفية، فمن الكلام البارد، فإنه لا يرتاب
ذُو نظَر بأن الغَزَّالِيّ كان ذا قدَمِ راسخ فى التصوُّف، وليت شِعْرى ، إن لم يكن
الغَزَّالِيِ يدرى التصوُّفَ ، فمن يَدْرِيه .
وأما دعواه أنه سقط على أمِّ رأسِهِ ، فوقيعةٌ فى العلماء بغير دلالة ؛ فإنه لم يذكر لنا
بماذا سقط!
كفاه الله وإيانا غائلة التعصّب.
وأما الموضوعات فى كتابه، فليت شْرِى، أهو واضعُها حتى يُنكِرِ عليه، إنْ هذا
إلا تعصُّب بارد، وتشْفِيع بما لا يرْتَضِيه ناقد.
ولقدِ ماجُوا (1) فى هذا ( الإحياء))، الذى لا ينبغى لعالم أن ينكِرِ مكانته فى الحسن
والإفادة، ولقد قال بعضُ المحقّقين: لو (٥) لم يكن للناس فى الكتب التى صنفها الفقهاء
الجامعون فى تصانيفهم بين النقل والنَّظَر، والفكر والأثر، غيرُه لكفى
(١) فى المطبوعة: ((أكثير))، والمثبت فى د، ز، وهو فى د بنقط الياء فقط، وفى ز بغير نقط.
(٢) فى ج، ز: ((الطرطوسى))، والمثبت فى المطبوعة، وتقدم صفحة ٢٤٢. (٣) فى المطبوعة، د:
((بيانها)، والمثبت فى: ز، وتقدم صفحة ٢٤٣. (٤) فى المطبوعة: ((هجرا))، وفي ز: ((ماجرا)»،
(٥) فى د : ((أو))، وفى ز: «إن»، والمثبت فى المطبوعة
والمثبت فى : د .
- ٢٥٣ -
وهو من الكتب التى ينبغى للمسلمين الاعتناء بها، وإشاعتُها؛ ليهتدِىَ بها كثيرٌ من
الخلق، وقلَّما (١) ينظر فيه ناظر إلا وتيقَّظ به فى الحال، رزقنا اللهُ بصيرةً تُرِينا وجهَ
الصواب ، ووقانا شرّ ماهو بيننا وبينه حجاب .
وللشيخ تقيّ الدين ابن الصَّلاح فى حقِّ الغَزَّالِيّ كلامٌ لانرْتضِيه، ذكَرَه على(٢) المنطق،
تكلَّمْنا عليه فى أوائل شرحنا (( للمختصر)) لابن الحاجب.
وكتب إلىّ مَرَّة الحافظ عفيفُ الدين المَطَرِىّ(٣)، القيم بمدينة سيدنا رسولِ الله صلَّى
الله عليه وسلَّم، كتاباً، سألنى أن أسأل الشيخ الإمام رأيه، فذكرت له ذلك، فكتب
إلىّ الجوابَ بما نصُّه:
(( الحدث.
الولد (٤) عبد الوهَّاب ، بارك الله فيه .
وقفتُ على ماذكرتَ مما سأل عنه الشيخُ الإِمام، العالم ، القدوة، عفيفُ الدين المَطَرِىّ،
نفع الله به، فى ترجمة الغَزَّالِيّ، وأبى حَيَّن التَّوْحِيدِىّ، و [ما](٥) ذكرتَه أنت فى
(( الطبقات)) فى ترجمة التَّوْحِيدِىّ(٦)، وما عندى فيه أكثرُ من ذلك، تكتبه له،
وكذلك الغَزَّالِّ، ماعندى [فيه](٧) زيادةٌ على ماذكره ابن تمساكر، وغيره، ممن
ترجمَه، وماذا يقول الإنسان [ فيه](٧)، وفضلُه واسمُه قد طَبَّق الأرض، ومن خبرَ
كلامه عرف أنه فوق اسمِه .
وأما ما ذكره الشيخُ تقىُّ الدين ابن الصَّلاح (4وما ذكره٨) من عند نفسه، ومن كلام
يوسف الدِّمَشْقِىّ والمازَرِىّ، فما أَشبَّهُ هؤلاء الجماعة، رحمهم الله، إلا بقوم متعبِّدِّين،
(١) فى د، ز: ((وقل من)) والمثبت فى المطبوعة. (٢) فى المطبوعة: ((علماء»، وفى د:
((عن))، والصواب في: ز. (٣) اسمه عبد الله بن محمد بن أحمد توفى سنة خمس وستين وسبعمائة.
(٤) فى المطبوعة: ((ولدى))، والمثبت فى : د، ز .
الدرر الكامنة ٣٩٠/٢.
. (٦) انظر الجزء الخامس صفحة ٢٨٨،
(٥) ساقط من المطبوعة، وهو فى : د ، ز.
فى رد المصنف على الذهبى.
(٧) ساقط من: د، ز ، وهو فى المطبوعة .
(٨) ساقط من المطبوعة ، وهو فی: « ، ز .
۔
- ٢٥٤ -
سليمةٍ قلوبهم، قد ركنوا إلى الهُوَيْنا، فرَأَوْا فارساً عظيما من المسلمين، قد رأى عدوًّا (١).
عظيما لأهل الإِسلام، فحمل عليهم، وانغمس فى صفوفهم ، ومازال فى غَمْرِهم حتى فَلَّ
شوكتَهم، وكسرهم، وفرَّق جموعَهم شَذَّرَ بَذَرَ (٢) ، وفلق هامَ كثيرٍ منهم ، فأصابه
يسيرٌ من دمائهم، وعاد سالمً، فرأوْه، وهو يغسل الدمَ عنه، ثم دخل معهم فى صلاتهم،
وعبادتهم ، فتوهَّموا أيضا أثْرَ الدم عليه ، فأنكروا عليه.
هذا حالُ الغَزَّالِىّ وحالُهم، والكل إن شاء الله، مجتمعون فى مقعَدٍ صِدْقٍ عند
مليك مقتدر .
(٢) لأنه مَغْرِبِىّ، وكانت المغاربةُ لَّا وقع بهم(٤) كتاب
وأما المازَرِىّ(٣).
«الإحياء)) لم يفهموه، فمرّفوه(٥)، فمن تلك الحالة تكلّم المازّرِىّ.
ثم إن المغاربةَ بعد ذلك أقبلوا عليه، ومدحوه بقصائد، منها قصيدة:
أبا حامدٍ: أنت المخعبِّصُ بالحمدِ
وأنت الذى علَّمْتنا سُنَّنَ الرُّشْدِ
وضعْتَ لنا الإحياءَ تُحيى نفوسنا
وتُنُقْدنا من رِبْقَةِ الماردِ الْمُرْدِى
وهى طويلة، وإن كنت لا أرتضى قوله ((أنت المخصص بالمحمد))، ويُتَأوَّل لفا عليه(٦)،
أنه من [ بين](٧) أقرائِهِ، أو من بين من يتكلّم فيه .
وأين نحن ومَن فوقنا وفوقهم، من فهم كلام الغَزَّالِيّ، أو الوقوف على مر قبته فى العلم،
والدين، والتأَلُّه.
ولا يُنكَرِ فضلُ الشيخ تقيِّ الدين، وفقهُهُ، وحديثُه، ودينه، وقصدُه الخير،
ولكن لكلِّ عملٍ رجالٌ.
(١) في المطبوعة: ( عددا)»، والتصويب عن : د، ز
(٢) فى المطبوعة: ((نذر)))، وفى د: ((بدر))، والثبت فى: ز، وذهبوا شتر مفر وبذر،
أى تفرقوا فى كل وجه. الان ( ش ذر) ٣٩٩/٤. (٣) الكلام متصل فى المطبوعة، وفى د ، ز
بياض مكان كلمتين. (٤) فى المطبوعة: ((لهم))، والمثبت فى: د، ز .
(٥) فى المطبوعة: ((تخرقوه))، والصواب فى: د، ز. (٦) فى المطبوعة: ((اثاثليه))، والمثبت
فى : د، ز. (٧) ساقط من: د، ز، وهو فى المطبوعة.
:
- ٢٥٥ -
ولا يُنكَر علوُّ مرتبة المازَرِىّ ، ولكن كلٌّ حالٍ لا يعرفُه من لميذُقْه، أو يشرف عليه،
وكل أحدٍ إنما يتكيَّف بما نشَأ عليه ، ووصل إليه .
وأما مَن ذَكَر أبا بكر وعمر، رضى الله عنهما، فى هذا المقام، فالله يُوسُّنا وإياء لفهم
مقامِهما، على قدرنا، وأما على قدرِهما فمستحيل، بل وسائرُ الصحابة لايصلُ أحدٌ ممن
بعدَهم إلى مرتبتهم؛ لأن أكثرَ العلوم التى نحن نبحثُ ونَدْأب فيها، الليلَ والنهار، حاصلةٌ
عندهم بأصل الخلقة، من اللغة، والنحو ، والتصريف، وأصول الفقه .
وما عندهم من العقول الراجحة، وما أفاض الله عليهم من نُور النبوّة العاصِم من الخطأ
فى الفكر ، يُغنى عن المنطق، وغيره من العلوم العقلية ..
وما ألّف الله بين قلوبهم حتى صاروا بنعمته إخوانا، يُغنى عن الاسْتِعداد للمناظرة
والمجادلة ، فلم يكن يحتاجون فى علومهم إلّا إلى مايسمعونه من النئِّ ملَّى الله عليه وسلم،
من الكتاب والسنة ،فيفهمونه أحسَن فهُ، ويحملونه على أحْسَن مَحْمِلِ، وَيُنْزلونه مَنْزِ لِتَه،
وليس بينهم من يُمارِى فيه، ولا يجادل، ولا بِدْعة ، ولا ضلالة.
ثم التابعون على منازلهم ، ومِنْوالهم، قريبا منهم ، ثم أتباعهم ، وهم القرون الثلاثة ،
التى شهد النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم لها بأنها خيرُ القرون بعده.
ثم نشأ بعدَهم ، وكان قليلا فى أثناء الثانى والثالث، أصحابُ بِدَع وضَلالات ، فاحتاجت
العلماء من أهل السنة إلى مقاومتهم، ومجادلتهم، ومناظرتهم، حتى لا يلبسوا على الضعفاء
أمرَ دينهم ، ولا يُدخِلوا فى الدين ماليس منه .
ودخل فى كلام أهل البدع من كلام المنطقيّين ، وغير م من أهل الإلحاد ، شیا کثیر،
ورؤَبُوا(١) علينا شُبَهاً كثيرة، فإن تركْناهم و ما يصنعون، استولوا على كثيرٍ من الضعفاء،
وعوامِّ المسلمين، والقاصرين من فقهائهم وعلمائهم، فأضلُّوم، وغيَّروا ماعندهم من
الاعتقادات الصحيحة، وانتشرت البدِع والحوادث، ولم يُمْكِنِ كلَّ واحد [أن](٣) يقاومهم،
(١) فى المطبوعة: ((أوردوا))، والتبت فى: د، ز.
(٢) ساقط من: د)، ز ، وهو فى المطبوعة .
- ٢٥٦ -
وقد لايفهم كلامهم ؛ لِعِدَم اشْتغاله به ، وإنما يرُدُّ الكلامَ من يفهمه، ومتى لم يَرُدَّ عليه
تعلُّو كلُهِ ، ويعتقد الجهلاء، والأمراء، والملوك، [و](١) المستَوْلُون على الرعيَّة صحَّةً
كلام ذلك المبتدع، كما اتّفق فى كثير من الأعصار، وقصرت هِمَمُ الناس عمَّ كان
عليه المتقدِّمون .
فكان الواجبُ أن يكون فى الناس مَن يحفظ اللهُ به عقائدَ عبادِهِ الصالحين، ويدفعُ
به شُبَهَ الملحدين، وأجرُّه أعظمُ من أجر المجاهد بكثير، ويحفظُ أمرَ بقيَّةٍ(٢) الناس
عباداتُ المتعبَّدين، واشتغالُ الفقهاء، والمحدِّثين والمقرئين، والمفسرين، وانقطاعٌ
الزاهدين :
لا يعرفُ الشَّوقَ إلا مَنْ يكابِدُه ولا الصَّبَابَةَ إِلَّ مَن يُعانِهاَ
واللائقُ بابن الصَّلاح وأمثاله، أن يشكرَ اللهَ على ما أنعم به من الخير، وما قَيَّض اللهُ :.
له من الغَزَّالِ، وأمثالِهِ، الذين تقدَّموه، حتى حفظوا له ما يتعبَّد به، وما يشتغل به
وما يحتمل هذا الموضعُ بَبْطَ القول فى ذلك.
وإذا كان فى (« الإحياء)» أشياء يسيرة، تُتَقَد، لا تدفع معامن أكثرِه، التى
لا تُوجَد فى كتابٍ غيره، وكم من مِنَّةٍ (٣) للغَّزَالِيّ، وسواء عرف من أخذ عنه التصوُّف،
أم لا ، فالاعتقاداتُ هى هبةٌ من الله تعالى، وليست روايةً )) انتهى.
وما أشرت (٤) إليه من كلام ابن الصَّلاح فى الغَزَّالِيّ، هو ما ذكره فى ((الطبقات))
من إنكاره عليه المنطق، وقوله فى أول ((المستصفَى))(٥): هذه مقدمة العلوم (٦) كلِّها،
ومن لا يحيط بها، فلا ثِقَةٍ (٧) بمعلومه أصْلًا. ثم حكايته كلامَ المازَرِىّ، وقد أوردناه.
(١) ساقط من: ز، وهو فى المطبوعة، د .
(٢) من هنا إلى آخر قوله: «فمن أطعمك
فى الحديث)) فى أثناء كتاب الفقر والزهد الآتى ساقط من: ز، إلا فى موضع سفنبه عليه.
(٣) فى د: ((.منقبة)، والمثبت فى: المطبوعة، ز." (٤) فى د: ((أشار))، والمثبت فى:
المطبوعة، ز. (٥) المستصفى ٠١٠ (٦) فى المطبوعة، ز: ((العلوم))، والمثبت فى : د، والمستصفى
(٢) فى المستصفى بعد هذا زيادة: (()) ..
- ٢٥٧ -
وذكر ابنُ الصَّلاح أن كتابَ ((المضنون)) المنسوب إليه، معاذ الله أن يكون له ،
وبيَّن سببَ كونه مختلَقًا ، موضوعا عليه.
والأمر كما قال، وقد اشتمل ((المضنون)) على التصريح بقدم العالم، ونفى العلم القديم
بالجزئيَّات، ونَفِى الصفات، وكلُّ واحدة من هذه يُكَفِّرِ الغَزَّالِيُّ قائلَها، هو وأهلُ السنة
أجمعون، وكيف يُتَصَوَّر أنه يقولها(١).
ومما (٢) حُكِىَ واشتهر عن الشيخ العارف أبى الحسن(٣) الشَّازِلِىّ، وكان سيِّدَ عصره،
وبركةَ زمانه، أنه رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فى النوم ، وقد باعَى عليه الصلاة والسلام
مُوسَى وعيسى عليهما السلام، بالإمام الغَزَّالِيّ .
وقال: أفى أُمَّتَيْكُمَا حَيْء كبذا ؟
قالا : لا .
وسُئِل السيدُ الكبير، العارف بالله، سيدُ وفِتِه أيضا، أبو العباس المُرْسِىّ(٤)،
(*تلميذ الشيخ أبى الحسن٥)، عن الغَزَّالِيّ، فقال: أنا أشهد له بالصِّدِّيقِيّة العظمَى.
وعن الشيخ الكبير، [الجليل](٦)، العارف بالله، (٢أوحد الأولياء(٢)، أبى العباس
(١) آخر الساقط من : س، الذى تقدمت الإشارة إلى بدئه، فى صفحة ...
(٢) من هنا إلى نهاية قوله: ((ودابة من الدواب)» الآتى فى: ز، وجاء فى د فى موضعين الأول
عند بدء ذكر المصنف لكلام ابن الصلاح، وهو مقحم فى هذا الموضع ، وروايته توافق ما فى : ز ،
والتانی فی مكانه هذا، وهو يوافق فى أكثره ما فى : س .
(٣) فى س، والموضع الثانى من: د: ((أبى عبد الله))، وهو خطأ، صوابه فى المطبوعة، ز ،
والموضع الأول من د ، وهو على بن عبد الله بن عبد الجبار. انظر طبقات الشعرانى ٤/٢، نكت الهميان ٢١٣
(٤) فى د: ((الزينى))، وهو خطأ)) صوابه فى: المطبوعة، ز، س، وانظر طبقات الشعرانى ١٢/٢
(٥) ساقط من: ز، ود فى الموضع الأول، وهو فى : المطبوعة ، س ، د فى الموضع الثانى.
(٦) ساقط من: ز، د فى الموضع الأول، وهو فى: المطبوعة، س، دفى الموضع الثانى.
(٧) فى د الوضع الأول، ز: ((ولى الله))، والمثبت في المطبوعة ، س، د الموضع الثانى.
. ( ٦/١٧ - طبقات )
- ٢٥٨ =
أحمد بن [أبى] (١) الخير اليَمَنِىّ، المعروف بالصَّيَّاد، (وهو من أولياء الله يبلاد اليمن،
أراه فى حدود الخمسين والخسمائة٢) (٣أنه رأى فى بعض الأيام، وهو ٣) قاعد أبواب السماء
مُفْتَّحَة، وإذا بِعُصْبَةٍ من الملائكة قد نزلوا إلى الأرض، ومعهم خِلَعٌ خُضُر، ودابة
من الدواب ، فوقفوا على رأس قبرٍ من القبور، وأخرجوا شخصاً من قبره، وألبسوه الخَلَعَ
وأرْ كَبوه على الدَّابَّة، وصعدوا به إلى السماء، ثم لم يزالوا يصعدون به من سماء إلى سِماء،
حتى جاوَزُوا(٤) السَّبْحَ السموات(٥) كلَّهَا، وخَرَق بعدها سبعين حجابا.
قال: فتعجَّبْت من ذلك، وأردت معرفة ذلك الراكب، فقيل لى: هو الغَزَّالِيّ،
ولا عِلْمَ لى (" إلى أين بلغ انتَهَاؤُها)
قلتُ : فإذا كان هذا كلامَ أهلِ الله، ومَرائِهم فى هذا الخبرْ، وقد قدَّمْنا كلامَ
أهل العلم من معاصريه، فمن بعدهم فيه ، وذكرنا اليسير من سيرته، فكيف يُبُوغ
أن يقال : إنه كاد يفسلِخ من الدين .
ولقد وقعتْ فى بلاد المغرب بسبب ((الإحياء)) فِتَن كثيرة، وتعصُّبٌ أدَّى إلى أنّهم
كادوا يحرقونه ، وربما وقع إحْراقٌ يسير ، وقد قدمنا من ذلك شيئًا .
(ذكرٍ مَنام أبى الحسن المعروف بابن حرزم)
(٢) وهو الشيخ أبو الحسن(٢) بن حِرْزهم، بكسر الحاء المهملة وسكون الراء وبعدها زاى،
وربما قيل ابن حِرازم.
(١) ساقط من: س)، وهو في: المطبوعة، د ، ز .
(٢) ساقط من المطبوعة، وحوفى: د الوضع الأول، ز، ولم يرد فى دفى الوضع الثاني، ومكانه
فى سن: (وهو من أهل اليمن، أراء فى حدود الخمين وخمسمائة)).
: (٣) ساقط من: د، وهو فى: المطبوعة، ز، س، (٤) فى المطبوعة: ( جاز» ، وفى د
((جاوز))، والمثبت فى: ش. (٥) فى د: ((سموات))، والمثبت فى : المطبوعة، في.
(٦) فى المطبوعة، د: ((بأنه بلغ الشهادة))، والمثبت فى : س.
(٧) قى س: ((وذكر أن الشيخ أيا الحسن »، والمثبت فى: المطبوعة، د.
- ٢٥٩ -
لما وقف على («الإحياء))، (١ تأمل فيه، ثم١)، قال: هذا بدعة، مخالف السنة.
وكان شيخاً، مطاعاً فى بلاد المغرب، فأمر بإحضار كلِّ مافيها من نُسَخ ((الإحياء))،
وطلب من السلطان أن يُلْزِمِ الناس بذلك، فكتب إلى النواحِى، وشدّد فى ذلك، وتوَمَّد
من أخفَى شيئاً منه، فأحضر الناس ما عندهم ، واجتمع الفقهاء، ونظروا فيه ، ثم أجموا
على إحراقه، يوم الجمعة، وكان ذلك(٢) يوم الخميس.
فلما كان ليلة الجمعة، رأى أبو الحسن المذكور فى المنام، كأنه دخل من باب الجامع ،
الذى عادته بدخلُ منه، فرأى فى ركز المسجد نوراً، وإذا بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلم،
وأبى بكر، وعمر، رضى الله عنهما، جلوسٌ، والإمام أبو حامد [الغَزَّالِيّ](٣) قائمٌ"،
وبيده ((الإِحياء))، فقال: يا رسول الله، هذا خَصْعِى. ثم جها على ركبتيه، وزحف
عليهما؛ إلى أن وصل إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فناوله كتابَ (( الإحياء))، وقال:
يا رسولَ الله، انظُرُ فيه، فإن كان بدعةً مخالفاً لسُنَّتَك، كما زعم، تُبْتُ إلى الله تعالى ،
وإن كان شيئاً تستحسِنُهُ، حصَل لى من يركتِك، فأنْصِفْنِى من خَصْمِى.
فنظر فيه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم ورقةً ورقةً، إلى آخره، ثم قال: واللهِ
إن هذا شى حسّن .
ثم ناوله أبا بكر ، فنظر فيه كذلك، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحقِّ ، يا رسولَ الله:
إنه لحسن(٤).
ثم ناوله عمر ، فنظر فیہ کذلك ، ثم قال كما قال أبو بكر .
فأحر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بتجريد أبى الحسن من ثيابِه، وضَرْ بِهِ حَدَّ المُفْتَرِى.
فجُرِّدٌ، وضُرِب ، ثم شفَع فيه أبو بكر بعد خمسة أسْواط، وقال: يا رسول الله،
إنما فعل هذا) اجتهاداً فى سنَّتِك، وتعظيما، (٦ فعفا عنه؟) أبو حامد عند ذلك.
(١) فى المطبوعة: ((وتأمله))، وفى د: ((تأمله))، والثبت فى : س.
(٢) فى س: ((اجتماعهم))، والمثبت فى: المطبوعة، د. (٣) ساقط من المطبوعة، وهو فى :
د، س . (٤) فى المطبوعة: ((حسن))، والمثبت فى: د، س. (٥) فى المطبوعة: « حصل ذلك
منه))، وفى د: ((فعل ذلك))، والمثبت فى: س. (٦) فى س: ((فغفر له»، والمثبت فى المطبوعة، د.
- ٢٦٠ -
فلما استيقظ من سهمِه، وأصبح، أعلم أصحابَه بما جرى، ومكث قريباً من الشهر
متألّاً من الضَّرْب . ثم سكَن عنه الألم، ومكث إلى أن مات ، وأثرُ السِّيَاط على ظهره ،
وصار ينظر كتاب ((الإحياء))، ويعظِّه، ويبجِّله(١)، أصلًا، أصلًا.
وهذه حكاية صحيحة ، حكامها (٣ لنا جماعة من ثقات مشيختنا، عن الشيخ العارف
ولىِّ الله ياقوت الشَّذِلىّ(٣)، عن شيخه السيد٢) الكبير، ولِيّ الله تعالى أبى العباس المُرْسِىّ،
عن شيخه الشيخ التكبير وَلِيّ الله أبى الحسن الشَّذِلِىّ، (٤رحمهم الله تعالى أجمعين)
﴿رسالة الإمام حجّةِ الإسلام رضى الله عنه،
التى كتبها إلى [بعض](٥) أهل عصره )
وفضها(٦) :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتََّّين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد، وآله، وصحبه أجمعين .
أما بعد :
فقد انتسَج بينى وبين الشيخ الأجلّ"، معتمد الملك، أمين الدولة، حرس الله تأيدَه،
بواسطة القاضى الجليل الإمام مروان، زاده الله توفيقا، من الوداد، وحسن الاعتقاد ،
ما يجرى مَجْرَى القرابة، ويقتضى دوامَ المكاتبة والمواصلة، وإنى (٧لا أصِلُه(٧) بصِلةٍ
(١) فى د: ((وينجله))، وفى س: ويفتحله))، والمثبت فى المطبوعة، ومن معانى نجله: أظهره
انظر القاموس (ن جل). (٢) مكان هذا فى المطبوعة، د: ((الشاذلى عن شيخنا))، والمثبت فى
س. (٣) هو ياقوت بن عبد الله العزشى الحبشى، تلميذ أبى العباس المرسى، توفى سنة سبع وسبعمائة
وذكر ابن حجر أنه توفى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. الدرر الكامنة ١٨٣/٥، طبقات الشعرانى٢٠/٢
(٥) ساقط من : س وهو فى : المطبوعة، د.
(٤) زيادة من: س، على ما فى: المطبوعة، د.
(٦) فى د: ((مانصه))، وفى س: ((كتب رحمه الله مانصه))، والمثبت فى المطبوعة.
(٧) فى المطبوعة: ((لأصله»، والصواب فى: د، س.