Indexed OCR Text

Pages 241-260

- ٢٤١ -
فكلُّ ما قدَّر الرحمنُ مفعولُ(١)
فقلتُ خَلُوا سَيِى لا أُبالَكُم
يوماً على آلهِ حَدْبَاءَ محمول
كلُّ ابْنِ أنثى وإن طالَتْ سلامَتُهُ
الآلة الحدباء: الآلة الصعبة، وهى الموت . وقيل: النعش نفسه، ولعله الأصح.
مَهْلًا هداك الذى أعطاك نافلةَ الْـ
لَا تَأْخُذَلِّى بأقوالِ الوُشاةِ ولمْ
لَقَدْ أقوم مقاماً لو يقومُ بِهِ
لَظَلَّ يُرْعَدُ إِلَّا أن يكونَ لهُ
، حتى وضعتُ يمينى لا أنازِعُه
والعفوُ عند رسولِ اللهِ مأمولُ
أُنْبئتُ أن رسولَ اللهِ أَوْعدنى
قرآنِ فيها مواعيظٌ وتَفْصِيلُ(٣)
أَذْنِبْ وإن كثُرَتْ عَنِّى الأقاويل (٣)
أرى وأسمعُ ما لو يسمعُ القيل (٤)
مِنَ الرَّسولِ بإذنِ اللهِ تَنْوِيلُ
فى كفٍّ ذِى نَقِماتٍ قِيلُه القِيلُ
وقيلَ إِنَّكَ مَنْشُوبٌ ومسئولُ(٥)
لَذاك أَهْيَبُ عندى إذْ أُكَلِّمُهُ
مِن خَادِرٍ مِن لُيُوتِ الأُسْدِ مسکنُهُ
مِن بَطْنِ عَثَّ غِيلٌ دونه غِيلُ(٦)
أى من أسدٍ خادر ، وخادر: داخل فى الخدر . ويروى: من ضيغم.
(١) فى ج: فقلت خلوا طريق يديها، والمثبت من: المطبوعة، د، وفى الديوان ١٩:
خلوا طريقى. (٢) فى ج: مهلا رسول الذى ، والمثبت من: المطبوعة، د، والديوان ١٩.
(٣) فى الديوان ٢٠. ولو كثرت، وفى المطبوعة، د: فى الأقاويل. والمثبت من: ج
والديوان. (٤) الفيل: معروف. وقيل: إن الفيل ها هنا الذى لا رأى له ولا عقل،
(٥) فى ج : لذاك أخوف . والمثبت
يقال : رجل فائل الرأى وفيِّل الرأى وفيل الرأى .
فى المطبوعة، د، والديوان ٢١. ومنسوب: مسئول عن نسبه. وفى الديوان: مسبور
ومسئول. (٦) فى الديوان ٢١:
من ضيغم من ضِراء الأسد ◌ُخْدَرُ.
ببطن عشّر غيل دونه غيل
(١٦ - طبقات - ١)

- ٢٤٢ -
وعَتَّر : موضع .
وغیل : موضع الأسد
ـهَدٌ مِن سيوفِ اللهِ مِسْلولُ
إنَّ الرَّسُولَ: لَسَيْفٌ يُستضاءُ بِهِ
بِبَطْنِ مَكَةَ لَمَّا أَسلِمُوا: زُوْلُوا(١).
فِى عُصْبَةٍ مِن قريشِ قال قائلَهُمْ.
عندَ اللَّقَاءِ ولا مِيلٌ مَعَازِيلُ
زالوا فما زال أنكاس ولا كشفٌ
أنكاسٍ: جمع نِكْس، وهو الرجل الضعيف.
والكُشُف : جمع أكْثَف، وهو الذى لا تُرس معه.
ومِيل: جمع مائل، وهو الكفل(٢) الذى لا يحسن الفروسية.
والمازيل : من قولهم رجل أعزل؛ إذا لم يكن معه رمح .
أى زالوا من بطن مكة وليس فيهم من هذه صفته ، بل هم أقوياء ذووسلاح، فرسان.
عند اللقاء، رضى الله عنهم.
· ثُمُّ العَرَانِينِ أبطالٌ: لَبُوسُهُمُ مِن نَسْجِ داوُدَ فى الهَيْجَا، سرائيلُ
ثُمّ : جمع أشم وشماء ، وأصل الشمم الارتفاع .
والعَرَانين: الأنوف، واجدها عِرْنين، وأنف أشم إذا كان فيه خُلُوّ .
يمشون مَشْىِ الجمالِ الرُّهْرِ يَعْضِعُهُمْ
ضَرْبُ إذا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ
الزُّهر : البيض .
عَرّد: أى فرّ، وبالغين المعجمة: طَرِب.
والتَّنابيل : جمع تِبْبال ، وهو القصير.
(١) فى المطبوعة: فى فتية. والمثبت فى ج، د، الديوان ٢٣.
(٢) فى المطبوعة الرجل. والمثبت من : ج، د.

- ٢٤٣ -
قوماً ولَيْسُوا مجازِيعاً إذا نِيلُوا(١)
لا يفرحون إذا قالتْ سيوفَهُمُ
وما لهمْ عن حِياضِ الموتِ تَهْلِيلُ(٢)
لا يقطعُ العَلَّمْنُ إلَّا فِى نحورِهِمُ
أخبرنا أبو الفضل عبد المحسن بن أحمد بن محمد بن الصَّابونىّ، قراءةً عليه وأنا حاضر
أسمع فى الرابعة ، أخبرنا أبو البركات أحمد بن أبى محمد بن عبد الله النّحّاس، حدثنا عبد الرحمن
ابن مِّىّ بن مُوقَاً.
ح : قال شيخنا : وأخبرنا أيضا المعين أبو العباس أحمد بن قاضى القضاة أبى الحسن
على بن يوسف الدّمشقيّ، وإسماعيل بن عبد القوى بن عَزُّون، قالا: أخبرنا إسماعيل بن
صالح بن ياسين .
ح : وأخبرنا أبو بكر بن عبد الغنى بن أبى الحسن الصَّعْبى، قراءةً عليه وأنا أسمع
فى الرابعة أيضا، أخبرنا أحمد بن حامد الأَرْتَاحِىّ(٣)، وعبدالعزيز بن أبى الفتوح بن إبراهيم
ابن أبى الرُّوس، قال الأول : أخبرنا ابن ياسين. وقال الثانى: أخبرنا ابن مُوقاً، قالا:
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الرّازىّ، أخبرنا أبو الحسن على بن بقا بن محمد الورّاق
بمصر، حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحسين بن عمر الْيَمنىّ(٤) التَنُوخِىّ، حدثنا خلف
الواسطىّ الحافظ، حدثنا أبو جعفر أحمد بن إسماعيل بن القاسم بن عاصم ، حدثنا أبو محمد
عبيد الله بن رُمَاحِس بن محمد بن خالد بن حبيب بن قيس، مِن رَمادة ، من الرَّملة على بریدین،
(١) فى الديوان ٢٥: إذا نالت رماحهم. (٢) فى الديوان ٢٥ : لا يقطع الطعن ...
ما إن لهم . ويقال هلل الرجل: إذا جبن فى حملته . ويقال هلل الرجل : إذا هرب .
(٣) نسبة إلى أرتاح ، بالفتح ثم السكون وتاء فوقها نقطتان وألف وحاء مهملة: اسم
حصن كان من العواصم، من أعمال حلب. ياقوت ١٩٠/١. (٤) فى المطبوعة: التميمى ، وفى
د : السهمى. والمثبت من: ج.

- ٢٤٤ -
فى ربيع الآخر من سنة ثمانين ومائتين ، حدثنا أبو عمرو زياد بن طارق الجشمى ، حدثنا
زهير أبو جَرْول، وكان سيد قومه، وكان يكنى أبا صُرَد، قال: لما كان يوم جُنَيْن أُسرَنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا هو يُمِّ بين الرجال والنساء وثبْتُ حتى قعدت بين يديه،
أُذكِّه حيث شبَّ ونشأ فى موازن، وحيث أرضموه، فأنشأت أقول(١):
فإنَّك المرء نرجوه وننتظرُ
أمثُنَ علينا رسولَ اللهِ فى كرم.
مُفِرَّقَ شملها فى دهرِها غِيرٌ
على قلوبِهِمُ الغَمَّاءِ والغِمَرُ
يا أرجحَ النَّاسِ حلماً حين يُخْتَبَرُ
إِذْ فُوكِ تملأَهُ مِنَ مِخَضها الدِّرَرُ
وإذ يُرِينَك مَا تَأْتِى وما تَذَرُ(٢)
عند الهياجِ إذَا مَا اسْتَوْقَد الشَّرَؤُ
واستَبْقٍ منَّا فإنَّا معشرٌ زُهُرُ
هُدَى البَرِيَّةِ أنْ تَعْفُوُ وتُنْتَصرُ
. وعندنا بعد هذا اليومِ مُدَّخِرُ
أُنَّهَاتِك إن العفو مشتهرُ
مِنْ
أمنُنَ على بَيْضَةٍ قَدٍ عاقَهَا قدرْ
أبقتْ لنا الحربُ هُنَّافاً على حزنٍ
إن لم تَدَاركَهُمُ نفذ تَشْرُها
امان على نسوةٍ قد كنتَ تَرْضَعُها
إذ أنتَ طفلٌ صغيرٌ كنتَ تَرْضَعُها.
يا خيرَ مَن مِنَحَتْ كُمْتُ الجيادِ يِهِ
لا تجعلَنَّا كمنْ شالت تعامتُهُ
إِنَّا نُؤَّمِّل عفواً منك تُلبسُه
إنَّا لنشكرُ لِلنَّمَا وَقدِ كُفِرَتْ.
فألبس العفوَ مَن قد كنتَ تَرْضَعُه
يومَ القيامةِ إذْ يُهدَى لكِ الظَّفْرُ
واعفُ عفاَ اللهُ عَمَّا أَنتَ واهْبُه
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا مَا كَانَ لِى وَلِبَنِى عَبْدِ الْمُطَِّبِ قَلِلْهِ
وَلَكُمْ )) .
(١) قصة رد الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة لسى هوازن فى سيرة ابن هشام
٤ /١٣٤ - ١٣٦ وليس فيها هذا الشعر. (٢) فى المطبوعة، د: بزينك. والمثبت من: ج.

- ٢٤٥ -
.وقالت الأنصار: ما كان لنا فلله ولرسوله ؛ فردت الأنصار ما كان فى أيديها من
الذَّرارِىّ والأموال .
وكان أبو عمرو يقول : إنه ابن عشرين ومائة سنة .
وقال عبيد الله بن رُماحِس: وأنا ابن مائة سنة .
هذا الحديث رواه جماعة، عن عبيد الله بن رُمَاحِس القَيْسىّ، منهم: أبو بكر أحمد بن
عمرو بن جابر الرَّمْلىّ الحافظ. وذكر فى حديثه: أنهم فى الجاهلية كانوا يكتنون بكُنْيتين،
يعنى أن زهيرا كان يكنى أبا جَرْول وأبا صُرَد. قال: وقال عبيد الله : كان زياد بن طارق
ابن مائة وعشرين سنة، وكان يصعد التّن، فقلت له: وأنت تصعد التِّين. قال: نعم واُلْجَمَيز.
وكان ابن مائة سنة .
أخبرنا المشايخ: حافظ الزمان أبو الحجّاج يوسف بن عبد الرحمن الكلبىّ، والمحدّث
أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن بن نُباتة، وأبو سليمان داود بن إبراهيم بن داود بن العطَّار،
الشَّافعيُّون، قال الأول، والثالث: أخبرنا أبو حامد محمد بن على بن الصَّابونىّ، وقال
ابن نباتة: أخبرنا عبد الرحيم بن عبد المنعم بن الدَّمِيرِىّ(١)، قالا: أخبرنا داود بن أحمد
ابن مُلاعِب، قال ابن الصَّابونىّ: سماعا، وقال الدُّمَيْرِىّ: إجازة، أخبرنا الشيخ أبو بكر
محمد بن عبيد الله بن نصر الزَّاغُونِىّ(٢) قراءة عليه وأنا أسمع، أخبرنا الشريف أبو نصر محمد
ابن محمد بن على الزَّيْنَبِّ قراءةً عليه، وأبو القاسم على بن أحمد بن محمد البُسْرِىّ البُنْدار إجازة.
ح : قال ابن مُلاعب: وأخبرنا الحاجب الأجلّ أبو منصور نوشتكين بن عبد الله
قراءة عليه، أخبرنا أبو القاسم على بن أحمد البُسْرىّ، قالا : أخبرنا أبو طاهر محمد بن
عبد الرحمن بن العباس المُخلِّص.
(١) نسبة إلى دميرة، بفتح أوله وكسر ثانيه وياء مثناة من تحت ساكنة وراء مهملة،
قرية بمصر قرب دمياط. ياقوت ٢ / ٦٠٢، شذرات الذهب ٥ /٠٤٣١
(٢) بفتح الزاى وسكون الألف وضم الغين المعجمة وسكون الواو وفى آخره نون ،
نسبة إلى قرية زاغونى، من أعمال بغداد . اللباب ١ / ٤٨٩، وانظر المشتبه ٣٣٠.

- ٢٤٦ -
ع: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ بقراءتى عليه، أخبرنا أبو المعالى أحمد بن إسحاق
الأَبَرْ قُوهِىّ بقراءتى، أخبرنا أبو على الحسن بن إسحاق بن موهوب بن أحمد الجَواليوم(١)
أخبرنا [أبو](٢) الوزير العادل عَوْن الدين أبو المظفر يحيى بن محمد بن هُبيرة، قراءة عليه
وأنا أسمع سنة ست وخمسين وخمسمائة، قال: قرأت على مولانا المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين
أبى عبد الله محمد بن المستظهر أبى العباس أحمد بن المقتدى بأمر الله أبى القاسم ، سنة اثنين
وخمسين، حدثكم أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب بن هبة الله بن أحمد السِِّىّ(٣)،
لفظا، سنة خمسمائة ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الصَّرِيفيني، حدثنا
أبو طاهر المُخَلِّص.
ح: وأخبرنا عبد المحسن بن أحمد الصَّابونىّ، وأبو بكر بن عبد الغنى بن أبى الحسن
الصَّعبىّ، قراءة عليهما وأنا حاضر أسمع فى الرابعة بالقاهرة، قال الأول: أخبرنا المعين أحمد
ابن القاضى أبى الحسن على بن يوسف الدمشقى، وإسماعيل بن عَزُّون، وأحمد بن أبى محمد
النحاس، قال المعين وابن عَزُّون: أخبرنا إسماعيل بن صالح بن ياسين، وقال النحاس
أخبرنا عبد الرحمن بن مكَّىّ بن مُوقا، وقال الثانى - أعنى الصَّعىّ - أخبرنا عبد العزيز
ابن أبى الفتوح ابن أبى الرُّوس، أخبرنا ابن دُوقا، قالا - ابن ياسين، وابن موقاء: أخبرنا
أبو عبد الله محمد بن أحمد الرّارى، أخبرنا أبو الفضل محمد بن أحمد بن عيسى السَّعِدَىّ
بمصر؛ أخبرنا عبيد الله بن محمد بن بَطَّةَ الْمُكْبَرِىّ بها، قالا - الْمُخِّص، وإين بَنَّةٍ -
أخبرنا عبد الله بن محمد ابن عبد العزيز البغَوىّ حدثنا داود بن رُشَيد، حدثنا يَعْلى بن الأشْدق
(١) بفتح الجيم والواو وكسر اللام بعد الألف وسكون الياء المنقوطة من تحتها باثنتين
وفى آخرها القاف ، هذه النسبة إلى الجواليق، جمع جوالق . اللباب ١ / ٢٤٤ .
(٢) زيادة من: ج، د. (٣) فى المطبوعة، د. السبيبى، والمثبت من: ج والمشتبه
٣٤٧، وفيه: والسينى: من بلد السِّيب، وهو على الفرات، بقرب الحِلّة.
:

- ٢٤٧ -
قال: سمعت النابغة يقول: أنشدتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم(١):
وإنَّا لرجُو فوق ذلك مظهرًا(٢)
بلغْنَا السماءَ مجدُنا وجدودُنا
فقال: ((أيْنّ المَظْهَرُ يَاأَبَا لَيْلَى))؟ قلت: الجنة. قال: ((أجَلْ، إنْ شَاءَ اللهُ تَعَلَى)»
ثم قلتُ :
بوادرُ نَحمِى صفوَهُ أن يُكَدَّرَا
ولا خيرَ فى حلمٍ إذا لم يكن لهُ
حليمْ إذا ما أُوْردَ الأمْرَ أَصْدَرَا
ولا خيْرَ فى جَهْلٍ إذا لم يكنْ لهُ
فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((أجَدْتَ لَا يَفْضُضِ اللهُ فَكَ)) قال مرتين .
اللفظُ لرواية ابن بَطّة .
والإسناد الثانى وإن كان أنزل ، فإنما ذكرناه لما فيه من اجتماع خليفة ووزير ، ومثل
ذلك مُستَغرب مُستَطْرِف .
وأبيات النابغة هذه من قصيدة له ، أولهما :
خَلِيلَىَّ نُضَّا ساعةً وَتَعَجَّرا وَلُومَا عَلَ ما أحدث الدهرُ أَوْذَرَا(٣)
وهى نحو مائتى بيت . قيل إنها أحسن شعر قيل فى الفخر بالشجاعة.
قال ابن عبد البر: وما أظن النابغة رضى الله عنه إلا وقد أنشد الشعر كله لرسول الله
صلى الله عليه وسلم .
(١) أبيات النابغة التى أوردها المصنف وردت فى الديوان صفحات ٥١ - ٧٢ ببعض
(٢) فى الديوان ٧٠ :
اختلاف .
* بلغْنا السماء مجدُنا وسناونا*
وروى فى ٦٠ هكذا :
* بلغنا السَّمَا مجدًا وجودًا وسؤددًا *
(٣) فى الديوان ٥١ : خليلى عوجا .

- ٢٤٨ -
: ومنها :
ومِن حاجةِ المحزونِ أن يتذكَّرًا(١).
تذكّرتُ والذكرى تهيجُ على الفتى
: أَرَى اليومَ منهم ظاهرَ الأرضِ مُقْفِرا.
نداماىَ عند المُنْذِرِ بن مُحَرّقٍ
تقَضَّی زمان الوصل بينى وبينها
وإنى لَاسْتَشْفِى بِرُؤْيَةِ جارِها
وألقى على جيرانِها مِسْحةَ الهوى
تَرَدَّيْتُ ثوبَ الذُّلِّ يَومَ لقيتُها
حسِيْنَا زماناً كلَّ بيضاءَ شَحْمَةٌ
إِ: أنّ كِيْنَاَ اَلحيَّ بِكَرَ بِنَّ وائلِ.
فلمَّا قَرعْنا التَّبْعَ بِالنَّبْعِ بِعِضَهُ
سفيناهُ كْساًّ سِقَوْنَاَ بمثْلِها
ـنْنِى وأهْلى عُصبةً سلميةً
وقالوا لنا أخيرا لنا مَنْ قتلتُمُ
ولسنا نردُ الرُّوحَ فى جسم ميِّتٍ
غَيْتُ ولا نُحْسِى كذاك صَنِيُعُنا
مُلكْنا فلم نكثِفْ قِناءًاً لِحُرَّةٍ
ولو أنََّا شِئْنا سوى ذاك أصبحتْ:
. ولم ينقض الشوقُ الذى كان أكْثَّرا
"إذا ما تَكَقِّيها علىَّ تَعذَّرَا
وإن لم يكونُوا لِي قبيلًا ومعْشرًا
وكان زِدائى نَخْوَةً وتجرًّا
ليالىَ إِذْ نغزُو جُذاماً وحِمْيَرَا
ثمانين ألفاً دَارِعِينَ وَحُمًَّا
بَيْضِ أبتْ عيدانُهُ أن تَكَّرَا
ولكنَّنَا كُنَّا على الموتِ أَصْبَرًا
يُعِدُّون للمَيْجَا عَنَ جِيجَ ضُمَّا(٢)
لقدِ جِثْمُ أمراً مِنِ الأمرِ مُنكَرًا (٣)
ولُكِنْ نسلُّ الرُّوحَ مِمِّنَ تنشَّرًا(٤)
إذا البطلُ الحامى إلى الموتِ هِجرًّا (٥)
ولم أستلبْ إِلَّ الحديدَ الْمُسَمَّرَ
كراءُهُم فينا تُبَاعَ وتُشْتَرَى
(١) فى الديوان ٥٢: تهيج لذى الهوى، وفيه ٦٩: للفتى. (٢) العناجيج: جياد الخيل.
! :
. (٤) فى ج : تنسرا، وفى الديوان ٦٩ :
(٣) فى الديوان ٦٩: لقد جئمُ إِدًا.
﴿ وكنَّا نسلُّ الروحَ ممن تبشْرًا *
(٥) فى الديوان ٦٩ : أهجرا.

- ٢٤٩ ~
ولكنَّ أحساباً فَتْنا إلى العلا
وإنَّا لَقَوْمُ ما نُعَوِّد خيلَنا
ونكرُ يومَ الرَّوْعِ ألوانَ خلِنا
وليس بمعروفٍ لنا أن نردَّها
أتيْنا رسولَ اللهِ إذْ جاء بالهدَى
بلغْنا السماء مجدُنا وجدودُنا
الأبيات التى رويناها .
وآباءَ صِدقٍ أن نرومَ الُحَفَرَا
إذا ما الثّقَّيْنا أن تَحِيدَ وتَنْفِرًا(١)
مِن الطَّعْنِحِتِى نُحسِبَ الْجَوْنَ أَشْقَرَا(٢)
صِحاحاً ولا مُستَنَكراً أن تُعقََّا(٣)
وتلُو كتاباً كالمجَرَّةِ نَيًِّا(٤)
أخبرنا محمد بن إسماعيل الحموىّ، قراءة عليه وأنا أسمع، أخبر ناعلى بن أحمد بن البخارىّ
أخبرنا عمر بن محمد بن طَبَرْزد سماعا، وأبو الفرج عبد الرحمن بن على بن الجَوْزىّ، ومحمد
ابن أحمد بن بَخْتِيَارِ المَنْدَائِىّ، وأبو محمد عبد الله بن أبى بكر بن أبى القاسم بن الطَّويلة،
وأبو عبد الله الحسين بن سعيد بن الحسين بن شُفَيف إجازة ، قالوا كلهم : أخبرنا أبو القاسم
هبة الله بن أحمد بن عمر الحريرىّ، المعروف بابن الطََّرَ، قراءة عليه ونحن نسمع متفرقين ،
أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البَرْمكىّ، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن محمد بن
زكرياء بن حَيُّوَيَه، حدثنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق المدائنِىّ، حدثنا أبو بكرين أبى النَّضر،
حدثنا شبابة، حدثنى أبو العَطُوف، قال: سمعت الزُّهرىّ يقول: قال رسول الله
(١) فى الديوان ٦٠ :
* ونحن أُناسٌ لا نُعوِّد خيلَنَا *
(٢) فى الديوان ٥٩: وتنكر ... حتى تحسب. (٣) فى الديوان ٦٠:
* وما كان معروفاً لنا أن ردَّها *
(٤) فى الديوان ٥١ ، ٧٠ :
أتيتُ ... ويتلُوكتابا.

- ٢٥٠ -
صلى الله عليه وسلم لحسان: ((هَلْ قُلْتَ فِى أَبِى بَكْرٍ مَثَلًا))؟ قال: نعم، قال
(( قُلْ، وَأَنَا أَسْمَحْ )) قال(١):
طاف العدوُ به إذْ يصمدُ الجبلاً(٣)
وثانِىَ اثنين فى الغَارِ المُنِيفِ وقد
مِن البرّيَّةِ لم يعدِلْ به رجلاً(٣)
وکان رِدِفَ رسولِ اللهِ قد علمُوا
فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وقال: ((صَدَقْتَ يَا حَسَّانُ
هُوَ كَمَا قُلْتَ )).
أخبرنا أبى تغمده الله برحمته بقراءتى عليه، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن
عبد الله الظّاهرىّ بقراءتى ، أخبرنا إبراهيم بن خليل، أخبرنا يحيى الثقفىّ، أخبرنا الشيخان
أبو عدنان محمد بن أحمد بن أبى نِزار، وفاطمة الجُوْزدانية(٤)، قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن
عبد الله بن رِيدَة ، أخبرنا أبو القاسم الطبرانيّ الحافظ، حدثنا ذاكر ين شَيْبة العسقلانىّ
بقرية عَجَّس(٥)، حدثنا أبو عاصم رَوَّاد بن الجرّاح، عن أبى الزُّعَبْزِعَة ، وسعيد بن عبدالعزيز،
عن مكحول ، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا
ما يقول لى: ((يَا ◌َائِشَةُ مَا فَعَلَتْ أبْيَتُكِ))؟ فأقول: وأىَّ أبياتى تريد يارسول الله، فإنها
كثيرة؛ فيقول: ((فِىِ الشُّكْرِ)) فأقول: نعم، بأبى وأمى ، قال الشاعر(٦):
يوماً فتدركه العواقبْ قدإِ نَّاً
ارفعْ ضَعِيفَكُ لا ◌َيَخُرْ بِكَ ضعفُهُ
. أنّنى عليك بما فعلتَ فقد جَزِى
يَجْزِيكَ أو يُنْنى عليك وإنّ مَن
(١) شرح ديوان حسان ٣٠٠. (٢) فى الديوان: والثانى اثنين .... صَعَدَّ الجبلا
(٣) فى الديوان: وكان حِبّ رسول الله. (٤) بضم الجيم وسكون الواو والزاى وبعدها
دال مهملة وفى آخرها النون ، هذه النسبة إلى جوزدان ، قرية على باب أصبهان . اللباب
(٥) عجس : بالتحريك والتشديد: قرية بالمغرب.
١/ ٢٥١، المراصد ١٣٥٧.
مراصد الاطلاع ٩٢٢. (٦) البيتان الأولان فى الأغاني ٣ / ١١٧،١١٤، وقد نسهما.
الأصفهانى إلى كثيرين، وقال: والصحيح أنهما لغريض (اليهودى ، وهو السموأل بن
عادياء ) أو لابنه .

- ٢٥١ -
إنّ الكريمَ إذا أردتَ وصالَه لم تُلفِ رقَّا حبلَه واهِى القُوَى
قال: فيقول: ((يَاَ عَائِشَةُ، إِذَا حَشَرَ اللهُ الْخَلَائِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ
اصْطَنَعَ إِلَيْهِ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِهِ مَعْرُوفًا: هَلْ شَكَرْتَهُ؟ فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ عَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ
مِنْكَ ، فَشَكَرْتُكَ عَلَيْهِ. فَيَقُولُ: لَمْ تَشْكُرْنِى إِذْ لَمْ تَشْكُرْ مَنْ أَجْرَيْتُ ذَلِكَ عَلَى
يَدَيْهِ )» .
قال الطبرانى: لم يروه عن سعيد بن عبد العزيز إلا رَوَّاد بن الجرّاح.
أخبرنا عبد القادر بن عبد العزيز بالقاهرة ، وأبو العباس المسند بدمشق ، قالا: أخبرنا
محمد بن إسماعيل الخطيب، أخبرنا هبة الله بن يحيى، أخبرنا عبد الله بن رفاعة ، أخبرنا
على بن الحسين ، أخبرنا أبو محمد بن النّحّاس ، أخبرنا عبد الله بن الوَرْد ، أخبرنا أبو سعد
البرقىّ، أخبرنا عبد الملك بن هشام. فذكر أبيات قُتَيلة بنت الحارث بن النّضر، التى
أنشدتها ، وسمعها النبى صلى الله عليه وسلم بعد ما قتل النضر، وهى(١):
من صبحِ خامسةٍ وأنت موفَّقُ(٢)
با راكباً إن الأَثْلَ مَظِنَّةٌ
ما إن تزال بها النجائبُ تخفِقُ
أبلغ بها مَيْتًا بأن تحيةً
جادت بوا كِفِها وأخرى تختُقُ
مِنِيِّ إليكَ وعبرةً مسفوحةً
أم كيف يسمعُ ميتْ لا ينطقُ(٣)
هل يمعنىِّ النضرُ إن ناديتُهُ
فى قومِها والفحلُ غْلٌ معرقُ(٤)
أمحمدٌ ولَأنتَ ضِنوُ كريمة
مَنَّ الفتى وهو المَغِيظُ المحنَقْ
ما كان ضرَّكَ لو مِنْتَ وربما
(١) قصة قتيلة بنت الحارث وأبياتها فى أخيها النضر فى سيرة ابن هشام ٤١٩/٢-٤٢١.
(٢) الأقيل: موضع قرب المدينة بين بدر ووادى الصفراء، سمى بذلك لكثرة الأثل به،
. ومظنة: موضع الحصول الظن. (٣) فى السيرة، هل يمعنَّ النضر. (٤) فى السيرة:
* أمحمدٌ ياخيرَ ضْءٍ كريمةٍ*

- ٢٥٢ -
بأعزّ ما يغلُو بِهِ مَا يُنْفِقُ(١)
أو كنتَ قابَلَ فِدْيَةٍ فَلْيُنْفَقَنْ
وأحقُّهم إن كان عتقٌ يعتَقُ
والنضُرِ أقربُ مَن أسرتَ قرابةً
اللهِ أرحامُ هناك تشقَّقُ
ظلَّتْ سيوفُ بنى أبيه تنوشُهُ
رَشْفَ القَّدِ وَهْوِ عانٍ موثَّقُ(٢)
صَبْرًا يُقبادُ إِلَى المَنِيَّةِ مُتْعَباً
قال ابن هشام: فيُقال، والله أعلم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه هذا الشعر
قال: (( لَوْ بَلَغَنِى هُذَا قَبْلَ قَتْلِهِ لَمَنَنْتُ عَلَيْهِ)) .
قلتُ: وفى كتاب الزبير بن بكَّار فى النسب(٣): أن بعض أهل العلم ذكر أن هذه
الأبيات مصنوعة
ونحن قد تكلمنا على قوله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ بَلَفِى هَذَا قَبْلَ قَتْلِهِ لِمَتَنْتُ
عَلَيْهِ)) فى مسئلة التفويض، فى كتابينا: ((شرح المختصر)) و((شرح المنهاج)) بما يعنى
عن الإعادة.
وحظ هذا الكتاب منه بعد الاستشهاد لسماعه صلى الله عليه وسلم الشعر ، أنه كان
يقبل الشفاعة والضراعة والاستعطاف بالشعر. وكيف لا وذلك من مكارم الأخلاق التى
حلّ النبى صلى الله عليه وسلم فى ذروتها، وكثيرا ما يُسأل عن وجه إنشاد أبى تمام الطائى
بعد ذكر هذه القطعة فى (الحماسة)) قول النابغة الجعدى"(٤):
. على أن فيه ما يسوء الأعادياً
فتىَّ كان فيه ما يسرُّ صديقَه
جوادٌ فما يبقى على المالِ باقياً
فتىَّ كُمَلَتْ أَخَلاقُهُ غيرَ أنّهِ.
وأجاب الفقيه ناصر الدين ابن المنير فى كتاب ((المقتفى)) أن أبا تمام أراد أن ينفى عن
(١) فى المطبوعة: بأعن ما يغلو لديه ينفق، والمثبت من: ج، د، والسيرة.
(٢) الرسف: المشى الثقيل، والعانى: الأسير. (٣) مقالة الزبير بن بكار مثبتة فى زهر
(٤) البيتان فى ديوانه ١٢٣، بتقديم وتأخير، وفى ديوان الحماسة
الآداب ٢٩.
( شرح المرزوقى) ٣ / ٠١٩
(٥) فی الدیوان : فتی تمّ فيه .
فتی کملت خيراته . وفيه وفى الديوان : من المال .
(٦)
) فى الحاسبة

- ٢٥٣ -
مقام النبوة مالا يجوز نسبته إليه من القسوة على النضر ، فتبيّن أن الإساءة للعدو من مكارم
الأخلاق، ولاسيما عدو الدين. ومن لم يسُؤَّ عدوَّه لا يسرُّ صديقَه.
ولو غدوتُ أسرد ما وقع لى مسندا مما أنشد بين يدى النبيّ صلى الله عليه وسلم
على وجه الاستيعاب لطال الخطاب، وفيما أوردته مَقْنَع وبلاغ، والله المستعان(١).
نتف
مما بلغنا عن الصحابة فمن بعدهم من علماء الأمة وأحبارها ، وصفوة القرون
وأخيارها ، من إنشاد الأشعار ، والاستماع إليها فى الجد والهزل ،
والبشارة والإنذار، وذكر الأراجيز والرماح نواهل من الدماء، والأكف
طائرة ما بين الأرض والسماء
ولقد كانوا يستعينون بذلك على محاولة الحرام، ويدعوهم إنشاده إلى الوثوب على مرير
الجام. وكُنَّ نسوتهم ينْشدْنَه إذ ذاك تحريضا، ويحملهم به على أن يرتكبوا من المَهُولات
طويلا وعريضا .
قال عمرو بن عاصم الكلابىّ: حدثنى عبد الله بن الوازع، حدثنى هشام بن عُروة،
عن أبيه، عن الزبير بن العوام ، قال: عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفاً يوم أحد،
فقال: (( مَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ)) فقمتُ، فقلتُ: أنا يارسول الله. فأعرض عنى، ثم قال:
((مَنْ يَأْخُذُ هذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ)) فقام أبو دُجانة، سِماك بن خَرَشة، فقال: أنا يارسول
الله، فما حقه؟ قال: ((أَنْ لَا تَقْتُلَ بِهِ مُسْلِمَاً، وَلَا تَفِرَّ بِهِ عَنْ كَافِرٍ )) قال: فدفعه
إليه ، وكان إذا أراد القتال أعْلٍ (٣) بمصابة. فقلت: لأنظرنَّ اليوم كيف يصنع! جعل
(١) فى هامش ج: هنا آخر المجلد الأول من مجارات المصنف.
(٢) فى المطبوعة، د: اعتم، والمثبت من: ج.

- ٢٥٤ -
لايرتفع له شىء إلا هتكه وأفراه ، حتى انتهى إلى نسوة فى سفح جبل معهن دفوف لهن
فيهن امرأة ، وهى تقول:
نحنُ بناتُ طارقْ نْشنى على النَّارِقْ
ـن تُبُوا نُعانقْ أو تدرّوا نُفُارقْ
فراقَ غير وامقْ.
قال: فأهوى بالسيف إلى المرأة ليضربها، ثم كف عنها . فلما انكشف القتال، فلت
له: كلّ عملك قد رأيت، ما خلا رفعك السيف على المرأة ثم لم تضربها. قال: أكرمت
سيفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل به امرأةٌ(١).
قلت : هذه التى كانت ترتجز هى هند بنت عتبة .
قال ابن الأعرابيّ: قال لى المأمون - يعنى أمير المؤمنين - أخبرنى عن قول هند
بنت عتبة .
نحنُ بناتُ طارِقْ
غشى على النمارق
مَن طارق هذا؟ قال: فنظرتُ فى نسبها فلم أجدْه، فقلت: لا أعرفه. فقال: إنما أرادث
"النجم ، انتسبت إليه بحسنها .
وقال عكرمة بن عمّار: حدثنى إياس بن سلمة بن الأكوع، حدثنى أبى: أن عمه
عامرا أحدى بهم، يغنى فى غزوة خيبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (غَفَزَ
( لَكَ رَبُّكَ)) وقال: ماخُصَّ بها أحدا إلا استُشهِد. فقال عمر: هلَا متَّعْتَنَا بعامر. فقدمنا
خيبر ، خرج مرحب وهو يخطر بسيفه ، وهو يقول:
قد علمتْ خيرُ أنِى مَرْحبُ شاكى السّلاحِ بطلٌ مجرَّبُ
إذا الحروبُ أقبلتْ تَكَهَبُ
(١) ذكر أن هشام فى السيرة ٣ / ١١ - ٢٤. هذه القصة والشعر باختلاف فى بعض
ألفاظها .

- ٢٥٥ --
فبرز له عامر ، وهو يقول :
قد علمتْ خيبرُ أنى عامىُ شاكى السّلاحِ بطلٌ مغامرُ
قال: فاختلفا ضربتين. فوقع سيف مرحبٍ فى تُرُس عامرٍ ، فذهب عامر يَسْفُل له(١).
فرجع سيفه على نفسِهِ فقطع أَكْحَلَهَ(٢)، وكانت فيها نفْسُه.
قال سلمة : خرجتُ فإذا نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: بطُل عمل
عامرٍ، قتل نفسَه، فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكى، قال: ((مَالَكَ؟))
فقلتُ: قالوا إن عامرا بطل عمله. فقال: (( مَنْ قَالَ ذلِكَ؟)) قلتُ: نفر من أصحابك.
قال: ((كَذَبَ أُولَئِكَ، بَلْ لَهُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ)) قال: فأرسل إلى علىّ يدعوه ،
وهو أرمد، فقال: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ الْيَوْمَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ
وَرَسُولُهُ)).
قال: جئتُ به أقوده ، قال : فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عينيه ، فبرَا ،
فأعطاه الراية .
قال : فبرز مرحبٌ ، وهو يقول :
قد علمتْ خيبرُ أنى مرحبُ: شاركِ السِّلاحِ بطلٌ مَجَرَّبُ
إذا الحروبُ أُقْبَلَتْ تَلَبُ
فبرز له على رضى الله عنه ، وهو يقول :
أُنَا الذى سمَّتْنِى أَى حَيْدَرَهُ(٣) كليتِ غاباتٍ كريهِ الَنْظَرَةْ
أُوْفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهُ(٤)
(١) يسفل له: أى يضربه من أسفله. (٢) الأكمل: عرق فى اليد، أو هو عرق
الحياة. (٣) الحيدرة: الأسد. (٤) السندرة: مكيال واسع؛ وقيل: هى العجلة،
أى أقتلهم عاجلا .

- ٢٥٦ -
فضرب مرحبا، فغلق رأسه فقتله ، وكان الفتح .
أخرجه مسلم(١) .
وقال يونس ، عن ابن إسحاق: حدثنى عبد الله بن سهل الحارثى، عن جابر بن عبد الله
قال : خرج مرحبٌ اليهودىّ من حصن خيبر قد جمع سلاحه وهو يرتجز، ويقول: مَن
يبارز؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ لِهِذَا))؟ فقال محمد بن مَسْلَمَة: أنا له ،
أنا والله الموتور الثائر، قتلوا أخى بالأمس. قال: ((قُمْ إِلَيْهِ، اللَّهُمَّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ)) فلما
تقاربا دخلت بينهما شجرة عمرية، تجعل كل واحد منهما يلوذ من صاحبه؛ كما لاذبها.
أحدهما اقتطع سيفه مادونه، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه ، وصارت بينهما كالرجل
القائم، ما فيها فَكَنَ ، ثم حمل على محمد بن مَسْلَمة، فضربه فاتّاه بالدَّرقة. فَمَضْت بسيفه
فأمسكته ، وضربه محمد حتى قتله . فقيل إنه ارتجز ، وقال :
حُلوٌ إذا شئتُ وُسُمٌّ قاضِى
قد علمتْ خيبرُ أنّى ماضِى
وكأن ارتجاز مرحب
شاكِى السِّلاحِ بطلٌ مجرَّبُ
قد علمتْ خيرُ أنَّى مرحبُ
وأحجمتْ عن صَوْلةِ المقلبِ (٣).
إذا اللَّيوثُ أقبلتْ تَلَبُ
أطعُنُ أحياناً وحيناً أضربُ.
إنَّ حِمايَ لَلْحِمِى لا يُقرَبُ.
قلت : قوله عُمْية، أى التى أتى عليها عُمْر، وهذا قول من قال: إن محمد بن مسلمةٍ
هو القاتل لمرحب، لا على:
(١) أخرجه مسلم فى ( باب غزوة ذى قَرَد وغيرها، من كتاب الجهاد والسير).
٠١٤٤٠/٣ (٢) رواية ابن هشام. السيرة ٠٣٨٥/٣
(٣) فى البيت إقواء.

- ٢٥٧ -
(١ [ وقال ابن إسحاق(٣): حدثنى محمد بن إبراهيم التَّيْمِىّ، عن أبى الهيثم بن نصر
الأسلمىّ، أن أباه حدّثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول فى مسيره لخيبر
لعامر بن الأكوع: (( خُذْ لَنَا مِنْ هِنَتِكَ)) فنزل يرتجز، فقال:
ولا تصدَّقْنا ولا صَّيْنَا.
واللهِ لولا اللهُ ما اهْتدينا
وإن أرادُوا فِتنةً أَبيْنَاً
إِنَّا إذا قومٌ بَفَوْا علينا
وثَبِّتِ الأقدامَ إن ◌َا قِيْنَاً
فَأنْزلَنَّ سكينةً علْنَا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يَرْحَمُكَ اللهُ))، فقال عمر: وجبت والله
يا رسول الله، لو أمتعْتَنَا به. فقُتل يوم خيبر شهيدا]١) .
أخبرنا أبو العباس أحمد بن على بن الحسن بن داود الحنبلىّ، قراءة عليه وأنا أسمع ،
أخبرنا أبو منصور عبد القادر بن عبد الجبار بن عبد القادر القَزْوِيِنِىّ إجازة ، أخبرنا
ابن شَاتِيل ، أخبرنا أبو سعد محمد بن عبد الكريم بن خُشَيش، أخبرنا أبو على بن شاذان،
أخبرنا أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن النجّار، حدثنا الحسن بن مُكَرّم بن حسّان،
حدثنا شَبابَة بن سِوَار ، حدثنا شعبة ، ويونس بن أبى إسحاق ، وابنه إسرائيل بن يونس ،
عن أبى إسحاق .
ح: وأخبرنا محمد بن محمد بن عَرَ بشاه المَعْدانِىّ سماعا عليه، أخبرنا ابن أبى اليََر
حضورا فى الرابعة، أخبرنا أُلْخُشُوعىّ سماعا، وإسماعيل الجْزَوِىّ إجازة، قالا: أخبرنا
هبة الله بن أحمد بن محمد الأكْفانى، أخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد بن إبراهيم
الحِنَّالِىّ، حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن هلال الجنَّائِىّ، حدثنا أبو يوسف
يعقوب بن أحمد بن عبد الرحمن الجَصَّاص الدَّما، حدثنا أحمد بن الحجّاج ، حدثنا محمد
(١) ما بين العلامتين ساقط من: د. (٢) سيرة ابن هشام ٣/ ٣٧٨، ٣٧٩.
( ١٧ - طبقات - ١)

- ٢٥٨ -
ابن عمرو بن حفص، حدثنا أبى، عن الأعمش، عن أبى إسحاق ، عن البراء، حدثهم أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :
وفى الرواية الأولى: سمعت البراء بن عازب، يقول: رأيت النبى صلى الله عليه وسلم
يوم الخندق، وهو ينقل التراب، وقد وارى التراب شعر صدره، وهو يرتجز بكلمة عبد الله
ابن رواحة ، يقول :
والرِ لولا اللهُ ما اهتديْنا ولا تصدَّقنا ولا صلّيناً
فأنزلنْ سكينةً. علينا .. وثبِّت الأقدامَ إن لاقيناً
إن الأُولَى قد بُفَوْا علينا(١).
وفى رواية :
" وإن أرادوا" فتنةً أبيناً
وفى رواية : ثم مد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم صوتَه.
وفى رواية : (( الاهم ) بدل ( والله)) .
وسمعت بعض المشايخ يقولها: ((لاهم)) وهى لغة فى ((اللهم)» والوزن معها قائم،
وعليها قول قائلهم(٢):
حِلْفَ أُرِيناً وأبيهِ الأَتْلَمَا
لَا هُمَّ إِى ناشد محمدا
ليس هذا الحديث من رواية إسرائيل بن يونس بن أبى إسحاق السَّبِيعىّ، عن جده
فى شىء من الكتب الستة .
(١) فى المطبوعة : لقد . وفى د:
* إنا إذا قوم بغوا علينا *
(٢) البيت لعمرو بن سالم الخزاعى. العقد الفريد ٢٩٨/٣
والمثبت من : ج.
وفى ج، د : وأبيك. والمثبت من المطبوعة، والعقد.

- ٢٥٩ -
وهو من حديث شعبة، عن أبى إسحاق فى الصحيحين(١).
أخبرتنا أم محمد زهرة بنت الشيخ المحدث جمال الدين عمر بن حسين بن أبى بكر الْخُتَنىّ(٢)
الحنفىّ ، قراءة عليها وأنا حاضر فى الثانية بقراءة أبى رحمه الله بالقاهرة ، قالت : أخبرنا
نجيب الدين أبو الفرج عبد اللطيف ابن الإمام أبى محمد عبد المنعم بن على بن نصر الصَّيْقَل
الحَرّانىّ حضورا فى الرابعة، أخبرنا مسعود بن أبى القاسم بن عبد الكريم بن الحسن
ابن غَيْث الدَّقّاق، أخبرنا الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السَّمَرْ قَنْدىّ، سنة
ست وعشرين وخمسمائة ، أخبرنا الشيخ أبو القاسم الفضل بن أبى حرب أحمد بن محمد بن
عيسى الجُرْجَانِىّ النَّيشابورىّ، قراءة عليه فى ثانى عشر شوال سنة ثمانين وأربعمائة،
أخبرنا القاضى أبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد الخيرِىّ، أخبرنا أبو على محمد بن أحمد
الْمَعْقِلِى(٣)، حدثنا محمدبن يحيى الدُّهْلِىّ، حدثنا عبدالرزّاق، أخبرنا معمر، عن الزّهرىّ
عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة فى عمرة القضاء ، وعبد الله بن رواحة
بين يديه. قال محمد: قال عبد الرزاق مرة: وعبد الله بن رواحة آخذ بغَرَزْ النبى صلى الله
عليه وسلم ، وهو يقول(٤):
خلَّوا بنى الكفارِ عنْ سيِيلِهِ قد أُنزلَ الرحمنُ فى تْزِيلِ
بأنَّ خيرَ القتلِ فی سبیلِهِ
ليس من رواية الزهرى ، عن أنس فى شىء من الكتب الستة .
(١) البخارى فى (باب غزوة الخندق، من کتاب الجهاد) ١٤٠/٥، ومسلم فى (باب
غزوة الأحزاب، من كتاب الجهاد) ٠١٤٣٠/٣ (٢) بضم الخاء المعجمة وبالتاء ثالث
الحروف المفتوحة وفى آخرها النون، هذه النسبة إلى ختن، بلدة من بلاد الترك. اللباب ٣٤٦/١.
(٣) بفتح الميم وسكون العين وكسر القاف وفى آخرها لام، نسبة إلى معقل ، وهو جد
المنتسب إليه . اللباب ٣ / ٠١٥٩
(٤) سيرة ابن هشام ٣ / ٤٢٤.

- ٢٦٠ -
وروى الزبير بن بكّار (١): أن الخنساء بنت عمرو بن الثَّريد السُّلَميّة فى بنين لها
أربعة ، شهدت معهم حرب القادِسيّة، فقالت لهم: إنكم أسلمتم طائعين ، وها جر تم مختارين
وذكرت من صوتها لبنيها ، وعدم خيانتها لأبيهم ما ذكرت، ثم قالت لهم: وقد تعلمون
ما أعد الله لكم من التواب الجزيل فى حرب الكافرين ، واعلموا أن الدار الباقية خير من
الدار الفانية؛ فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين ، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين ،
وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد ثَّت عن ساقها، واضطربَ اظاها
على سياقها(٢)، وجُلّت ناراً على أرْواقها(٣)، فتيمَّمُوا وطيَها، وجالدوا رئيسها عند احتدام
خميسها (٤) تظفروا بالمغم (٥) والكرامة، فى دار أُخلد والمقامة.
تخرج بنوها قابلين لنصحها، فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم، وأنشأ أولهم
يقول :
قد نصحتْنَا إذ دعتْنا البارحه
يا إخْوَتِى إِنَّ العجوزَ النَّاسحه
فباكروا الحربَ الضَّروسَ الكالحِهُ
مقالةً ذات بيان واضحهْ
مِن آل ساسانَ كلاباً نابجه
وإِنَّمَا تَلْقَوْن عند الصَّائحةْ
وأَنتُمُ بين حياةٍ صالحة
قد أيقنوا منكمْ بوقع الجائحة.
أو مِيتَةٍ تُورِث ◌ُمَا صالحهْ (٦)
وتقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى ، ثم تقدم الثانى وهو يقول :
(١) لم تجد القصة فيما طبع من كتاب الزبير بن بكار، وهى فى كتاب ألف باء للبلوى
(٢) فى المطبوعة: واضطرمت، والمثبت من: ج ، د، وفى ألف باء:
٢١٠/٢، ٠٢١١
واضطرمت لظى على سباقها. (٣) فى المطبوعة؛ أوراقها، والمثبت من: ج، د،
(٤) الخميس: الجيش.
والبلوى. وأوراقها: جوانبها. تزيد اشتداد الحرب واحتدامها .
(٥) فى المطبوعة: بالنعيم، والمثبت من : ج، د، والبلوى . .
(٦) فی البلوى
* وميتة تورث غنما رابحه *