Indexed OCR Text
Pages 1-20
طَبَة الََّافِ عِيِلَى ◌َِاجِ الدّين أبِ نَصْر عَبْد الوَهَابِ بن على بن عَبْدِلِكَافِى السُمْكِ ٧٢٧ - ٧٧١ هـ تحقيق محمود محمّدالطناحى عبد الفتاح محمد الجملو الجُرُالثَّافِى ثلج [ جميع الحقوق محفوظة] فيصل عيسى البابى الحلبى دار إحياء الكتب العربية الطبعة الأولى فى الذين جالسوا الشافعىّ رضى الله عنه وتملَّوا بمعاينة وجهه الكريم، وتخلَّوا إلا من معاناة فضله العظيم ، ونحلَّوا من صحبته بحَلى لا يزينه العقد الفريد ، ولا الدرّ النظيم ، إنما هو نور سطح ضياؤه وأشرق، ولع سناؤه وأبرق ، وخلع عليهم ملابس السندس والإستبرق ١ أحمد بن خالد الخلال أبو جعفر البغدادىّ العسكرى* قاضى الثّفْر . روى عن الشافعىّ، وسفيان بن ◌ُيَيْنَة ، وغيرهما. حدّث عنه الترمذىّ، والنَّائىّ، وغيرهما، وقالا: لا بأس به. قال أبو حاتم الرَّازىّ: كان خيًِّا، فاضلا، عدلا، ثِقَة، صدوقاً، رضا. وقال الحاكم: كان مِن جِلَّة(١) الفقهاء والمحدِّثين. مات سنة ست ، وقيل: سبع وأربعين ومائتين . ٢ أحمد بن سِنان بن أسد بن حِّان القَطَّان أبو جعفر الواسِيطِيّ الحافظ ** له مُسْتَدَ مُخرَّج على الرِّجال. روى عن الشافعىّ، وأبى معاوية ، ووكيع، وعبد الرحمن بن مَهْدِىّ ، وخلق . روى عنه البخارىّ، ومسلم ، وأبو داود ، والنَّسائي ، وابن ماجة، ويحلى بن صاعد، وابن خُزَيمة، وابنه جعفر بن أحمد بن سِنان، وعلىّ بن عبد الله بن مُبَشِّر، وعبد الرحمن ابن أبى حاتم . وقال فيه ابن أبى حاتم : هو إمام أهل زمانه. * له ترجمة فى : تاريخ بغداد ٤ / ١٢٦، تهذيب التهذيب ١ / ٢٧. ** له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ٢ / ٩٣، تهذيب التهذيب ١ / ٣٤، الجمع بين رجال الصحيحين ٧، شذرات الذهب ٢ / ١٣٧، المبر ٢ /٠١٦ (١) فى الأصول : أجلة. - وقال أبوه أبو حاتم : ثِقَة ، صدوق . وقال ابن مَا كُولا، والدَّارَ قُطُنىّ: كان من الثّات الأثبات. وقال أبو عُبَيْد الآجُرِّىّ: سألتُ أبا داود عن أحمد بن سِنان وبُنْدار، فقدّم ابن سِنان على بُنْدَار . وقال أبو عبد الله الحاكم فى ((فضائل الشافعىّ)): إن بعض مشايخه بَمَرْو حدّثُه: أن ابن سنان كان يُقاس بابن المُبارك فى زمانه. قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: تُوُفِّىَ سنة ست، ويقال: سنة ثمان، ويقال: سنة تسع وخمسين ومائتين. قال جعفر بن أحمد بن سِنان: سمعت أبى، يقول: ليس فى الدنيا مُبْتَدِع إلا يبغض أصحاب الحديث ، وإذا ابتدَّع الرجل نزِعت(١) حلاوة الحديث من قلبه. قال ابن أبى حاتم : سمعت ابن سنان، يقول: رأيت الشافعىّ أحمر الرأس واللّحية يعنى أنه استعمل الخضاب اتباعاً للسُنَّة .. ٣ أحمد بن صالح المصرىّ أبو جعفر الطّرِىّ الحافظ، أحد أركان العالم، وجها بذة الحفاظ* قال أبو سعيد بن يونس: كان أبوه جنديا من أجناد طَبَرِ سْتان، فوُلد له أحمد بمصر سنة سبعين ومائة . قلتُ: سمع سُفِيان بِنْ عُيَيْنَة، وعبد الله بن ◌َرِهْب، وحَرَمِّ بن عمارةِ، وَنْبَةٌ ابن سعيد، وابن أبى فُدَيك، وعبد الرزّاقِ، وعبد الله بن نافع، والشَّافعىّ. (١) فى الأصول: أُزع. والمثبت من ترجمته فى تذكرة الحفاظ. * * ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ٧٢/٢، تهذيب التهذيب ٣٩/١، الجمع بين رجال الصححيين. شذرات الذهب ٢/ ١١٧، طبقات القراء ١ / ٦٢:، العبد ١ / ٤٥٠ النجوم الزاهرة ٨/٢ - ٧ - وروى عنه البخارىّ ، وربما روى عن رجل عنه ، وروى عنه أيضاً أبو داود ، وَعَمْو النَّاقد، والذُّهْلِىّ، ومحمد بن عبد الله بن ◌ُمَيْرِ، ومحمود بن غَيْلان، وأبوْ زُرْمَة الدِّمشقيّ، وصالح جَزَرة، وأبو إسماعيل التَّمذىّ ، وأبو بكر بن أبى داود ، وخلق . ودخل بغداد ، وناظر بها أحمد بن حنبل . قال أبو زُرعة: سألنى أحمد بن حنبل: مَن بمصر؟ فقلت: أحمد بن صالح . فسُرّ بذكره ، ودعا له . وقال البخارىّ: هو ثقة، ما رأيتُ أحدا يتكلم فيه بحُجّة. وقال يعقوب الفسوى(١): کتبتُ عن الف شیخ و گر(٢)، حجتی فیما بینی وبین الله رجلان : أحمد بن حنبل ، وأحمد بن صالح . وقال ابن وارَة الحافظ: أحمد بن حنبل ببغداد، وأحمد بن صالح المصرىّ بمصر ، • والنُّغَيْلِىّ(٢) بحرّان، وابن نُمير بالكوفة، هؤلاء أركان الدين. وقد تكلّم النَّانى فى أحمد بن صالح، فقال: ليس بثقة، ولا مأمون، ركه محمد بن يحي، ورماه يحيى بن مَعِين بالكذب . قال الحافظ أبو بكر الخطيب: يقال كان آفة أحمد بن صالح السكْر، وشَراسة الخُلُق، ونال النَّسائىَّ منه جفا فى مجلسه ، فذلك الذى أفسد بينهما . قال ابن عَدِىّ : سمعت محمد بن هارون البَرْقىّ، يقول: حضرتُ مجلس أحمد بن صالح ، وطَرَد الَّسانىَّ من مجلسه، فحمله على أن تكلّم فيه . قال ابن عدىّ: وكان النّسائىّ ◌ُنْكِرِ عليه أحاديثَ منها: 6 (١) فى المطبوعة: العتوى، وهو خطأ صوابه من ج، والعبر ٤٥٠/١. وهو بفتح الفاء والين، وفى آخره واو، نسبة إلى فسا مدينة من بلاد فارس. اللباب ٢ / ٢١٥. (٢) فى المطبوعة: وكبير. والمثبت من ج ، ومن ترجمته فى تذكرة الحفاظ، وتهذيب التهذيب. (٣) بضم التون وفتح الفاء وسكون الياء تحتها نقطتان وبعدها لام، نسبة إلى الجد . الباب ٣ /٠٢٣٤ - ٨ ٠ عن ابن وهب، عن مالك، عن سهيل، عن أبيه، عن أبى هريرة رضى الله عنه: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». والحديث فقد رواه يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب . قال ابن عدىّ: وأحمد من حفاظ الحديث، وكلام ابن معين فيه تحامل . وأراد بكلام ابن معين ماذكره معاوية بن صالح عنه، أنه سأل عن أحمد بن صالح فقال: رأيته كذابا يخطر فى جامع مصر . قلت: وقدذُ كر أن الذى ذكر فيه ابن مَعِين هذه المقالة هو أحمد بن صالح الشمُونى(١)، وهو شيخ بمكة ، كان يضع الحديث، وأنه لم يعن أحمد بن صالح هذا ؛ فإن هذا كان من أقرانه فى الحفظ والإتقان ، ويترجّح عليه فى حديث أهل مصر والحجاز. وذكر أيضاً أنه كانت بينه وبينه منافرة دنيوية . قال ابن عدىّ: وأما سوء ثناء النَّسائى عليه فلما تقدم. قال : ولولا أبى شرطت أن أذكر فى كتابى كلّ مَن تكلّم فيه متكلِم، لكنت أُجل أحمد بن صالح أن أذكره. وقال الحافظ أبو يعلى الخليلى فى كتاب ((الإرشاد)): ابن صالح ثقة حافظ، وانْفَق الحفاظ على أن كلام النَّسائىّ فيه تحامل، ولا يقدح كلام أمثاله فيه، وقد نقم على النَّانِىّ كلامه فيه . وقال ابن العربىّ فى كتاب ((الأحوذي)): إمام ثِقَة من أئمة المسلمين، لا يؤثر فيه تجريح، وإن هذا القول يحطّ من النَّائى أكثر مما حطّ من ابن صالح. قلت : و كذا قال الباجى .. قلت: أحمد بن صالح ثِقَةٍ إمام ، ولا انتفات إلى كلام مَن تكلّم فيه . ولكنا ذبك هنا على : (١) يقال أيضا: الشمومى، بالميم قبل الياء . ! نظر تهذيب التهذيب ١ / ٤٢. - ٩ - ﴿قاعدة فى الجرح والتعديل﴾ • ضرورية نافعة لا تراها فى شىء من كتب الأصول، فإنك إذا سمعت أن الجرح مقدّم على التعديل، ورأيت الجرح والتعديل، وكنت غِرًّا بالأمور أو فَدْما مقتصرا على منقول الأصول حسبتَ أن العمل علىإ جرحه، فإياك ثم إياك، والحذر كل الحذرَ من هذا الحسبان ، بل الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته ، وكثر مادحوه ومن كوه ، وندر جارحه ، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه، من تعصّب مذهبيّ أو غيره ، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، وتعمل فيه بالعدالة، وإلا فلو فتحنا هذا الباب ، أو أخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأمة؛ إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون ، وهلك فيه هالكون . وقد عقد الحافظ أبو عمر بن عبد البر فى كتاب (( العلم)» باباً فى حكم قول العلماء بعضهم فى بعض، بدأ فيه بحديث الزبير رضى الله عنه: ((دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأَمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَاْبَغْضَاء)) الحديث. وروى بسنده عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: استمعوا علم العلماء ولا تُصَدِّقُوا بعضَهم على بعض، فوالّذى نفسى بيده لهم أشدُّ تغايرا من التَّيُوس فى زُرُوبِها . وعن مالك بن دينار: يؤخذ بقول العلماء والقُرّاء فى كل شىء ، إلا قول بعضهم فى بعض . قلت: ورأيت فى كتاب ((معين الحكام)) لابن عبد الرفيع من المالكية: وقع فى المبوطة من قول عبد الله بن وهب أنه لا يجوز شهادة القارئ على القارئ - يعنى العلماء - لأنهم أشد الناس تحادًا وتباغياً. وقاله سفيان الثورى ، ومالك بن دينار. انتهى. ولعل ابن عبد البّ يرى هذا، ولا بأس به، غير أنا لا نأخذ به على إطلاقه. ولكن زى أن الضابط ما نقوله من أن ثابت العدالة لا يُلتفت فيه إلى قول من تشهد القرائن بأنه متحامَل عليه ؛ إما لتعصّب مذهبى أو غيره. ثم قال أبو عمر بعد ذلك: الصحيح فى هذا الباب أن مَن ثبتت عدالته وصحّت فى العلم: إمامتُه وبالعلم عنايتُه لم يُلتفت فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتىَ فى جَرْحته بيّنة عادلة، تصح بها جرحته على طريق الشهادات . واستدل بأن السلف تكلّم بعضهم فى بعض بكلام ؛ منه ما حمل عليه الغضب(١) أو الحسدُ، ومنه ما دعا إليه التأويلُ واختلاف الاجتماد فيما لا يلزم المقولَ فيه ما قال القائل فيه . وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف ؛ تأويلا واجتهادا. ثم اندفع ابن عبد البر فى ذكر كلام جماعة من النظراء بعضهم فى بعض، وعدم الالتفات إليه لذلك؛ إلى أن انتهى إلى كلام ابن معين فى الشافعى ، وقال: إنه مما نقيم على ابن مَعِن وغِيب به. وذكر قوِلَ أحمد بن حنبل: من أن يعرف يحيى بن معين الشافعىَّ؟ هو لا يعرف الشافعىّ، ولا يعرف ما يقوله الشافعىّ، ومَن جهل شيئاً عاداه. قلت : وقد قيل إن ابن معين لم يرد الشافعىّ، وإنما أراد ابن عمه ، كما سنحكيه إن شاء الله تعالى فى ترجمة الأستاذ أبى منصور، وبتقدير إرادته الشافعىّ فلا يُلتفت إليه وهو عاز عليه ، وقد كان فى بكاء ابن مَعين على إجابته المأمون إلى القول بخَلْق القرآن، وتحتّره على ما فرط منه ما ينبغى أن يكون شاغلًا له عن التعرّض إلى الإمام الشافعى، إساء الأمة، إبن عمِّ المصطفى صلى الله عليه وسلم. ثم ذكر ابنَّ البَرّ كلام ابن أبى ذيب، وإراهيم بن سعد فى مالك بن أنس، قال: وقد تكلم أيضاً فى مالك عبدُ العزيز بن أبى سَلَمةِ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ومحمد بن إسحاق، وابن أبى يحيى، وابن أبى الزِّناد، وعابوا أشياء من مذهبه، وقد رأ الله عزّ وجل مالكا عما قالوا ، وكان عند الله وجيها . قال: وما مثل من تكلّم فى مالك والشافعىّ ونظائرها إلا كما قال الأعشى(٢): كناطحٍ صخْرةً يوماً ليَلقعَها فلم يَضِرْهَا وأوهىَ قرنَهُ الْوَعِلُ (١) فى المطبوعة: التعصب، والمثبت من ج ، د . (٢) ديوانه ٦١، وفيه: ليفلقها. وفى الأصول: فرتها، وأنبتها رواية الديوان - ١١ - أو كما قال الحسن بن حميد: يا ناطحَ الجبل العالى ليكلمه أشفقُ على الرأسِ لا تُشفقْ على الجبلِ ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول(١): ومنذا الذى ينجو من الناس سائلً وللناسِ قَالْ بالظُّنون وقِيلُ وقيل لابن المبارك فلان يتكلم فى أبى حنيفة فأنشد : حسدوك أن رأوك فضلك الله بما فضَّلَتْ به النَّجباء وقيل لأبى عاصم النَّبيل: فلان يتكلم فى أبى حنيفة، فقال: هو كما قال نصيب : * سلمتَ وهل حىٌ على الناس يسلم * وقال أبو الأسود الدُّؤَّلى: فالقومُ أعداء فيه وخصومُ حسدوا النمتى إذا لم ينالوا سميه ثم قال ابن عبد البر: فمن أراد قبول قول العلماء الثقات بعضهم فى بعض فلْيقبل قول الصحابة بعضهم فى بعض ، فإن فعل ذلك فقد ضل ضلالا بعيدا. وخسر خسراناً مبينا. قال وإن لم يفعل ولن يفعل إن هداه الله وألهمه [رشده}(٣) فليقف عند ماشر طناه، فى أن لا يقبل فى صحيح العدالة المعلوم بالعلم عنايته قول قائل لا برهان له . قلت : هذا كلام ابن عبد البر ، وهو على حسنه غير صافٍ عن التّذى والكدر، فإنه لم يزد فيه على قوله: إن من ثبتت عدالته ومعرفته لا يقبل قول جارحه إلا برهان. وهذا قد أشار إليه العلماء جميعاً، حيث قالوا لا يقبل الجرح إلا مفسَّرا. فما الذى زاده ابن عبد البر عليهم ؟ وإن أومأ إلى أن كلام النظير فى النظير ، والعلماء بعضهم فى بعض مردود مطلقا ، كما قدمناه عن ((المبسوطة)) فايفصح به ، ثم هو مما لا ينبغى أن يؤخذ هذا على إطلاقه، بل لابد من زيادةٍ على قولهم: إن الجرح مقدم على التعديل ، ونقصانٍ من قولهم: كلام النظير فى النظير مردود . (١) حيوانه ١٢١ . (٢) زيادة من ج ، د . - ١٢ - · والقاعدة معقودة لهذه الجملة، ولم يَنحُ ابن عبد البر فيما يظهر سواها، وإلا إصرّح بأن كلام العلماء بعضهم فى بعض مردود، أو لكان كلامه غير مفيد فائدةً زائدة على ما ذكره الناس ، ولكن عبارته كما ترى قاصرة عن المراد. فإن قلت : فما العبارة الواقية مما ترون(١)؟ قلت: ما عرّفناك أولا من أن الجارح لا يُقبل منه الجرح؛ وإن فسّره(٢) فى حقّ من غلبت طاعاته على معاصيه ومادحوه على ذامِّيه ، ومن كوه على جارحيه ، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة فى الذى جرحه ؛ من تعصّب مذهبى، أو منافسة دنيوية، كما يكون من النظراء ، أو غير ذلك ، فنقول مثلا: لا يلتفت إلى كلام ابن أبى ذيب فى مالك، وابن مَعين فى الشافعى، والنَّسانى فى أحمد بن صالح، لأن هؤلاء أئمة مشهورون، صار الجارح لهم كالآتى بخبر غريب، لو صح لتوفرت الدواعى على نقله ، وكان القاطع قائما على كذبه . ومما ينبغى أن يُتفقّد عند الجرح حالُ العقائد واختلافها، بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربما خالف الجارح المجروح فى العقيدة تجرحه لذلك، وإليه أشار الرافعىّ بقوله: وينبغى أن يكون المزكّون بُرَآء من الشَّحْناء والعصبيّة فى المذهب، خوفاً من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تركية فاسق، وقد وقع هذا لكثير من الأئمة، جُرُّحوا بناء على معتقدِم وهم المخطئون ، والمجروح مصيب. وقد أشار شيخ الإسلام سيد المتأخرين تقى الدين ابن دقيق العيد فى كتابه (( الاقتراح)) إلى هذا، وقال: أعراض المسلمين حُفْرة من حُفَر الغار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس، المحدِّنون والحكّام .. قلت: ومن أمثلة ما قدمنا قول بعضهم فى البخارىّ: تركه أبو زرعة وأبو حاتم ، من أجل مسألة اللفظ. فيالله والمسلمين! أيجوز لأحد أن يقول البخارىّ متروك! وهو حامل (١) فى المطبوعة: الواقية ما ترون. وأثبتنا ما فى ج ، د. (٢) فى ج: قو، والمثبت من المطبوعة، د. - ١٣ - لواء الصناعة، ومقدَّم أهل السنة والجماعة! ثم بالله والمسلمين، أتُجعل ممادحه مَذامٌ ! فإن الحق فى مسألة اللفظ معه، إذ لا يستريب عاقل من المخلوقين فى أن تلفّظه من أفعاله الحادثة التى هى مخلوقة لله تعالى، وإنما أنكرها الإمام أحمد رضى الله عنه لبشاعة لفظها . ومن ذلك قول بعض المجسِّمة فى أبى حاتم ابن حِبّان: لم يكن له كبير دين، نحن أخرجناه من سجستان، لأنه أنكر الحدَّلله. فياليت شِعْرى من أحق بالإخراج؟ من يجعل ربّه محدودا أومن ينزِّهه عن الجسمية؟! وأمثلة هذا تكثر ، وهذا شيخنا الذهبيّ رحمه الله من هذا القبيل، له على وديانة، وعنده على أهل السنة تحمّل مفرط ، فلا يجوز أن يعتمد عليه . ونقلت من خط الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدى العلائىّ رحمه الله مانصه: الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبىّ لا أشك فى دينه وورعه وتحرِّ به فيما يقوله الناس، ولكنه غلب عليه مذهب الإثبات ، ومنافرة التأويل ، والغفلة عن انتنزيه حتى أثر ذلك فى طبعه انحرافاً شديداً عن أهل التنزيه ، وميلا قوياً إلى أهل الإثبات، فإذا ترجم واحدًا منهم. يُطنب فى وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ، ويبالغ فى وصفه ، ويتغافل عن غلطانه ، . ويتأول له ما أمكن، وإذا ذكر أحدامن الطَّرَف الآخر كإمام الحرمين، والغزالىّ ونحوهما، • لا يبالغ فى وصفه ، ويكثر من قول من طعن فيه، ويعيد ذلك ويبديه ، ويعتقده دينا، وهو لا يشعر، ويُعرض عن محاسنهم الطالحمة فلا يستوعينها ؛ وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها. وكذلك فعله فى أهل عصرنا، إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول فى ترجمته : والله يصلحه ، ونحو ذلك. وسبيه المخالفة فى العقائد. انتهى. والحال فى حق شيخنا الذهبىّ أزيد مما وصف، وهو شيخنا ومعلِّمنا، غير أن الحقّ أحقُّ أن يُتَّبع. وقد وصل من التعصّب المفرط إلى حدّ يُسخر منه. وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين، وأمتهم الذين حملوا لنا الشريعة النبوية ، فإن غاليهم أشاعرة ، وهو إذا وقع بأشعرىٍّ لا يبقى ولا يذَر . والذى أعتقده أنهم خصاؤه يوم القيامة عند - ١٤- مَن لعل أدناهم عنده أوجه منه . فالله المسئول أن يخفف عنه، وأن يلهمهم العفو عنه، وأن یشفّهم فيه . والذى أدركنا عليه المشايخ النهى عن النظر فى كلامه، وعدم اعتبار قوله، ولم يكن يستجرى أن يُظهر كتبه التاريخية إلا لمن غلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يُعاب عليه. وأما قول العلائى رحمه الله: ((دينه وورعه وتحرّيه فيما يقوله))، فقد كنت أعتقد ذلك، وأقول عند هذه الأشياء [ إنه ](١) ربما اعتقدها دينا، ومنها أمور أقطعُ بأنه يعرف بأنها كذب، وأقطع بأنه لا يختلفها ، وأقطع بأنه يجب وضعها فى كتبه لتنتشر، وأقطع بأنه يحب أن يعتقد سامعها صحتها ، بغضا للمتحدث فيه ، وتنفيرا للناس عنه، مع قلة معرفته بمداولات الألفاظ ، ومع اعتقاده أن هذا مما يوجب نصر العقيدة التى يعتقدها هو حقا، ومع عدم ممارسته أملوم الشريعة، غير أنى لما أ كثرت بعد موته النظر فى كلامه عند الاحتياج إلى النظر فيه، توقفت فى تحرّيه فيما يقوله، ولا أزيد على هذا غير الإحالة على كلا يبر كلامَه من شاء، ثم يبصر هل الرجل متحرّ عند غضبه أو غير حز ، واعني بعصبه: وقت ترجمته لواحد من علماء المذاهب الثلاثة المشهورين، من الحنفية ، والمالكية(٢) والشافعية، فإنى أعتقد أن الرجل كان إذا مد القلم لترجمة أحدهم غضب غضبا مفرطاً ، ثم قرْطم (٣) الكلام ومزّقه ، وفعل من التعصّب مالا يخفى على ذى بصيرة، ثم هو مع ذلك غير خبير بمدلولات الألفاظ كما ينبغى، فربما ذكر لفظة من الذم لو عقَل معناها لما نطق بها، ودائما أتعجب من ذكره الإمام فخر الدين الرازىّ فى كتاب («الميزان)) فى الضعفاء، وكذلك السيف الآمِدِىّ، وأقول: بالله العجب! هذان لا رواية لهما، ولا جرَّحهما أحد ، ولا سُمع من أحد أنه ضعّفهما فيما ينقلانه من علومهما، فأىّ مدخل لهما فى هذا الكتاب ؟ ثم إذا لم نسمع أحدا يسمى الإمام فخر الدين بالفخر، بل إمّا الإمام، وإما ابن الخطيب، وإذا تُرجم كان فى المحمّدين ، فجعله فى حرف الفاء، وسماء الفخر، ثم حلف فى آخر الكتاب (١) زيادة من ج ، د . (٣) قرطم الكلام : قطعه (٢) من هنا سقط فى ج . - ١٥ - أنه لم يتعمد فيه هوى نفسه، فأى هوى نفس أعظم من هذا. فإما أن يكون ورى فى يمينه ، أو استثنى غير الرواة، فيقال له: فلِم ذكرت غيرهم؟ وإما أن يكون اعتقد أن هذا ليس هوى نفس ، وإذا وصل إلى هذا الحد والعياذ بالله فهو مطبوع على قلبه . ولنعد إلى ما كنا بصدده فنقول : • فإن قلت : قولكم لابد من تفقد حال العقائد هل تعنون به أنه لا يقبل قول مخالف عقيدة فيمن خالفه مطلقا ؛ سواء السّىّ على المبتدع وعكسه ، أو غير ذلك ؟ قلت : هذا مكان مُعضل ، يجب على طالب التحقيق التوقف عنده لفهم ما يُلقى عليه ، وأن لا يبادر لإنكار شىء قبل التأمّل فيه . واعلم أنا عنينا ما هو أعمّ من ذلك، ولسنا نقول: لا تقبل شهادة السّنّىّ على المبتدع مطلقا ، مَعاذِ الله ؛ ولكن نقول: مَن شهد على آخر ، وهو مخالف له فى العقيدة أوجبت مخالفتُه له فى العقيدة ريبةً عند الحاكم المنتصر ، لا يجدها إذا كانت الشهادة صادرة من غير مخالفٍٍ فى العقيدة، ولا ينكر ذلك إلا فَدْمٌ أُخرق . ثم المشهود به يختلف باختلاف الأحوال والأعراض ، فربما وضح غرض الشاعد على المشهود عليه إيضاحا لا يخفى على أحد ، وذلك لقربه من نصر معتقده، أو ما أشبه ذلك، وربما دَقّ وغمض، بحيث لا يدركه إلا الفَطِن من الحكّام، ورُبَّ شاهدٍ من أهل السنة ساذَج، قد مقت المبتدع مقتا زائدا على ما يطلبه الله منه ، وأساء الظنّ به إساءةً أوجبت له تصديقَ ما يبلغه عنه ، فبلغه عنه شىء ، فغلب على ظنه صدقه ؛ لما قدمناه فشهد به ، فسبيل الحاكم التوقّف فى مثل هذا إلى أن يتبيّن له الحال فيه ، وسبيل الشاهد الورع - ولو كان من أصلب أهل السُّنَّة - أن يعرض على نفسه ما نُقُل له عن هذا المبتدع وقد صدَّقه وعزم على أن شهد عليه به ، أن يعرض على نفسه مثل هذا الخبر بعينه ، وهذا المخبر بعينه لو كان عن شخص من أهل عقيدته هل كان يصدّقه؟ وبتقدير أنه كان يصدّقَه فهل كان يبادر إلى الشهادة عليه به ؟ وبتقدير أنه كان يبادر فلْيوازن ما بين المبادرتين ، فإن وجدهما سواء قدونه، وإلا فلْيعلم أن حظ النفس داخّلَه، وأزيد من ذلك أن الشيطان استولى عليه ، - ١٦ - غيّل له أن هذه قربة وقيام فى قصر الحق، وليعلم من هذه سبيله أنه أتى من جهل وقلة دين . وهذا قولنا فى سّىٍ يَجِرَّح مبتدِعا، فما الظنّ بمبتدِع يجرِّح سنَّيًّا! كما قدمناه وفى المبتدعة لا سيّما المجسِّمة زيادةٌ لا توجد فى غيرهم، وهو أنهم يرون الكذب لنظرة. مذهبهم ، والشهادة على من يخالفهم فى العقيدة بما يسوده فى نفسه وماله بالكذب، تأييداً لاعتقاده، ويزداد حَفَقهم وتقرّهم إلى الله بالكذب عليه، بمقدار زيادته فى النيل منهم، فهؤلاء لا يحل لمسلم أن يعتبر كلامهم. فإن قلت: أليس أن الصحيح فى المذهب قبولُ شهادة المبتدع إذا لم نكفره؟ قلت : قبول شهادته لا يوجب دفع الرِّيبة عند شهادته على مخالفِه فى العقيدة، والرِّبية توجب الفحص والتكشّف والتثبّت، وهذه أمور تُظهر الحق إن شاء الله تعالى إذا اعتمدت على ما ينبغى . وفى تعليقة القاضى الحسين: لا يجوز أن يُبغض الرجلَ لأنه من مذهب كذا، فإن ذلك يوجب ردّ الشهادة ، انتهى. ومراده لأنه من مذهب من المذاهب المقبولة، أما إذا أبغضه لكونه مبتدعا فلاترد شهادته. واعلم أن ما ذكرناه من قبول شهادة المبتدع هو ما صححه النووىّ، وهو مصادم لنص الشافعىّ على عدم قبول الخطّابية، وهى طريقة الأصحاب، وأصحاب هذه الطريقة يقولون: لو شهد خطّابى، وذكر فى شهادته ما يقطع احتمال الاعتماد على قول الدّعِى، بأن قال سمعت فلانا يقرّ بكذا لفلان ، أو رأيته أقرضه قبات شهادته . وهذا منهم بناء على أن الخطّابى يرى جواز الشهادة لصاحبه إذا سمعه يقول لى على فلان كذا فصدّقه، وإليه أشار الشافعى. وقد تزايد الحال بالخطَّابية، وهم المجسِّمة فى زماننا هذا؛ فصاروا يرون الكذب على مخالفيهم فى العقيدة، لا سيما القائم عليهم بكل ما يسوده فى نفسه وماله. وبلغنى أن كبيرم استفتى فى شافعىٍ ؛ أيشهد عليه بالكذب؟ فقال: ألست تعتقد أن دمه حلال ، قال . فهم، قال : فما دون ذلك دون دمه ! فاشهد وادفع فساده عن المسلمين . - ١٧ - فهذه عقيدتهم، ويرون أنهم المسلمون، وأنهم أهل السنة ولو عُدّوا عددا لما بلغ علماؤهم - ولا عالم فيهم على الحقيقة - مبلغا يعتبر، ويكفِّرون غالب علماء الأمة، ثم يعتزون إلى الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه ، وهو منهم برىء ! ولكنه كما قال بعض العارفين ، ورأيته بخط الشيخ تقي الدين ابن الصلاح: إمامان ابتلاهما الله بأصحابهما وهما يّان منهم ؟ أحمد بن حنبل ابتلى بالمجسِّمة ، وجعفر الصادق ابتلى بالرافضة . ثم هذا الذى ذكرناه هو على طريقة النووى رحمه الله. والذى أراه أن لا تقبل شهادتهم على سُنَّى(١). فإن قلت : هل هذا رأى الشيخ أبى حامد ومَن تابعه، أن أهل الأهواء كلهم لا تقبل لهم شهادة؟ قلت : لا ، بل هذا قول بأن شهادتهم على مخالفيهم فى العقيدة غير مقبولة، ولو كان مخالفهم فى العقيدة مبتدعا، وهذا لا أعتقد أن النووىّ ولا غيره يخالف فيه. والذى قاله النووىّ قبول شهادة المبتدع إذا لم نكفِّه على الجملة، أما أن شهادته تقبل بالنسبة إلى مخالفه فى العقيدة مع ما هناك من الرِّيبة، فلم يقل النووىّ ولا غيره ذلك. فإن قلت : غاية المخالفة فى العقيدة أن توجب عداوة، وهى دينية ، فلا توجب رد الشهادة . قلت: إنما لا توجب ردَّ الشهادة من المحقّ على المبطِل، كما قال الأصحاب: تُقُبل شهادة السّنى على المبتدع ، وكذا من أبغض الفاسق لفسقه، ثم سأعرفك ما فيه ، وأما عكسه وهو المبتدِع على السّنّى فلم يقله أحد من أصحابنا . ثم أقول فى ما ذكره الأصحاب من قبول شهادة السّنّى على المبتدع: إنما ذلك فى سبّى لم يصل فى حق المبتدِع وبغضه له إلى أن يصير عنده حظُّ نفس قد يحمله على التعصُّب عليه، وكذا الشاهد على الفاسق . فمن وصل من السّنّى والشاهد على الفاسق إلى هذا الحد (١) فى د : على شىء . (٢/ ٢ - طبقات) - ١٨ - لم أقبل شهادته عليه؛ لأن عندهما زيادةً على ما طلبه الشارع منهما أوجبت عندى الرِّيبة فى أمرهما، فكم من شاهد رأيته يُبغض إنسانا ويشهد عليه بالفسق تدينا، وجاءفى وأدَّى الشهادة عندى باكياً وقت تأديته الشهادة على الدِّين، فَرِقا خائفاً أن يُخسف بالمسلمين؛ لوجود المشهود عليه بين أظْهُرِنا، وأنا والذى نفسى بيده أعتقد وأنيقن أن المشهود عليه خير منه. ولا أقول إنه كذب عليه عامداً، بل إنه بنى على الظن ، وصدّق أقوالا ضعيفة أبغض المشهود عليه بسبتها ، فمنذ أبغضه لحقه هوى النفس ، واستولى عليه الشيطان ، وصار الحامل له في نفس الأمر حظ نفسه وفيما يخطر له الدين. : هذا ما شاهدته وأبصرته ولى فى القضاء سنين عديدة، فليتق اللهَ امرؤ وقف على حفرة مَنْ حُفَر الغار، فلا حول ولا قوة إلا بالله، قد جعلنى الله قاضيا ومحدِّنَا، وقد قال: ابن دقيق العيد: أعراض الناس حفرة من حُفَر النار، وقف عليها المحدِّثون والحكّام. · ومما يؤيد ما قلته أن أصحابنا قالوا: مَن استباح دم غيره من المسلمين ولم يقدر على فَتْه فشَهد عليه بقتْل(١) لم يُقتل. ذكره الرُّويانىّ فى (( البحر)) فى باب ((مَن تجوز شهادته)) نقلًا عن بعض أصحابنا ساكتاً عليه، ولا يُعرف فى المذهب خلافه. فإن قلت : قد قال عَفيبه: ومن شَتم متأوّلا ثم شهد عليه، قيل أو غير متأوّل، فلا .. قلت : يعنى بالقبول بعد الشتم متأولا الشهادة بأمر معين، ونحن نعلم أنه لا يحمله عليها بغضٌ، فليس كمن وصفناهٍ وما ينبغى أن يتفقَّد عند الجرح أيضاً حال الجارح فى الخبرة بمدلولات الألفاظ،. فكثيرًا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها . والخبرة بمدلولات الألفاظ ، ولاسيّما الألفاظ العُرفية التى تختلف باختلاف عرف الناس، وتكون فى بعض الأزمنة مدحاً ، وفى بعضها ذمَّا، أمر شديد لا يدركه إلا قعيدٌ بالعلم. . ومما ينبغى أن يُتفقد أيضا خالُه فى العلم بالأحكام الشرعية، فَرُبَّ جاهلٍ ظنّ الحلال حراما نفجرّح به . ومن هنا أوجب الفقهاء التفسير ليتوضح الحال . (١) فى المطبوعة: فقتل ، والمثبت من د. - ١٩ - وقال الشافعى رضى الله عنه: حضرت بمصر رجلا من أيًا بجرح رجلا ، فسُئل عن سببه وأُلحّ عليه فقال: رأيته يبول قائما. قيل: وما فى ذلك؟ قال: يردّ الريحُ من رَشاشه على يده وثيابه فيصلّى فيه . قيل : هل رأيته قد أصابه الرَّشاشُ وصلّى قبل أن يغسل ما أصابه؟ قال : لا ، ولكن أراه سيفعل . قال صاحب ((البحر)): وحكى أن رجلا جرح رجلا وقال: إنه طيّن سطحه بطين استخرج من حوض السبيل . وما ينبغى أيضا تفقده، وقد نبّه عليه شيخ الإسلام ابن دقيق العيد ، الخلافُ الواقع بين كثير من الصوفية وأصحاب الحديث، فقد أوجب كلامَ بعضهم فى بعض، كما تكلّم بعضهم فى حق الحارث المحاسبىّ وغيره ، وهذا فى الحقيقة داخل فى قسم مخالفة العقائد ، وإن عده ابن دقيق العيد غيره . والطامة الكبرى إنماهى فى العقائد المثيرة للتعصّب والهوى ، نعم وفى المنافسات الدنيوية على حُطام الدنيا، وهذا فى المتأخّرين أكثر منه فى المتقدّمين ، وأمر العقائد سواء فى الفريقين . وقد وصل حال بعض المجسِّمة فى زماننا إلى أن كتب شرح ((صحيح مسلم)) للشيخ محى الدين النووىّ، وحذف من كلام النووىّ ما تكلم به على أحاديث الصفات ، فإن النووىّ أشعرىُّ العقيدة ، فلم تحمل قوى هذا الكاتب أن يكتب الكتاب على الوضع الذى صنّفه مصنّفه . وهذا عندى من كبائر الذنوب ؛ فإنه تحريف للشريعة ، وفتح باب لا يؤمن معه بكتب الناس وما فى أيديهم من المصنفات ، فقّح اللهُ فاعلَه وأخزاه ، وقد كان فى غُنية عن كتابة هذا الشرح، وكان الشرح فى غُنية عنه . ولنعد إلى الكلام فى الجارحين على النحو الذى عرّ فناك. فإن قلت : فهذا يعود بالجرح على الجارح؛ حيث جَرح لا فى موضعه . قات : أما من تكلّم بالهوى ونحوه فلا شك فيه ، وأما من تكلم بمبلغ ظنه ، فهنا - ٢٠ - وقفة مختومة على طالب التحقيقات ، ومَزِلّة تأخذ بأقدام من لايبرأ عن حوله وقوّته ، وبكل أمره إلى عالم الخفيّات . فنقول: لا شك أن من تكلّم فى إمام استقر فى الأذهان عظمته، وتناقلت الرواة مَمادحه، فقد جر الملام إلى نفسه، ولكنا لا نقضى أيضاً على من عُرفت عدالته إذا جَرح من لم يُقبل منه جرحه إياه بالفسق ، بل يجوّز أمورا . أحدها : أن يكون واهما ، ومن ذا الذى لا يَهِم . والثانى: أن يكون مؤوّلا، قد جرح بشىء ظنه جارحا، ولا يراه المجروح كذلك؛ كاختلاف؛ المجتهدين. والثالث: أن يكون نقله إليه من يراه هو صادقا، وراه محن كاذبا. وهذا لاختلافنا فى الجرح والتعديل، فرَبَّ مجروح عند عالم مُعدَّل عند غيره، فيقع الاختلاف فى الاحتجاج حسب الاختلاف فى تزكيته ، فلم يتعين أن يكون الحامل الجارح على الجرح مجرّد التعصب والهوى حتى يجرحه بالجرح . ومعنا أصلان نستصحبهما إلى أن نتيقن خلافهما : أصل عدالة الإمام المجروح الذى قد استقرت عظمته، وأصل عدالة الجارح الذى يثبت ، فلا يلتفت إلى جرحه ، ولا يجرجه بجرحه . فاحفظ هذا المكان فهو من المهمات . فإن قلت : فهل ما قررتموه مخصِّص لقول الأمة إن الجرح مقدّم؛ لأنكم بتثنون جارحا لمن هذا شأنه، قد نَدَر بين المعدِّلين ؟ قلت: لا، فإن قولهم: الجرح مقدّم، إنما يعنون به حالة تعارض الجرح والتعديل ، فإذا تعارضا ، لأمر من جهة الترجيح قدمنا الجرح ؛ لما فيه من زيادة العلم ، وتعارضهما هو استواء الظن عندهما؛ لأن هذا شأن المتعارضين، أما إذا لم يقع استواء الظن عندهما فلا تعارض ، بل العمل بأقوى الظّنّين من جرح أو تعديل ، وما نحن فيه لم يتعارضًا؛ لأن غلبة الظن بالعدالة قائمة، وهذا كما أن عدد الجارح إذا كان أكثر قُدّم الجرح