Indexed OCR Text

Pages 321-340

- ٣٢١ -
وقال للفقير: إن خليفة رجل كبير فى نفسه، مُستَنكِفٍ(١) من مواكَلَتِك، فتقدَّمْ إِلىَّ.
وأخذ يُواكِله.
وخُكِى عنه، أنه كان بِهَمَذَان، وقدِمٍ عليه ابْنُه مُؤيِّدً الُلك، مِن بَلْخ، فإنه كان
اسْتَقْدَمه ليُنْفِذِه(٢) إلى بغداد حين زوَّجه، فدخل عليه ووقف بين يديه ساعةً، وقضى
لِلنَّاس حوائجَهم، فلما أذَّن المؤَّذِّن لصلاة الظُّهر، وتفرَّقَ النَّاسُ نظر إلى ابْنِهِ، واستدْنَ.
نجعل يُقبَّل الأرضَ ويدنُو، فضََّّه إليه، وقَبَّل بين عَيْنَيْه، وقال له: يا ◌ُبَنِىّ، توجّه
إلى بيتِك إلى بغداد، فى ساعتك هذه. فودَّعه، وقَبَّل يدَه وسار من ساعتِه.
والتفت نظام المُلك إلى مَن عنده، وقد تفرْ غَرَتْ عينُهُ بالدُّموع ، وقال: إن عيشَ أحدٍ
البقَّالين أسلحُ من عِيْشِى، يُخْرُجُ إلى دُكَانِهِ (٣) نُدْوةً ويُرُوحِ عَشِيَّة، ومعه ما قُسِمٍ له
من الرِّزْق، فيجتمعُ هو وأولادُه على طعامِهِ، وَيُسَرُّ بقَرَ بِهِم مِنه، وحضورِ م معه، وهذا
وَلدِى، ما رأيتُهُ مُنْذُ وُلِهِ، غيرَ أوقاتٍ يسيرةٍ (٤)، وقد نشأ هذا الَنْشأ، وما يظهر
على ما عندى من اُلْخُوّ والشَّفتة، فتَهَارى بين أخْطار، (° وتكلُّف، ومشَاق٥) ، وليلى
بين سَهْرٍ وفِكْر، تارةً احدْ بير الملك والبلدان، ومَن أُرَتَّب فى كل صُفْع ومكان، وما يُخْرُج
لكلّ واحدٍ من العطاء، والإحسان، وكيف أرْضِى هذا الشُّلطان، حتى يميل إلىّ،
ولا يتغيَّر علىَّ، وبأىِّ أمرٍ أدفعُ شرَّ مَن بَقصِدُنى، فمتى يكون لى زمانٌ أَلْتَذَّفيه بنعمِى،
وأستدرِك أفعالى بما ينفعنى عند لقاء ربّ، وبكى بكاء شديدًا.
وقال أبو الحسن محمد بن عبد الملك الهَمَذَائيّ: قدِم(٦) نظام الملك إلى بغداد مرَّتَيْن،
وكان يُباكِرِ دارَ السُّلطان، ويعود من الدِّيوان إذا أضْحى النّهار، فيخْلُو بنفسِه إلى وقت
(١) فى الطبقات الوسطى: ((يتكف)).
(٢) فى الطبقات الوسطى: «لينفذ به)).
(٣) فى المطبوعة: ((مكانه))، والمثبت فى: د، ز، والطبقات الوسطى.
(٤) فى الطبقات الوسطى بعد هذا زبادة: ((العدد)). (٥) فى الطبقات الوسطى: ((وتكاف
مشاق)). (٦) فى الطبقات الوسطى: «ورد)».
(٤/٢١ طبقات ) :

- ٣٢٢ - .
الظُّهر، ويُصلِّى، فيجلس، ويحضر الناس، ويُقْرَأ بين يدَيْه جُزء من الحديثِ، على شيخٍ
كبيرٍ غالى السَّنَد(١)، ويُكرِمه، و يجلِسه إلى جانبه، ويتكلّم الفقهاء فى المسائل، ويقعد
نظام المُلْكُ مُطَاطِأُ الرَّاسِ، وهو يسمع جميعَ ما يجْرِى فى المجلس، ويسأل الحوائجَ فى أثناء
ذلك الوقت، ويجيب عنها، ويُنعم بالأموال الطائلة، والهِبات الجزيلة
ويُقال: كان يتصدَّق فى بُكرة كلَّ يوم بمائة دينار.
ولم تَبْرَح أمورُه على ما شرحناه، وفوق ما وصفناه، إلى أن خرَّج مع السُّلطان
مِن بغداد، إلى أصْبَهَان، فى شهر ربيع الأول، سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فأقام بها
شهوراً، فلما انقَضى الخرُّ(٣) توجّها إلى بغداد، فى شهر رمضان، وقد تغيَّر السُّلطانُ على نظام
المُلك بأمور :
منها ما هو من محاسن نظام المُلك، وهو تعظِيمُه لأمر الخليفة ، وكان نِظام الملك
يتقرّب بذلك إلى الله تعالى.
ولما دخل على أمير المؤمنين المقْتَدِى بالله أذِن له فى الجلوس بين يديه، وقال له: ياحسن بن
على، رضى الله عنكَ برِضَاً(٣) أمير المؤمنين عنك.
وكان نظام الملك يَسْتَبْشِر (٤) بهذا، ويفرح، ويقول: أرجو أن اله تعالى يستجيب دعاءه.
وانضم إلى ذلك أن تاج المُلك، أبا الغنائم، استَوْلَى على قلب السُّلطان، وتوصّل
إلى أن حَظِىَ بالمنزلةِ الرَّفيعة عندَّه، ولم يكن للسُّلطان من القُدْرَةِ أن يعزلَ نِظام الُك؛
لِشِدَّة اسْتِيلاء نِظامِ المُلْك على السَّلْطنة.
فلما انْفَصَلوا عن نَهَاوَنْد، وعسكروا بجانبها، فى يوم الخميس، عاشر شهر رمضان،
وحان وَقتُ الإفطار، اَّفْق فى ليلتِه قتلُ نِظامِ الْمُلْك .
(١) فى المطبوعة: ((الإسناد)) والمثبت فى: د، ز، والطبقات الوسطى.
(٢) فى الطبقات الكبرى: ((الحرب))، والمثبت من الطبقات الوسطى.
(٣) فى الطبقات الوسطى: (كرضا)).
(٤) فى المطبوعة: ((منبشرا))، والمثبت فى: د، ز، والطبقات الوسطى.

- ٣٢٣ -
﴿ شرح حال مَقْتَل نِظام المُلْك، رحمه الله تعالى)
صَلَى نِظامُ المُلْك المغربَ فى هذه الليلة، وجلس على السِّاط، وعنده خلقٌ كثير من
الفقهاء، والقُرَّاء، والصُّوفَيَّة، وأصحاب الحوائج، تجعل يذكرُ شَرف المكان الذى نزَلُوه
من أرض ◌َتَهَاوَنْد، وأخبار الوَقْعة التى كانت به بين الفُرْس والمسلمين، فى زمان أمير المؤمنين،
عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه، ومَن استُشْهِد هناك من الأعيان، ويقول: طُوبَى
لِمَنْ لَحِق بهم.
فلما فرَغْ من إِفْطاره، خرَج مِن مكانِهِ قاصداً مَضْرِب(١) حَرَمِهِ، فبدَر إليه حدَثٌ .
دَيْلَمِىّ، كأنه مُستمِيح، أو مُستغِيث، فعلِق به، وضربه، وحُمِل إلى مَضْرِب الحرَم.
فيُقال: إنه أول مقتول قتلَتْهُ الإِسَاءِيلِيَّة، المُسَمَّوْن عندنا بالفِدَاوَّيَّة، فانْبَتَّ الخبرُ
فى الجيش، وصاحت الأصواتُ، وجاء السُّلطان مَلِكْشاه حين بلغه الخبر، مُظهِراً الحزن،
والنَّحيب، والبُكاء، وجلس عند نِظام المُلْك ساعةً ، وهو يجُود بنَفْسه، حتى مات ،
فعاش سعيداً ، ومات شهيداً فقِيداً(٣) حميداً.
وكان قاتلُهُ قد تعثّر بأطْنَاب الخيمة، فلحقه مماليكُ نظام المُلْك وقتلوه .
وقال بعضُ خُدَّمه: كان آخرُ كلام نظام المُلْك(٣) أن قال: لا تقتُلُوا قإِلى ، فإنى
فد عفَوْتُ عنه ، وتشهدَ ، ومات .
قال: فمضيْتُ أنا ، فإذا هو قد قُتِل ، ولو قلتُ لما قُبِل قولى.
ثم اختلفتُ الأقاويل فى الجيش ، فمِن قائلٍ: إن الباطنيّة جهّزوا إليه مَن قتله ،
فإن ابْنَ صَباح، رأسَ الباطنيَّة فى ذلك الوقت دخل على المُسْتَنْصِرِ، صاحب مصر،فأ كرمه،
وأمره أن يَدْهُوَ إلى إمامتِه، فعاد إلى خُراسان، ونواحى الشَّرق، يُضِلُّ النَّاسِ، وأقام
(١) ضبطت هذه الكلمة فى الطبقات الوسطى فى هذا الموضع وفيما يليه بضم الميم وفتح الضاد والراء
المشددة المفتوحة ، ضبط قلم، وهو فى القاموس على وزن منبر، وفى التاج ٣٤٨/١ على وزن مجلس. قال
(٢) فى (: ((فقرا)»، وفى ز: ((فقيرا))، والمثبت
الزبيدى : ويفتح الميم : الفسطاط العظيم .
(٣) فى الطبقات الوسطى بعدهذا زيادة: ((ل)).
فى المطبوعة ، والطبقات الوسطى .

- ٣٢٤ :-
بقلمة أَلَمُوت، بناحية قَزْوِين، وأظهر الزُّهد إنواء للناس، وتسلم القلعة المذكورة بالجبل،
فبلغ نِظامَ المُلك، فأرسل له عسكراً ضايقُوه، فبعث هو لَمَّ على أنه لا يقبل له بنظام الملك
مَن قتل نِظامَ المُلْك، وصار الإقدام على القَتْل سُنَّةً للباطِنِيَّة، واستفحل أمرُ هم بعد
الصَّحب، وهذا القولُ هو الأقرب عندى إلى (١) الصِّحَّة.
ومِنَ قائل إن السُّلطان هو الذى حسَّ عليه هذا القاتلَ ، وذكروا لذلك أسباباً ظهرتْ
على السلطان، حاضاها أنه كان بينهما وَحْشَة، مِن قِبَل أن نظام الُلْك كان يُعظَّمَ أمّ
الخلافة(٢)، كما قدمناه، وكلَّما أراد السُّلطان نزْعَ الخليفة منَعَه النّظام، وأرسَلَ فى الباطن
إلى الخليفة يُنبّه، ورشِده إلى استمالة خاطر الشُّلطان، ولم يكن النّظام يفعل ذلك
إلا بديُّناً، وذَبًّا عن (٣ جَرِيم الخلافة(٣) ، وإلَّا، فقد كانت حالتُهُ وحِثْمَتُه أضعافَ أحوال
الخلفاء.
وفى حدود سنة سبعين، لما فهم النّظام التغير مِن السُّلطان على الخليفة، أرسل إلى
الخليفة، وأشار عليه بأن يخطب ابْنَةَ السُّلطان؛ ليُنْسَج الودُ بينهما، خطَبَهَا، وكان
السَّغَيْرَ بَيْهما الشيخ أبو إسحاق الشِّيرَارِىّ(٤) صاحب (التّنبيه)) فتزَوَّج بها، ودخل
بها، فى أول سنة ثمانين، وكان مُرْساً هائلاً، تناقَل أخبارَه المؤرِّخون، فاستمرت معه
إلى سنة اثنتين وثمانين، أرسلت" إلى والدها تشكو من الخليفة كَثْرَةَ الطِّراحه لها، فأرسل
يطلُب بفْتَه منه، طلباً لابُدَّ منه، فأرسلها الخليفة، ومعها ولدها جعفر، فذهبَتْ ، فماتت
بأسْبَهَان، فى ذى القعدة ، سنة اثنتين وثمانين .
فلما كان شهر رمضان، سنة خمس وثمانين، توجَّه السلطان من أصْبَهَان إلى بغداد ،
عازماً على تغيير الخليفة، وعرف أن ذلك لا يتمُّ له ونِظامُ المُلك فى الحياة، فعمل على
قتْلِهِ ، قبل الوصول إلى بغداد، حسبما شرحناه.
(١) فى د، ز: ((فى)، والمثبت فى المطبوعة. (٢) فى المطبوعة: ((الخليفة)»، والمثبت فى:
د، ز. (٣) في المطبوعة: ((حرمة الخليفة))، والمثبت فى : د، ز.
(٤) تقدم ذكر هذه السفارة فى صفحة ٢٢٣

- ٣٢٥ -
وكان من ذُنوب نظام الُلْك عنده، غَيْرَ (١) ما ذكرناه، استيلاء أولادِه على المالك،
وشِدَّةُ وطأتِهِ، وأنه بالآخِرة وَلَى ابْنَ ابِهِ مَرْو، فتوجَّه إليها، ومعه شِحْنَة (٢) السلطان،
نجرى بين شِحْنَة السلطان بمَرْو، وبين وَلد نِظامِ المُلك ما أغضبه عليه، فعمل ابنُ نِظام المُلْك،
وقَبَض على الشِّحْنَة، فلما بلغ السلطانَ الخبرُ غضب، وبعث جماعةً إلى نِظام المُلْك يَعْتِبُه،
ويُوَِّجُهُ، ويقول: إن كنتَ شَرِيكى فى المُلْكْ، فلذلك حُكُم، وهؤلاء أولادُك قد استَوْلى
كلُّ واحدٍ منهم على إقليمٍ كبير، (٣ ولم يَكْفِهِم٣ْ) حتى تجاوزوا أمْرَ السِّياسة. فأدُّوا الرَّسالة
إلى نظام المُلْك.
فيُقال: إنه قَوَّى نفسَه، وأخذ يُجيب بأُمور، وأنه (٤) فال فى آخر كلامه: إن كان
لم يعلَمْ أَنَّى شريكُه فى الْمُلْك، فَلْيَكم.
فاشْتَكَّ غضبُ السلطان، وعمل عليه الحيلة سِنِين، حتى تَمَّت له فى هذه السَّنة.
وُيُقال: إن أول تغيير خاطره عليه، مِن سنة ست وسبعين، وثمَّنَ كان غيَر خاطرَه عليه
فى هذه السَّنة سيِّدُ الرؤساء أبو المحاسن ابن كمال الدين(٥) ابن أبى الرِّضا، وهو رجل تقرَّب
إلى خاطرٍ السُّلطان فى هذه السنة، أعنى سنة ست وسبعين وأربعمائة، وكان أبوه كمال المُلْك
يكتبُ الإنشاء(٦) السلطان، وكان أبو المحامن هذا عنده جَراءة، فقال للسلطان: أيها الملك،
سلِّ إلىَّ فِظَامَ المُلْك، وأنا أُمِيك ألفَ ألفِ دينار، فإنهم قد أكلُوا البلاد.
فبلغ ذلك نِظامَ الْمُلْك، فد ماظاً، وأقام عليه مماليكه، وهم ألوفٌ من الأتراك،
وأقام سلاحَهم وخَيْلَهم، ودعا السُّلطان، فلما حضَر، قال له: إنى خدمْتُك، وخدمتُ
(١) فى المطبوعة: ((على))، والمثبت فى : د، ز .
(٢) الشحنة فى البلد : من فيه الكفاية
(٣) فى المطبوعة: ((ولا يكفيهم))، والمثبت فى : د، زُ.
اضبطها من جهة السلطان .
(٤) فى المطبوعة: ((فإنه))، والمثبت فى : د، ز .
(٥) فى المطبوعة: ((الملك))، والمثبت فى د، ز. وأبو المحاسن هذا هو المرزبان بن خسرو فيروز
المعروف بان دارست، وهو صهر نظام الملك، ويكنى أبا الغنائم أيضا، وقد تقدم بهذه المكنية ، انظر
شذرات الذهب ٣٧٥/٣، وفيات الأعيان ١ /٣٩٨، وسيذكرفى هذه الطبقة.
(٦) ف د، ز: ((الأشياء))، واثبت فى المطبوعة .

- ٣٢٦ -
أباك وجَدَّتْ، ولى حقُّ خدمةٍ، وقد بلغّك أخْذِى لأموالك، وصدق القائل، أنا آخَذُ
المال، وأعطيه لهؤلاء الغلمان، الذين جعلتهم لك، وأصْرِفه أيضا فى الصَّدقات، والوُفُوف،
والصَّلات، التى(١) مُعظَمَ ذِكرها لك، وأجرُها لك، وأموالى وجميعُ ما أملكُه بين يديْك،
وأنا أُقَنَعِ بُرَقَّةٍ وزاوِيةٍ .
فصفاً إليه السُّلطان، وأمر أن تُسمَل عيناً أبى المحاسن، ونَفْذِه إلى قلعة سَاوَة،
قسمع أبوه كمال الملك الخبر، فاسْتجار بنظام المُلْك، وحمل مائتى ألف دينار، وعُزِل
عن الطَّفْراء، يعنى كتابةُ السِّرْ(٢)، ووِيَّهَا مُؤْيِّدُ الْمُلْك بن نِظَامِ الْمُلْك.
ومن قائل: لم يصْفُ له البلطان باطناً، ولكن عرف عجزه عنه.
وهذه الحكاية حكاها ابن الأثير(٣)، وأظن نِظامَ المُك كان أعظم من أن يطلب منه
ألفَ ألفِ دينار، ولعل هذا المبلغ يَسِيرٌ مما يصل إليه كلَّ عام ..
ثم لم يُتَّع السُّلطانُ بعد قَتْلِ(٤) نِظامِ المُلْك، ولم يَلَذَّ له عيشٌ، بل تفكَّدتْ أخواله،
وتعلَّست أمورُ ..
وأما نِظامِ المُلْكِ، فَمِلِ مَيَّاً إلى أَصْبَهَان، ودُفِنٍ هناك بمَحِلَّةٍ له
فأما السلطان فاستمرَّ ذاهباً إلى بغداد، واستوْزَر تاجَ المُلْك أبا الغنائم، وقدِم بغداد
متمرِّضا، وهى المَقْدَمة الثالثة؛ فإنه لم يعبُرْها غيرَ ثلاث مرَّت، ووجد المُقْتَدِىَ قد جعل
ولدَه المُستظهِرِ بالله ولِيَّ العهد، فألزمه أن يعزِلَه، ويجعل ابن بنْتِهِ جعفرًا ولى العهد، وكان
طفلًا ، وأن يسلِّم بغداد له، ويخرج إلى البصرة، تكون دارَ خلافتِه، فشقَّ ذلك على الخليفة،
وبالغ فى اسْتِعِطاف مَلِكْبِباء، واستنْله عن هذا الرَّى، فلم يَفْعَل، فاستَمْهله عشرة أيَّام
ليتجهّز، فقيل: إن الخليفة جعل يصوم ويطوِى، وإذا أفطر جلس على الرّماد، ودعا على
مَلِكْشَاء، فَقَوىَ [ مرضُه](٥) ، ومات.
(١) فى الأصول: (الذى)»
(٢) فى المطبوعة: ((البشير))، والمثبت فى: د، ز: (٣) انظر النكامل ٧٠/١٠، ٠٧١
(٤) فى المطبوعة: ((مقتل»، والمثبت فى: د، ز. (٥) -ناقط من: د، ز، وهو فى المطبوعة

٠
- ٣٢٧ -
والحاصلُ أنه بعد نِظام الُلك لم يُمتَّعْ بُلْكِهِ، ولم يعِشْ غيرَ شهر واحد، وأن الوزير
تاجَ المُلْك أيضاً، وكان رجلا خيِّاً، كما سيأتى فى ترجمته(١)، لم يُمتّع .
ويُقال: مِنِ سَعادة ذِى الَنْصِب ألّا بَلِيَه بعده كُفْوٌله، فصادف أنه وَلِيَ مكان
نِظام المُلْكِ، فَقَتَه الحلقُ، مع جَوْدَتِهِ، وجرى له ما سنشْرحه إن شاء الله تعالى في ترجمته.
ووصل الخبرُ إلى بغداد، بوفاة نِظام للُلْك، جلس الوزير عميدُ الدّولة للعزاء، وحضر
النَّاس على اختلاف طبقاتهم .
ورأى صاحب ((العدة)) الحسينُ الطََّرِىّ فى منامه، حين تُوُفِّىَ نِظامُ المُلْك مكتوباً
على أَدِيم السماء بالنُّجوم: رُفِع العدل عن أهل الأرض.
ورآء آخَرُ فى المنام، وهو مُتَوَّجٍ(٢) بتاجٍ مُرصَّع بجوهى(٣) قال: فقلتُله: بأىّ شىءٍ
بلغتَ هذه المنزلة؟
فقال : بفضل الله وحده.
ومات نظام المُلْك ، وله سبع وسبعون سنة .
﴿ومن الرواية، والفوائد عن نظام المُلْك)
أخبرنا عبد الغالب محمد بن عبد القاهر الما كِسِنِىّ (٤) بقراءتى عليه، بدِمَشق ، أخبرنا
عبد المنعم بن يحيى بن إبراهيم الزُّهْرِىّ الخطيب، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبى العالى
عبد الله بن جامِع بن البَنَّاء الصُّوفىّ، فى سنة ثمان وسمائة، أخبر نانصر بن نصْر العُكْبَرِىّ،
أخبرنا نظام المُلك أبو على الحسن بن على بن إسحاق الوزير، أخبرنا أبو بكر أحمد بن منصور
ابن خلف، أخبرنا أبو طاهر بن خُزيمة، حدَّتنا محمد بن إسحاق الَّرَّاج، حدثنا قتيبة،
(٢) فى المطبوعة . (يتوج)) ،
(١) فى هذه الطبقة بالم المرزبان بن خسرو فيروز .
(٣) فى الطبقات الوسطى: ((بالجواهر)» ..
والمثبت فى : د، ز ، والطبقات الوسطى .
(٤) فى المطبوعة: ((الماكنى))، والكامة غير واضحة فى: د، ز. والماكينى، بفتح الميم
وسكون الألف وكسر الكاف والين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفى آخرما نون، هذه النسبة
إلى ما كين، وهى مدينة بالجزيرة على الخابور. الباب ٨٥/٣. وهو مترجم فى الدرر الكامنة ٣٨٥/٢

- ٣٢٨ -
حدثنا مالك بن أنس، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سُليم الأنصارِىّ؛
عن أبى فَتَادَة السُّلَمِىّ: أن رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلم، قال: ((إذا جاءَ أَحَدُ كُمُ الْمَسْجِدَ
فَلْيَرْكَحْ رَكْمَتَيْنٍ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ)).
قال أبو سعد بن السَّمْعَانِ: قرأت فى كتاب ((سِرْ" السُّرور)) لصديقنا القاضى
أبى العلاء محمد بن محمود الفَزْنَوىّ(١)، أن نِظام الملك صادف(٣) فى سَفَر رجلاً فى زِيِّ
العلماء، قد مَّهِ الكَلال، فقال له: أيها الشيخ، أعَيِيتَ، أم أعْيَيْتَ؟
فقال: أعْيَبْتُ .
فتقدَّم إلى حاجبه (٣)، بتقديم بعض الجنائب إليه، والإصلاح من شأنه، وأخذ
فى اضْطِناعه .
وإنما أراد بسُؤالِه اختيارَه، فإنَّ عَسِىَ: فى اللسان، وأعْسَى: كَلَّ وَأَعِب
قال أبو الخير دُلَف بن عبد الله بن محمد الثَّبَان(٤) البَغْدَادِىّ: سمعت الإمام عبد الرَّحيم
ابن الشَّافِعِىّ القَزْوِبِيِىّ، بقَزْوِين، بقول: دخل أبو على القُومَسَائِّ (٥) على نظام المُك
أبى علىّ الوزير، فى مَرْضَةٍ مَرِضها ، يعودُه، فأنشأ يقول:
فإن شُفِينا فَمنَّا الزَّيْغُ والزّاَلُ
إِذَا مَرِضْنَا نَوَيْنَا كِلَّ صالحةٍ
ترجُو الإله إذا خِفْنا وبُمْخِطُه. إذا أُمِنَا فِما يزْكُو انا عَمَلُ
فبكَى نِظام المُلك (٦) وقال: هو كما يقول.
(١) فى المطبوعة، د: ((المهدوى))، والكلمة فى ز غير واضحة، واثبت فى الطبقات الوسطى.
والغزنوى ، بفتح الفين وسكون الزاى وفتح النون وفى آخرها واو، نسبة إلى غزنة ، وهى مدينة من
أول بلاد الهند. اللباب ٠١٧١/٢ وفى كشف الظنون ٩٨٧/٢: أنه ألفه فى ذكر شعراء زمانه.
(٢) فى د، ز: ((صادق))، والمثبت فى المطبوعة، والطبقات الوسطى:
(٣) فى الطبقات الكبرى: ((حاجته))، وانثبت فى الطبقات الوسعلى:
(٤) فى الطبقات الكبرى: ((اليان))، والمثبت فى الطبقات الوسطى. وهو يفتح التباء نسبة إلى
بيع التبن، وبضمها اسم سراويل لا ساق له يلبه الملاحون - الباب ١٦٨/١.
(٥) قومسان : من نواحى همذان، وأبو على القومانى هو أحمد بن محمد بن على. معجم البلدان ٢٠٢/٤
(٦) بعد هذا فى الطبقات الوسطى زيادة: ((بكاء شديدا)).

- ٣٢٩ -
٣٨٤
الحسن بن على بن محمد بن إسحاق بن عبد الرحيم بن أحمد*
الأستاذ أبو علىّ الدَّفَّاق
شيخ الأستاذ أبى القاسم القُشَيْرِىّ .
تفقَّه على الخِضْرِىّ والقَفَّال .
وسحب فى التّصوُّف أبالقاسم النَّصْرَ ابَذِىّ.
وسمع الحديثَ من أبى عمرو بن ◌َمْدان، وأبى اَلهَيْثَم محمدبن مَكَِّ الكُثْمِيَمَِىّ(١)،
وأبى علىّ محمد بن (٢ عمر الشَّبُّوبى(٢)، وغيرهم.
روَى عنه القُشَيْرِىّ وغيره .
قال عبد الغافر: هو لسان وقته، وإمام عصره، نَيابُورِىّ الأصل، تعلَّ العربيّة،
وحصَّل علمَ الأصول، وخرج إلى مَرْو، وتفقّه بها على الخضْرِىّ، وبرَع فى الفقه، وأعاد
على الشيخ أبى بكر القفَّال الَرْوَزِىّ، فى درس اِلِضْرِىّ.
ولما استمع(٣) ما يحتاج إليه من العلوم، أخذ فى العمل، وسلَك(٤) طريق التَّصوُّف (٥)،
وسحب الأستاذ أبا القاسم النَّصْرَابَذِىّ.
# له ترجمة فى: تبيين كذب المفترى ٢٢٦، شذرات الذهب ١٨٠/٣، العبر ٩٣/٣، النجوم
الزاهرة ٢٥٦/٤.
(١) بضم أولها وسكون الشين وكسر الميم وسكون الياء تحتها نقطتان وفتح الهاء وفى آخرها نون،
هذه النسبة إلى قرية من قرى مرض القديمة، وقد خربت - الباب ٠٤٢/٣
(٢) فى المطبوعة: ((عمرو النوى»، وفي د: ((عمر الشبوى»، والمثبت فى : ز ، وهو بفتح
الثين المعجمة وضم الباء الموحدة المشددة وبعدها واو وفى آخرها ياء مثناة من تحتها، هذه النسبة إلى
شبوية، وهو اسم لبعض أجداد المنقسب إليه. الباب ٢ /١٠، وهو فيه: ((أبو على أحمد بن عمر))،
وجاء فى المشتبه ٣٩٠ كما جاء فى الطبقات: ((محمد بن عمر)).
(٣) فى المطوعة: ((جمع))، والمثبت فى: د، ز، والطبقات الوسطى.
(٤) فى المطبوعة بعد هذا زيادة على ما فى: «، ز، والطبقات الوسطى: ((فى)).
(٥) فى د، ز: ((التصرف))، والمثبت فى المطبوعة ، والطبقات الوسطى.

- ٣٣٠ - .
وكان الأستاذ أبو علىّ لا يستند إلى شىء، كأنه يُمُوِّد نفسَه تَرْكُ الرَّفاهية ..
قال الأستاذ أبو القاسم القُشَيْرِىّ(١): كنتُ فى ابتداء وُصْاتى بالأستاذ أبى علىْ عُقِد
لىَ المجلسُ فى مسجد الُطَرِّزِ، فاستأذنتُهُ (٢ وقتَ الخروج٢) إلى أَساً، فأذن لى، فنكنتُ
أمشى معه يوماً فى طريق لمجلسه، خطر ببالى: (٣ليتَه ينوب عنّى فى الأسبوع يومَيْن(٢)،
بل ليتَه يقتصر على يومٍ واحد (٤فى الأسبوع)
فالتفتَ إلىَّ، وقال: إن لم يُمْكنى فى الأسبوع يومَيْن أنوبُ مرَّة واحدة
خشيتُ قليلًا، نخطر لى شىء ثالث، فالتفتَ إلىّ، وصرَّح بالإخبار عنه(٥) على القطع .
توقّىَ فى ذى الحجّة، سنة خمس وأربعمائة، ووهِمٍ من قال: سنة ست (٦).
﴿ومن كلامه)
أنبأنا الحافظ أبو العباس بن الظفّر، بقراءتى عليه، أخبرنا أحمد بن هبة الله بن عساكر،
بقراء تى [ عليه](٢)، أخبرنا الإمام شهاب الدين أبو بكر القاسم بن الإمام أبى سعد عبد الله
ابن عمر بن الصَّفَّار، إجازة، أخبرنا جَدِّى عصام الدين أبو حفص عمر بن أحمد بن منصور
ان الصَّفَّار، سماعاً عليه، قال: سمعتُ جَّدِّى ابنَ الغارِسِىّ، يقول: سمعت أبا القاسم
الْمُشَيْرِىّ، يقول: سمعتُ الأستاذ أبا علىّ الدَّفَّاق، يقول: من اسْتهان بأدبٍ من آداب
الإسلام ◌ُورقِب بحِرْ مان السُّنَّة، ومن ترك سُنَّةً عُوقِب بحِرْمان الفريضة؛ ومن اسْتهان
بالفرائض(٨) فَيَّض الله له مبتدِعاً يذْكُر عنده باطلاً، فُورِع فى قلبه مُبْهةً
(١) نقل ابن ماكر هذا القول في تبين كذب المفترى ٠٢٢٧ (٢) فى التبين: ((وقتا للخروج)).
(٣) ورد مكان هذا فى التبيين: «ابنه ينوب عنى فى مجالسى أيام غنيتى، فالتفت إلى، وقال: أنوب
عنك أيام غيبتك فى عقد المجلس فديت قليلا، فخطر ببالى أنه عليل يشق عليه أن يتوب عنى فى الأسبوع
(٤) ساقط من المطبوعة، وهو فى: د، ز، والطبقات الوسطى، وتبين كذب المفترى.
یومین» .
(٥) فى الطبقات الكبرى: ((به.)»، والمثبت فى الطبقات الوسطى والتبيين.
.(٦) قال بهذا الذهى فى المبر، وإن العماد فى الشذرات، وأورده ابن تغرى بردى فى النجوم
الزاهرة فى وفيات سنة اثنتي عشرة وأزسائة. (٧) ساقط من: د،ز، وهو فى المطبوعة.
(٨) فى المطبوعة: ((بالفريضة»، والمثبت فى: د، ز، والعلاقات الوسطى.
٠٠

- ٣٣١ -
قال أبو علىّ فيما رُوِى مِن قولِهِ صَلَّى الله عليه وسلَّ: (( مَنْ أَكْرَمَ غَنِيًّا لِنَهُ ذَهَبَ
ثُلُنَا دِبنِهِ)): إنما ذلك لأن المرأ بقَنْبِهِ، ولانِهِ، ونفسِه، فإذا تواضع لغَيِىٍّ بلسانِه
ونفسِهِ ، ذهب ثُلُقَدِينِهِ، فإن اعتقد فضلَه بقْلِه كما تواضع له بلانِهِ ونفسِهِ ، ذهب
دینُهُ كُلُّه .
وقال: تكلَّم الناسُ فى الفقه والغِنى، أبُّهما أفضلُ؟ وعندى: الأفضل أن يُعطَى الرَّجُلُ
كفايته ، ثم يُصان فيه .
٣٨٥
الحسن بن محمد بن العبّاس، القاضى، الإمام الجليل، أبو عَلىّ الرَّجَاجِىّ"
أحد أمَّة الأصحاب .
لم أجِد له ترجمةٌ تَشْفى الغليل.
وقد كان أجلّ ، أو من أجلِّ تلامذة أبى العباس ابن القاص ، ومن أجلِّ مشايخ القاضى
أبى الَطَيِّبِ الطَّرِىّ.
قال الشيخ أبو إسحاق: له كتاب ((زيادة المفتاح(١))) وعنه أخذ فقهاء آمُل.
قلتُ: وله أيضا (( كتاب فى الدَّور)» علَّه عن ابن الغاصّ.
قلتُ: وأراء تُؤُفِّىَ فى حدِّ الأربعمائة، إمَّا قبلَها، وإما بعدَها ، ولعلى الأشبه أن يكون
قبلَ الأربعمائة، ولذلك ذكرناه فى الثالثة(٢)، ثم أعدْنا ذكرَه هنا، اسْتِظْهاراً.
وقد وقع انا حديثه، لأنه روى عن شيخه ابن القاص، جزءا « فى الكلام على حديث
ابی عمر )).
* له ترجمة فى : طبقات الشيرازي : ٩. طبقات ابن هداية الله ٣٦
(١) فى أصول الطبقات الكبرى: ((الفتاح))، والتصويب من طبقات الشيرازى، وكشف الظنون
٥١٧/١، ١٢٦٩/٢، واسم الزيادة، ((التهذيب))، وهى زيادة على (المفتاح فى الفروع)» لأبى
العباس أحمد بن القاص. (٢) الجزء الثالث ، الصفحة ٢٦٥.

- ٣٣٢ -
﴿ومن الفوائد، والغرائب، عنه رحمه الله تعالى )
( قال فى مسائل ((الدُّور)): أصل هذه المسائل كلَّما قوله تعالى ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِى
فَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاَتَا﴾(١) فَيَّ مَن نَقَض شيئًا بعد إثباته له ، فدلَّ أن كلّ
ما أدَّى إثباتُه إلى نَقْضِه باظل:
إذا قإَِم الوصىُّ الورنةَ، وأخذ الثُّلثَ الموصى به لغير مُعَيَّنين، فتِلِف فى يده.
قال أبو عَلىّ الرُّجَاجِىّ: ليستْ هذه القِسْمة إلى الوَصِىّ، كما ليس إليه القسمة فى حقّ
الغائب، ويُؤْتَن(٢) فى ولا يته، فإذا قَلِف المالُ؛ فإن كان بغير تَعْدِية فتصير القسمة كأن لم
تكُن ، فيخرج الثُّلت ثانياً .
وقال أبو علىّ التَّقَفِىُّ: محَّتَ القِسمة، وبطلت الوصيّةُ ..
نقله القاضى أبو سند فى (الإِشْرَاف))، والقاضى شُرَيع فى (أدب القضاء)
ورجّح أبو سَعْد قولَ التَّقَفِىْ، وقال: هو كز كاة واحدٍ ، دفعها إلى العامل، فقطِفت
فى بده مِن غير تفريط .
٣٨٦
الحسن بن محمد بن الحسن، أبو علىّ السَّاوِىّ(٣)
الفقيه، المتكلّم على مذهب الأشْعَرِىّ.
حدَّثْ بدِ مَشْق عن أبى طالب بن غَيْلان، وأنِى ذَرْ الْهَرَوِىّ، وغيرهما.
روّى عنه نصر المُقْدِسِىّ، وهو من أقرانه، وغيرُ ..
تُؤُفَّىَ فى ذى القعدة ، سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، عن ست وسبعين سنة
(١) سورة النحل ٩٢٪
(٢) فى المطبوعة: ((وبين من))، والكلمة فى ذ، ز
ير
(٣) بفتح السين المهملة وبعد الألف واو ، هذه التـ
واضحة ، ولعل ما أثبتناه هو الصواب.
إلى ساوة، مدينة بن الرى وهمذات الباب ٠٢٥/١.

- ٣٣٣ -
٣٨٧
الحسين بن أحمد بن على ، أبو عبد الله بن البَقّال، أبو عبدالله(١)
تفتَّه على القاضى أبى الطَّيِّب.
قال ابن النَّجَّار: وكانت له مقامات سفِيَّة فى النَّظر والجدال، وكان فقيها فاضلا،
بارعا، كاملا، مُدقّاً، حسنَ النَّظر، مُحقّقًا، جميل الطّريقة، زاعدا، مُتعبدًا، عفيفاً،
نَزِهاً(٣)، على طريقة السَّلف.
وَلِيَ القضاءَ بحريم دارِ الخلافة، عن أبى عبد الله الدَّامَغَافِّ.
مولده سنة إحدى وأربعمائة، ومات فى الحادى والعشرين من شعبان ، سنة سبع
وسبعين وأربعمائة .
٣٨٨
الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم، باللام، الشيخ الإمام،
أبو عبد الله الْحَلِيمِى*
أحدُ ائْمَّة الدهر، وشيخ الشافعيِّين بما وراء النّهر.
قال فيه الحاكم: الفقيه، القاضى، أبو عبد الله بن أبى محمد، أوْ حَدُ الشافعيِّين بما وراء
النَّهر(٣)، وأنْظَرُهم بعد أُستاذَيْه أبى بكر القفَّل، وأبى بكر الأُودَبِّ.
قدِمِ نَيْابور سنة سبع وسبعين حاجًّا، فَدَّث، وخَرَّجْتُ (٤) له الفوائدَ، ثم قدِمها
سنة خمس وثمانين رسولاً من السلطان، فقدْنا له الإملاء، وحَدَّث مُدَّةَ مُقَامِهِ بنَيْابور.
(١) ورد اسمه فى د، ز: «الحين بن محمد»، والمثبت فى المطبوعة ، والطبقات الوسطى،
وهو الموافق الترتيب الأبجى، وقد جاءت كنيته مكررة هكذا فى الأصول.
(٢) فى المطبوعة: ((تريها)»، والثبت فى: د، زى، والطبقات الوسطى.
* له ترجمة فى : البداية والنهاية ٢٤٠/١١، عذرات الذهب ٠١٦٧/٣ طبقات المادى ١٠٥،
طبقات ابن هداية الله.٤، المجر ٨٤/٣, باب ٢١٣/١، المنتظم ٢٦٤/٧.
(٣) بعدهذا فى الطبقات الوسطى زيادة: ((وآدبهم)).
(٤) هذا الضبط من الطبقات الوسطى، ضبط قام.

- ٣٣٤ -
وروى عنه الحاكم، وعن أخيه أبى الفضل الحسن بن أبى محمد الحسن الحليمى، فى
ترجمة الشيخ أبى عبد الله، ثم قال: تُوُفِّىَ الحاكمُ العالم أبو عبد الله الخَلِيمِى فى سنة
ثلاث وأربعمائة .
- قلتُ : ومولده سنة ثمان وثمانين(١) وثلاثمائة، وكذلك مولد أخيه أبى الفضل
الحسن، ولذا فى سنة واحدة، يبُخَارى، كذا ذكره(٢) الحاكم فى ترجمة أبى الفضل.
قال: وأبو عبد اللهُ مِن حُرَّة جُرْجَانية، وأبو الفضل مِن جارية تُرْكِيَّة.
قال : وأبو عبد الله حدَّث، وَقَضَى فى بلاد خُراسان ..
قلتُ: وروى عنه أبو سعد الكَنْجَرُوِذِىّ [ ذلك](٣) وقد وقع لنا حديثه من
طريقه .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، بقراءتى عليه، أخبرنا أحمد بن هبة الله بن عساكر،
بقراءتى عليه، أجازنا(4) أبو زَوْح، أخبرنا زاهِرِ بن طاهِرِ، أخبرنا الإمام أبو سعيد(٥)
محمد بن ("عبد الرحمن بن محمد بن٦) الشيخ الإمام أبو عبد الله الحسين بن (٣)الحسن بن٧)
محمد الْحَلِيمِىّ، أخبرنا أبو بكر بن محمد بن حَمْدان الصَّيْرَفِىّ، حدثنا أحمد بن الحسين،
أخبرنا مُقاتِل بن إراهيم، حدثنا نوح بن أبى مريم، عن يزيد الرَّفَاشِىّ(٨)، عن أنَّى:
رضى الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لِصَاحِبِ الْقُرآنِ دَعْوَةٌ
مُسْتَجَابَةٌ عِنْدَ خَتْمِهِ)).
تَفَرَّد به نوح بن أبى مريم، وهو نوح بن يزيد، قاضى مَرْو، الجامع، أبو عِصْمة.
(١) هكذا ورد فى الأصول، ولا يستقيم هذا مع ما تقدم من أنه قدم نيابور سنة سبع وسبعين،
وقد ذكر ابن الأثير فى الباب .ولده سنة ثمان وثلاثين. (٢) فى الطبقات الوسطى: ((ذكر)».
(٤) فى المطبوعة: ((أخبرنا))، والمثبت فى : د، ز.
(٢) ساقط من الطبقات الوسطى.
(٥) فى الأصول: «سعدة، والتصويب من الباب ٥٤/٣، وقد تقدم فى الجزء الثالث. انظر الفهارس.
(٧) ساقط من المطبوعة ، وهو فى : د، في .
(٦) ساقط من المطبوعة، وهو ق : د، ز .
(٨) بفتح الراء والقاف المخففة وفى آخرها شين معجمة، هذه النسبة إلى امرأة اسمها رقاش بنت.
قيس، كثر أولادها فنبوا إليها. وهو يزيد بن أبان بن عبد الله. الباب ٤٢٢/١.

- ٣٣٥ -
روَى الَّْمِذِىّ، قال أبو عبد الله الحاكم: وضَع نوح الجامع حديث فضائل القرآن
الطويل، وروَى عن الرُّهْرِى ، وعِدَّة .
وقال فيه البُخَارِى(١): مُنكَر الحديث.
قلتُ: وقد نقل ان القَطَّان، أن البُخَارِيَّ قال: كُلُّ مَن قلتُ فيه («مُنْكَر
الحديث )) فلا تَحِلّ الرِّواية عنه.
• ومن مُصنَّفَّات الْحَلِيمِىّ كتاب ((المنهاج، فى شعب الإيمان)) وهو من أحسن
الكتب ، وفيه مالصُّه: وشُرْب الخمر من الكبائر، فإن اسْتكثر الشاربُ منه حتى سكر ،
أو جاهر به، فذاك من الفواحش، فإِن مَزَّج خمراً (٢ بمثلها من الماء٢)، فذهبتْ شِرَّتُها (٣)
وشربها ، فذاك من الصَّغَارْ. انتهى .
(٤والغرابة فى قوله: ((مزج فذاك من الصغائر))".
ولعله أراد مَرْجاً يصير المجموعُ به غيرَ مُسْكِر، أما إذا مزج بالماء قدراً من الخمر،
لا يُخرجه الله بالمزْج عن كونه مُسْكِراً، فلا يظهر إلا أنه من الكبائرُ جَزْماً.
• وقال فيه أيضا: قَذْف المُحْصَات كبيرة، فإن كانت المقذُوفة أُمَّا، أو أختاً، أوامرأةً
فائتةٌ كان فاحشة، وقَذْف الصَّغِيرة، والمملوكة، والحرَّة المُتَهَتِّسكة من الصغائر.
• وقال أيضا: أمَّا (٥) الحَدْشَة أو الضَّرْبة بالعصا، مَرَّة، أو مرَّتَيْن، فمن
الصَّغار (٦).
(١) فى التاريخ الكبير، القسم الثانى من الجزء الرابع ١١١: ((ذاهب الحديث جدا)).
(٢) فى المطبوعة: ((بماء))، والمثبت فى: د، ز، والطبقات الوسطى.
(٣) فى المطبوعة: ((شدتها))، والمثبت فى: د، ز، والطبقات الوسطى. والشرة: الحدة.
(٤) ساقط من : د، ز، وهو فى المطبوعة، والطبقات الوسطى.
(٥) فى د، ز: ((إنما))، والمثبت فى المطبوعة، والطبقات الوسطى.
(٦) بعد هذا فى الطبقات الوسطى زيادة :
• ((قال الحَلِيمِىّ: لا يُزَوِّج الكافرُ ابنتَه الكافرة.
وهو خلاف المشهور فى الذهب ، الَحْكِىِّ عن النّصِّ .

- ٣٣٦ -
قال الأصحاب: إذا اشترك جماعةٌ فى قتل [واحدٍ](١) إن دَمَ كُلِّ واحدٍ منهم مُستحَقٌّ
لوّلِّ.
وقال الْحَلِيمِىّ: القِصَاصِ مِنْضُوض(٢) عليهم، فإذا قتلَ عشرةٌ واحداً، فالمُستحَق
الاولىّ الْمُشْر من دَمِ كلِّ واحدٍ، إلا أنه لا يُمكِنِ استيفاؤه، [ إلَّا](٣) باسْتِيفاء الباقى،
وقد يُستَوْفَى من المُتَعدِّى غيرُ الْمُسْتَحَقّ، إذا لمُ يُمكِنِ اسْتِيفاء المُسْتَحَقِ إلَّا به، كما إذا.
أدخل الغاصبُ المغصوبَ فى بيتٍ ضيِّقَ، واحتِجِ فى رَدِّ، إلى قَلْع الباب، وعَدْم الجدار.
وكما إذا وقع دينار (٤) فى مِحْبَرة، ولا يمكن إخراجه إلا بكثرِها، فإنها
ولذلك نظائرُ كثيرة.
قال الإمام: وكان الخليمى رجلا عظيم القدر، لا يحيط بكنه علمه إلّا غوَّاص،
والنَّصُّ عنده محمولٌ على تَرْكِ التَّعَرُّضِ للكَفَّار فيما يتْفِق بين أظْهُرِ هم
قال: ويلزمه إذا رَافَعُوا إلينا فى نفقةٍ أو مَهْر ألّا يقضِىَ بُو جِب الفَّكاح بينهم، وهذا
خَرْم عظيم، ◌ُقَرَّب صاحَبَهُ من التَّهَجُّم على الإجماع، وتضطرب به أصولُ نكَاحِ المُشْركات.
قلتُ: وقال صاحبُ «القَّتِمَّة)): لا خلافَ أن الكافرَ يُزَوِّج ابنتَه الكافرة من ذِمٍِّ؟
وإنما الخلافُ فى تزويجها من مسلم.
قال ابن الرِّفْعة: وفى ذلك نَظَر؛ لأن القاضىَ الحسين قال، قُبَيل باب الأقضية
إن الخَلِيمِىّ حَرَّج ذلك من قول الشافعى فى ((المختصر)): ((ولا يُزَوِّجهم إلا بوليٍ
وشهود مسلمين)). فرغم أن قوله ((مسلمين)) يعود إلى الجميع.
قال: ولفظ الشافىّ فى (المختصر))، فى باب شرط الدين: ((تقبل شهادتهم)»
يساعده .
(١) ساقط من المطبوعة، وهوفى: د، ز، والطبقات الوسطى.
(٢) فى المطبوعة: ((فضون))، وفى د، ز: (منصوصاً)»، والتصويب من الطبقات الوسطى.
ومنفوض أى مفرق عليهم، انظر النهاية ٣/ ٤٥٤.
(٣) ساقط من : د،از، وهو فى المطبوعة، والطبقات الوسطى.
(٤) فى المطبوعة: ((الدينار))، والمثبت فى: د، ز. والطبقات الوسطى.

- ٣٣٧ -
وتظهر فائدةُ الخلاف بين الْحَلِيمِىّ والجمهور فى مسائل :
• منها ، لو اشتركوا فى مُوضِحة(١) واحدةٍ، فهل ◌ُقتَصَّ من كل واحدٍ بقدر جميع
ما أَوْضَحِه، أو تُوزّع عليهم، ويُوضَح مِن كلٍّ بِقِسْطِهِ ؟
وفيه احتمالان للإمام، وبالأول منهما قطع فى ((التهذيب)) وهو يوافق قول الجمهور،
بخلاف الثانى.
• ومنها، لو اشتركوا فى قَتْلٍ خطأ، فإن ◌ُلنا بقَوْل الجمهور، ضُرِب على معاِلة كلِّ
واحدٍ ما يخصُّه فى ثلاث سنين؛ لأنها بدلُ النَّفْس، فأشبَه بدل النَّفْس النّاقصة، وإن قُلنا
بِقَوْل الحَلِيمِىّ ضُرِب ما يخصُّ كلَّ واحدٍ فى سنَةٍ ، كَأرْش الطَّرف.
ومنها، إذا اشتركوا فى [ قَتْلٍ](٣) خطأ، فهل يجب على كلٍّ واحدٍ كنَّارةٌ ،
أو على الكلِّ كفارةٌ واحدة ؟
فيه قولان : أولهما يوافق قول الجمهور ، والثانى قولَ الحَلِيمِىّ.
وقد عُورِض الخَلِيمِىّ فى مقالته بوجوه ثلاثة :
الأول، قال الإمام: إن اسْتِدِلالَه بالدِّية يُبْطُل بقتْلِ الرّجل(٣) المرأةَ، فإنه يُقتَل
بها ، وإذا آل الأمرُ إلى الدِّيَة لم يجبْ إلا نصفُها.
وأجاب عنه ابن الرِّفْعة، بأن نفس المرأةِ جَعَلَها الشَّرعُ مضمونةً بقصاصٍ، أو دِيَةٍ
فى نِصْف دِيَةَ الرَّجل، فَمَن الْفرد بإتلافها ضمِن كُلَّ البَدَّل، والرَّجل إذا قتلَهَا ينْفرد
بالإتلاف(٤)، بخلاف ما نحن فيه، فإنه إنما أتلف العُشْر، فوجب أن لا يضْمَن إلا نِصْف
الْقَدَّر من القصاص، كما لا يضمنُ إلا ◌ُشْر الْقُدّر من المال.
والثانى، قال الإمام: قوله ((إن الزَّائد يُسْتَوفى تبعاً)) باطل، كما لو قطع شخصٌ بداً
(١) فى المصباح المنير ٨٢٧: ((وأوضحت الشجة بالرأس: كشفت العظم، فهى موضحة)».
(٢) ساقط من : د، ز ، وهو فى المطبوعة .
(٣) يعد هذا فى د، ز زيادة معترضة هكذا: ((وقد عورض الحليمى)).
(٤) بعد هذا فى الطبقات الوسطى زيادة: ((فلم يلزمه إلا ما ضمنه الشرع به)).
(٤/٢٢ طبقات)

- ٣٣٨ -
من نصف السَّاعِد؛ فإنه لا يجرى القصاصُ فيه، خوفا من استيفاء زيادةٍ على الجناية
يُجُزء يسير، فكيف يُرِيقَ تَسْمةَ أعْشار الدَّمَ مِن غير اسْتحقاقٍ لاستيفاء معُشرٍ واحد؟
وأجاب عنه ابن الرِّفْعَة، بأن القياس المَنْعُ، ولكن وجبَ حَسْم (١) مادَّةٍ إِهْدار.
النُّفُوس (٣)، وذلك مفقودٌ فى قطع نِصْفِ السَّاعِد؛ لأن القصاص مشروعٌ والحالة هذه فى
الكفِّ ، وبه تحصُل صيانةُ العُضْو عن الإهْدار، ومِصمته.
قال فى ((المَطْلب)): وهذا الجواب لا مَحِيضَ عنه.
والثالث، ذكره ابن الرِّفعة فى ((الكفاية))، وهو أن الْحَلِمِّ نَفَضْ أَصْلَه، إذ
قال، فيما إذا قتلَ واحدٌ جماعةً ، وتمالاً على القائل أولياء القتيل(٣) فقتلوه جميعاً: إنه
يُكْتَفى به عن جميعهم، ولا رجوعَ إلى الدِّيّة، ◌ُحتَجًّا له بأنه فى المسألة المتقدّمة التى هى
عكس هذه، 'ُجَعَل كلُّ واحدٍ كالمُنْفَرِدِ بالقْل، فلما جُعِل كَالْنَفَرد فى الاعتداءِ، فكذلك
فى الاسْتِيفاء، فيقال لِلْحَلِيمِىّ: أنتَ لمْ يَجَعَل كُلّ واحدٍ فى تلك كالمُنْفَرِد، بل صاحب عُشْر.
قلتُ: امل الْحَلِيمِىّ لم يَبْنِ هنا كلامَه على مقانتِهِ، بل على مقالةِ الأصحاب، وإن ◌َنى
على أصْلِه ، فقد يقولُ: كما نزَّل الشارعُ مَن اْتدِى على عُشْر دم مَزْلَةَ المُعندى على كُلِّه
فى وجُوب القِصاص، كذلك يُنْزَّل مَن اسْتَوْفَى مع آخَرِ، مَنْزِلةِ الْمُنْفَرد بالاسْتِيفاء
﴿وَمن مسائل الْحَلِيمِّ)
، أنه يُستَحِب الغُسْلُ لكلِّ ليلةٍ من رمضان .
ـّة)).
• وأن التىْ إذا خَرج غير مُتغيّ (٤)، فهو طاهر كالإِنْفَحَةَ(٥)، وكذلك فى ((الّ
والمجزوم به فى الرّافىّ، و((الروضة)) أن القّىءَ حِسٌ، مِن غير تفْصيل
(١) فى الطبقات الكبرى: ((تختيم))، والمثبت فى الطبقات الوسعفى.
(٢) بعد هذا فى الطبقات الوسطى زيادة: ((وطلب عصمتها أوجب ذلك فيما نحن فيه
(٣) فى المطبوعة: ((القتلى))، والمثبت فى : د ، ز .
(٤) فى الطبقات الكبرى: ((متعد)»، والمثبت فى طبقات العادى ١٠٦.
(٥) الإنفحة لكل ذى كرش: شىء يتخرج من بطنه أصفر، يعصر فى صوفة ميلة فى البن
فيغلظ كالجبن . المصباح المنير ٧٥٤.

- ٣٣٩ -
• وأن الإنسان إذا خرج منه ريح، فإن كانت ثيابُه رَطْبة تَنجَّستْ، وإن كانت
يا بسةً فلا .
• وكذا قال القاضى: لو أصاب دُخان النَّجاسة ثوباً، فإن كان رَطْباً نجْسه، وإن
كان يابساً فوجْهَان .
• ولو دخل الإِصْطبل، ورَانَت الدَّوابُ، وخرج منها دُخَن، فإن أصاب ثوباً رَطْباً
نجّه ، أو يابساً فوجهان.
﴿ومن غرائب الْحَلِيمِىّ أيضاً﴾
قوله(٦): إنا إذا قلنا بإباحة الدُّفِّ، فلا يجوز قَاطِيه إلا لِنِّساء.
والجمهور لم يُفرِّفوا بين الرِّجال والنِّساء.
قال الشيخ الإمام الوالد، رحمه الله: وفَرْقُ الْحَلِيمِىّ ضعيف(٥).
(١) مكان كلمة: ((قوله)) فى الطبقات الوسطى: ((ونقل البيهقى فى شعب الإيمان)).
(٢) بعد هذا فى الطبقات الوسطى زيادة :
ومن مسائله :
· أن اللعبَ بالشِّطْرَنْج حرامٌ .
ووافقه الرُّويانِيُّ على ذلك .
وقد وردتْ على والدى، أيَّده الله - فُنْيا من مُدَّة يسيرة، صُورتُها: ما قولُكم فى لِعِب
الشِّطْرَنْج، هل هو حلالٌ أو حرامٌ؟ ، ولسنا نسألكم عن مشهورٍ مذهبِكم، فقد عُلٍ أن
المشهور من مذهبكم عدمُ التحريم، بل النَّظَرَ فى الدَّليل بيْن الإنصاف، والإفتاء بعد ذلك
بما تَدِينُون به ربّ العالمين، والمسئولُ بَسْطُ الجواب، وتَبْيينُ أنه هل ليِبَ به أحدٌ من
الصحابة والتابعين؟ كما رُوِىَ أن أبا هريرةَ رضى الله عنه، وغيره من الصحابة والتابعين
كانوا يلعبون به .
فألقَى إلىّ والدى ، أيّده الله، هذا الاستفتاء، وقال: أجِبْ أنت عنه، ثم اغْرِض علىّ
ما تُجِيبُ به .

- ٣٤٠ -
فكتبتُ جواباً مبسوطا، وأوقفتُه عليه فأعجبه.
وأنا ذاكر هنا نُبْدَةً منه ليُستفاد، فأقول:
لِعِبُ الشِّطْرَنْج مكروهُ كرامةَ تْزيه، ليس بحرامٍ، ولا مستوى الطرفين. وقيل:
E
حرامٌ. وقيل: مُباحٌ لا كرامةَ فيه .
والقولُ الأول هو الذى نَدِينُ اللهَ تعالى به، وزراء الحقَّ الواضِحَ والنهارَ الجلِيَّ
وأما أنه هل لمِبَ به أحد من الصحابة أو السلف؟ فالمروِىُّ عن أبى هريرة رضى الله عنه
مشهورٌ فى كتب الفقه، وقد رواه الصُّولِىّ فى ((جزء)) جمعه فى الشَّطَرَ نْج بإسناده إليه.
وأما السَّلَفُ، رحمهم الله، فرُوِىَ عن جماعةٍ، منهم على بن الحسين، وسعيد بن المسيّب،
ومحمد بن المُمْكَدِر، والأعمش، وناجيةُ بن كعب، وعِكْرِمة، وأبو إسحاقُ الَّبِعِىّ،
وإبراهيم بن سعد، وإبراهيم بن طلحة بن عبد الله بن مَعْمَر.
أُسنَدَ اللعبَ به عن هؤلاء الصُّولِيُّ فى ((الجزء)» الذى جمعَه، وعن جماعة آخرين.
وروى البَيْهَقِىُّ اللعبَ به عن بَهْز بن حَكيم، وإبراهيم المَجَرِىّ، ومحمد بن سِيرِين،
وهِشام بن عُرْوَةٍ، والشَّعْبِىّ، وسعيد بن جُبَيْر .
قال الرَّبيع: سمعتُ الشافى، رحمه الله، يقول: اِبَ سعيدُ بن جُبَيْرِ بِالشَّطْرَنْج
من وراء ظهره .
وهذا صحيح ثابتٌ؛ فإن البَيْهَقِىَّ رواه عن الحاكم، عن الأصَمَّ ، عن الرَّبيع.
وهو إستادٌ لو قُرِئُ على مجنونٍ لَأفاقٍ .
وروَى الصُّولِىُّ تَجْويزّها عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وأبى اليَسَر رضى اللهعنه،
والحسن البَصْرِىّ، والقاسم بن محمد، وأبى غِلَابة، وأبى ◌َخْلَد، وعطاء، وِالزُّهْرِىّ،
وربيعة بن أبى عبد الرحمن، وأبى الزِّناد .
وقد ذكرنا الأسانيد عن هؤلاء، وتكلَّمْنا عليها فى الجواب المبسوط
قال أصحابنا: ولأن الشُّطْرَنْج فيها تدبيرُ الحروب فأشبهت اللعب بالخراب.
وأما ما يتعلَّق به القائلون بالتَّحريم فأشياء، نذكرُ المعتمد منها عندهم، وتتكلم عليه.