Indexed OCR Text
Pages 141-160
- ١٤١ -
وقال على بن خلف: سمعتُ الحُمَيْدِىّ يقول: ما دمتُ بالحجاز، وأحمد بالعراق ،
وإسحاق بخراسان لا يغلبنا أحد.
قلتُ: ومن ثَمّ قال الحاكم أبو عبد الله: الحُمَيْدِىّ مفتى أهل مكة ومحدِّبْهم، وهو
لأهل الحجاز فى السنة كأحمد بن جنبل لأهل العراق . انتهى .
وقال السَّرَّاج: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: الحُمَيْدِىّ إمام فى الحديث.
قال ابن سعد، والبخارىّ: توفى بمكة سنة تسع عشرة ومائتين .
وزاد ابن سعد: فى شهر ربيع الأول، وقد أغفل شيخنا المزِّىّ حكاية الشهر عن ابن سعد
وحكى عنه السَّنَة .
{ ومن الفوائد عن الحميدىّ﴾
قال الربيع بن سليمان: سمعت الحُمَيْدِىّ يقول: قدم الشافعىّ من صنعاء إلى مكة بعشرة
آلاف دينار فى منديل ، فضرب خباءه فى موضع خارجا من مكة ، وكان أناس يأتونه ، فما
برححتى ذهبت کاها .
وقال الحُمَيْدِىّ: ذكر رجل الشافعىّ حديثاً، وقال: أتقول به؟ فقال: أرأيت فى وسطى
زُنَّارا، أترانى خرجت من كنيسة حتى تقول لى هذا!
ومن طريق الحُمْيْدِىّ رويتُ:
﴿المناظرة الشهيرة بين محمد بن الحسن والشافعيّ رضى الله عنهما)
• وملخصها : قال له محمد: ما تقول فى رجل غصب من رجل ساجة(١) ، فبنى عليها
بناء أنفق فيه ألف دينار، ثم جاء صاحب الساحة أثبت بشاهدين عدلين ، أن هذا اغتصبه
هذه الساحة ، وبنى عليها هذا البناء ، ما كنت تحكم ؟
(١) الساجة : الخشب من شجر الساج.
- ١٤٢ ـ
قال الشافعىّ: أقول لصاحب الساجة يجب أن تأخذ قيمتها، فإن رضى حكمت له
بالقيمة ، وإن أبى إلا ساجتَه قلعتها ورددتها عليه.
فقال محمد : فما تقول فى رجل اغتصب من رجل خيط إبْرِبِسَم (١)، فخاط به بطنه
فجاء صاحب الخيط ، فأثبت بشهادة عدلين أن هذا اغتصبه هذا الخيط ، أ كنت تنزع الخيط
من بطنه ؟.
فقال الشافعى : لا .
فقال محمد: الله أكبر، زكتَ قولكِ!
فقال الشافعىّ: لا تعجل [يا محمد](٢) أخبرنى لو لم يغصب الساحة مِن أحد، وأراد
أن يقلع عنها هذا البناء ، أمباح له ذلك أم محرَّم عليه ؟
فقال محمد : بل مباح
فقال الشافعى: أفرأيت لو كان الخيط خيطَ نفسِه، فأراد أن ينزعه من بطنه ،
أمباح له ذلك أم مُرَّم ؟
فقال محمد : بل محرَّم .
فقال الشافعى": فكيف تقيس مباحا على محرَّم ؟
فقال محمد: أرأيت لو أدخل غاصب الساحة فى سفينة، ولجج فى البحر ،
أكنت تنزع اللوح من السفينة ؟
فقال الشافعيّ: لا، بل آمره أن يقرب سفينته إلى أقرب المراسى إليه، ثم أزع اللوح،
وأدفعه إلى صاحبه .
فقال محمد: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ))؟
فقال الشافعىّ: هو أضْرَّ بنفسه ، لم يضرّ به أحد ..
ثم قال الشافعيّ: ما تقول فى رجل اغتصب من رجل جارية، فأولدها عشرة، كلهم
(١) الإبرسم: الحرير
.(٢) زيادة من : ج .
- ١٤٣ -
قد قرأوا القرآن ، وخطبوا على المنابر ، وحكموا بين المسلمين(١)، فأثبت صاحب الجارية
بشاهدين عدلين أن هذا اغتصبها منه، ناشدتك الله بماذا كنت تحكم ؟
قال : أحكم بأن أولاده أرقّاء لصاحب الجارية .
فقال الشافعىّ : أيهما أعظم عليه ضررا : أن يجعل أولاده أرقاء ، أو يقلع البناء
عن الساحة ؟(٢)
٣٢
مجوز = عبد العزيز بن عمران بن أيوب بن مِقْلاص
الإمام أبو علىّ، الخزاعىّ مولاهم، المصرىّ، الفقيه*
أخذ عن الشافعىّ، وعن عبد الله بن وَهْب .
روى عنه أبو زُرْعَة، وأبو حاتم ، وغيرهما .
وهو ابن بنت سعيد بن أبى أيوب .
كان فقيها زاهدا، توفى سنة أربع وثلاثين ومائتين .
﴿ومن المسائل عنه )
• روى ابن مِقْلاص عن الشافعىّ: أن السَّويق مخالف للحنطة، والدقيق مجانس لها ،
والمشهور عند الأصحاب أن السويق كالدقيق .
قال الوالد رحمه الله : وينبغى التثبت فيما نقل ابنُ مِقْلاص؛ فإن السَّويق فى هذه البلاد
(٢) بعد هذا فى الطبقات الوسطى زيادة :
(١) فى المطبوعة: الناس. والمثبت من : ج ، د .
عبد الحميد بن الوليد
ابن المغيرة ، أبو زيد ، المصرى ، النحوى
روى عن مالك، والليت ، وابن لهيعة ، وغيرهم .
توفى فى شوال سنة إحدى عشرة ومائتين .
* له ترجمة فى : طبقات ابن هداية الله ٤، القاموس (ققص) .
:
- ١٤٤ -
إنما يستعمل من الشعير، وحينئذ لا إشكال فى مخالفته الحنطة، وإنما يُستَغرب(١) منقول
ابن مِقْلاص إذا صرَّح بالفرق بين السويق والدقيق من جنس واحد.
٢٣
عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز بن مسلم بن ميمون
الكِتَفِ، الكل
*
الذى ينَب إليه كتاب ((الحَيْدَة).
روى عن سفيان بن عُيَيْنَةَ، ومروان بن معاوية الفِزَارى، وعبد الله بن معاذ:
الصَّفْعَافِىّ(٢)، ومحمد بن إدريس الشافعى؛ وبه تخرج، وهشام بن سليمان المَخْزوميّ، وغيرم.
روى عنه أبو العيناء محمد بن القاسم بن خَلَّاد، والحسين بن الفضل المَجَلىّ، وأبو بكر
يعقوب بن إبراهيم التَّيْمِىّ، وغيرهم . وهو قليل الحديث .
ويقال : كان يلقّب بالغُول؛ لدمامة منظره.
وعن أبى العيناء: لما دخل عبد العزيز المكيّ على المأمون، وكانت خلقته شفعة جدًّا ،
ضحك أبو إسحاق المعتصم، فقال: يا أمير المؤمنين لمَ يضحك هذا؟! لم يصطف الله
يوسف عليه السلام لجماله، وإنما اصطفاه الله لدينه وبيانه. فضحك المأمون ، وأعجبه.
قال الخطيب: قدم بغداد زمن المأمون ،" وجرت بينه وبين بِشر المَرَبِيّ(٣) مناظرة
فى القرآن ..
قلتُ: أى ردَّ على بشرٍ قولَه بخلق القرآن، كذا بيَّنه الشيخ أبو إسحاق، وهو مشهور.
(١) فى ج.، د: سيغرب، والمثبت فى المطبوعة.
* له ترجمة فى: تاريخ بغداد ٤٤٩/١٠، تهذيب التهذيب ٣٦٣/٦، شذرات الذهب ١٩٥/٢
طبقات الشيرازى ٨٤، العبر ٤٣٤/١.
(٢) فى المطبوعة: الصاغابى، وفى د: الصغافى، والمثبت من: ج، وتهذيب التهذيب ٣٦٣،٣٧/٦
(٣) بفتح الميم وكسر الراء وسكون الياء تحتها نقطتان وفى آخرها سين مهملة، هذه النسبة إلى
٠ريس، وهى قرية عصر الباب ١٢٨/٣
- ١٤٥ -
قال الخطيب : وكان من أهل العلم والفضل ، وله مصنفات عدة ، وكان ممن تفقه
بالشافعى ، واشتهر بصحبته .
وقال داود بن على الظَّاهرىّ: كان عبد العزيز بن يحلى أحد أتباع الشافعىّ ،
والمقتبسين عنه ، وقد طالت صحبته له، وخرج معه إلى اليمن، وآثار الشافعى فى كتب
عبد العزيز ظاهرة .
ونقل الخطيب: أن عبد العزيز قال: دخلت على أحمد بن أبى دُؤاد وهو مفلوج ، فقلت:
إنى لم آتك عائداً، ولكن جئت لأحمد الله أن سجنك(١) فى جلدك.
قال شيخنا الذهبيّ : فهذا يدل على أن عبد العزيز كان حيًَّ فى حدود الأربعين .
قلتُ: وعلى أنه كان ناصرا للسنة فى نفى خلق القرآن ، كما دلت عليه مناظرته مع بشر؛
وكتاب ((الحيدة)) المنسوب إليه فيه أمور مستشنعة؛ لكنه كما قال شيخنا الذهبىّ:
لم يصح إسناده إليه ، ولا ثبت أنه من كلامه ، فلعله وُضِع عليه.
٢٤
على بن عبد الله بن جعفر بن تَجِح السَّعْدِىّ
أبو الحسن، ابن الَدِينِىّ، الحافظ*
أحد أئمة الحديث ، ورفعاتهم، ومَن العقد الإجماع على جلالته وإمامته، وله التصانيف
الحِسان.
مولده سنة إحدى وستين ومائة .
وسمع أباه، وحَّاد بن زيد، وهُشَما، وابن مُيَيْنَة، والدَّرَاوَرْدِىّ ، وابن وَهْب،
(١) فى ج : شحنك. والمثبت فى المطبوعة، د .
* له ترجمة فى: تاريخ بغداد ٤٥٨/١١، تذكرة الحفاظ ١٥/٢، تهذيب التهذيب ٣٤٩/٧،
الجمع بين رجال الصحيحين ٣٥٦، شذرات الذهب ٨١/٢، طبقات الشيرازى ٨٤، المبر ٤١٨/١،
اللباب ١١٥/٣، النجوم الزاهرة ٢٧٦/٢.
(١٠ /٢ - طبقات)
- ١٤٦ -
وعبد الوارث، والوليد بن مسلم، وغُنْدَرًا، ويحلى القطّان، وعبد الرحمن بن مهدى،
وابن ◌ُلَيَّة ، وعبد الرزّاقِ، وخَلْقَاً سواهم .
روى عنه البخارىّ، وأبو داود، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن يحيى الذّهْلِىّ ،
وإسماعيل القاضى، وصالح جَزَرة، وأبو خليفةِ الْجَمَحِى، وأبو يَعْلَى المَوْصِلِىّ، وعبد الله
البَغَوىّ، وخلق، آخرهم موتا عبد الله بن محمد بن أيوب الكاتب، وأقدمهم وفاة شيخه
سفيان بن غُيَمِنَة .
قال الخطيب : وبين وفاتيهما مائة وثمان وعشرون سنة .
وروى التّمدىّ، والنَّبائىّ ، عن رجل، عنه.
قال أبو حاتم : كان ابن المدينىّ علما فى الناس فى معرفة الحديث والعلل، وما سمعت
أحمد(١) سماء قط، إنما ( كان )(٢) یکنیه تبجيلا له .
وعن ابن عُيَيْنَة: يلومونى على حب ابن المدينىّ، والله لما أتعلم منه أكثر مما يتعلم منى.
وعنه : لولا ابن المدينىّ ما جلستُ.
وعن عبد الرحمن بن مهدىّ أنه قال: ابن المدينىّ أعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وخاصة بحديث ابن عُيَيْنَة ..
وقال أبو قُدامة الشَّرَخْسِىّ: سمعتُ على بن المدينيّ يقول: رأيت فيما يرى النائم كأن
الثريًّا نزلت حتى تناولها. قال أبو قدامة: فصدَّق الله رؤياه، بلغ فى الحديث مبلغا لم يبلغه
كبير(٣) أحد .
قال النَّسائى: كأن الله خلق على بن الَدِينِىّ لهذا الشأن.
وقال صاعقة: كان ابن المدينىّ إذا قدم بغداد تصدّر الحلقة، وجاء يحيى وأحمد بن حنبل
والناس يتناظرون؛ فإذا اختلفوا فى شىء تكلم فيه ابن المدينىّ .
(١٠) فى المطبوعة، د): أحدا، والمثبت من : ج .
(٣) فى المطبوعة: كثير . والمثبت من: ج .
(٢) زيادة من : ج
- ١٤٧ -
وقال السَّرَّاج: قلتُ للبخاريّ: ما تشتهى؟ قال : أن أقدَم العراق وعلىّ بن عبد الله
حىٌّ ، فأجالسه .
وعن البخارىّ : ما استصغرتُ نفسى عند أحد إلّا عند ابن المدينىّ.
وقيل لأبى داود : أحمد أعلم ، أم علىّ ؟ قال: علىّ أعلم باختلاف الحديث من أحمد .
وقال عبد الله بن أبي زياد القَطَوَانىْ(١): سمعتُ أبا عُبيد يقول: انتهى العلم إلى أربعة:
أبو بكر بن ابى شَيْبة أسرَدُهم له، وأحمد بن حنبل أفقههم فيه، وعلى بين الْمَدينىّ أعلمهم به،
ويحيى بن معين أكتبهم له .
وكان على بن المدينيّ ممن أجاب إلى القول بخلق القرآن فى المحنة، فَنُقِم ذلك عليه ،
وزيد عليه فى القول . والصحيح عندنا أنه إنما أجاب خشية السيف .
قال ابن عدىّ: سمعت مُدَّد بن أبى يوسف القُلُوسِىّ(٢)، سمعت أبى يقول: قلتُ
لابن المدينىّ: مثلُك فى علمك يجيب إلى ما أجبتَ إليه ! فقال: يا أبا يوسف ما أهون(٣)
عليك السيف .
وعنه : خفتُ أن أُقتل، ولو ضُربتُ سوطا واحدا لِتُّ.
قلتُ: وما حُكِىَ من أنه علّ حديث الرؤية بسؤال القاضى أحمد بن أبى دؤاد له ، وقوله
له : هذه حاجة الدهر. وأن عليا قال: فيه مَن لا يُعُوَّل عليه، قيسُ بن أبى حازم ، إنما كان
أعرابيا بوَّالا على عَقِبِيه ؛ وأن ابن أبى دؤاد قال لأحمد بن حنبل: تحتج علينا بحديث جرير
فى الرؤية ، وإنما هو من رواية قيس بن أبى حازم، أعرابى بوال على عقبيه! وأن ابن حنبل
قال: علمتُ أن هذا من عمل ابن المدينىّ؛ فهو أرْ(٤) لا يصح.
(١) بفتح القاف والعطاء والواو وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى قطوان، وهو موضعان بالكوفة
وسمر قند ، ينسب إلى الأول عبد الله بن أبى زياد هذا. الباب ٢٧٢/٢.
(٢) بضم القاف واللام بعدهما واو وسين مهملة، هذه النسبة إلى القلوس - فيما يفلن - وهى حبال
(٣) فى المطبوعة، د: أحول. والمثبت من : ج.
الفن . الباب ٢٧٧/٢.
(٤) فى ج: أمر، والمثبت فى المطبوعة، د.
- ١٤٨ -
وقال أبو بكر الخطيب: هذا باطل، قد نزَّ الله ابن الْمَدينىّ عن قول ذلك فى قيس.
وليس فى التابعين من أدرك العشرة وروى عنهم غيره ، ولم يحك أحد ممن ساق محنة أحمد
أنه نوظر فى حديث الرؤية.
وقال أبو العيناء: دخل على بن المدينيّ إلى أحمد بن أبي دؤاد، بعد حنة أحمد فناوله
رقعة ، وقال : هذه طُرِحت فى داری ؛ فإذا فيها (١):
يَا ابْنَ المدينى الذى شُرعتْ لهُ دُنيا تجاد بدينه لينالهاً
قد كان عندك كافرًا مَن قالهاً
ماذا دعاك إلى اعتقادٍ مقالةٍ
أم زهرةُ الدنيا أردتَ نواَهاً
أمر بَدَا لكَ رِشِدُه فقبلته.
صعبَ أْقَادِهِ لِلَّتِى تُدْعَى ◌ِهَا
فاقد عهدتُك لا أبالك مرّةً
إنّ الحَرِيب(٢) لَمَنْ يُصاب بِدِينِهِ
لا مَن يُرِزَّى نَاقَةً وفِصالها
فقال له: لقد قّتَ وقّنا من حق الله بما يصفِّر قدر الدنيا عند كثير نوابه ، ثم وصله
بخمسة آلاف درم .
وقال محمد بن عثمان بن أبى شَيْبة: سمعتُ على بن الْمَدينىّ يقول، قبل موته بشهرين:
القرآن كلام الله غير مخلوق ، ومن قال مخلوق فهو كافر ..
وقال البخارىّ: مات على بن المدينيّ ليومين بقيا من ذى القعدة، سنة أربع
وثلاثین ومائتين .
وقال الحارث، وغير واحد: مات بسُنَّ مَن رأى فى ذى القعدة، وغلط مَن قال
سنة ثلاث .
﴿ ومن الفوائد عن علىّ رحمه الله)
• روى أبو محمد بن حزم الظاهرىّ، فى ((كتاب الاتصال)»: أن أبا محمد حبيباً.
البخارىّ، وهو صاحب أبى ثور، ثقة، مشهور، قال: حدثنا محمدبن سهل، قال: سمعت على
. (١) القصة والأبيات فى تاريخ بغداد ٤٦٩/١١
(٢) الحريب: هو الذى أخذ جميع ماله. المصباح المنير ١٩٨.
- ١٤٩ -
ابن الْمَدينىّ، يقول: دخلتُ على أمير المؤمنين، فقال لى: أتعرف حديثاً مُنَدا فيمن سب
النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فيُقتَل ؟
فقلت : نعم. فذكرت له حديث عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن سماك بن الفضل ، عن
عُرْوة بن محمد ، عن رجل من بَلْقَيْن قال: كان رجل يشتُم النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ يَكْفِنِى عَدُوًّا لِي))؟ فقال خالد بن الوليد: أنا . فبعثه
النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليه، فقتله .
فقال أمير المؤمنين : ليس هذا مُسنَدا ، هو عن رجل .
فقلتُ: يا أمير المؤمنين، هكذا يُعَرَف هذا الرجل، وهو اسمه، وقد أتى النبيَّ صلى الله
عليه وسلم فبايعه ، هو مشهور معروف .
قال : فأمر لی بألف دينار .
قال ابن حَزْم : هو حديث صحيح مُسنَد .
قلتُ: لا يريد ابن الَدِينِىّ بقوله: ((وهو اسمه)) أن اسم هذا الرجل المجهول: رجل
من بَلْقَيْن. وأن هذا اللفظ علم عليه، وإنما يريد أنه بذلك يُعْرَف، لا يُعْرَف له اسم عَلَم،
بل إنما يُعْرَف بقبيلته ، وهى الْقَيْن ، فيقال: رجل من بنى الْقَيْن ، يدل عليه مع وضوحه
قوله: « هكذا يعرف هذا الرجل».
وقوله: (( وقد أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فبايعه)» جواب سؤال مقدّر، تقديره :
إذا كان مجهولا فكيف يُحتَج به؟ فأجاب بأن جهالة العين والاسم، مع العلم بأنه صحابىّ
لا يقدح؛ لأن الصحابة كلهم ◌ُدول، وهذا الرجل كما ذكر ابن المَدِينِىّ لا يُعْرَف له اسم .
وقد روَى البَيْهَفِىّ هذا الحديث فى سننه(١)، من حديث مَعْمَر هكذا، وهو إسناد
صحیح .
ورَوَى الحاكم أبو عبد الله بسنده فى كتاب ((منكى الأخبار)): أن عبد الله بن على
(١) سننه فى (باب قتل من ارتد عن الإسلام إذا ثبت عليه، رجلا كان أو امرأة) ٢٠٣/٨،
ولفظه: عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن عروة بن محمد، عن رجل من بلقين: أن امرأة سبت
النبى صلى الله عليه وسلم، فقتلها خالد بن الوليد، رضى الله عنه.
- ١٥٠ -
ابن المَدِينِىّ قال: سمعتُ أبى يقول: خمسة أحاديث لا أصل لها عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم: حديث: ((لَوْ صَدَقَ السَّائِلُ مَا أَفْلَحَ مَنْ رَدَّهُ)) وحديث: ((لَا وَجَعَ إِلَّا وَجَعْ.
الْعَيْنِ، وَلَّا غَمَّ إِلَّ غَمُّ الَّيْنِ)) وحديث: ((إِنَّ الشَّمْسَ رُدَّتْ عَلَى عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالٍِ))
وحديث: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ، إِنَّهُهَاَ كَنَا يَغْتَبَنِ ».
قلتُ: هو نظير قول الإمام أحمد رضى الله عنه: أربعة أحاديث لا أصل لها : حديث:
((مَنْ آذَى ذِمِّيَّا فَكَأَنَّمَا آذَانِ)) وحديث: ((مَنْ بَشَّرَنِ بُخُرُوجٍ أَدَارٍ ضَمَنْتُ لَهُ
عَلَى اللهِ الْجَنَّةَ)) وحديث: ((لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَلَوْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ)) وحديث: (( يَوْمُ
صَوْمِكُمْ يَوْمُ نَحْرِكُمْ يَوْمُ رَأْسٍ سَنَتِكُمْ)) .
٣٥
الفضل بن الربيع بن يونس بن محمد بن عبد الله بن أبى فروة
واسمه كَيْسان مولى عثمان بن عفان رضى الله عنه، أبو العباس*
. حاجب الرشيد ، ثم وزيره .
كان من رجال الدهر: رأياً، وجزماً، ودهاء ، ورياسة ، ومكارم ، وعظمة فى الدنيا ،
ولوالده الجاه الرفيع عند مخدومه أمير المؤمنين أبى جعفر المنصور.
۔۔
ولما آل الأمر إلى هارون الرشيد ، واستَوْزر البرامكة، جعل الفضل حاجبه ، وكان
الفضل يروم التشبه بالبرامكة ، ومعارضتهم، ولم يكن له إذ ذاك من المقدرة ما يدرك اللحاق
بهم، فمن ثَّمَّ كانت بينهم إحَن وشحناء، إلى أن قدّر الله زوال نعمة البرامكة على يدى
الفضل؛ فإنه تمكَّن بمجالسة الرشيد، وأوغى قلبه فيما يُذكر عليهم، حتى اتَّفَق له ما تناقلته
الرواة .
* له ترجمة فى: تاريخ بغداد ٣٤٣/١٢، شذرات الذهب ٢٠/٢، الغير ٣٥٥/١، النجوم
الزاهرة ١٨٥/٢، وفيات الأعيان ٢٠٥/٣
- ١٥١ -
واستمر الفضل متمكنا عند هارون ، إلى أن قضى هارون نحبه ، فقام بالخلافة ولده محمد
الأمين ، وساق إليه الخزائن بعد موت أبيه، وسلم إليه القضيب والخاتم ، وأنّاه بذلك
منْ لُوس .
وكان الفضل هو صاحب الحل والعقد ؛ لاشتغال الأمين باللهو ، ولما تداعت دولة الأمين
ولاح عليها الإدبار، اختفى الفضل مدة طويلة، فلما بويع إبراهيم بن المهدىّ ظهر الفضل،
وساس نفسه ، ولم يدخل معهم فى شىء؛ فلذلك عفا عنه المأمون بشفاعة طاهر بن الحسين،
واستمر بَطَّالا فى دولة المأمون لاحَظَّ له إلا السلامة إلى أن مات .
وفى تقصّى أخباره طول وفصول، ولكنا نذكر فوائد من أوائلها وأواخرها ، فمنها
قيل :
دخل الفضل يوماً على يحيى بن خالد البَرْمكىّ، وقد جلس لقضاء الحوائج، وبين يديه
ولده جعفر يُوقِّع فى القِصَص، فعرض الفضل عليه عشر رِقاع للناس، فتعلَّل يحيى فى كل
رقعة بِلَّة، ولم يوقع فى شىء منها ألبثّةَ. جمع الفضل الرقاع، وقال: ارْجِمن خائبات
خاسئات . ثم خرج، وهو ينشد :
بتصريف حالٍ والزمانُ عَثورُ
عسى وعسى يُثْنى الزمانُ عِنانَه
وتحدث مِن بعد الأمور أمورٌ
فُتُقْضَى لُبَاناتٌ وَتُشَفَى حَسائفٌ(١)
فسمعه يحيى ، فقال : عمتُ عليك ياأبا العباس إلا رجعت . فرجع، فوقّع له فى جميع
الرقاع، ثم لم يمض إلا القليل ونكبت البرامكة على يديه ، وتولى هو الوزارة بعد أن كان
حاجبا .
وتنازع يوما جعفر بن يحيى، والفضل بن الربيع بحضرة الرشيد ، فقال جعفر المفضل:
يالقيط. إشارة إلى شىء كان يقال عن أبيه ، فقال الفضل: اشهد يا أمير المؤمنين. فقال
جعفر للرشيد: تُراه عند مَن يُقيمُك هذا الجاهل شاهدا يا أمير المؤمنين! وأنت حاكم
الحكام.
(١) الحافة والحيفة : الغيظ والعداوة.
- ١٥٢ -
والفضل بن الربيع هو الذى يقول فيه أبو نُوَاس (١):
وليس له بُمُتبكرٍ أن يجمع العالم فى واحدٍ
من أبيات.
مات الفضل سنة ثمان ومائتين ، وهو فى عشر السبعين.
ويستحسن إيراده فى أصحاب الشافعى، لما أخبرتنا به زينب بنت الكال المقدسية،
إِذَاً، عن الحافظ أبى الحجّاج الدَّمشقىّ، أنه قال: أخبرنا أبو المكارم اللَّيَّان، أخبرنا
الحسن بن أحمد الحدّاد، أخبرنا أبو نُمَيم الحافظ، حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر البغدادى
غُنْدَر، حدثنا أبو بكر محمد بن عُيَيْد، حدثنا أبو نصر المخزوميّ الكوفى، حدثنا الفضل
ابن الربيع حاجب هارون الرشيد أمير المؤمنين، قال: دخلت على هارون الرشيد، فإذا
بين يديه ضُبارة (٢) سيوف، وأنواع من العذاب، فقال لى: يا فضل. فقلتُ: لبيك
يا أمير المؤمنين. قال: علىَّ بهذا الحجازىّ، يعنى الشافعى.
فقلتُ: إنا لله وإنا إليه راجعون ، ذهب هذا الرجل .
قال : فأتيتُ الشافعىّ، فقلتُ له: أجِبُ أمير المؤمنين.
فقال: أصلّى ركعتين
فقلت: صلِّ. فصلى ثم ركب بغلة كانت له، فسرنا معا إلى دار الرشيد، فلما دخلنا
الدُّهليز الأول حرّك الشافعى شفتيه، فلما دخلنا الدِّهاير الثانى حرّك شفتيه ، فلما وصلنا
بحضرة الرشيد قام إليه أمير المؤمنين كالمشرئب له ، فأجلسه موضعه ، وقعد بين يديه ،
يعتذر إليه، وخاصَّةُ أمير المؤمنين قيام ينظرون إلى ما أعدَّ له من أنواع العذاب، فإذا هو
جالس بين يديه ، فتحدثوا طويلا، ثم أذن له بالانصراف
فقال لى : يا فضل .
قلت : لبيك يا أمير المؤمنين .
: (١) ديوانه ٤٥٤، وفى المطبوعة: وليس من الله. والمثبت من: ج، د، والديوان.
(٢) الصبار - بالضم ويكسر -: الجزمة.
- ١٥٣ -
فقال: احمل بين يديه بَدْرة. حملت، فلما صرنا إلى الدهليز الأول [لخروجه}(١)،
قلتُ : سألتك بالذى صيّر غضبه عليك رضاً، إلا ما عرَّفْتنى ما قلتَ فى وجه أمير المؤمنين،
حتى رضى .
فقال لى: يا فضلُ . فقلتُ له: لبيك أيها السيد الفقيه. قال: خذ منى، واحفظ عنى،
قلتُ: { شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَّهَ إِلَّ هُوَ﴾(٢) الآية، اللهم إنى أعوذ بغير قدسك، وبركة
طهارتك ، وبعظمة جلالك من كل عاهة ، وآفة ، وطارق الجن والإنس ، إلا طارقاً يطر فنى
بخير، يا أرحم الراحمين(٣). اللهم بك ملاذى فبك أُوذ، وبك نميائى فيك أغوث،
يا مَن ذَّت له رقاب الفراعنة، وخضعت له مقاليد الجبارة، اللهم ذكرك شعارى ،
ودِثارى، ونَوْمى، وقَرَارى ، أشهد أن لا إله إلا أنت، اضرب علىَّ سُرادقات حفظك ،
وقتی رعی بخيرٍ منك يا رحمن .
قال الفضل: فكتبتها، وجعلتها فى بركم(٤) قِباى، وكان الرشيد كثير الغضب على،
وكان كلما هَمّ أن يغضب أحرٍّ كها فى وجهه فيرضى، فهذا مما أدركت من بركة الشافعىّ.
٣٦
القاسم بن سَلَّام
بتشديد اللام ، الإمام الجليل ، أبو عبيد*
الأديب ، الفقيه ، المحدّث، صاحب التصانيف الكثيرة : فى القرآآت ، والفقه،
واللغة ، والشعر .
قرأ القرآن على الكيسانى ، وإسماعيل بن جعفر ، وشجاع بن أبى نصر .
(١) زيادة من : ج .
(٣) فى ج : يارحمن .
(٢) سورة آل عمران: ١٨.
(٤) البركة بالكسر: الصدر. القاموس (ب رك).
* له ترجمة فى: إناه الرواة ١٢/٣، بغية الوعاة ٣٧٦، تاريخ بغداد ٤٠٣/١٢، تذكرة
الحفاظ ٥/٢، تهذيب التهذيب ٣١٥/٨، شذرات الذهب ٥٤/٢، طبقات الحنابلة ٢٥٩/١، طبقات
ابن سعد ٣٥٥/٧، طبقات الشيراوى ٧٦، طبقات القراء ١٧/٢٠، العبر ٣٩٢/١، المزهر ٤١٢،٢٦٤/٢،
معجم الأدباء ٢٥٤/١٦، النجوم الزاهرة ٢:١/٢، نزهة الألبا ١٨٨، وفيات الأعيان ٢٢٥/٣.
- ١٥٤ -
وسمع الحديث من إسماعيل بن عَيَّاش ، وإسماعيل بن جعفر ، وهُشيم بن بشير ،
وَشَرِيك بن عبد الله، وهو أكبر شيوخه، وعبد الله بن المبارك، وأبى بكر بن عَيَّش،
وجرير بن عبد الحميد، وسفيان بن عُدَيْنَة، وخلائق ، آخرهم موتا هشام بن عمار .
روى عنه عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارِييّ، ووكيع ، وأبو بكر بن أبى الدنيا ،
وعباس الدُّورِىّ، والحارث بن أبى أسامة، وعلىّ بن عبد العزيز البغَوىّ، وأحمد بن يحيى
البَلاذُرِيّ(١) الكاتب ، وآخرون .
وتفقّه على الشافعى رضى الله عنه، وتناظر معه فى القُرْء ، هل هو حيض أو طهر؟
إلى أن رجع كل منهما إلى ما قاله الآخر، كما سنشرح ذلك .
ولد بهراة، وكان أبوه فيما يُذكَر عبدا لبعض أهلها، وتنقَّلت به البلاد، وولى قضاء
طَرَسوس، ثم حج بالآخرة ، فتوفى بمكة سنة أربع وعشرين ومائتين.
:
. قال إسحاق بن رَاهُويه: الحق يُحب لله(٢)، أبوِ عُبيد أفقه منى، وأعلم منى ، أبو عبيد
أوسعنا علما، وأكثرنا أدباء إنا نحتاج إلى أبى عبيد وأبو عبيد لا يحتاج إلينا .
قال الحاكم: هو الإمام المقبول عند الكل .
وقال أبو بكر الأنْبارِىّ، وكان أبو عُبَيد قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء: ثلثا ينام، وثلثا
يصلى ، وثلثا يطالع الكتب.
وقال محمد بن سعد: كان أبو عُبيد مؤدِّباً، صاحب نحو وعربية، وطلب الحديث
والفقه ، وولى قضاء طَرَ سُوس أيام ثابت بن نصر بن مالك ، ولم يزل معه ومع ولده ، وقدم
بغداد ففسر بها غريب الحديث ، وصنف كتبا، وحدَّث ، وحج فتوفى بمكة سنة أربع
وعشرين ومائتين ..
وقال عباس الدُّورِىّ: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: أبو عُبَيد ممن يزداد عندنا
كل يوم خيرا .
(١) بفتح الباء الموحدة وبعدها اثلام ألف وضم الذال المعجمة وفى آخرها الراء . الباب ١ /١٥٧.
(٢) فى المطبوعة: الحق يحبه الله، والمثبت من: ج، د، والعبر.
:
- ١٥٥ -
وقال أبو قُدامة : سمعت أحمد يقول: أبو عبيد أستاذ.
وقال حمدان بن سهل: سألت يحيى بن معين عن أبى عُبَيد ، فقال: مثلى يُسأل عن
أبى عُبَيد! أبو عبيد يُسأل عن الناس.
وقال أبو داود : ثقة ، مأمون .
قال الدَّارُ قْطِفِىّ: ثقة، إمام ، جبل(١).
وقال الحافظ عبد الغنيّ بن سعيد: فى ((كتاب الطهارة)) لأبى مُبيد حديثان، ماحدَّث
بهما غيره، ولا حدَّث بهما عنه غير محمد بن يحيى المَرْوَزِىّ.
أحدهما : حديث شعبة ، عن عمرو بن أبى وَهْب .
والآخر: حديث عبيد الله بن عمر عن(٢) سعيد المَقْبُرِىّ، حدث به عن يحيى القطَّان
عن عبيد الله، وحدّت به الناس عن يحيى بن [أبى](٣) عَجْلان.
وقال ثعلب: لو كان أبو عُبَيد فى بنى إسرائيل لكان عجبا .
وقال القاضى أبو العلاء الواسطىّ: أخبرنا محمد بن جعفر التِّيمىّ، حدثنا أبو على
النحوىّ، حدثنا القُْطاطِىّ، قال: كان أبو مُبَيد مع عبد الله بن طاهر، فبعث إليه
أبو دُلَف يستهديه أبا عبيد مدة شهرين، فأنفذه إليه ، فأقام شهرين ، فلما أراد الانصراف
وصله بثلاثين ألف درهم، فلم يقبلها ، وقال : أنا فى جهة رجل لم يحوجْنى إلى صلة غيره،
فلما عاد إلى ابن طاهر وصله بثلاثين ألف دينار ، فقال: أيها الأمير قد قبلتُها ، ولكن قد
أغنيتنى بمعروفك وبِرِّك، وقد رأيت أن أشترى بها سلاحا وخيلا، وأوجِّه بها إلى الثغر ؛
ليكون الثواب متوفرا على الأمير . ففعل .
قيل: وكان أبو مُبيد إذا صنف كتابا، أهداه إلى عبد الله بن طاهر ، فيحمل إليه مالا
خطيرا، استحسانا لذلك.
(١) فى المطبوعة: جليل. والمثبت من: ج، د.
من : ج ،د.
(٣) زيادة من: ج ، د.
(٢) فى المطبوعة : عمر بن سعيد . والتصويب
٠
- ١٥٦ -.
وقال عبد الله بن طاهر: الأئمة(١) للناس أربعة: ابن عباس فى زمانه، والشّعى فى زمانه،
والقاسم بن مَعْن فى زمانه، وأبو مُبيد فى زمانه .
وقال عَبْدان بن محمد المَرْوَزِىّ: حدثنا أبو سعيد الضرير، قال: كنت عند عبد الله
ابن طاهر، فورد عليه نَعْىُ أبى عبيد ، فأنشأ يقول:
وكان فارسَ علم غيرَ مِحْجَامٍ.
يا طالبَ العلم قدمات ابن سلَّامٍ
٢)
. لم يُلْقَ مِثْلُهُمُ إسْتَارَ أحكامٍ"
مات الذى كان فينا رَبْحَ أربعةٍ
وعامرٌ ولَنِعم التِّلوُ يا عام (٣)
خيرُ البرية عبد الله أولهم
والقاسمانِ: ابن مَعْن وابن سلام
هما اللذان أنافاً فوق غيرها
﴿ومن الفوائد عنه)
• حكى الأزهرى فى ((التهذيب)) عن أبى ◌ُبَيد القاسم بن سلام، فى قوله صلى الله عليه
وسلم: ((لَا يَمُوتُ لُسْلِمِ ثَلَاثَةُ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَّهُ النَّارُ إِلَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ)) أن المرادِ.
بهذا القسم قوله تعالى: ﴿وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾(٤) فإذا مر بها، متجاوزا لها ، فقد
أبرّ الله قسمه .
: ثم اعترضه الأزهرىّ بأنه لا قسم فى قوله: ﴿وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا) فِكيف
يكون له تَحِلَّةً؟ قال: ولكن معنى قوله: ((إلا تحلة القسم)) إلا التعزير الذى لا يبدو(٥).
منه مكروه، وأصله من قول العرب: (( ضوبته تحليلا، وضربته تعزيرا))(٦) أى لم أبالغ
فى ضربه ، وأصله من تحليل اليمين ، وهو أن يحلف الرجل ثم يستثنى استثناء متصلا باليمين،
يقال: آلى فلان ألِيّة لم يتحلل؛ أى لم يستْن، ثم جعل ذلك مثلا لكل شىءٍ قَلَّ وفَتُهُ.
(٢) فى الأصول: أستاذ أحكام ، وفى تاريخ
(١) فى ج، د: الأمير . والمثبت فى المطبوعة .
بغداد ٤١٢/١٢: إسناد أحكام. والتصويب من معجم الأدباء ٢٥٧/١٦، وفيه: إستار أى أربعة،
(٤) سورة مريم ٧١:
(٣) فى تاريخ بغداد: جبر البرية.
وربع أربعة ، أى رابع أربعة .
(٥) فىالأصول: يبدأ والتصويب من الان (حل ل) ١٦٨/١١. (٦) كذا فى الأصول. والقول
فى الان : ضربته تحليلا ووغظته تعذيرا، أى لم أبالغ فى ضربه ووعظه .
- ١٥٧ -
ومنه قول الشاعر(١):
* نَجَائِبْ وَقْتُهُنَّ الْأَرْضَ تَحْلِيلٌ *
أی قلیل ، مین ، یسیر .
ويقال الرجل ، إذا أمعن فى وعيد، أو أفرط فى قول: حِلاَّ أبا فلان. أى تحلّل فى
يمينك ، جعله فى وعيده كالف ، فأمره بالاستثناء .
قلتُ: وهو اعتراض عجيب؛ فإن القسم مقدَّر فى قوله: ﴿وَ إِنْ مِنْكُمْ﴾ لأن القسم
عند التحاة بتلّى بالنفى والإثبات، والتقدير: والله، إنْ منكم إلا واردها، أو: أقسم،
إن منكم إلا واردها .
يدل عليه شيئان :
أحدهما: قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ كَانَ عَلَى رَبُّكَ حَتْمَاً مَقْضِيًّا﴾ قال الحسن ،
وقتادة : قسما واجبا . ورُوِى عن ابن مسعود .
والثانى : هذا الحديث ، فقد فهم المصطفى صلى الله عليه وسلم القسم منه ، وقول
الأزهرىّ: ((وأصله من قولهم: ضربته تحليلا)) إلى قوله: ((جعله فى وعيده كالف))
مما يدل على ما ذكرناه ؛ فإنه لو لم يقدِّر أنه حالف ما صح شىء مما ذكرنا .
؟ ذهب أبو عُبيد إلى أن من طَلَّقت فى طهر وجامعها فيه(٢) زوجها، لا تنقضى عِدَّها
إلا بالطعن فى الحيضة الرابعة، وجعله الجيلِىّ(٣) فى ((شرح التنبيه)) مذهبنا، وهو خلاف
قص (( المختصر)) وتصريح الأصحاب.
(١) هذا عجز بيت لكعب بن زهير ، وصدره:
* تَخْدِى عَلَى يَسَرَاتٍ وَهْىَ لَا حِقَةٌ ﴾
ديوانه ١٣ ، والرواية فيه :
* ذَوابِلٌ وَقْتُهُنَّ الأرضَ تَحْلِيلُ *
وفى الثمان ١٦٨/١١ قلا عن الأزهرى :
* بأربعٍ وَقْتُهُنَّ الأرضَ تَحِيلُ *
(٣) بكسر الجيم وسكون
(٢) فى المطبوعة: فى طهرها بامعها فيه. والمثبت من: ج، د.
الياء وفى آخره اللام، هذه النسبة إلى بلاد متفرقة وراء طبركان. الباب ٢٦٤/١.
- ١٥٨ -
قال ابن الرِّفعة: ولعل الجيلىّ اعتقد أبا عُبَيْد من أصحابنا، فاقتصر على حكاية مذهبه.
قلتُ: هذا كلام عجيب، أبو عُبَيْد لاريب فى أنه من أصحابنا، ولكن ذلك لا يُسَوِّغ
حكاية قوله مذهباً لنا ، مع تصريح المذهب بخلافه .
قال أبو عُبَيْد فى قول الشاعر(١):
فإن أدعِ اللَّوانى مِن أُناسٍ أضاعوهنَّ لا أدعُ الَّذِينَ
الذى هنا لا صلة لها، والمعنى: إن أدع ذكر النساء لا أدع ذكر الرجال
قلتُ: هذا البيت للكُمَيت، وهو شاهد ذكر الموصول بغير صلة لقرينة.
• قال أبو عُبَيد فى معنى قول الشَّمَّاخِ(٢):
وماءقد وَردتُ لوصلٍ أَرْوَى
عليه الطبرُ كالوَرَقِ اللَّجِينِ
مَقامَ الذِّئْب كالرجلِ اللَّينِ
ذعرت به القطا ونفیتُ عنه
. إن فيهما تقديما وتأخيرا، والتقدير فى الأول: وماء كالوَرَق الَّجين عليه الطير، واللَّجين
الذى قد ضُرب حتى تلجَّن، والتقدير فى الثانى: مقام الذئب اللعين كالرجل . انتهى .
ذكره فى كتابه فى ((معانى الشعر)).
قلتُ: فجعل ورقه(٣) ((كالورق)) صفة لماء، فيكون قد فصل بين الموصوف والصفة.
بمتعلِّق ((رُبَّ)) المحذوفة، وهو قوله ((وردت))، ((وعليه الطير)) جملة، وهى صفة ثانية.
مؤخرة عن الصفة الواقعة ظرفا، وهكذا أصل الكلام .
ويجوز أن يكون الماء موصوفا بثلاث صفات : هاتين الصفتين ، وقوله (( قد وردت »
ويكون متعلق ربَّ إنما هو قوله: (( ذعرت به القطا)) ولا يأبى هذا الوجه قول أبى مُبَيد ،
ويكون إنما قدر قوله (( كالورق)) مقدما لُعلمَك أنه من صلة ماء ؛ لأن ما قبله غير صفة .
وقوله: ((حتى تلجَّن)) أى حتى تلزّج، ومنه قولهم: لجنت الخُطِىّ ونحوه. إذا
ضربته ليَتْحُن ، وتلجَّن رأسه إذا لم يُنَقَّ وسخُه ..
(١) البيت غير منسوب فى اللسان ٢٤٦/١٥.
(٢) البيتان فى ديوانه ٩٢،٩١، الان ١٣ /٣٨٨،٣٧٨.
(٣) هكذا فى الأصول . ولعل صوابها : قوله.
- ١٥٩ -
واللَّجين: الخَبَط . عن ابن السِّكِّيت ، وهو ما سقط من الورق عند الخبط ، وأنشد
عليه البيت .
والذعر: الفزع، يقال: ذعرته أذعَره ذَعْرا: أفزعته ، والذَّعر بالضم : الاسم.
وقوله ((مقام)» محمول على أنه صلة، أى ونفيتُ عنه الذئب، وهو أحد القولين فى
قوله سبحانه: ﴿ وَلِمِنْ خَافَ مَقَامَ رَبَّهِ جَنََّانِ﴾(١).
وقوله: ((اللعين)) لا يتعين أن يكون صفة للذئب، كما ذكر، بل يجوز أن يكون صفة
للرجل ، أى كالرجل المُبعَد الطريد، وربما يكون ذلك أحسن؛ فإن التشبيه ليس بالرجل من
حيث هو ، بل بالرجل الموصوف باللعين . قاله الشيخ جمال الدين عبد الله بن هشام فى بعض
مجاميعه (٢).
﴿ذَكْر أن الشافعى وأبا عبيد رضى الله عنهما تناظرا فى القرء)
• فكان الشافعى يقول: إنه الحيض، وأبو عُبَيد يقول: إنه الطهر. فإيزل كل منهما يقرر
قوله ، حتى تفرقاً وقد انتحل كل واحد منهما مذهب صاحبه ، وتأثر بما أورده من الحجج
والشواهد .
قلتُ : وإن صحت هذه الحكاية ، ففيها دلالة على عظمة أبى عُبَيد، فلم يبلغنا عن أحد
أنه ناظر الشافعىّ، ثم رجع الشافعىّ إلى مذهبه.
وقد حكى الرافعىّ فى ((شرحه)) هذه الحكاية، وقال: إنها تقتضى أن يكون
للشافعيّ قول قديم أو حديث يوافق مذهب أبي حنيفة.
قلتُ : وليس ذلك بلازم، فقد يُناظِر المرء على ما لا يراه ، إشارة الفائدة ، وإرازا لها
وتعليماً للجدل ؛ فلعله لما رأى أبا ◌ُبَيد يعتقد أنه الحيض ، انتصب عنه مستدلا عليه ؟
(١) - ورقالرحمن ٤٦.
(٢) وإذا جاز أن يكون ((اللعين)) صفة لـ((الرجل)) كذلك يجوز أن يكون ((كالورق اللجين))
حالاً من الخير، بمعنى أن تكاثر الطير على الماء كتكاثر اللجين، وهو ما سقط من الشجر عند الخبط،
وحينئذ فلا حاجة إلى الفصل بين الموصوف والصفة بمتعلق رب المحذوفة . وفى شرح الشنقيطى على الديوان
عز و الأين جميعا إلى أبى على الفارسى.
- ١٦٠
لينقطع معه، فيعلم أبو عُبَيد ضعف مذهبه فيه، ولهذا يتبين أن الشافعيّ لم يرجع إلى أبى عُبَيْد.
فى الحقيقة؛ لأن المناظرة لم تكن إلا لما ذكر ناه.
وقوله: ((حديث)) كذا هو بالحاء والثاء ، لا جديد بالجيم والدال؛ لأن أبا عُيَيد من:
أصحابنا العراقيين، فمناظرته إن صحت كائنة ببغداد، فيكون ذلك قولا قديما الشافعى، أو
حديثا حدث له بعد أن كان يختار أنه الظهر، فيكون الشافعى قائلا بأنه الطهر، ثم بأنه
الحيض ، ثم عائدا إلى القول بأنه الطهر، وعليه مات. وربما صحف بعضهم حديثاًلخـ
وليس يجيد .
ثم قال الرافعىّ: لو أعلى قول الغزالى: الأقراء الأطهار بالواو والمناظرة المحكية لم يكن
بعيدا. واعترضه الزَّنْجَانِيّ شارح ((الوجيز)) بأنه إن قال هذا عن نقل فلا كلام، وإلا
فالحكاية لا تدل عليه ؛ لأن الإنسان قد يناظر غيره فيما لا يعتقده.
قلتَ: وعجبت له من ذلك، فإن الرافعىّ لم يُعْلِمِ بالقاف(١) حتى يقال له هذا، وإنما أعلّ
بالواو، وإشارة إلى مقالة أبى عُبَيد، وعدها وجها فى المذهب؛ لكونه على الجملة من
أصحابنا ، فلا يبعد أن تُعَد مقالاته وجوها، وقد لاتُعَد؛ لأنه يتحدث فى هذه المسألة على قضية
اللغة، لاعلى قواعد إمام المذهب. وهذا هو الأشبه، ولذلك(٢) ناظر صاحب المذهب نفسه
ولو كان مُخرِّجا على قاعدته لما ناظره.
٣٧
فَعْزَم بن عبد لله بن قَحْزَم
أبو حنيفة، الأسْوَانِيّ ، بفتح القاف بعدها حبمهملة ساكنة ثم زاى مفتوحة .
هو آخر مَن صحب الشافعيّ موتاً.
(١) فى المطبوعة: بالفاء .. والمثبت من: ج، د.
(٢) فى المطبوعة: وبذلك، وفى د: وبه قد ناظر، والمثبت من: ج ..
* ذكره ابن السبكى فى الطبقات الوسطى، وقال؛ كان من جلة أصحاب الشافعى، قيل: وإنما
أخل ذكره إقامته بأسوان ، وله ترجمة فى الأسباب لوحة ٣٨، الطالع السعيد ٢٥٩