Indexed OCR Text

Pages 161-180

- ١٦١ -
قال ابن عبد البر: روى عنه كثيرا من كتبه، وكان مفتيا، وأصله من القبط .
وقال ابن يونس : توفى فى جمادى الأولى سنة إحدى وسبعين ومائتين.
٣٨
موسى بن أبى الجارود
"أبو الوليد، الكِّي"
راوى كتاب (( الأمالى)) عن الشافعى، وأحد الثقات من أصحابه والعلم،.
قال أبو عاصم: يُرجَع إليه عند اختلاف الرواية .
رؤَى عن يحيى بن مَعِين وأبى يعقوب البُوَّيْطِى.
ورى عنه الزَعْفَرَانِيّ، والربيع، وأبو حاتم الرّازِىّ.
وكان فقيها جليلا، أقام بمكة يفتى الناس على مذهب الشافعىّ.
قال أبو الوليد: سمعت الشافعىّ يقول: إذا قلتُ قولا وصَّحَّ عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم خلافُه، فقولى ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا رواه الحميدِىّ،
والربيع ، وأبو تَوْر، وغيرهم عن الشافعىّ.
وقال أيضا : قال الشافعىّ : ما ناظرتُ أحداً فأحببت أن يخطىء.
وقال: كان يقال: إن محمد بن إدريس وحده يحتج به، كما يحتج بالبطن من العرب.
قلتُ: ويوافقه قول الأسْمَعِىّ: سمحت أشعار الهُذَلِيِّين على شاب من قريش بمكة،
يقال له محمد بن إدريس . وقول عبد الملك بن هشام: الشافعى ممن تؤخذ عنه اللغة . وقول
أبى عثمان المازِنىّ: الشافعىّ حجة عندنا فى النحو .
قلتُ : ومسألة الاحتجاج بمنطق الشافعى فى اللغة، والاستشهاد بكلامه نظما ونثرا مما
تدعو الحاجة إليه، ولم أجد من أشبع القول فيه. وإمام الحرمين نازع فيه فى كتاب
* له ترجمة فى : تهذيب التهذيب ٢٣٩/١٠، طبقات الشيرازى ٨١، طبقات ابن هداية الله ٧.
(١١/ ٢ - طبقات)

- ١٦٢ -
((البرهان)) عند الكلام فى مفهوم الصفة، وشافقناه نحن فى ((شرح مختصر ابن الحاجب)).
• وسمعت أن أبا حیان جمعه والشیخ الإمام مجلس ، و کان أبو حیان یری وجوب حذف
خبر لولا مطلقا ، والشيخ الإمام يرى رأى ابن مالك من الفرق بين كذا (١) ..
٣٩
يوسف بن يحيى
الإمام الجليل، أبو يعقوب الْبوَيْظىّ، المصرى"*
وبريط من صعيد مصر ، وهو أكبر أصحاب الشافعى المصريين.
كان إماما جليلا، عابداً زاهدا، فقيها عظيما، مناظرا، جبلا من جمال العلم والدين ، غالب:
أوقاته الذكر والتشاغل بالعام، غالب ليله التهجد والتلاوة ، سريع الدمعة .
: تفقه على الشافعىّ ، وأختص بصحبته.
وحدّث عنه، وعن عبد الله بن وَهْب ، وغيرهما.
(١) فى ج: من الفرقة بين كذا، وفى د: من الفرقة ... ، والمثبت من المطبوعة، وما بعد هذا
ساقط من الأصول . وأما رأى ابن مالك فى وجوب حذف خبر لولا، فقد ذكره الأشمونى فى شرحه
الألفية ٢١٥/١ فقال: (وبعدلولا ) الامتناعية (غالبا) أى فى غالب أحوالها، وهو كون الامتناع معنقابها
على وجود المبتدأ الوجود المطلق (حذف الخبر حتم) نحو: ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ
بِبَعْضِ لَفَسَدَتِ اْلْأَرْضُ﴾ أى: ولولا دفع الله الناس موجود، حذف ((موجود)) وجوبا للعلم به، وسد
جوابها مده. أما إذا كان الإمتناع معلقا على الوجود المقيد، وهو غير الغالب عليها، فإن لم يدل على
المقيد دليل وجبذكره، نحو: لولا زيد سالمنا ماسلم، وجعل منه قوله عليه الصلاة والسلام:
((لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثُوْ عَهْدٍ بِكُفْرٍ لَبَيْتُ الْكَمْبَةَ عَلَى فَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ )).
وإن دل عليه دليل جاز إثباته وحذفه، نحو: لولا أنصار زيد حلوه ما سلم. وجعل منه قول المعرى:
فَلَوْلَا الْغِمْدُ يَمْسِكُهُ لَمَالَا
"يُذْيبُ الرُّعبُ مِنه كُلَّ عَضْبٍ
* له ترجمة فى: تاريخ بغداد ٢٩٩/١٤، تهذيب التهذيب ٤٢٧/٩، شذرات التعب ٧١/٢،
طبقات الشيرازى ٧٩، طبقات ابن حداية الله٤، العبر ٤١١/١، اللباب ١٥٤/١ النجوم ٢٢١/٢،
وفيات الأعيان ٦٠/٦.

- ١٦٣ -
روَى عنه الربيع المُرادِىّ، وهو رفيقه، وإبراهيم الحَرْبِىّ، ومحمد بن إسماعيل التّرْمِذِىّ،
وأبو حاتم، وقال: صدوق، وأحمد بن إبراهيم بن فيل ، والقاسم بن هشام السِّمْسَار ،
وآخرون .
وله ((المختصر)) المشهور، والذى اختصره من كلام الشافعى رضى الله عنه، قال أبو عاصم:
هو فى غاية الحسن، على نظم أبواب ((المبسوط)).
قلتُ : وقفت عليه ، وهو مشهور .
قال أبو عاصم : كان الشافعىّ رضى الله عنه يعتمد البُوَيْطِىّ فى الفقيا، ويحيل عليه إذا
جاءته مسألة .
:
قال : واستخلفه على أصحابه بعد موته ، فتخرجت على يديه أئمة تفرقوا فى البلاد ،
ونشروا على الشافعيّ فى الآفاق.
وقال الربيع: كان أبو يعقوب من الشافعىّ بمكان مكين (١).
وقد قدمنا فى ترجمة ابن عبد الحكم ما رواه الحاكم عن إمام الأمة أبى بكر بن خُزيمة ،
أنه قال: كان ابن عبد الحكم أعلى مَن رأيت بمذهب مالك، فوقعتْ بينه وبين البُوَيْطِىّ
وحشة عند موت الشافعىّ، محدثنى أبو جعفر السُّكَّرِىّ قال: تنازع ابن عبد الحكم
والبُوَيْطِىّ مجلسَ (٣) الشافعىّ، فقال البُوَيْطِىّ: أنا أحق به منك. وقال الآخر كذلك.
فجاء الحَمَيدِىّ ، وكان تلك الأيام بمصر فقال: قال الشافعيّ: ليس أحد أحق بمجلسى
من يوسف ، وليس أحدمن أصحابى أعلم منه .
فقال له ابن عبد الحكم : كذبتَ.
قال له: كذبت أنت ، وأبوك وأمك.
وغضب ابن عبد الحكم، وجلس البُوَيْظىّ فى مجلس الشافعىّ، وجلس ابن عبد الحكم
فى الطاق الثالث .
(١) بعد هذا فى الطبقات الوسعلى توضيح له، إذ يقول: وكان الرجل رها يسأل عن المسألة فيقول:
سل أبا يعقوب. فإذا أجاب أخبره فيقول: هو كما قال.
والمثبت من: ج ، د .
(٢) فى المطبوعة : فى مجلس الشافعى .

- ١٦٤
وعن الربيع: أن البُؤَيْطَىّ وابن عبد الحكم تنازعا الحلقة فى مرض الشافعىّ، فأخبـ
بذلك فقال: الحلقة للبُوَيْطِىّ .
وكانت الفتاوى رد على البُوَيْطِىّ من السلطان فَنَ دونه، وهو مُتَنَوَّع (١) فى صنائع
المعروف، كثير التلاوة، لا يمر يوم وليلة غالبا حتى يختم، فسعى به من يحسده، وكتب فيه
إلى ابن أبي دؤاد بالعراق، فكتب إلى والى مصر أن يمتحنه، فامتحنه فلى يجب، وكان
الوالى حسن الرأى فيه ، فقال له: قل فيما بينى وبينك. قال: إنه يقتدى بى مائة ألف ، ولا
يدرون المعنى .
قال: وكان أمر أن يحمل إلى بغداد فى أربعين رطل حديد .
قيل: وكان المُزَنى ، وحَرملة ، وابن الشافعىّ ممن سعى بالُبَوَيْطىّ.
قال جعفر الترمِدىّ: حدثنى الثقة، عن البُوَيْطِىّ، أنه قال: برىء الناس من دمى إلا
ثلاثة: حَرْملة، والمُزَّىّ ، وآخر .
قلتُ: إن صحت هذه الحكاية ، فالذى عندنا فى إبهام الثالث أنه راعى فيه حق والده
رضوان الله عليه .
قال الربيع : كان البُوَيْطِىّ أبدا يحرك شفتيه بذكر الله، وما أبصرت أحدا أزعَ بحجة
من کتاب الله مِن البُويطى ، ولقد رأيته على بغل ، وفى عنقه غُلّ ، وفى رجليه قيد ، وبين
الغل والقيد سلسلة حديد، وهو يقول : إنما خلق الله الخلق بكُن، فإذا كانت مخلوقة
فَكأن مخلوقًا خُلِقِ بمخلوقٌ، ولئن أدخلت عليه لأصْدُقِنَّه - يعنى الواثق - ولأموتَنَّ فى
حدیدی هذا ، حتى يأتى قوم یعامون أنه قد مات فى هذا الشأن قوم فى حديدم
وقال أبو يعقوب أيضا: خلق الله الخلق بكُن، أفتراء خلق مخلوقا بمخلوق، والله يقول
بعد فناء الخلق: ﴿لِمَنِ اْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ (٢) ولا مجيب ولاداعى، فيقول تعالى: ﴿لِلّهِ الْوَاحِدِ
الْقَهَّارِ﴾ فلو كان مخلوقا مجيبا لفِىَ حتى لا يجيب. وكان(٣) يقول: مَن قال القرآن مخلوق
فهو كافر .
(١) فى المطبوعة: متبوع، والمثبت من: ج. د. وفى القاموس (نوع): مكان متنوع: بعيد
(٢) فى ج، د: أ كان. والمثبت فى المطبوعة.
(٢) سورة غافر ١٦

- ١٦٥ -
قلتُ : يرحم الله أبا يعقوب ، لقد قام مقام الصِّدّيقين.
قال السَّحِىّ: كان البُوَيْطِىّ وهو فى الحبس يغتسل كل جمعة، ويتطيّب، ويغسل
ثيابه، ثم يخرج إلى باب السجن إذا سمع النداء ، فيرده السَّجّان، ويقول : ارجع، رحمك
الله . فيقول البُوَيْطِىّ: اللهم إنى أجبت داعيَك فمنعونى .
وقال أبو عمرو المُسْتَمْنِى: حضرنا مجلس محمد بن يحيى الذَّهْلِىّ، فقرأ علينا كتاب
البُوَيْطِىّ إليه، وإذا فيه: والذى أسألك أن تعرض حلى على إخواننا أهل الحديث، لعل الله
يُخلِّصنى بدعائْبم، فإنى فى الحديد؛ وقدعجزت عن أداء الفرائض ؛ من الطهارة، والصلاة،
فضح الناس بالبكاء، والدعاء له.
قلتُ: انظر إلى هذا الخبر رحمه الله، لم يكن أسفه إلا على أداء الفرائض، ولم يتأثر بالقيد
ولا بالسجن ، فرضى الله عنه ، وجزاه عن صبره خيرا .
وما كان أبو يعقوب ليموتَ إلا فى الحديد، كيف ؛ وقد قال الربيع: كنت عند
الشافعىّ أنا والُزّنىّ، وأبو يعقوب، فقال لى: أنت تموت فى الحديث. وقال لأبى يعقوب:
أنت تموت فى الحديد. وقال للمُزِيّ: هذا لو ناظره الشيطان لقطعه.
قال الربيع : فدخلت على الجُؤَيْطِىّ أيام المحنة، فرأيته مقيدا إلى أنصاف ساقيه ، مغاولة
يداه إلى عنقه .
وقال الربيع أيضا: كتب إلىَّ الْبُوَيُطِىّ: أن أصبر نفسك الغرباء، وحَسَّن خُلُقَك لأهْل
حَلقتك، فإنى لم أزل أسمع الشافعى رحمه الله يكثر أن يتمثل بهذا البيت:
أُهينُ لهم نفسى لكى يكرمونَهَا ولن تُكْرِجَ النَّفْسَ التى لا تَعِينُهَا
مات البُوَيْطِيّ فى شهر رجب، سنة إحدى وثلاثين ومائتين ، فى سجن بغداد ، فى
القيد والغُل .

- ١٦٦ -
﴿ ومن الفوائد عن أبى يعقوب﴾ :
قال أبو جعفر التُّرْمِذِىّ: سمعت الْبُوَيْطِىّ يحكى عن الشافعىّ أنه قال: ليس من
المروءة أن يخبر الرجل بسنه. روى ذلك الحاكم أبو عبد الله بن البَيِّع فى مناقب الشافعىّ.
ورواه غيره أيضا .
قال البُوَيْطِىَ: سئل الشافعىّ: كم أصول الأحكام؟ قال: خمسمائة (١ قيل له: وكم
أصول السنة؟ قال: خمسمائة ١) قيل له: كم منها عند مالك؟ قال: كلها إلا خمسة وثلاثين ..
قيل له: كم عند ابن عُمَّيْنَة منها ؟ قال: كلها إلا خمسة.
{وهذه غرائب استخرجها النووىّ رحمه الله من مختصر البُوَيْطَى).
· قال الشافعىّ رضى الله عنه فى ((باب الَّنَّوز)) من البُوَيْطِىّ: إذا تزوج الحر أمة،
ثم خالمه سيدها على نفس الأمة ، جعلها عوض الخلع لم يصح الخلع، وهى امرأته بحالها؟
لأن الجلع لا يتم إلا بملكه، وإذا ملكها انفسخ النكاح، وصارت ملكا له ، ولا يقع
الطلاق على مِلْك.
• وفى ((باب الدعوى والبينات)» منه: لو ادَّعى رجل على رجل، أو (٣) امرأة
بالعبودية، وهما معروفان بالحرية، فأقرّا بذلك لم يجز.
• وفى الباب المذكور منه أيضاً: لو قال رجل: مِن رمانى، أو من دخل المسجد ، أو
البيت، فهو ابن الزَّانية، فرماه رجل ، أو دخل رجل ، لم يجب عليه حدالقذف. وكذا لو قال
ذلك الإنسان بعينه، لم يجب عليه الحد ؛ لأنه يعرف كذبه ، فإنه لا يكون بدخوله أو رميه
زانيا .
• وفى ((باب طلاق الحر والأمة الحرة ثلاثا))؛ إذا كانت الأمة تحت عبد فطلقها،
وأراد سيدها أن يسافر بها ، سافر.
(١) ساقط من: د، وفى المطبوعة: قال: وم أصول السنة، والمثبت من: ج.
(٢) فى المطبوعة، والمرأة . والثبت من: ج ، د.

- ١٦٧ -
• وفى الباب المذكور منه أيضا: ولو قال لامرأته: كاما ولدتِ ولدا فأنت طالق ،
فولدت اثنين فى بطن طلقت بالأول ، وانقضت عدتها بالآخر. وإن وضعت ثلاثة ، طلقت
ثنتين ، وانقضت عدتها بالثالث . وإن ولدت أربعا ، طلقت بالثلاث ، وانقضت عدتها
بالرابع.
{وهذه غرائب استخرجها الشيخ الإمام الوالد رحمه الله من مختصر البُوَيْطِىّ﴾:
● قال الشيخ الإمام رحمه الله: نص الإمام الشافعىّ فى (البويطى")) على أن الأكل
من رأس التوريد ، والقِران بين التّمرتين، والتّعريس على قارعة الطريق؛ أى النزول ليلا،
واسْتِمال الصَّمَّاء (١) حرام .
· قلتُ: وللشيخ الإمام تصنيف فى هذه المسائل ، ضم إليها أن الشافعى نص فى
(( الأم)) أيضا على تحريم احتباء الرجل بثوب واحد مفضيا بوجهه إلى السماء ، وتحريم
أ كله مما لا يليه .
وفى ((الرسالة)) نحو ذلك، وقد ذكره أبو بكر الصَّيْرَ فِىّ شارحها، مصْوِّبا له .
{ وهذه غرائب استخرجتها أنا، فأقول):
• قال فى ((البُوَيَطِىّ)) فى ((باب غسل الجمعة)) وهو بعد ((باب التيمم)) كيف هو
وقبل ((كتاب الصلاة)): وإذا ولغ الكلاب فى الإناء، غُسل سبعا أولاهن أو أخراهن
بالتراب ، لا يطهره غير ذلك، وكذلك رُوِى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
والخنزير قياسا عليه يُسَل سبعا، ويُهَرَاق ما ولغ فيه الخنزير والكاب من ماء، أو سمن
أو عسل ، أو لين ، أو غير ذلك، إذا كان ذائبا، وإن كان جامدا ألقى ما أكلا، وأكل ما
قی .انھی .
(١) ذكر أبو عبيد أن الفقهاء يقولون: هو أن يشتمل بثوب واحد ويتغطى به ليس عليه غيره،
ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبيه، فيدو منه فرجه. اللسان (س.م.م) ٣٤٦/١٢.
HI.

- ١٦٨ -
وهذا نص وقفت عليه فى حياة الوالد رحمه الله، وكتبته إذذاك فى ( شرح منهاج
البيضاوى))، ثم كتبته فى ((شرح مختصر ابن الحاجب))، ولم أزل أغتبط به.
• ثم الآن وقفتُ فى ((مختصر الْبَوْبِطِىّ)) أيضاً فى أواخره فى ((باب اختلاف مالك
والشافعىّ)): قال مالك فى الكاب يكغ فى الإناء، وليه لبن بالبادية: إنه يشرب الين،
ويغسل الإناء سبعا، أولاهن أو أخراهن بالتراب. انتهى.
ولو تجرَّد هذا عما نص عليه فى ((باب غسل الجمعة)) لقيل: إنه إنما قاله نقلا عن مالك،
لكن تبيَّن لى أن منقوله عن مالك الذى أشار إلى مخالفة الشافعى له فيه إنما هو شرب اللبن،
أما تعيّن الأولى أو الأخرى للعسل فالمذهبان متوافقان عليه.
. ومن العجب أن النوويّ فى ((المنثورات)) مع تجرده لغرائب البويطىّ لم يذكر هذا
النص ، وذكر السؤال المشهور على الأصحاب فى اقتصارهم على السبعة فى إحداهن ، من غير
تعيين الأولى والأخرى فى المطلق على المقيَّد، وأجاب عنه، ولم يشتغل بذكر هذا النص.
ما أظنه وقف عليه، وقد بيّنًا بعد الكشف أن هذا النص أمر مفروغ منه عند التقدمين.
ثابت فى كل الروايات .
وقد نقله صاحب (جمع الجوامع)) أبو سهل ابن المفرِيس، ولفظ النص عنده
وكلُّ ما أصاب فيه آدى: مسلم، أو كافر يده، أو شرب منه، أو شربت منه دابة فليست
تنجّسه، إلا ذابتان: الكلب، والخنزير. فإن شرب منه كلب أو خنزير لم يَطْهُر إلا بأن
يُغل سيما؛ أولاهن أو أخراهن بالتراب، لا يظهر إلا بذلك. انتهى.
ذَكرَه فى ((باب الماء الراكد)) وهى عبارة الشافعيّ رضى الله عنه؛ لأن أبا سهل
لا يغيّر من العبارة شيئاً، إنما يحكم النصوص بألفاظها، وكذلك سائر من يجمع النصوص،
ليس لهم فى ألفاظ الشافعىّ رضى الله عنه تصرُّف. لكن رأيت فى أصل قديم بكتاب
ابن الِفِرِيْس: ((أو إحداهن)). لجُوَّرْتُ أن يكون ((إحداهن)) بالدال تصحَّقت ((بأخراهنِ)»
باثراء ، كما قيل مثله فى الحديث.
=
ـي

- ١٦٩ -
وكذلك وجدتُ فى كتاب (( الإشراف)) لابن المُنْذِر ما نصه: وكان الشافعىّ،
وأبو عبيد ، وأبو ثَوْر، وأصحاب الرأى يقولون: الماء الذى ولَغ الكلاب فيه نجس ،
"ُراق ويغسل الإناء، أولاهن أو أخراهن(١) بالتراب. انتهى.
﴿ أولاد الموالى، وموالى الموالى هل يدخلون فى الوقف على الموالى؟)
● هذا فرع حسن، نص الْبَوَيطِىّ على أن أولاد الموالى يدخلون، وموالى الموالى ،
أى عُتقاؤهم ، لا يدخلون . وهذه عبارته :
قال رحمه الله فى أواخر ((باب الأحْباس)) قبل ((باب بلوغ الرشد)) وهو فى أواخر
الكتاب : قال أبو يعقوب: وإذا قال دارى حَدْس على موالِيَّ، وله موالٍ مِن فوق ، ومن
أسفل(٢) ولم يبيِّ. فقد قيل: هو بينهما، وقيل بوقفه حتى يصطلحوا.
وإن قال: موالىَّ من أسفل ، ولوالده موالٍ من أسفل لم يدخل فى ذلك إلا مواليه
خاصة ، وولد مواليه، ولم يدخل فى ذلك موالى مواليه؛ لأن الولاء لهم قبله، ويُنسبون إليهم،
وأولادهم بمنزلة آبائهم؛ لأنهم مواليه. انتهى. وهو من كلام أبى يعقوب ، لامن كلام الشافعىّ
رضى الله عنه .
وقوله: (( وقيل بوقفه حتى يصطلحوا)) فى المسألة الأولى، هو القول الذى حكاه الرافعىّ
فى ((باب الوصية)) عن حكاية البُوَيْطِىّ، ولم يذكره فى ((كتاب الوقف)) وحكاه النووى
فى ((الوقف)) وجها من زيادته عن حكاية الدَّارِمىّ، ثم قال: إنه ليس بشىء.
• وأعلم أن صاحب (البحر)) نقل مسألة أولاد الموالى، وموالى الموالى، فقال: الأختان
يجتمعان فى الملك فيطأ المالك واحدة، ثم يطأ الأخرى قبل أن يحرِّم الأولى. قال أصحابنا
قاطبة: إذا كان له أمتان، وهما أختان، فوطأ إحداهما حرُّمت الأخرى ، حتى تَحرُم
الأولى عليه بتزويج، أو كتابة، ونحو ذلك. فإن أقدم ووطئها قبل ذلك أثم ، ولم يجب
(١) فى المطبوعة: أو إحداهن. والمثبت من : ج، د.
(٢) بعد هذا فى المطبوعة: ولونده موال من أسفل، وهى كلمات أفحمت على النص من المسألة الآتية.

- - ١٧٠ -
الحد المشبهة، ثم الثانية مستمرة على التحريم كما كانت ، والأولى مستمرة على الحل ، والحرام
.. .. لا يُحرِّمُ الحلال.
i
وعن أبى منصور بن مِهْران، أستاذ الأُودَنِيّ(١): إنه إذا أحبلَ الثانية حلّت وحَرُمت
الموطوءة، وعلى هذين الوجهين اقتصر الرافعىّ.
قال الشيخ الإمام الوالد رحمه الله فى ((شرح المنهاج))، وفى المُؤَيِطِىّ: إذا كان عنده
أمتان أختان، فوطمهما قيل له: لا تقربْهُمَا حتى تُحرِّم فَرْجَ إحداهما.
قال الشيخ الإمام: وهذا يقتضى إثبات قول آخر: أنه بوطء الثانية الحر مان جميعاً.
قلتُ : وقد وقفت على النص فى البُوَيِطِىّ فى ((باب الجمع بين الأختين)) وهو نحو نصف)
الكتاب، وقد أخطأ بعض الناس ففهم من هذا النص أن الحال بوطء الثانية يُصيّ هما كما لو
اشتراهما ابتداء؛ بحيث يجوز له أن يقْدِم بعده على وَطْ مَن شاء منهما، ثم يحزِّم الأخرى،
وهو سوء فهم، وفى قوله : (( لا يقربهما )) ما يرد قوله .
٤٥
يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة بن حفص بن حيان
الإمام الكبير، أبو موسى الصَّدَفِيّ؛ المصرىّ، الفقيه، المُقْرِى
ولد فى ذى الحجة ، سنة سبعين ومائة.
وقرأ القرآن على وَرْشُ ، وغيره، وأقرأ الناس.
وسمع الحديث من سفيان بن عُيَيْنة، وإن وَهْب، والوليد بن مسلم، ومَعن بن على،
وأبى ضَهْرة أنس بن عياض، والشافعيّ، وأخذ عنه الفقه ، وطائفة أخرى ..
(١) بضم الألف وسكون الواو وفتح الدال المهملة والنون، هذه النسبة إلى قرية من قرى تجارى،.
يقال لها أودنة . الباب ٧٤/١
* له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ٩٨/٢، تهذيب التهذيب ٤٤٠/١١، الجمع بين رجال الصحيحين
٥٨٥، شذرات الذهب ٢ / ١٤٩، طبقات الشيرازى ٨٠، طبقات القراء ٢ / ٤٠٦، طبقات
ابن هداية الله ٧، العبر ٢٩/٢، الباب ٥١/٢: وفيات الأعيان ٢٤٧/٦.
:
.
٠

- ١٧١ -
روى عنه مسلم، والنَّسائيّ، وابن ماجة، وأبو عوانة، وأبو بكر بن زياد النَّيْابُورِىّ،
وأبو الطاهر الَدِينِىّ ، وخلق .
وانتهت إليه رياسة العلم بديار مصر .
ورُوِى عن الشافعىّ رضى الله عنه أنه قال: ما رأيتُ بمصر أحدا أعقل من يونس
ابن عبد الأعلى .
وقال يحيى بن حسّان: يونسكم هذا من أركان الإسلام.
وكان يونس من جملة الذين يتعاطون الشهادة ، أقام يشهد عند الحكام ستين سنة .
قال النَّسانىّ: يونس ثقة .
وقال ابن أبى حاتم : سمعت أبى بُوثَّقُ يونس بن عبد الأعلى، ويرفع من شأنه .
قلتُ: لم يتكلم أحد فى يونس ، ولا نقَموا عليه إلا تفرده عن الشافعىّ بالحديث الذى
فى متنه: ((وَلَا مَهْدِىَّ إِلَّا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ)) فإنه لم يروه عن الشافعىّ غيره. ولكن
ذلك غير فادح ، فالرجل ثقة ثَبْت .
وكان شيخنا الذهبيّ رحمه الله يُنبٌّ على فائدة، وهى أن حديثه المذكور عن الشافعى
إنما قال فيه: حُدِّثت عن الشافعىّ، ولم يقل: حدَّثَنى الشافعىّ. قال: هكذا هو موجود.
فى كتاب يونس، رواية أبى الطاهر أحمد بن محمد المَدِينىّ عنه. ورواه جماعة عنه عن الشافعىّ،
فكأنه دَلَّه بلفظة ((عن)) وأسقط ذكر مَن حدَّثَه به عن الشافعى، فالله أعلم. هذا
کلام شيخنا رحمه الله تعالى .
وأنا أقول: قد صرَّح الرواة عن يونس بأنه قال: حدثنا الشافعيّ.
فأخبر نامحمد بن عبد المحسن السبكيّ الحاكم، قراءةً عليه وأنا أسمع، قال: أخبر نا أبو إسحاق
إبراهيم بن على بن محمد بن أحمد بن حمزة بن الحبُوبىّ، سماعاً عليه، عن أبى الوفاء محمود بن إبراهيم
ابن سفيان بن مَنْدَة، أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن عمر البائعْبان(١)، أخبرنا أبو عمرو
(١) بفتح الباء الموحدة وسكون الغين المعجمة وباء أخرى وفى آخرها النون، هذه النسبة إلى حفاظ
الباغ ، وهو البتان. الباب ٨٩/١.

- ١٧٢ -
:
عبد الوهاب بن أبى عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن مَنْدَة ، أخبرنا أبى الإمام أبو عبد الله.
أخبرنا أبو على الحسن بن يوسف الطَّرَائِفِىّ(١) بمصر، وأحمد بن عمر، وأبو الظاهر، قالا:
حدثنا أبو موسى يونس بن عبد الأعلى بن مَيْسَرَة الصَّدَفِىّ ، حدثنا محمد بن إدريس الشافعى،
حدثنا محمد بن خالد الجَنَدِىّ(٣)، عن أَبيّن بن صالح، عن الحسن بن أبى الحسن، عن أنس
ابن مالك، عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((لَا يَزْدَادُ الْأَمْرُ إِلَا شِدَّةً، وَلَا
الُّنْيَا إِلَّ إِذْبَرًا، وَ النَّاسُ إِلَّ شُحًّا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلّ عَلَى شِرَارِ النَّاسِ،
وَلَا تَهْدِىَّ إِلّ عِيسَىِ بْنُ مَّرْيَمَ)).
وأخبرَ ناه أيضا أبى الشيخ الإمام رحمه الله، قراءةً عليه وأنا أسمع، أخبرنا أبو العباس
أحمد بن محمد بن الحسن بن صَصْرَى بدمشق، وإسماعيل بن نصر [الله](٣) بن أحمد بن
مساكن بالقاهرة، قالا : أخبرنا أبو المكارم عبد الواحد بن عبد الرحمن بن عبد الواحد
الأرْدِىّ، أخبرنا الحافظ أبو القاسم الشافعى، أخبرنا أبو الحسن على بن الحسن بن الحسين
الَوَازِينيّ، أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن أبي نصر، أخبرنا القاضى
أبو بكرٍ يوسف بن القاسم الّياً نَجِىّ، حدثنا محمد بن إسحاق بن خُزيمةِ النَّيْا بورِىّ،
وأحمد بن محمد بن شاكر الزَّنْجَانِيّ، بالميانج، وأبو محمد عبد الرحمن بن أبى حاتم، بالرَّىّ،
وزكريا بن يحيى السَّاحِىّ، بالبصرة، وأحمد بن محمد الطَّحاوِىّ، وغيرهم بمصر، والقاضى
عبد الله بن محمد القَزْوِينِىّ، قالوا: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، فذكره بلفظه .
انفرد بإخراجه ابن ماجة (٤) فرواه فى سننه، عن يونس.
(١) بفتح الصناء والراء وكسر الياء المفتاة من تحتها وفى آخرها فاء، هذه النسبة إلى بيع الطرائف
وشرائها ، وهى الأشياء الحسنة المتخذة من الخشب. اللباب ٠٨٤/٢
(٢) بفتح الجيم والنون وفى آخرها الدال المهملة، نسبة إلى الجند، وهى بلدة مشهورة
اللاب
(٢) ساقط من المعلبوعة ، وهو فى؟
٢٤١/١، وانظر طبقات فقهاء اليمن ٦٦.
(٤) سنته فى (باب عدة الزمان، من كتاب الفت). ١٣٤٠/٢.

- ١٧٣ -
وقيل: إن الشافعىّ تفرَّد به، عن محمد بن خالد الجَنَدِىّ، وليس كذلك، إذ قد تابعه
عليه زيد بن السَّكَن، وعلى بن الزيد اللَّحَجِىّ (١)، فروياه عن محمد بن خالد.
وتكلم جماعة فى هذا الحديث ، والصحيح فيه أن الجنّدِىّ تفرد به.
وذكر أبو عبد الله الحاكم أن الجَنَدِىّ رجل مجهول، قال: وقال صامت بن عبَّاد:
عدلت إلى الجَنَدِىّ مسيرة يومين مِن صَّنعاء، فدخلت على حدّث لهم ، فطلبت هذا الحديث،
فوجدته عنده : عن محمد بن خالد الجندِىّ، عن أَبَن بن أبى عَيَّاش، وهو متروكٍ ، عن
الحسن ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو منقطع .
وأما الشافعىّ فلم يروه عنه غير يونس. وأما يونس فرواه عنه جماعة، منهم: أبو عوانة
يعقوب بن إسحاق الإسفراينيّ، وابن ماجة، وعبد الرحمن بن أبى حاتم ، وأبو بكر بن
زياد، وهؤلاء أئمة ، رحمهم الله أجمعين.
مات يونس فى ربيع الآخر ، سنة أربع وستين ومائتين .
وبذكره نختتم الطبقة الأولى ، ونقتصر فيها على مَن ذكرناه .
واعلم أن فى الرواة عن الشافعيّ كثرة، وقد أفردهم الحافظ أبو الحسن الدَّارَ فَطْنِىّ فى
جزء، ونحن لم تذكر إلا مَن تَذْهب بمذهبه، أو كان كبير القدر؛ لنُبيِّن أنه إنما حصل على
ما حصل بسببه، وإلا فقد أهملنا الكثير من الرواة عنه ، وأسقطنا ما لا نرى لذكره معنى
غير سواد فى بياض (٢).
(١) بفتح اللام وسكون الحاء وفى آخرها جيم، هذه النسبة إلى لحج، وهى قرية من أبين ، من
بلاد اليمن ، نزلها بنو لحج بن وائل، بطن من حمير. الباب ٦٧/٣.
(٢) علل ابن المبكى فى الطبقات الوسطى لذلك فقال: إذ فيهم العارى من الفقه، ومن هو فقيه
إلا أنه غير شافعى ، فلا يتوهمن المتوم فينا تقصيرا فى تعدادهم .

- ١٧٤ -
﴿ومن الفوائدو المسائل عن يونس﴾:
قال يونس : سمعتُ الشافعىّ يقول: لولا مالك، وابن عُيَينة لذهب على الحجاز
قال : وسمعته يقول: إذا جاء مالِك فمالِك النجم.
قال يونس فيما رواه ابن عبد البر فى ((كتاب العام)): سمعتُ الشافعى" يقول: إذا
سمعتَ الرجل يقول: الإسم غير المُنمَّى، أو الاسم الُسمَّى فشهد عليه أنه من أهل الكلام
ولا دن له .
قات : وهذا وأمثاله مما رُوِى فى ذم الكلام ، وقد روى ما يعارضه، وللحافظ ابن
عساكر فى كتاب ((تبيين كذب المفترى)) على أمثال هذه الكلمة، كلام لا مزيدعلى حسنه،
ذكرت بعضه مع زيادات فى كتاب ((منع الموائع)).
حكى يونس، عن الشافعيّ فى ((باب العِدَد)): أنه قال: اختلف عمر وعلى رضى الله عنهما
فى ثلاث مسائل، القياس فيها مع علىّ ، وبقوله أقول :
إحداها: إذا تزوجتْ فى عِدَّتها، ودخل بها الثانى، حرَّمها على الثانى أبدا عمرُ
ابن الخطاب. وبه أخذمالك، وأحمد في رواية، وهو قول قديم، وعند علىّ لا تحرم على التأبيد.
وهو الجديد .
وهكذا الخلاف فى كل وطء أفسد النسب، هل يحرم به على المفسد أبدا، مثل وطء
زوجة غيره بشبهة ، أو أمة غيره بشبهة ؟
ووَجَّهَه الْمُؤْيِّدون بأنه استعجل الحق قبل وقته ، حرَّمه الله تعالى فى وقته كالميراث ،
إذا قتَلَ مُورَّته لم يرثه، وبأنه سبب يفسد فيحرم به على التأبيد كاللَّان .
وحجة الجديد قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾(١) وهذه من وراء
ذلكم ، ولأنه لو كان مباحا لم يحزُم به على التأبيد، فكذلك إذا كان حراما بالزنا، ولأن
الخصوم فرقوا بين العالم ، فلم يُحرِّموها عليه أبدا، قالوا: لأنه جازه(٢) بالحد . والجاهل ففيه
(١) سورة النساء ٢٤.
(٢) هكذا فى الأصول .

- ١٧٥ -
حرموها أبدا، والفرق فاسد ؛ لأن العالم أشد جرما، وبالزنا يفسد النسب أيضا. فى كلمات
كثيرة لعلمائنا .
ووجّه الشافعىّ كون القياس مع علىّ كرم الله وجهه بأن الوطء لا يقتضى تحريم
الموطوءة على الواطئ، بل تحريم غيرها على الواطئ، وتحريمها على غير الواطئ، هما قالوه
خلاف الأصول. وأطال أصحابنا فى هذه المسألة، حتى أنكر أهل البصرة أن يكون الشافعيّ
قول قديم فيها ، قالوا : وإنما ذكره حكاية ، لا مذهبا .
الثانية: امرأة المفقود، قال عمر: تُشْكَح بعد التربُص، وهو القديم. وقال علىّ:
تصير أبدا، وهو الجديد، ولفظ علىّ: إنها امرأة ابتلِيَت فلْتصبر.
• والثالثة: إذا تزوّجت الرجعية بعد انقضاء المِدّة، وكان زوجها المُطلِّق غائبا،
ودخل بها الثانى، ثم عاد المطلّق وأقام بيِّنة أنه كان راجعها قبل انقضاء عدتها. قال عمر:
الثانى أحقُّ بها. وقال علىّ: بل هى للأول. وهو قولنا .
ذكر هذا كله (( الرُّوبَانِىّ)) فى ((البحر)) فى ((كتاب العِدَد))، ولم يذكره المَوَرْدِىّ
فى ((الحاوى)» مع تنبّه لأمثال ذلك، وهو ثابت عن الشافعىّ، مَرْوِىّ بإسناد صحيح إليه.
رواه ابن أبى حاتم، وابن حَمَكان فى ((مناقب الشافعى)) وغيرهما.
• وروى عبد الرحمن بن أبى حاتم فى كتابه فى ((آداب الشافعىّ)) أنه سمع يونس
يقول: سمعتُ الشافعىّ يقول: لو أتم مسافر الصلاة متعمدا منكِرا القَصْر،(١) فعليه إعادة
الصلاة . وهذا شىء غريب .
قال ابن خُزَيمة: سمعتُ يونس وذكر الشافعىّ فقال: كان يناظر الرجل حتى بقطعَه،
ثم يقول لمناطره: تقدَّد أنت الآن تولى، وأتقلَّد قولك، فيتقلّد المناظر قوله، ويتقلَّ
الشافعىّ قول المناظر، فلا يزال يناظره حتى يقطعه. وكان لا يأخذ فى شىء إلا تقول:
هذه صناعته .
(١) فى آداب الشافعى: ٢٨: (المتقصير)).

- ١٧٦ -
• قال يونس: قال الشافعى فى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِهَاحِشَةٍ
مُبَيِّةٍ﴾(١) الفاحشة: أن تَبْذُوِ (٢) على أهل زوجها.
• وقال: أصح المعانى فى قوله تعالى: ﴿وَلَّا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الهُ
فِي أَرْحَامِمِنَّ﴾(٣): الولد، والخيْضَة، لا تكتم ذلك عن زوجها، مخافة أن يراجعها.
• وقال يونس: قال الشافعى فى قوله تعالى: ﴿وَاللَّّتِى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ ﴾(٤)
الآية كلها أسخت بالحديث، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((خُذُوا عَنَّى، خُذُوا عَنَّى
قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، عَلَى الْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَعَلَى التَّيَّبِ الرَّحْمُ))
قلتُ : هذا يدل على أن الشافعىّ لا يمنع نسخ القرآن بالسنة، وقد أطلنا فى الكلام
على ذلك فى أصول الفقه .
قال الإمام الجليل أبو الوليد النَّيْابُورِىّ: حدثنا إراهيم بن محمود ، قال: سأل
إنسان يونس بن عبد الأعلى، عن معنى قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((أَقِرُّوا الطَّيْرَ
عَلَى مَكُنَتِهَا))(٥) فقال: إن الله يحب الحق، إن الشافعىّ قال: كان الرجل فى الجاهلية
إذا أراد الحاجة أتى الطير فى وَكْره، فنفَّه، فإن أخذ ذات اليمين مضى لحاجته، وإن أخذ
ذات الشِّمال رجع ، فنهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
قال: وكان الشافعى رحمه الله نسيج وحده فى هذه المعانى.
وقال محمد بن مُهاجر ؛ سألتُ وكيما عن تفسير هذا الحديث، فقال: هو صيد الليل.
فذكرت له قول الشافعيّ فاستحسنه، وقال: ما كنا نظنه إلا صيدَ اليل.
(١) سورة الطلاق ١
(٢) بذو من البذاء ، وهو السكلام القبيح . القاموس (ب ذ و )
(٤) سورة النساء ٠١٥
(٣) سورة البقرة ٢٢٨:
(٥) فى اللسان (ممكن) ١٣ /٤١٢: قيل يعنى بيضها على أنه مستعار لها من الضبة؛ لأن المكن أيس
الطير ، وقيل : عنى مواضع الطير . قال أبوعبيد: وجارى فى كلام العرب أن يتعار مكن الضباب فيجعل المطير
تشبيها بذلك .

- ١٧٧ -
قلتُ: المكُنات واحدها مَكِنة بكسر الكاف وفد تفتح ، وهى فى الأصل : بَيض
الضَّباب، وقيل: هى هنا بمعنى الأمكنة، وقيل: مُكُناتها: جمع مُكُن، ومُكُن جمع
مكان، كصُعُدات فى صُعُد، وُحُرَات فى مُحُ (١).
قال يونس: قلتُ للشافعيّ: ما تقول فى رجل يصلى ورجل قاعد، فعكس القاعد ،
فقال له المصلى : رحمك الله ؟
قال له الشافعىّ: لا تنقطع صلاته.
قال له يونس : كيف ؟ وهذا كلام .
قال: إنما دعا اللهَ له ، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الصلاة لقوم، وعلى
آخرین .
قلتُ : وقد صحح الرُّويانِيّ هذا النص، وصحح المتأخرون بطلانَ الصلاة به.
• قال يونس: كنا فى مجلس الشافعىّ فقال: ما أُبين من حيّ فهو ميت. فقام إليه
غلام لم يبلغ أُم، فقال: يا أبا عبد الله لا يختلف الناس أن الشعر والصوف مجزوز من
حىّ، وهو طاهر. فقال الشافعىّ: لم أُرد إلا فى المتعبِّدِين.
نقله الآبُرِىّ فى ((كتابه)) وقال: يعنى بالمتعبدين الآدميين ، بخلاف البهائم.
قال يونس: سم.تُ الشافعيّ يقول: أوْحَى الله إلى داود عليه السلام. ياداود، وعن تى
وجلالى لأبْتُنَّ كل شفتيْن تكلّمتا بخلاف مافى القلب.
قال الحاكم أبو عبد الله: سمعتُ أبا نصر أحمد بن الحسين بن أبى مروان، يقول: سمعتُ
ابن خُزَيمة ، يقول: سمعتُ يونس بن عبد الأعلى، يقول: إن أم الشافعىّ رضى الله عنه
فاطمة بنت عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن على بن أبى طالب ، وإنها هى التى حملت
(١) العبارة فى الأصول: وقيل مكناتها جمع مكن، ومكن جمع مكنات؛ كصعدات فى صعد، وجمرات
فى جمر. والتصويب من الان ١٣ / ٤١٣، (ملك) نقلا عن الزمخشرى. وانظر الفائق ٤٢/٣.
(١٢ - طبقات - ٢)

- ١٧٨ -
الشافعىّ رضى الله عنه إلى اليمن وأدَّبتْه، وإن يونس كان يقول: لا أعلم هاشميا ولدته هاشمية
إلا على بن أبى طالب ، والشافعىّ رضى الله عنهما.
قلتُ: وهذا قول من قال: إن أم الشافعىّ رضى الله عنه مِن ولد على كرم الله وجهه،
وعليه الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن الفضل الفارسى، فإنه نصَره فى كتابه الذى صنفه
فى ((نسب الشافعى"))، لكن أنكره زكريا السَّاجِىّ، وأبو الحسن الآبُرِىّ، والبَيْهَقِىّ،
والخطيب، والأرْدَسْتَانِىّ، وزعموا أنها كانت أزْدية، ومنهم من قال: أسدية، واحتج
هؤلاء بأنه لما قدم مصر سأله بعض أهلها أن ينزل عنده فأبى، وقال: [إنِى](١) أنزل على
أخوالى الأسديّن .
قلتُ: وأنا أقول: لا دلالة فى هذا على أن أمه أسَدية؛ لجواز أن تكون الأسدية أمَّ
أبيه ، أو أم جده ، ونحو ذلك ، ويكون اقتدى فى ذلك قولا وفعلاً برسول الله صلى الله عليه
وسلم ، لَمَّا هاجر وقدم المدينة، ونزل على أخوال عبد المطلب إ كراما لهم. فما ذكره يونس
مِن أن أمه من ولد علىّ قول لم يظهر لى فسادُه ، بل أنا أميل إليه .
فإن قلتَ: قد ضعَّفه مَن ذكرت من الأمة؛ وجعل البَيْهِقِيّ الحملَ فيه على أحمد بن
الحسين ابن أبى مروان، واحتج بمخالفة سائر الروايات إليه .
قلتُ: لم يتبين لى مخالفتُها؛ فإن غايتها ما ذكرتُ من أنه رضى الله عنه قال: أنزل على
أخو الى الأسديّن، وقد بيَّنًا أنه يمكن حمل ذلك على أخوال الأب ، ونحوه، والمصير إلى
ذلك متميّ ؛ الجمع بينه وبين هذه الرواية الصريحة فى تعيين اسم أمه ، وسياق نسبها إلى
علىّ كرم الله وجهه، وضعفُ ابن أبى مروان لم يثبت عندنا ، ولو كان، لم يسكت عنه
الحاكم إن شاء الله .
:
والذين قالوا: إن أمه أسدية ربما قالوا أيضاً: أزدية، ثم قالوا: الأزد والأسد شىء
واحد، ولم يعيّنّوا لها اسما، ولا ساقوا نسيا، وغاية بعضهم أن كناها أمَّ حبيبة(٢).
:
(١) زيادة من: ج ، د.
(٢) فى المطبوعة: صبية. والمثبت من: ج ، د.

- ١٧٩ -
فإن قلتَ: قد ذكروا أن ابن عبد الحكم قال: سمعتُ الشافعىّ يقول: أمِّى من
الأزْد .
: قلتُ: وقد ذكرنا أن يونس قال ما أبديناء، والله أعلم أىُّ الأمرين أثبت، والجمع
بينهما عند الثبوت ممكن بالطريق التى ذكرنا .
فإن قلتَ : فقد وافق ابن المُقْرِى الجماعة على تضيف كونها علوية ؛ محتجا بقول
الشافعىّ فى حكايته مع إبراهيم الحجَيّ، الذى تقدمت فى ترجمة الحارث النَّقَال: علىّ أن
عمى. قال: ولم يقل جدِّى. قال: ولو كان جده لذكر ذلك؛ لأن الجدودة أقوى من الحؤولة
والعمومة .
قلتُ : يحتمِل أن يقال: إنما اقتصر على كونه ابن عمه ؛ لأنها القرابة من جهة الأب ،
وأما الجدودة فإنها قرابة من جهة الأم، والقرابة من جهة الأم لا تُذكر غالبا، ثم الأمر
فى هذه المسألة موهوم، فلسنا فيها على قطع ولا ظن غالب، وما ذكرناه من اقتصاره على أنه
ابن عمه للمعنى الذى أبديناه ، حسن فى الجواب لو وقع الاقتصار عليه فى كل الروايات ،
لكن فى بعضها ابن عمِّى وابن خالتى، وذكر الحؤولة يضعف ما أبديناه، ولا عظيم فى المسألة،
وأى الأمرين منها ثبَتَ فشرفُهُ بِيَِّ، فإن الأزْد أيضاً قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فيما رواه التَّرْمِذِىّ: ((الْأَزْدُ أَزْدُ اللهِ فِى الْأَرْضِ، يُرِيدُ النَّاسُ أَنْ يَضَعُوهُمْ، وَيَأْتِى
اللهُ إِلَّا أَنْ يَرْفَعَهُمْ» الحديث.
• وكانت أمه رضى الله عنها باتفاق النّنة من العابدات ، القانتات ، ومن أذكى
الخلق فِطرة، وهى التى شهدت هى وأم بِشر المَرِيسِيّ بمكة عند القاضى، فأراد أن يفرِّق
بينهما ؛ ليسألهما منفردتين عما شهدتا به استفسارا. فقالت له أم الشافعىّ : أيها القاضى
ليس لك ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَ فَتُذَ كَّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾(١)
فلم يفرِّق بينهما .
(١) سورة البقرة ٢٨٢ .

- ١٨٠ -
قلتُ : وهذا فرع حسن ، ومعنى قوى، واستنباط جيد ، ومنزع غريب ، والمعروف
فى مذهب ولدها رضى الله عنه: إطلاق القول بأن الحاكم إذا ارتاب بالشهود استحب له
التفريق بينهم ، وكلامها رضى الله عنها صريح فى استثناء النساء ، لمنزع الذى ذكرته،
ولا بأس به .
فإن قلتَ : هذا الذى جاء فى بعض الروايات، من قول الشافعى فى علىّ كرم الله
وجهه: ابن خالتى، ما وجهه؟ فإن كونه ابن عمه واضح، وأما كونه ابن خالته فغير واضح.
قلتُ: قد وجَّهوه بأن أم السَّائب بن عُبَيد جد الشافعى رضى الله عنه، هى الشَّفا بنت
الأرقم بن هاشم بن عبد مناف، وأم هذه المرأة خُلَيدة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف ،
وأم على (١بن أبى طالب١) كرم الله وجهه فاطمة بنت أسد بن (١هاشم بن١) عبد مناف،
فظهر أن عليا كرم الله وجهه ابن خالة الشافعى ، بمعنى ابن خالة أم جدَّه.
خاتمة لهذه الطبقة الأولى
اعلم أن فى الرواة عن الشافعى رضى الله عنه كثرة، وقد أفردهم الحافظ أبو الحسن
الدَّارَ قْطِنِىّ بجزء ، ونحن اقتصرنا على من تمذهب بمذهبه ، أو كان كبير القدر فى نفسه،
وأسقطنا ذكر من لا نرى لذكره كبير معنى، غير سواد فى بياض ، بحيث أسقطنا ذكر
جماعة ذكرهم أبو عاصم العَبَّادِىّ، وغيره ممن صنف فى الطبقات ، وفيمن أخذ علم الشافعى
ومُزِى إليه، وعاصره.
وذكر الأصحاب فى الطبقات عبد الرحمن بن مَهْدِىّ، ويحيى بن سعيد القَطّانِ، أما
عبد الرحمن بن مَهْدِى بن حسان بن عبد الرحمن (٢).
(١) زيادات من : ج ، د على ما فى المطبوعة.
(٢) لم يتح لابن البکی أن یکمل حديثه.
ويلاحظ أنه كرر ما سبق أن ذكره فى صفحة ١٧٣ وزاد عليه.