Indexed OCR Text
Pages 201-220
- ٢٠١ -
اثنانِ قد مضياً فبُؤْركُ فيهما عمرُ الخليفةُ ثم حِلْفُ السُّؤْدِ
إرثُ النبوّةِ وابنُ عمِّ محمدٍ
الشَّافِىُّ الألمىُّ محمدٌ
مِن بعدمُ سُقْياً لُربةِ أحمدِ
أرجو أبا العباسِ أنك ثالثٌ
قال: فصاح أبو العباس بن سُرَيح، وبكى، وقال: لقد نَّمَى إلىّ قى.
ورُوِى أنه مات فى تلك السنة .
وقال آخرون: إنما المبعوث على رأس المائة الثالثة أبو الحسن الأشعرىّ؛ لأنه القائم
فى أصل الدين، المناضل عن عقيدة الموحّدين، السيف المسلول على المعتزلة المارقين، المغبِّ
فى أوجه المبتدعة المخالفين .
وعندى : أنه لا يبعد أن يكون كل منهما مبعوثا : هذا فى فروع الدين ، وهذا فى
أصوله. وكلاهما شافعيّ المذهب. والأرجح إن كان الأمر منحصرا فى واحد أن يكون هو
ابن سُرَيح .
وأما المائة الرابعة، فقد قيل : إن الشيخ أبا حامد الإسفراينىّ هو المبعوث فيها
وقيل: بل الأستاذ سهل بن أبى سهل الصَّعلوكىّ. وكلاهما من أئمة الشافعيِّن، وعظماء
الراسخين .
قال أبو عبد الله الحاكم لما رويت أنا هذه الرواية - يعنى ابن سُرَيخ والأبيات - كتبوها،
يعنى أهل مجلسه ، وكان ممن كتبها شيخ أديب فقيه ؛ فلما كان فى المجلس الثانى قال لى
بعض الحاضرين : إن هذا الشيخ قد زاد فى تلك الأبيات ذكرَ أبى الطَّيِّب سهل ، وجعله
على رأس الأربعمائة ، فقال من قصيدة مدحه بها :
أضحى عظيما عند كل مُؤَخِّدِ
والرّابع المشهورُ سهلُ محمدٍ
فى العلم أرجا والخطيبُ مُؤَيَّدٍ
يأوِى إليه المسلمون. بأسرِم
للمذهب المختارِ خيرَ مُجَدِّدٍ
لا زال فيما بيننا حبْرَ الورى
- ٢٠٢ -
قال الحاكم: فلما سمعت هذه الأبيات المزيدة سكتُ، ولم أنطق، وعمَّنى ذلك، إلى
أن قدَّر الله وفاته تلك السنة
قلتُ: والخامس الغزالىّ.
والسادس: الإمام فخر الدين الرّازىّ، ويحتمل أن يكون الإمام الرافعىّ، إلا أن وفاته
تأخرت إلى بعد العشرين وستمائة، كما تأخرت وفاة الأشعرىّ، ومن العجب موت ابن سُريح
سنة ست وثلثمائة، والاختلاف فيه وفى الأشعرىّ، وموت الأشعرى بعد العشرين ،
وكذلك موت الإمام فخر الدين بن الخطيب سنة ست وستمائة ، والنظر فيه وفى الرافعىّ ، :
وتأخرت وفاته هكذا .
والسابع : الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد.
وهؤلاء لا يحسن من أحد أن يخالف فيهم، ومتى دفعنا الأشعرىّ، وسهلًا ، والرافعىّ
عن هذا المقام كان الجميع، من الشافعىّ إلى ابن دقيق العيد، أسماؤهم دائرة ما بين محمد وأحمد .
وقد نظمت أنا هذا المعنى كله ، وأضفت إليه الأبيات السابق ذكرها ، وافتتحت
بالشعر السابق، ثم ذكرت الاختلاف فى الأشعرىّ، ثم ذكرت البيت الرابع الصَّلوكى ،
وقد كان سهل ممن لا يدفع عن هذا المقام بوجه يتضح لمشاركته للشيخ أبى حامد فى الفقه
وقرب الوفاة من رأس المائة، بخلاف الأشعرىّ مع ابن سُرَيح - كما ستعرف إن شاء الله.
تعالى فى تراجمهما - مع زيادة تصوفه وتبحره فى بقية العلوم. ثم ذكرت الاختلاف فى الشيخ
أبى حامد، وذكرت من بعده إلى السابعة.
وهذه الأبيات :
اثنان قد مضيا فبُورك فيهما
الشافعىُّ الألميُ محمدٌ
أرجو أبا العباس أنك ثالث
ويقال إن الأشعرىّ الثالثُ الـ
عمرُ الخليفةُ ثم حِلْفُ السُّؤددِ
وإرتُ النبوّة وابنُ عمِّ محمدٍ
مِن بعدهم سُقيا لُربة أحمدٍ
مبعوثُ الدِّين القويمِ الأَبَّدِّ
- ٢٠٣ -.
هذا وعَلَّهُما امنآنْ فَعَدِّدِ
والحقُّ ليس بِمُنْكِر هذا ولا
هذا لُصرة أصل دين محمدٍ
وضرورةُ الإِسلام داعيةٌ إلى
والرابعُ المشهورُ سهلٌ محمدٍ
وقضى أناسٌ أن أحمد أُلَاُ سْفَرًا
فكلاهما فردُ الورى المعدودُ مِن
والخامسُ الحبرُ الإمام محمدٌ
وابنُ الخطيبِ السَّادِسُ المبعوثُ إذْ
کنظير ذلك فی فروع محمدٍ
هذا وذاك ليهتدی مَن يهتَدِی
أضحى عظيما عند كل مُوَخِّدِ
ينىَّ رابعُهُم ولا تستْمِدٍ
حزبٍ. الإمام الشافعىِّ محمدٍ
هو حجَّةُ الإِسلام دون تردُّدِ
هو للشَّريعة كان أىَّ مُؤَّيِدِ
والرّافعىُّ كمثلهِ لولا تأخّرُ موتِهِ كالأشعرىّ وأحمدٍ
والسّابِعُ ابنُ دقیقِ عيدٍ فاستمعْ
إنْ تَنْفِ عن عبد الكريم وَالَا شْعَرِ
فَاَنظر لسرِّ الله إن الكلَّ مِن
هذا على أنّ الُصيب إمامُنا
يا أيها الرجلُ المريدُ نجاتَه
هذا ابنُ عم المصطفى وسميُّهُ
وَضُحَ الهدى بكلامِهِ وبِهَدْ بِهِ
فالقومُ بين محمدٍ أو أحمدٍ
ىِّ وسهْلِ المأثورَ فِى ذَا المُسْنَدِ
أصحابنا فانْهم وأنْصفْ تَرْشُدِ
أُخْلى دليلٍ واضحٍ للمُهتَدِ
دَعْ ذَا التعصّبَ والِراءَ وقَدِّدِ
والعالمُ المبعوثُ خيرُ مجدِّدٍ
يا أيها المسكينُ لِمْ لَا تَهْتَدِى
فصلى الله على سيدنا محمد نبى الرحمة ، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته، {وجميع
الأنبياء والمرسلين ، القائمين بمداواة القلوب وعلاجها، صلاة كصلواتهم ذوات الأركان ،
آمنة من خداجها، مامدت أنفس المذنبين إلى شفيع المؤمنين يد احتياجها](١) ورضى الله عن
-
(١) ما بين العلامتين ساقط من المطبوعة، وقد تقدمت هذه الصيغة فى الصلاة على النبى
صلى الله عليه وسلم ص ١٨٩.
- ٢٠٤ -
إمامنا المطّلبىّ الشافعى، شافى العِىّ عن الكلمات باعتدال مزاجها ، وقارع هضبات
التحقيقات، ورا كب أشْبَجِها(١)، والنازل من قريش فى مجتمع سيولها، وملتطِم أمواجها
وعن أصحابه أصحاب الوجوه التى تجلو الظلام بابتلاجها ، وفرسان المباحث يوم هياجها ،
والمجتهدين على حفظ أقواله وسياق سياجها .
محمد
أخبرنا أبى رحمه الله ورضى عنه بقراءتى عليه ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن
ابن عبد الله الظاهرىّ بقراءتى عليه، أخبرنا إبراهيم بن خليل.
ح : وأنبأنا عن ابن خليل، أخبرنا يحى الثقفىّ، أخبرنا أبو عدنان محمد بن أحمد بن.
أبى نزار حضورا، وفاطمة بنت عبد الله الجُورْدَانَيَّة سماعا، قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن
عبد الله بن رِيدَة، أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الحافظ، أخبرنا على بن أحمد بن بسطام(٣)
الزَّعْفرانىّ، حدثنا عمى إبراهيم بن بسطام، حدثنا أبو داود الطَّيَّالِىّ، حدثنا أبو عامر
الخزَّازَ(٣) صالح بن رستم ، عن الحسن، عن عمرو بن تغلب: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم
كان إذا خطب قال: ((أمَّا بَعْدُ)).
قال الطبرانى: لم يروه عن أبى عامر الجزَّاز إلا أبو داود، تفرد به إبراهيم
ابن بِسْطام.
أخرجه البخارى فى صحيحه (٤) عن محمد بن معمر، عن أبى عاصم، عن جريربن حازم
قال: سمعتُ الحسن يقول: حدثنا عمرو (٥) بن تغلب، فذكر الحديث مُطَّولا، فى باب من قال
فى الخطبة أمَّا بعد.
(١) النَّبَج: ما بين الكاهل إلى الظهر ، القاموس (ث ب ج).
(٢) بسطام: بكسر الياء. المشتبه ٧٥. (٣) نسبة إلى الخز وبيعه. المشتبه ١٦١.
(٤) فى (باب من قال فى الخطبة أما بعد، من كتاب الجمة) ١٣/٢
(٥) فى المطبوعة د،: عمر بن تغلب، والتصويب من: ج، البخارى.
.
- ٢٠٥ -
وأخبرنا أبو الفضل محمد بن الضَّيا قراءة عليه وأنا أسمع ، أخبرنا على بن أحمد بن
عبد الواحد بن البخارىّ ، وأبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الملك القدسيّان سماءا
عليهما ، قالا : أخبرنا عبد الصمد بن محمد بن أبى الفضل بن الحَرَ سْتانىّ، قال الأول: سماعا
وقال الثانى: حضورا، عن أبى محمد عبد الكريم بن حمزة بن الحضر السلمىّ ، أخبرنا
أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن محمد الكُتَّانِيّ سماعا، أخبرنا أبو القاسم تَمّام بن محمد الرّازىّ
أخبرنا أبو على الحسن بن حَبيب بن عبد الملك قراءة عليه ، حدثنا أبو بكر عبد الحميد
ابن محمود بن خالد، حدثنا إبراهيم بن النْدر الجزّامِىّ(١)، حدثنا مَعْن بن عيسى، حدثنا
موسى بن يعقوب الزَّمْعِىّ، عن المهاجر بن مِحار ، عن عائشة بنت سعد ، عن عامر بن سعد
عن سعد: أن النبى صلى الله عليه وسلم خطب، فقال: ((أمَّا بَعْدُ)).
ليس هذا الحديث من هذا الوجه فى شىء من الكتب الستة .
ولو ذهبت أسند ما وقع من الأحاديث والآثار فى (( أما بعد )» لطال الفصل ، وخرج
إلى الملال ، ودخل به السيامع فى الكلال .
وقد عقد البخارى رحمه الله فى صحيحه فى كتاب («صلاة الجمعة، باب من قال فى الخطبة
أما(١) بعد) وذكرحديث فاطمة بنت المنذر ، عن أسماء بنت أبى بكر ، فى حديث الكسوف،
وقول عائشة : أن النبى صلى الله عليه وسلم خطب النّاس، وحمد الله بما هو أهله، ثم قال:
((أمَّا بَعْدُ)) وذكر أيضاً حديث عمرو بن تغلب المتقدم، وذكر حديث عائشة فى صلاة الليل
وحديث أبى حُمَيد السّاعدىّ: قام صلى الله عليه وسلم عَشِيّةً بعد الصلاة، فتشهد ... الحديث،
وحديث ابن عباس فى قول النبى صلى الله عليه وسلم فى خطبته: « أمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هُذَا الْحَيَّ
مِنَ الْأَنْصَارِ يَقِلُّونَ وَيَكْثُ النَّاسُ)) .
(١) بكسر الحاء وبالزاى وبالميم بعد الألف، نسبة إلى الجد الأعلى. اللباب ٢٩٦/١.
(٢) البخارى ٢ / ١٣ - ١٥.
:
- ٢٠٦ -
وقيل: إن أول من قال: (( أما بعد)) قُسّ بن ساعدة، وقيل: كعب بن لُؤَّى، وقال
جماعة : إن أول من قالها داود عليه السلام ، وإنها فصل الخطاب الذى أوتيه.
أخبرنا أحمد بن أبى محمد النابلسىّ الحافظ بقراء تى عليه، عن أحمد بن هبة اله، وابن
أبى عَصْرون، عن أبى المظْفّر بن السَّمَعانىّ، أخبرنا أبى الحافظ أبو سعد ، أخبرنا وجيه
ابن طاهر، بنيسابور، أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى، بهراة، أخبرنا الحسين بن
محمد بن على، حدثنا محمد بن عبد الله السّارِىّ، حدثنا أحمد بن نَجْدة، حدثنا سعيد بن
منصور ، حدثنا سفيان، عن زكريّا ، عن الشَّمبىّ: سمع زيادا يقول : فصلُ الخطاب الذى
أوتى داود عليه السلام أما بعد .
وكما أز النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب قال: أمَّا بعدُ، كذلك كانت فصحاء العرب.
وقال سحبان بن وائل :
إذا قلتُ أمّا بعدُ أنيٌّ خِطِيبُهَاَ
لقد على الحىُّ الْمَانُونَ أنَّنى
أما بعد
فإنى من قبل أن يكتب لى الشبابُ خط العِذار، ويستجلى نظرُ تمييزى: وجوه البشارة.
والإنذار، أردد نظرى فى أخبار الأخيار(١)، وأترقَّب أحوالهم؛ لأحيط بها من إسفار
صبح الأسفار :
أتانى هواها قبل أن أعرفَ الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكّنّاً
فأطلق عمومَ النظر من الصغر فيها ناظرى، وأعرب عن المبنىّ على السكون فى ضمائرى
وتلقّف ما صنع السابقون من سحر الكلام، والتقط ما فَرقَّوه من درر ◌ُجمّعة(٢). على
أحسن نظام .
(١) فى المطبوعة: الأخبار. والمثبت من: ج، د.
(٢) فى المطبوعة: جمعته، وفى د: بجمعه. والمثبت من: ج.
- ٢٠٧ -
وكنت ممن إذا سمع صالحاً أشاع، وإذا رأى رِيبة دفن، وإذ أبصرت محاسن علقت
منها ما هاج العيون الدرفن(١) . إلى أن حصلت من ذلك على فوائدجمة، ومقاصد إذا سفرت
بدورها ضَوّأت الدياجى المدلهمة . وفرائد هى فى جِيد التراجم تميمه، ولمحاسنها تتّة.
فرأيت أن يخلُد ذلك فيما يكتب ويجلّد، وتُنظَم جواهره فيما نقلتْ أنامل الفكر
فيه ويقلّد .
فأنزلت الشافعية رضى الله عنهم فى طبقات ، وضربت لكل منهم فى هذا المجموع
سُرادقات، ورتبّتهم سبع طبقات ، كل مائة عام طبقة، وجمعتهم كوا كب كلها معالم
للهدى، ومصابيح تجلو الدجى، ورجوم للمُسترِقة .
وهذا كتاب حديث ، وفقه ، وتاريخ ، وأدب، ومجموع فوائد تَنَسِل إليه الرغبات من
كل حدَب ، نذكر فيه ترجمة الرجل مستوفاة، على طريقة المحدِّتين والأدبا ، ونورد
نكتا تسحر عقول الألبّا .
وإذا كان ممن غلب عليه الفقه ، وقلَّت الرواية عنه، أعملنا جهدنا فى تخريج حديثه
مُستَدا منّا إليه ، ومنه إلى النبى صلى الله عليه وسلم.
ولم نُخْلِ الكتاب عن زوائد تُقِر العين، وفرائد يقول البحر الزاخر : من أين أخذ مثل
دُرّها ، من أين؟ وفوائديُوَّد بها القرطاس، ويودلو زِيد فيه سواد القلب والبصر. وتَسُود
بها الأوراق ، فتصبح أسود من الشمس والقمر .
ولربما جرت مناظرة بين كثيرين فشرحناها على وجهها ، غير تاركين للفظة منها ، أو
كاينة تاريخية فأوردناها ، كما كان الدهر يأمر فيها وينهى.
فاحتوى هذا المجموع على أشعار غالية الأسعار ، وحكايات ليس فيها شكايات ، ومواعظ
يصمت عندها اللافظ، ومناظرات رياضها ناضرات، ومعارضات كانت النَّصْرة فيها مقارضات وأدلة
(١) كذا بالمطبوعة ، وفى ج، د: الذرفن.
-- ٢٠٨ -
تغدو بُدورها تماما بعد أن كانت أهلّة، وتعاليل ألذ عند النديم من اليعاليل(١)، ونوادر
تتبعها مواعظ وزواجر، ومُلَح للحسن فيها لُحَ .
وكل هذا وراء مقصودنا الأعظم فيه، وجرادنا الأهم الذى لا يقوم به سهر الليل ولا
يُوَفّيْه. إذ أعظم مقاصدنا أنا عند الفراغ من ترجمة كل رجل ، أو فى أثنائها ننظر ؛ فإن
كان من المشهورين الذين طارت تصانيفهم فلات الأقطار، ودارت الدنيا ولم تكتفِ بمصر
من الأمصار ، نظرنا فإن وجدنا له تصنيفا غريباً ، استخرجنا منه فوائد، أو مسائل غريبة
أو وجوها فى الذهب واهية، وكتبناها . وإلا فنذكروجها غريبا ذُكِر عنه، أو مقالة
غريبة ذهب إليها ، وهذابها عن الأصحاب. وإن كان من المُقُلِّن أعملنا جهدنا فى حكاية
شىء من ذلك عنه وربما غلب الفقه على إنسان، ولم بر عنه فى الفقه مُستغربا ، فنقلنا عنه
فائدة غير فقهية: إما حديثية، أو غيرها . وربما غلب عليه الحديث، أوغيره من العلوم سوى
الفقه، فأعملنا جهدنا فى نقل شىء من الفقه، أو ما يناسبه عنه، فإن لم يجد له شيئاً لم نُخْلٍ.
ترجمته من حكاية، أو شعر، أو فائدة تُستغرب.
ولنضرب أمثلة يتضح بها الغرض ، فنقول: إذا جئنا للقفال ، والشيخ أبى حامد ،
اللذين هما شيخا الطريقتين الخراسانيّة والعراقية، ويمزّ بالفقيه ذكرهما ليلا ونهارا، لم تنقل
عنهما شيئاً من كتبهما المشهورة ، بل يحرص على أن نعزو إليهما شيئاً تجده فى كتاب
لهما مُستغْرَب، أو فى كتاب لغيرهما نقله فيه عنهما، ولا نكثر فى ترجمتهما من
ذلك أيضاً .
وإذا جئنا إلى إمام الحرمين، والغزالى"، والشيخ أبى إسحاق الشيرازيّ، ونفخر الإسلام
تلميذه مثلاً، أضربنا عما فى (( النهاية)) للإمام، و ((الوسيط)) و ((البسيط)) و (الوجيز))
للغزالىّ. وعدلنا إلى مثل (الخلاصة)) للغزالى، ومثل ((الغيانى)» للإمام
(١) المعلول: الحباب
- ٢٠٩ -
(( والأساليب فى الخلافيات)) ونحو ذلك. ولا نذكر شيئاً من ((المهذّب)) و((التنبيه))
مثلا، وإنما نعدل إلى ((النكت فى الخلافيات)) ونحو ذلك. ونحرص كل الحرص على أن
لا نذكر شيئاً فى الرافعى و «الروضة» إلا لتعلق غرض به ، من زيادة تنكيت ،
أو مبحث ، أو حكاية وجه أو قول ، أو غير ذلك. كما ستراه إن شاء الله تعالى .
وبالجملة لم آل جهدا، ولم أدع الجَنَان يقرّ قراره ولا يهْدا. فبيْنا الفقيه منها فى عويص
الفروع المشتبكة، إذا به فى رياض من آداب تحرِّك فاقدَ الحركة . وبَيْنا الأديب فى نشر
حلل مُطرّزة، إذا به فى مواعظ وحكم موجزة . وبيْنا المريد فى سلوك الطريق ، إذا به فى
أحاديث مُسنَدة يعلم أنها باب التوفيق. وبينا المؤرخ فى حكايات انقضى زمانها ، إذا به قد
عبر على تراجم يَعِنُّ على المنقِّب وِجداتها .
وقد جاء بحمد الله مجموعا آخذا من كل فن بنصيب ، نافذا فى كل غرض بنهمه
المصيب . وهذا المظهر أجلب للمطالعة ، وأخلب للألباب التى أمست من الملل وهى
ظالمة (١).
ومن نظر كتابى هذا على كيف كان البدر يغيب وأنا شاهد ، وتيقن أنه وظيفة عمر
رجل ناقد. فلقد اشتمل على بحر زاخر من غرائب المسائل ، وقدر وافر من عجائب الأقوال
والأوجه والدلائل، وغيث هامع من العلم تتقاصر عنه الآنوا، وغدير جامع تُلقى عنده الدّلا،
وُيُنشده الأذكيا :
يا أيها المأمحُ دْوِى دُوَنَكَا إِنِّى وجدتُ الناسَ يَحْمَدُوَنَطًا(٢)
(٢) البيت فى اللسان ( ميح) ٢ /٠٦٠٩ ونسبه العينى
(١) الظلع : العرج .
فى شرح الشواهد الجارية من بنى مازن. حاشية الصبان على الأشمونى ٢٠٦/٣ .
وفيه وفى اللسان : إنى رأيت الناس .
( ١٤ _ طبقات - ١)
H
- ٢١٠ -
وجانب(١) عظيم من المباحث القواطع، والقواعد التى كل شامخ الأنف لديها خاضع،
والفوائد التى تُنْشِدُ تحقيقاتُها المحقَّقِّين، إذا أشارت إليها بالأكف الأصابع(٢):
لذّا قمراهَ والنُّجومُ العَّوَالعُ
أخذْنَا بَآَفَاقِ السَّماءِ عليكُمُ
إيهٍ ، وطَرَف جزيل من الطَّرَف، وباب واسع من الأدب ، الذى من وقف عليه
من الأدباء وقف ، وهاجه شوق وتَوْق وأسف، وأنشد(٢):
وما هاجَ هذا الشَّوقَ إلا حمامةٌ دعتْ ساقَ حُرِّ تَرْحَةً وَتَرْتُمَ (٤)
دَنا الصيفُ وانْجَابَ الربيعُ فَأَنْجَمَ(٥)
مُطوّقَةٌ خَطْباء تَجَعُ كُلَّمَاً
عسيبَ أشاء مَطْلِعِ الشَّمِسِ أسْحَمَا(٦)
مِن الوُرقِ حَمَّاءِ العِلاطيْنِ باكرتْ
تغنَّتْ عليهِ مائلًا ومُقَوَّا(٧)
إذا زَعْزَعَتْهُ الريحُ أو لَغِبَتْ بِهِ
إلى ابن ثلاثٍ بين عُودِينِ أعْجَمَا (٨)
تُبَارِى حمامَ الجَنْتيْنِ وتَرْعَوِى
ولا ضرْبٍ صوّاغْ بَكفّيْهِ دِرْهَمَا (٩)
◌ُلَّةُ حَوْقٍ لم يكنْ مِنْ نميمةٍ
(٢) البيت للفرزدق . ديوانه
(١) فى المطبوعة: وجامع. والمثبت من : ج، د.
٥١٩.
(٣) الأبیات ◌ُلحید بن ثور ، وهی فی دیوانه بغیر هذا الترتيب صفحات ٢٤-٢٧
ما عدا البيت الحادى عشر ، وقد سقط من الديوان البيتان السابع والثامن، وذكر الميمنى
أنهما فى طبقات الشافعية .
(٤) ساق حر : قيل هو ذكر القمارى لصوته ، كأنه يقول :
ساق حرْ ساق حرّْ. وقيل هو لحن الحمامة، أى صياحها: ساق حرّ ساقٍ خرّ.
(٥) فى الديوان: تصدح كلما ... وامجال الربيع. وقيل للحمامة خطباء ؛ لأن فىجناحيها
لونين من السواد والبياض ، وأنحجم: أقلع .
(٦) العلاطان : الرقتان فى أعناق الطير،
والعسيب : الغصن، والأشاء: صغار النخل، والأسحم : الشديد السواد .
(٧) فى الديوان: إذا هزهزتَه الريح .... أرنت عليه ماثلا .
(٨) فى ج: حمام الجبهتين. والجلهتان: جانبا الوادى. (٩) فى الديوان:
* تَطَوَّقَ طَوْفًا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَمِيمَةٍ * .
٢١١٠٠ -
تروحُ عليهِ والهماً ثم تَغْتَدِى
تُؤَّمِّلُ فيهِ مُؤنِسًا لانفرادِهَاَ
كأنَّ على أشْدائِهِ نَوْرَ خَلْوَةٍ
فلمّ اكْتسى الوبلُ السُّخاَمَ ولم تَجِدْ
تنخَّتْ قريباً فوق غصنٍ تَدَاءَ بَتْ
فَأَهْوَى لها صقرْ مُفٌَّ فلم يدعْ
ووافتْ على غصنٍ فَحَيًّا فلم تدعْ
عجبت لها أنَّى يكون غناؤها
مُؤَلَّةً تَبْغِى لَهُ الدّهرَ مَطْعَمَا (١)
ونَبْكَى عليهِ إنْ زَفَا أو ترِنَّمَا(٢)
إذَا هو مَدَّ الْجِيدَ منه يَطْعَمَا(٣)
لها معه فى ساحةِ العِيِشِ مَرْتِمَ(٤)
به الريحُ صَرْفَ أَىَّ وجهٍ تِمَّا(٥)
لها ولداً إلَّا رِماماً وأعظُمَا (٦)
النائحةِ فى نوحِها مُتَلَوَّمَا(٧)
فصيحاً ولم تَفْغَرْ بِنطِقِها فَاَ
ولا عربيًّا شَاقَهُ صوتُ أعجماً (٨)
فلم أرَ مِثْلى شاقَهُ صوتُ مثلِها
وعلم أنه واضح مبين ، وكتاب يتلقّاه ذو المعرفة باليمين ، ولا يتغير عنه العارف به ،
وإن بعد عنه عبده إذا غيَّر النأىُ المحبين .
نعم، والله إنه لكتاب إذا قال أصغت الأسماع لما تلفّظ به ، وإذا صال زحزح
(١) فى ج، د: لها الدهر. (٢) زقا: صاح. (٣) الحنوة: نبْت، وفى الأصول:
حبوة. (٤) البيت فى الديوان :
فلمَّا اكْتسى ريشاً سُخَاماً ولم يَجِدْ لَهُ معها فى بَاحَةِ الْمُعلِّ مَجْشِمَاً
الوبل : الثقيل الوخيم ، يعنى الفرخ ، وريش سخام : لين المس رقيق ، وفى اللسان
(٥) الدأب : العادة
١٢/ ٢٢٦ (رت م): ما زلت راتما على هذا الأمر: أى مقيما.
والملازمة، وبالتحريك: السوق الشديد والطرد. (٦) فى الديوان: أتيح له صقر .. رميما وأعظمها
وفى المطبوعة، د : صقر منيف، والمثبت من: ج، الديوان . والمسف : الذى يدنو من
(٧) فى الديوان : فأوفت ... لباكية فى شجوها معلوما .
الأرض فى طيرانه .
.(٨) فى الديوان :
؛ ومتلوما : ملامة .
* فَلَمْ أَرَ ◌َحْزُونَا لَهُ مِثْلُ صَوْتِهَاَ *
- ٢١٢ -.
كل مشكل من المشكلات ومشتبه، وإذا صدحت بلاغته قال الغربى: إن حاسده أبغض
العجم ناطقا إلى ربه .
مِنَّا ويبعدُ نَيْلِهِ فِى قُرْبِهِ
باللفظِ يقرُب فِهُمُه فى بعدِهِ
كتاب أصيل، بأجناس المحاسن كفيل وَحميل، لأنواع المحامد جميل وحفيل
لأصناف التّمادح قَبِيل.
حتى تفاوتَ عن صفاتِ النَّاعَتِ
ما زالَ بِقَضُرُ كُلُّ حسِنِ دونَه
ومُسنَد متّصل، عن صفات النقص منفصل ، ومفرد مجموع ، يُطْرِب من مسندات
ألفاظه - بلا بدع(٢) - الموصول والمقطوع والمسموع، ومترفع بأصالته على البتها
ومنقطع النسب كانقطاع مساجله عن القُرّنا إذا أنشده المنشد (٣):
قد بلغاً فى المجدِ غايتاها
إنّ أباها وأبا أباها
أجاب فأنشد(٤):
وفارسها المشهود فى كلٍّ موكبٍ
وإِّى وإن كنتُ ابْنَ سيِّدِ عاميٍ
أبَى اللهُ أن أسُو بأمِّ ولا أنِ
فا سوْدِ تنى عامِئُ عِنْ كَلالةٍ
أَذَاها وأرْمى مَن رماها يمِنْكِب
ولَكِنِّى أَحْمِى ◌ِماها وأنَّى
وقال: لقد جمعت فأوعيت قاصيا ودانيا، ونطقت فأسمعت ذاهبا وآتيا:
ودارى بأعلى حضر موتَ اهْتَدَّبِىِلِيَا(٥)
ولو أنَّ واشٍ باليمامةِ دارُهُ
(١) البيت للبحترى، وهو فی دیوانه ٦٨.
(٢) فى ج، د: بلا مدع.
(٣) نسب هذا البيت لأبى النجم، كما نسب لبعض أهل اليمن. شرح الشواهد للعينى
٧٠/١. (٤) الأبيات فى زهر الآداب ٨٦ لعامر بن الطفيل باختلاف فى بعض ألفاظها.
(٥) البيت لمجنون ليلى، وهو فى ديوانه ١٢٩.
- ٢١٣ -
ولست أقول هذا لأنو البضاعة، بل لأشوِّق أرباب الصناعة ، وأجمع على سنته أهل
السنة والجماعة، وأُعرِّف المريدين سلوك طريقه، وأبين لهم أنه غير محتاج أن يقام له سُوق
بتلفيف الكلام وتلْفيقه ، وأنّ صُبح فضله طلع فاستغلظ فاستوى على سُوقه ، فناديته وهو
فوق محل النجوم ، وقد تقهقر خلفه القمران ، وسُهَيل نِبِذ بالبراء كأنه مذموم ، وأقبل
جاسده وهو الصباح يتنفس ، على أواخر تجره ثم يخفى ، كأنه غيظ مكظوم .
لمّا كَرُمتَ نطقتُ فيك بمنطقٍ حقٍّ فلم أكذِبْ ولم أتحوَّبٍ.
ونادانى لسان الإنصاف غير مُتَبَّث: صِف، فأما ما خلوتَ عنه فدعه، وأما بنعمة
رَبِّكَ حَدِّث (١).
وأخبرنا أبو زكرياء يحيى بن يوسف بن أبى محمد بن أبى الفتوح بن المصرىّ ، قراءةً
عليه وأنا أسمع ، فى العشرين من ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وسبعمائة بمصر ، أخبرنا
عبد الوهاب بن رواج إجازة ، أخبرنا أبو طاهر السّافىّ الحافظ سماعاً، أخبرنا مَكَِّّ بن
منصور بن محمد بن عَلّان ، قدم علينا أصبهان ، أخبرنا أبو الحسين على بن محمد بن عبد الله
ابن بِشْران، أخبرنا أبو على إسماعيل بن [محمد بن إسماعيل بن](٣) صالح الصّفَّار، حدثنا محمد،
وعباس (٣)، فقالا: حدثنا يحيى، حدثنا إسماعيل، عن أبى إسحاق، عن أبى الأخْوص،
قال: أتى أعرابى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فرآهَ رَتَّ الهيئةِ، فقال: ((أَلَكَ مَالٌ؟))
قال، فقال: نعم، مِن كل المال قد آتانى الله. قال: ((فَإِذَا كَانَ لَكَ مَالٌ فَلْيُرَ عَلَيْكَ)).
أخرجه النَّأىّ(٤) من حديث أبى الأحوص ، عن أبيه، قال: أتيتُ رسولَ الله
(١) بعد هذا فى ج، د: وعقب الآية. (٢) زيادة من: ج، وانظر العبر ٢٥٦/٢.
(٣) فی ج: عياش. (٤) لم نعثر عليه فى النسائى، وهو فى أبى داود ( باب فى غسل
الثوب وفى الخلقان ، من كتاب اللباس) ١١٥/٢، بلفظ: قال: أتيت النبي صلى الله عليه
وسلم فى ثوب دون، فقال: ((أَلَّكَ مَلٌ)) قال: نعم. قال: (مِنْ أَىِّ الْمَالِ؟)) قال : =
- ٢١٤ -
صلى الله عليه وسلم، وعلىّ ثوبٌ دُون. فقال لى: ((أَلَّكَ مَالٌ؟)) قلت: نعم . قال:
((مِنْ أَىِّ الْمَالِ؟)) قلت: من كل المال قد أعطانى الله: من الإبل، والبقر، والغنم،
والخيل، والرقيق. قال: ((فَإِذَا آتَكَ اللهُ مَالًا فَلْتُرَ أَثَرُّ ◌ِْمَتِهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتُهُ)) ..
وروى الترمذى(١) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ، قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ)).
فعند ذلك قلت - لا للفخر والسمعة - بل الإبانة الحق، وحسن الصنعة: إن هذا
المجموع شمس عوارف المعارف، وقر لطائف الظرائف، وحجم سماء العلم، والناسُ تلقاء
حرمه بين عا كفٍ وطائف. من شاهده قال : هكذا هكذا وإلا فلالا ، ومن أنفق من
خزانة علمه لم يخشى من ذى العرش إقلالا. ومن تأمله منصفاً جَبُن عن معارضته وأنشد(٢)
. . أها بُكِ إجلالا ....
ومن لم يغترف من بجردره، ولم يعترف برفيع قدره ، فهو المحروم نوالا.
.. ومن يك ذا فِم مُرّ مريض يجدْ مَرًّا به الماءَ الزُّلالا(٣)
ولكأنى بفرقة تلتقط درره وتنكرها، وتلتقف محاسنه ثم تنشعب طائفتين؛
خيرهما التى لا تجعلها مَذَامَّ ولا تذكرها، وأخرى تبيت منه فى نعم وتصبح وهى
تكفُرها .
= قد آتانى الله من الإبل، والغنم، والحيل، والرقيق. قال: ((فَإِذَا آتَاكَ اللهُ مَالاً.
(١) أخرجه الترمذى فى ( باب ماجاء أن الله
فَلْيُرَ أَثَرُ ◌ِنِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ)) .
تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، من كتاب الأدب) ٠١٣٤/٣
(٢) نسب العينى ١ / ٢١٣ هذا البيت لنُصيب بن رباح الأكبر، وتمامه
... وَمَاَ بِكِ قدرةٌ على ولكن مِلٌّْ عَينٍ حبيبُها
(٣) البيت لأبى الطيب المتنی ،٠٠.س ديوانه ١٣٠
- ٢١٥ -
وأظلُ أهلِ الظلم مَن بات حاسدًا لِن بات فى نَعْمائه يتقلَّبُ(١)
وكأنى بمن يحسد شمسه ضوءها ، ويجهد أن يأتى لها بنظير ، ويطاول منه الثريا ، وما
أبعدها عن يد المتناول، فيرجع إليه بصره خاسئاً وهو حسير . .
وأتعبُ خلق الله مَن زاد همُّهُ وقصَّر عَمّ تشْتهى النفسُ وُجدُه(٢)
فمن رام معارضته، وقال: كم ترك الأول للآخِر ! قبيل الحاكم بينى وبينه، القائم
بالنَّصَفة أن يقول : ما أمرك برشيد أيها القائل إنه لقادر . ما لم تفبذ هذا الكتاب وراء
ظهرك، وتحاول قواك(٣) غير متأمل فيه ولا ناظر، وأنشده(٤):
وآخرُ يدَّعى معه اشتراكاً
وفى الأحباب ◌ُختصٌّ بوجدٍ
تَبَيَّنَ مَن بكى مِمَّنَ تباكاً
إِذَا اشْتبكتْ دموعٌ فى خدودٍ
وإن أبى إلا الطاولة ، فذرْهُ وما حاوله ، ولتقل(٥) :
شَعْبَ العصاويلجُّ فى العصيانِ
وإذا رأيتَ المرءَ يَشْعَبُ أمرَه
لا تستطيعُ مِنِ الأمورِ بدانِ
فاعْمد لما تعلُّ فمالك بالذِى
وأنا مع وصفى هذا الكتاب ما أبرّىء كتابى ولا نفسى من شك ولا ريب ، ولا أبعه
بشرط البراءة من كل عيب ، ولا أدغى فيه كمال الاستقامة ، ولا أقول بأن الطبقات جمْع
سلامة ، بل إذا دار فى خَلَدى ذكر هذه الطبقات اعترفت بالقصور، وسألت الله الصفح
الجميل عما جرى به القلم فكم جرى بهذه السطور ، وقلم اللوح المحفوظ والكتاب المسطور
ورجوت مسامحة ناظريه فهم أهلوها ، وأمَّلت جميلهم فهم أحسن الناس وجوها ،
وأنْضَرُ هُمُوها .
(١) البيت لأبى الطيب المتنى أيضاً، وهو فى ديوانه ٤٦٦. (٢) هذا البيت لأ بى الطيب
أيضاً، وهو فى ديوانه ٤٥١. (٣) فى ج، د: قوّال. بالتشديد. (٤) البيتان لأبى الطيب
التنى، ديوانه ٥٨٦. وفيه: إذا اشتبهت دموع. (٥) البيت الأول منسوب فى اللسان
٤٩٧/١ لعلى بن غدير الغنوى. والشعب هنا: التفريق.
- ٢١٦ -
أضاءتْ لهم أحسابهم ووجوهُهم دُجَى الليلِ حتى نَظَّمَ الجَزْعَ ثَاقُهُ(١)
وقد اشتد بحثى، وكثر تنقيبي عن من صنّف فى الطبقات.
فأول من بلغنى صنف فى ذلك الإمام أبو حفص عمر بن على الْمُطَّوِّعىّ (٢) المحدّث الأديب
صنف للإمام الجليل أبى الطيب سهل بن الإمام الكبير أبى سهل محمد بن سليمان الصُّملوكى
كتابا سماه ((المُذِهَب فى ذكر شيوخ المذهب» وهو كتاب حسن العبارة، فصيح اللفظ
مليح الإشارة، وأنا لم أقف عليه، ولكن وقفت على منتخب انتخبه منه الإمام أبو عمرو
ابن الصلاح .
ثم ألف القاضى أبو الطّيِّب الطبرىّ مختصرا، ذكر فيه مولد الشافعىّ رضى الله عنه،
وعدّ فى آخره جماعة من الأصحاب.
ثم ألف الإمام أبو عاصم المبادئّ(٣) كتابه، وجمع فيه غرائب وفوائد. إلا أنه
اختصر فى التراجم جداً ، وربما ذكر اسم الرجل، أو موضع الشهرة منه ولم يزد
ولذلك رأيت فيه أناسا مجهولين، لم أطلع بعد شدة الكشف على شىء من حالهم.
ثم ألف الإمام الربانىّ شيخ الإسلام أبو إسحاق الشّيرازى كتابه، وهو مختصر
أيضاً ، وغير مقتصر على الشافعيين؛ بل فيه الشافعية ، والمالكية ، والحنفية ، والحنابلة ،
والظاهرية، مع كثرة من جاء بعد الشيخ أبى إسحاق من أصحابنا .
ثم ألف الحافظ أبو محمد عبد الله بن يوسف الجرجانى كتابه ((الطبقات)» وهذا
الكتاب لم أقفب عليه، وما أنقله فى كتابى هذا عنه فهو من نقل الحافظ أبى سعد بن
السَّمعانى، أو ابن الصَّلاح.
(٢) بضم الميم وفتح الطاء
(١) البيت للقيط بن زرارة، انظر عيون الأخبار ٢٤/٤.
المشددة وكبر الواو وفى آخرها عين مهملة، هذه النسبة إلى المطوعة، وثم جماعة فرغوا
أنفسهم للغزو ومرابطة الثغور. اللباب ١٥١/٣. (٣) بفتح العين وتشديد الباء الموحدة
المفتوحة وبعد الألف دال مهملة، هذه النسبة إلى جد المنتسب إليه. اللباب ٢ / ١٠٩.
- ٢١٧ -
ثم ألف القاضى أبو محمد عبد الوهاب بن محمد القاضى الشيرازيّ كتاب («تاريخ الفقهاء»
لم أقف عليه أيضاً .
ثم ألف المحدِّث أبو الحسن بن أبى القاسم البَيْهَقِىّ المعروف بفنْدْقٍ - وفندق فى أسماء
جدوده - كتابا سماه (وسائل الأعىّ فى فضائل أصحاب الإمام الشافعىّ)) لم أقف
عليه أيضا .
ثم جمع الشيخ الإمام أبو النجيب الشَّهْرَ وَرْدِىّ مجموعا، لم أقف عليه أيضا.
ثم جاء الشيخ ابن الصَّلاح، رب الفوائد والفرائد، ومجمع الغرائب والنوادر ، فألف
كتابه . وقد كان رحمه الله كما يظهر من كلماته عزم على أن يجمع جمعا ما بعده مطلب
◌ُتَعَنِّْ، ولا أمل ◌ِمُتَمَنٍّ، ولكنّ المنَيَّة حالث بينه وبين مقصوده ، فقضى رحمه الله
نحبَه، والكتاب مُسوّدة، فأخذه الشيخ الإمام الزاهد أبو زكريا النَّوَوِىّ، واختصره،
وزاد أسامى قليلة جدا ، ومات أيضا وكتابه مُوّدة ، فبيضه شيخنا حافظ الزمان
أبو الحجّاج يوسف بن الزَّكِىّ عبد الرحمن بن يوسف المِزَّىّ رحمه الله. ومن العجيب
أن الثلاثة أغفلوا حتى ذِكر المزَفِىّ، وابن سُرَيح، والاصْطَخْرِىّ، والشيخ أبى على
السَّنَجِىِّ(١)، والقاضى الحسين، وإمام الحرمين، وابن الصَّبَّاغ، وجماعة من المشهورين،
الذين يطرُق سمعَ الشيخين أبى زكريا وأب عمرو ذكرُهم، ليلا ونهارا، وعشية وأيكارا.
ثم ألف الشيخ عماد الدين بن باطِيش كتابه ، وهو غير مستوعب أيضا على كثرة
ما فيه ، ولا واف بالمقصود .
فأعملنا الهمة ، حتى جاء كتابنا على الوجه الذى شرحناه ، والأسلوب الذى سقناه،.
وحرصت أن لا أذكر حكاية، ولا أثرا، ولا شعرا، إلا مسندا، على طريق جهابذة الحفّاظ
(١) بكسر السين المهملة وسكون النون وفى آخرها جيم، نسبة إلى سنج)، وهى قرية كبيرة
من قرى مرو . اللباب ١ / ٥٧٠ .
:
- ٢١٨ -
فأما ما سبقناه من الأحاديث بالأسانيد ، فلقد أوقفنى بعض [فقهاء](١) أبناء الزمان على نحو
سبعة عشر حديثاً، وقعت له من طرق جماعة من الفقهاء الشافعيين ، وهو قد تنجح بها ،
وأفردها بمجموع ، وظن أنه قد أتى بمدفوع عن سواء ومنوع، وما حسب أن سهر الدجى
يُطلِع على أنجم غائبة، ودأب القلب يُوصل إلى ما تتقاصر عنه السهام الصائبة، والجِدَّ فى
السعى يتعالى بنفسه عن أن يُطلِع إلا شموسا بعد أقار، ويستخرجَ ما يقِلُّ له أن يُكتَب
سواد الليل على بياض النهار .
فأنا ۔ ولله الحمد - قد أسندت فى کتابی هذا حديث المزنى ، وأیی ثور ، وأبى عبد
الرحمن أحمد بن يحيى الشافعىّ، ومحمد بن الإمام الشافعىّ، وأبى بكر الصَّيْرِفىّ، وأبى ◌ُبيدبن
حَرْبُوَيَه، وابن سُرَيح، والحارث المَحَاسِّ(٢) والجُنَيد، وأبى الحسن الأَشْرِىّ، والدَّارَكِيْ(٣)
وأبى الوليد النَّيابُورِىّ، وأبى بكر بن إسحاق الصِّبْغِىّ(٤) والشيخ أبى حامد الإِسْفرابنىّ
والأستاذ ابن أبى سهل، وابنه سَهْل الصُّلوكيّيْن، والقفّال الكبير، والماسَرْ جسيّ(٥)
وأبى بكر الدّقّاق، والخلِيمىّ(٦) والأستاذ أبى إسحاق ، وأبى جعفر الرمدىّ، وأبىز کریا
السّكرىّ، وابن فُورَك، وأبى جعفر البَحّانى (٢)، والقاضى أبى غمر الإِسْطامى"(٨)،
(١) زيادة من: ج، وفى د: بعض فقهاء الزمان وأبنائه. (٢) بضم الميم وفتح
الحاء وكسر السين المهملة وفى آخرها باء موحدة ، قيل له ذلك لأنه كان يحاسب نفسه.
اللباب ٣/ ٠١٠٣ (٣) بفتح الدال وسكون الألف وفتح الراء بعدها كاف ، هذه النسبة
(٤) بكسر الصاد المهملة وسكون الباء
إلی دارك ، من قری أصبهان . اللباب ٤٠٤/١ ٠
الموحدة وفى آخرها غين معجمة ، نسبة إلى الصبغ (ما يصبغ به من الألوان) وبيعه . اللباب
٠٤٩/٢ (٥) بفتح الميم والسين المهملة وسكون الراء وكسر الجيم والبين الثانية، هذه
النسبة إلى ما سرجس، وهو اسم لجد المترجم. اللباب ٣ / ٨٣. (٦) بفتح الحاء المهملة
وكسر اللام وسكون الياء المثناة من تحتها فى آخرها الميم، نسبة إلى حليم. اللباب ٣١٨/١.
(٧) بفتح الباء الموحدة والحاء المهملة المشددة وفى آخرها الثاء المثلثة، نسبة إلى البحاث،
وهو بعض أجداد المنتسب إليه. اللباب ١ /٩٩. (٨) بكر الباء الموحدة (ويفتح)
وسكون السين المهملة وفتح الطاء، نسبة إلى بسطام، بلدة بقومس. اللباب ١ /١٢٣.
-. 1
- ٢١٩ -
وأبى عبد الله البيضاوىّ، والقاضى أبى الطّيِّب، والأستاذ أبى منصور البغدادىّ،
والشيخ أبى محمد الجُوَينِىّ، وولده إمام الحرمين، وتلميذيه: الغزالىّ، والكيا، وأبى إسحاق
الشِّيرازىّ، وتلميذيه: فخر الإسلام الثَّاشِىّ، ويوسف بن على الزَّنْجَانىّ، وأبى حاتم
القَرَوينىّ، والإمام أبى المُظَفَّر بن السّمعانِىّ، وولديه: الإمام أبى بكر ، والحسن ،
وأبى عاصم العَبّادىّ، وأبى سهل الأَ بِيوَرْدِىّ(١) وأبى العباسِ الأُ بِيوَرْدِىّ، وأبى سعيد
الْحُوَارزْمِيّ، والقاضى الحسين، وابن الصّاغ، ووالده أبى منصور بن الصباغ، والفُورَانِّ(٢)
والبغَوىّ، وأبى بكر الصَّيْرفىّ، وناصر الْغَمَرىّ، وأبى الحسين الحلّابِّ(٣)، والمَاوَرْدىّ
وأبى بكر الشّامىّ، ومحمد بن بَيان الكَزَرُونِيّ(٤) وابن بُرهان، والقاضى أبى على الفَارِقِىّ(٥)
وتلميذه ابن أبى عَصْرون، وأبى نصر القُشّيرىّ، والشيخ الطُّوسىّ، وَيَعيش ابن
صدقة الفُرَاتىّ ، والمُجير البغدادىّ، وجماعة يُضِيق الأنفاس عدُّهم، ويُضيع القرطاس
سردم .
ولم أترك الإسناد إلا عن المكثرين، كأبى طاهر الزِّيادىّ، وسُلَيم الرّازىّ، والأستاذ
أبى القاسم القُشَّيْرىّ، ونصر المَقْدسىّ، وصاحب (( البحر)) الرُّويانىّ، وغيرهم. أو من
عَزَّت علينا روايته ، وهم بحمد الله قليل من كثير . ومن كان من الحفّاظ ذوى الإكثار
(١) بفتح الألف وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المعجمة باثنتين من تحت وفتح الواو
وسكون الراء وفى آخرها الدال المهملة ، نسبة إلى أبيورد ، بادة من بلاد خراسان . اللباب
٠٢١/١ (٢) بضم الفاء وسكون الواو وفتح الراء وبعد الألف نون، نسبة إلى فوران ،
(٣) فى المطبوعة : الجلالى ، والمثبت من :
وهو اسم لجد المترجم. اللباب ٢ / ٢٢٥.
(٤) بفتح أوله وسكون الألف وفتح الزاى وضم الراء وسكون الواو وفى
ج، د .
آخرها نون، هذه النسبة إلى کازرون، وهى إحدى بلاد فارس. اللباب ٣/ ٢٠، وفى ج :
(٥) بفتح الفاء وسكون الألف وكسر الراء وفى آخرها قاف، نسبة إلى
الكارزونی .
ميّا فارقين. اللباب ٢ / ١٩١، وهى أشهر مدينة بديار بكر. المراصد ١٣٤١.
- ٢٢٠ -
كأحمد بن حنبل، والرّبيع بن سليمان، وأبى عوانة الإسفراینیّ، وأبى حاتم الرّازىّ،
وعبد الرحمن بن أبى حاتم، وأبى بكر بن زياد التيابورىّ ، والحاكم أبى عبد الله الحافظ،
والحفّاظ: أبى الحسن الدَّارَ قُطنىّ، وأبى بكر البَرْقَانِىّ(١)، وأبى بكر البيهقىّ، وأبى بكر
الخطيب البغداديّ ، وغيرهم.
مع أن من أخليته من إسناد حديث فلم أخله من إسناد شعر أو حكاية، وعلى أنك إذا
اعتبرت الكتاب وجدته مشحونا بحديثهم، لكثرته فى غير تراجمهم.
والله المسؤل أن يتقبله بقبول حسن، وأن يعين على إ كماله فى أقرب زمن. وهذا حين
الشروع، والله المستعان .
ولا ينبغى أن يُِلّ الناظرَ فى هذا الكتاب طولُ الأسانيد، وكثرة الأناشيد
والاستطراد المزيد ، فإنه لذلك وُضِع، ولهذا القصد جُمِع، وعلى أعواد هذه
القواعد رُفِع .
وسترى فيه من الفوائد مالا يُوجّد فى مجموع ، ومن الفرائد ما يُطرب منه المسموع
ومن الزوائد ما هو فوق فَرْقِ الفَرْقَد موضوع .
وأما الشعر فقد سمعه النبى صلى الله عليه وسلم، وقال: ((إِنَّ مِنْهُ لَحُكْمًا)) ونطق
به جماهير الصحابة ، وعدد بالغ من أحبار الأمة، وإمامنا الشافعى رضى الله عنه مُقدَّم
الثّالين للصحابة رضى الله عنهم فى ذلك .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن غربْشاه بن أبى بكر الحَمْدانى قراءة عليه وأنا أسمع
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن أبى اليَسَر حضورا فى الرابعة، أخبرنا الْخُشُوعِىّ سماعاً،
وإسماعيل الْجَنْزَوِىّ إجازة، قالا: أخبرنا هبة الله بن أحمد الأكْفَائِيّ، أخبرنا أبو القاسم
(١) بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وفتح القاف، نسبة إلى قرية من قرى كات،
بنواحى خوارزم . اللباب ١ /١١٣