Indexed OCR Text
Pages 81-100
- ٨١ -
وأخرجه التِّرْمِذِىّ(١) عن محمد بن إسماعيل التِّرْمِذِىّ، عن على بن عبد الحميد
الكُوفِيّ.
ورواه النَّائِيّ(٢) عن محمد بن مَعْمَرَ، عن أبى عامى عبد الملك بن عَمْو العَقَدِىّ(٣)
ثلاثتهم : عن سليمان بن المغيرة، به .
وأخرجه البخارِىّ فى صحيحِه(٤) ، عن عبد الله بن يوسف التَّفْسِىّ(٥).
وأبو داود والنَّسانِيِّ وابن ماجَة جميعًا (٦) عن عيسى بن حمَّد [زُغْبَة](٧)، كلاهما
عن اللَّيْث بن سَعْد، عن سَعِيد الْمَغْبُرِىّ(٨)، عن شَرِيك، عن أنَس.
وبيْنَ الرِّوايتيْن اختلاف فى اللَفَظ، فلفظ البخارِىّ فيما أخبرنا به أبو عبد الله الحافظ
قراءةً عليه وأنا أسمع فى شعبان سنة إحدى وأربعين وسَبْعمائة، أخبرنا يُوسف بن أبى نَصْر
ابن الشقارى(٩)، وإسماعيل بن عبد الرّحمن بن الفَرَّا، وعبد الله بن محمد بن قَوَّام،
(١) جامعه فى (باب ما جاء إذا أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك. من كتاب الزكاة)
(٢) سننه فى (باب وجوب الصيام، من كتاب الصيام) ١ / ٢٩٧.
٠١٢٠/١
(٣) بفتح العين والتماف وفى آخرها الدال المهملة، هذه النسبة إلى بطن من بجيلة ،
وقيل: من قيس . الباب ٢ / ٠١٤٤ (٤) فى (باب ما جاء فى العلم ، وقوله تعالى: وقل
(٥) بكسر التاء المثناة من فوقها وكسر النون
رب زدنى علما. من كتاب العلم) ٢٤/١ .
المشددة والياء المثناة من تحت والسين المهملة، نسبة إلى مدينة بديار مصر. اللباب ١٨٤/١.
(٦) أخرجه النسائى فى (باب وجوب الصيام، من كتاب الصيام) ٢٩٧/١، وابن ماجة
. فى (باب ماجاء فى فرض الصلوات الخمس والمحافظة عليها، من كتاب إقامة الصلاة) ٤٤٩/١.
(٧) ساقط من المطبوعة، وهو من، ج، د، ورغبة لقبه. القاموس (زغ ب).
(٨) بفتح الميم وسكون القاف وضم الباء وفى آخرها راء، هذه النسبة إلى المقبرة.
الباب ٣ / ٠١٦٨ (٩) فى المطبوعة: ابن أبى نصر الشقارى، وفى د: ان السفارى،
والمثبت من : ج .
(٦ - طبقات - ١)
- ٨٢ :-
وأبوِ الفَضْل أحمد بن هِبَةُ الله بن مَسَاكِرٍ، ومحمد بن أبى العِزِّ بن مُشَرّف، وأحمد بن
أبى طالب الحجَّار، وسِتَهُ الوُزّرا بنت عمر بن أَسْعَد بن المنَجَّا منماعاً عليهم، والإمام
أبو الفِرَج عبد الرحمن بن أبى ◌ُمر إجازةً، قلتُ: وأخبرنى أحمد بن أبى طالب الحجَّار
إجازةً كتبها إلىّ من دمشق ، قالوا: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن المبارك الزّبيدِىّ،
أخبرنا أبو الوقْت عبدُ الأوّل بن عيسى بن شُعَيْب السِّجْزِىّ، أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن
ابن محمد الدَّاوُدِىّ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمُويَه، أخبرنا أبو عبد الله محمد
ابن يُوسف الْفَرَبْرِىّ(١)، أخبرنا الإمام أبو عبد الله البُخارِىّ، حدثنا عبد الله بن يوسف،
حدثنا اللَّيْث، عن سَعِيد الَقْبُرِيّ، عن شَرِيك بن عبد الله بن أبى ◌َمِر (٢). أنه سمِعٍ
أنس بن مالك يقول: قال(٢): بينما نحن جلوسٌ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم فى المسجدِ
إذْ دخل رجلٌ على جلٍ حَتّى (٤) أناخَه فى المسجدِ، ثمّ عَقَله، ثمّ قال(٥): أيُّكُمْ محمدٌ؟
- والنبيُّ صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئُ بين ظَهْرَانَيْهِمْ - فقُلْنا: هذا الرَّجلُ الأبْيَضُ
المُتَّكِءُ، فقال له الرجل: ابْنَ عبدِ المُطَّلِبِ؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
((قَدْ أَجْتُكَ)) فقال الرجلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ إِنِّى سائُكَ فَمُشَدِّوٌ"(٦). عليكَ
فى المسْئلةِ فلا تَجِدْ علىَّ(٧) فى نفسِك؟ قال: ((سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ)) فقال: أسْألُك بربِّك،
وربٍّ مَن قَبْلَكِ اللهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كَلِّهِم؟ قال: (( اللَّهُمَّ نَعَمْ))، قال: أَنْشُدْكَ بِاللهِ،
(١) بفتح الفاء والراء وسكون الباء الموحدة وفى آخرها راء ثانية، هذه النسبة إلى
فَرَبْرٍ، وهى بلدة على طرف جيجون مما يلى بخارى. اللباب ٢ / ٢٠٢. (٢) فى ج :
غير، والمثبت من المطبوعة، د، والبخارى. (٣) فوقها فى ج: كذا. وهى غير موجودة
فى البخارى. (٤) المثبت من المطبوعة، وفى ج، د: ثم أناخه، وفى البخارى: فأناخه.
(٦) فى المطبوعة: ومشدد عليك، والمثبت من:
(٥) فى البخارى : ثم قال لهم .
(٧) لا تَجِدْ علىَّ ، أى: لا تغضبْ من سؤالى.
ج، د، والبخارى .
- ٨٣ -
اللَّهُ أُمرَكَ أنْ تُصَلَّىَ (١) الصَّلواتِ الْخَمْسَ فى اليومِ والليلةِ؟ قال: (( اللَّهُمَّ نَعَمْ»، قال:
أَنْشُدُكَ باللهِ، آللهُ أمرَكَ أن تَصُومَ (١) هذا الشَّهرَ مِنِ السَّنَةِ؟ قال: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ) ،
قال : أَنْشُدُكَ باللهِ، آللهُ أمرَكَ أن تَأْخُذَ هذه الصَّقَةَ مِنْ أَعْنيائِنَا فَتَقْسِمَهاَ فى فقرائِمًا(٢)؟
فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ نَمَمْ))، فقال الرجل: آمنتُ بما جِئْتَ به،
وأنا رسولُ مَن وَرائِ مِن قَوْمِى، وأنا ضِمامُ بن ثُمْلَبة، أخو بنى سَعْد بن بكر.
هذا لفظُ روايةِ الْبُخَارِىّ، وأكمل الرِّوايات لهذا الحديث روايةُ ابن عبّاس التى
أُخبرنا بها المُسْنِدِ أسدُ الدِّين أبو محمد عبد القادر بن الملك المغيث شهاب الدين عبد العزيز
ابن السُّلطان الملِكِ المُعَظَّم شرف الدين عيسى بن السُّلطان الملك العادل سيف الدِّين أبى بكر
محمد بن أبُوب بن شَادِى، قراءةً عليه وأنا حاضر أسمع فى الخامسة بالقاهرة، والمُسْنِد
أبو العَبَّاس أحمد بن علىّ بن الحسن بن داوُد الجزَرِىّ الكُرْدِىّ سماعاً عليه، إما بقرائتى
أو بقراءةٍ غيْرِى، وغالبُ ظنِّى أنه بهما جميعاً فى نَوْبَتَيْن بدمشق، فلا: أخبرنا خطيبُ
مَرْدًا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل المَقْدِسِىّ، قال الأوّل: سماعاً، وقال الثَّالى: حضورًا،
أخبرنا ضُبَيعة الملك أبو محمد هِبَة الله بن يحيى بن خَيْدَرَة قراءةً عليه وأنا أسمع ، أُخبرنا
أبو محمد عبد الله بن رِفَاعة بن غَدِيرِ السَّعْدِىّ، أخبرنا أبو الحسن علىّ بن الحسن بن الحسين
اِخِلَمِىّ ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن ◌ُمَرَ بن محمد بن سعيد بن النَّحَّاس البزَّار، أخبرنا
أبو محمد عبد الله بن جَعْفر بن الوَرْد(٣)، أخبرنا أبو سَعِيد عبد الرَّحيم بن عبد الله البَرقِيّ،
أخبرنا أبو محمَّد عبدالملك بن هِشَامِ النَّحْسِوِىّ المُقْرِى، حدثنا زِياد بن عبد الله البَكَّائِّيِّ (٤)،
أخبرنا محمد بن إسحاق المطّلِىّ ، قال: حدثنى محمد بن الوليد بن نُوَ يُفِع، عن كُرَيب
(١) فى البخارى: أن نصلى ... ، أن نصوم. (٢) فى البخارى: على فقرائنا. (٣) فى المطبوعة :
ابن الوردا، والتصويب من: ج، د، والعبر ٩٧/٣. (٤) بفتح الباء الموحدة وتشديد
الكاف وفى آخرها الياء المثناة من تحت ، هذه النسبة إلى البَكَّاء، وهو ربيعة بن عامر بن
ربيعة بن صعصعة، وقيل: هو ربيعة بن عامر بن صعصعة. اللباب ١ / ١٣٧ .
-
- ٨٤ -
مولى عبد الله بن عبَّاس، عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: بَعَثَتْ بنو اسْدٍ ضِمَامَ
ابن تَعْلَبَةَ وافدًا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عليه، وأناخَ بميزه على باب
المسجدِ، ثُمْ عَقَله، ثم دخل المسجدَ ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جالسٌ فى أصحابِه،
وكان ضِمامُ رجلًا جلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْن، فأقبلَ حتى وقف على رسولِ الله صلى الله
عليه وسلم فى أصحابه، فقال: أيُّكُم ابنُ عبدِ المطلَِّبِ؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ)) قال: أَمحمَّدْ؟ قال: ((نَعَمْ)) قال: يا ابْنَ عبدِ المطَِّبِ،
إِنِّى سائلك(١) فَمُغْلِظٌ عليك فى المسْئلةِ فلا تَجِدَنَّ فى نفسِكَ. قال: «لَا أَجِدُ فِى نَفْسِى
فَسَلْ(٢) عَمَا بَدَا لَكَ)) قال: أَنْشُدُكَ اللهَ إِلَهَكَ، وإلهَ مَن كان قَبْلَك، وإلهَ مَن هو
كائنٌ بعدَك، اللهُ بِعتَك إلينا رسولاً؟ قال: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ))، قال: فَأَنْشُدُكَ اللهَ إِلَّمَكَ،
وإلهَ مَن كان قبْلَك، وإلّه مَن هو كائنْ بعدَك، آللهُ أمرَكَ أن تأمُرَنا أن نعبدَه وحْدَه
ولا نُشْرِك به شيئاً، وأن نخلَع هذه الأنْدَادَ، الَّى كان آباؤنا يعبدونَ معَه؟ قال:
((الَّهُمَّ نَعَمْ ))، قال: فَأنْشُدُكَ اللهَ إلَّهَك، وإله مَن كان قبلَك، وإلّهَ مَن هو كائنٌ
بعدَكَ، آللهُ أَمرَكَ أن تُصَلِّىَ الصَّلَوَاتِ الخمس؟ قال: (( نَعَمْ))، قال: ثم جعَلَ يذكُرُ
فرائضَ الإِسلام، فريضةً فريضةً: الزَّ كاةَ، والصِّيامَ، والحجَّ، وشرائعَ الإِسْلامِ كَلََّا.
- ينشُدُه عند كلِّ فريضةٍ، كما ينشُدُهُ فى التى قَبْلَها؛ حَتَّى إذا فرغ، قال: فإِنِّ أشهدُ
أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، وسأُؤَّدِّى هذه الفرائضَ، وأجتنبُ
ما نهيْتَنى عنه، ثم لا أزيدُ ولا أنْقُصُ. ثم انصرف إلى بعيرِه راجعاً. قال: فقال رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم: ((إِنْ صَدَقَ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ (٣) دَخَلَ الْجَنَّةَ))، قال: فأتى بعيرَه
فَأَطْلَقَ عِقَلَه، ثم خرج حتى قَدِم على قومِه، فاجْتمعوا إليه، وكان أوَّل ما تَكَلَّم:
(١) فى ج، ذ: أنا سائلك، والمثبت من المطبوعة. (٢) فى المطبوعة: فاسأل
(٣) العقيصة : الضفيرة.
:
والمثبت من : ج ، د ..
- ٨٥ -
أَنْ قال: يَاسْتَ اللَّتِ والْمُزَّى، قالوا: مَهْ يا ضِمام، اتَّقِ البَرَصَ، اتَّقِ الجِدَامَ،
اتَّقِ الجنونَ ، قال: وَيَلَكم، إنَّما واللهِ لا يضُرَّان ولا ينفعان، إن الله قد بعثَ
رسولًا، وأنزلَ عليه كتاباً فاستنقذَكُمْ به ممَّا كنتمْ فيه، وإنّى أشهدُ أن لا إله إلَّ اللهُ
وحْدَه لا شريكَ له، وأنّ محمَّدًا عبدُه ورسولُهُ، وقد جئتَكُم مِن عنْدِهِ بما أمرَكُمْ به ،
وما نهاكُم عنه. قال: فَوَاللهِ ما أمْسَى من ذلك اليوم وفى حاضِرِه رجلٌ ولا امرأةٌ
إلَّا مسِلِماً.
قال: يقول عبدُ اللهِ بن عَبَّاس: فما سِعنا بوافدِ قَوْمٍ كان أفضلَ مِن ضمامٍ بِن ثَعْلَبَة.
محمد بن إسحاق ، قال شُعْبَة : هو أميرُ المؤمنين فى الحديث ، وقال أحمد بن حنبل :
حسنُ الحديث .
قلتُ : والعملُ على توثيقه وأنه إمامٌ مُعْتَمَد ، ولا اعتبارَ بخلاف ذلك ..
وقد وقع فى هذه الطَّرُقِ كلَّا ذكرُ الحَجِّ ، ووقع فى معجَم الطَّبَرَانِيّ من حديث
سَعِيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس التّصريحُ بأنه قَدِم على رسولِ الله صلى الله عليه وسلمٍ مَكَّةً.
فقال الطَّبرانِىّ : حدثنا علىُّ بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن عَوْن الوَاسِطِىّ ، أخبرنا
خالد ، عن داوُد بن أبى هِنْد، عن عمرو بن سَعِيد، عن سَعِيد بن جُبير ، عن ابن عبّاس
أن رجلًا مِن أزْدشَنُوءَةَ، يقال له ضِمام(١) كان باليَمَنَ، وكان يُعالِج من الأرْواح،
فقدِمِ مَكَّةُ، وسمِعهم يقولون لِمُحَمَّد صلى الله عليه وسلم: ساحِرٌ، وكاهنٌ ، ومجنون.
فقال: لو أتيتُ هذا الرَّجُلَ لعلَّ اللهَ يَشْفِيه على يدى، فلقِيَه، فقال: يا محمدُ إنَّ اللهَ عزَّ
وجلَّ يشْفِى على يدِى، وأنا أعالِجُ مِنْ هذه الأرواح. فقال: ((الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ
وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ، وَأَشَهْدُ أَنْ
(١) فى المطبوعة: ضماد، وهو خطأ، والتصويب من: ج، د.
- ٨٦ -
لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَْدُهُ وَرَسُولُهُ)) فقال: أَعِدْ علىّ. فأعاد عليه ثلاثَ
مرَّاتٍ ، فقال: لقد سمعتُ قولَ الكَهنة، وقولَ السَّحرة، والشِّعر، فما سمعتُ مثلَ هؤلاء
الكاماتِ ولو بلغ (١) قاموس البحر، مُدَّ يدَيْكَ أُبَايِعْكَ على الإِسْلامِ. فَنَّ يَدَهُ فبايعَه
على الإِسْلام ، قال: وعلى قومى (٢). فبايعَه على قومِه.
◌ُدْنا إلى الكلام على حديث: (( بُنِىِ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ))، وقد وقع فى أكثرِ
الألفاظ تقديمُ الصَّوم على الحَجِّ، حتى جاء فى رواية فى صحيح مسلم(٣): ((مُنِىِ الْإِسْلَامُ
عَلَى خَمْسٍ عَلَى أَنْ يُوَجَّدَ اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَ إِيتَاءِ الزَّ كَةٍ، وَصِيَامٍ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ،
فقال رجل: الحجِّ وصيامِ رمضانَ؟ قال ابن عمر: لا، صيامِ رمضانَ، والحجِّ، كذَا
سمعتُهُ مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وجاء فى لفظٍ تقديمُ الحَجِّ، وقد أسْنَدْناهُ فيما مضى.
وخرّج أبو عَوَانَةَ فى كتابه المخرَّج على صحيح مسلم ذلك مُصرَّحً فيه بالعْس ممَّا
صرَّح به فى حجيح مُسْلِمٍ وهو [أنَّ](٤) ابنَ عمر رواهِ بِتَقْدِيمِ الحَجِّ على الصَّوم ، فأعاده
رجلٌ بتقديم الصّيام على الحجّ. فقال له ابن عمر: لا، اجْعل صيام رمضانَ آخرَ هُنَّ، هكذا
سمعتُهُ مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم .
وقضى بعضُ المحدِّثين بأن هذه الرّواية غلطٌ لِعارضتِها لما فى الصَّحيحيْن، وَاحْتمالُ
كونِهما واقعتيْن بعيدٌ، وهذا له نظيرٌ فى(٥) حديث لْزَان ابن أمِّ مَكْتُوم وبلال
(١) فى ج: ولقد بلغ، والمثبت من: المطبوعة، د. وقاموس البحر: معظم مائه.
(٢) فى المطبوعة، د: وعلى قومه، والمثبت من : ج. (٣) صحیحہ فی (باب بيان
أركان الإسلام ودعائمه العظام، من كتاب الإيمان) ١ /٤٥. (٤) ساقط من المطبوعة
(٥) فى المطبوعة: من ، والمثبت من : ج، د.
وزيادة من : ج ، د .
- ٨٧ -
ففى الصَّحيحيْن(١): ((إنَّ بِلَالَّا يُنَادِى(٢) بِلَيْلٍ، فَكُلُمِ! وَاشْرَ بُوا حَتَّى يُنَدِىَ
ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ)) .
وفى مسندِ الإِمام أحمد، وصحيحَىْ: ابنِ خُزَيمة، وابن حِبّان على العكس من ذلك ،
فقيل : كان الأذانُ بينهما نُوَباً ، وقيل : بل هذه غلط .
فإن قلتَ: هذا الحديثُ صريحٌ فى أنَّ الإِسلامَ عبارةٌ عن الخمس، فما تقولون فيمن
فَقَدَ واحدًا مِنها غيرَ الشَّهادتيْن ، هل يخرُجِ عنِ الإِسْلام؟
قلتُ : نُقَدّم على جواب هذا السُّؤالِ ما لا بُدَّ منه له، فنقول: لفظُ الإيمان باتفاق
المسلمين لا يخرُجُ عن أعمال القَلْبِ والجوارح، وما ترأَّبَ مِنْهُما، ثم اختلَفُوا على مذاهب:
أحدها : أنه تصديقُ القلبِ بما عُلٍ مجىءُ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم به، ودعاؤُه
اَلْقَ إليه وحتُّهُ الأمَّة عليه، وليس معنى هذا القول: أنَّ مَن صَدَّق ولم يتلفّظْ
بالشَّهادتيْن يكون مُؤْمِناً إيماناً مقبولاً، بل الإيمانُ هو التَّصْديقُ؛ ولكن لقبوله شرطٌ،
وهو التَّلَفَّظُ بالشَّهادتيْن، وعدمُ الإِثْيان بما هو مَكفِّر؛ ولفَوات هذا الشَّرْطِ على
أبى طالب لم يُحْكَم بدخولِهِ الجَنَّة، مع كونه كان معتقِدًا؛ بدليل قوله:
ودعوْتَنى وزعمتَ أَنَّك صادقٌ ولقد صدقْتَ وَكُنتَ ثَمَّ أميناً
وقوله(٣) :
لديْنا ولَا مُرْمَى بِقَوْلِ الأباطِل
لقدْ عِلِمِوا أن ابْنَا لَا مُكَذَّبُ
(١) البخارى فى (باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره، من كتاب الآذان) ١٦٠/١،
ومسلم فى ( باب بيان أن الدخول فى الصوم يحصل بطلوع الفجر، من كتاب الصيام) ٧٦٨/٢.
(٢) فى الصحيحين: « يُؤَّذِّنُ)) .
(٣) سيرة ابن هشام ١ / ٢٩٧، وفيها: ولا يعنى بقول الأباطل.
- ٨٨ -
وقوله :
ولقدْ علمتُ بأنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ ذِينَ
ومِنْ إن كانت زائدً، فالبيتُ صريحٌ فيما ندَّعيه، وجوَّز زيادَتَهَا فى الإِنْبات
الكوفيُّون، والأخْفش (١)؛ واستدُّوا بنحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَا.
الْمُرْسَلِينَ﴾(٢)، وقوله تعالى فى سورة نوح: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوِكُمْ﴾(٣)
وكذلك جاء فى الصَّفِّ(٤) بغير ( مِنْ))، وقوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾(٥)
وقوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾(٢).
وخرَّج الكنائِيُ (١) على زيادتها: ((إِنَّ مِنْ أَشْدَّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ
الْمُصَوِّرُونَ)).
ومن شواهدها فى الشِّعر قول عمر بن أبى ربيعة (٧):
ويَنْمَى لَهَا حبُّها عنْدِنَ فماقالَ مِن كاشِحٍ لم يَضُرّ
وقال أبو طالب أيضاً (٨):
ألمْ تَعلَمُوا أَنَّا وَجِدْنَا محمَّدًا نِيًّا كُوسَى خُطَّ فى أوَّلِ الكُتْبِ.
وهذا البيت من قصيدةٍ له أوردها ابنُ إسحاق فى السِّيرةِ(٩).
وذكر الحاكمُ فى أثناء ترجمة سُفيان الثَّوْرِىّ فى كتاب ((منكى الأخبار)) : أخبرنا
(١) راجع مغني اللبيب ٢ /١٧،١٦، والصبان على الأشمونى ٢١٢/٢.
(٢) سورة الأنعام ٣٤. (٣) سورة نوح ٠٤
(٤) الآية ١٢، ونصها: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) الآية. (٥) سورة الكهف ٣١.
(٦) سورة البقرة ٢٧١. (٧) ديوانه ٣٢ ، وفيه: ثمن قال ...
(٨) فى المطبوعة، د: وقول أبى طالب، والمثبت من : ج .
(٩) رواية ابن
هشام ١ / ٣٧٣.
- ٨٩ -
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الأصْبهانِيّ الزَّاهد، أخبرنا أبو النِّرِىّ موسى
ابن الحسين بن عُبَادة(١) قال: قال لى محمد بن الصَّباح الدُّولَانِيّ(٢): يا أبا السِّرِىّ،
جاء عبد العزيز المَلِّّ، فنزل ها هنا عندَنا، فكان يأتيه ناسٌ" ، فصار إليه فتيانٌ مِن
فِتْيَانِنا، فقلت: إيشُ يُحَدِّ ◌ُكُم؟ فقالوا: يُفَسِّر القرآن بأحسن التَّفْسِير. قلتُ: مِن
رأيِهِ أو بأيْرِهِ عَن غيرِهِ؟ قالوا: برأْيِه، قلتُ: هذا شرٌّ، قال: تجاءفى بعد سنة
فسَّ علىَّ، وقال: يا أبا جعفر أنا واللهِ إليك مُشتاقُ، قلتُ: أنا فى مسجدى ما علىَّ
حاجبُ! فقال: علمتَ يا أبا جعفر أَنِّى فَكَّرْتُ البارِحةَ، فرأيتُ سُفْيان الثَّوْرِىّ قدمات
على بِدْعتَيْن لم يَتَبْ إلى اللهِ مِنْهُما، وذكر قولَ سْفيان: إن الإيمان قولٌ وعملٌ ، يزيدُ
وينقُص، ورأيتُ فلانً يقول: الإيمانُ قولٌ، قال: فقلتُ: أرى كلامَك يدلُّ على أنَّ
أبا طالب أصلبُ(٣) أهل الأرْضِ إيماناً؛ فإنَّه قد قال النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنا أعلمُ
أنّ ما تقولُ حَقٌّ ، ولكنْ أكرَم أن تُمَيِّ فى نساءُ قُرَيْشٍ.
قاتُ: وهذه الحكاية ناشئةٌ عن أحد أمرين: إما أنَّ عبد العزيز المذكورَوهو الكِنَانِىّ
الذى يُنسَب إليه ((الِحِيدَة)) - وسنذكر ترجمته فى الطبقة الأولى إن شاء الله تعالى - كان
يعتقدُ أن الإيمان هو المعرفة فقط، كما سننقلُه، عن جَهْم بن صَفْوان، ولا يشْترِط
النّطقَ، وتلك بدعةٌ شَفعاء، لا أقبح منها، نسأل اللهَ السَّلامةِ فِى الدِّين. أو أن الدُّولاِبِىّ
لم يفهم عنه، ويكون إنَّما اعتقد أن الإيمانَ فى القلب، ولكن له شرطٌ ، وهو النُّطق
كما قلناه ، وهذا هو الذى يختلج فى ذهنى أنه مُعْتَقَد عبد العزيز ، وقد رأيتُ أقوامًا
(٢) بضم الدال وفى آخرها الباء الموحدة ، هذه النسبة إلى
(١) فى ج : عباد .
الدولاب، وإلى قرية من قرى الرى. انظر اللباب ١ / ٠٤٣١ (٣) فى المطبوعة: أصل،
والتصويب من : ج، د.
- ٩٠ :-
يتعصَّبون على مَن يقول: الإيمان التّصديق، بهذا ظنًّاً منهم أن القائل بذلك لا يشترط.
النّطقَ فى الاعْتدادِ به، وهو تعصُّبٌ صادرٌ عن عدم المعرفة بمذهب القائلين بهذا
القول .
ومِن هؤلاء أبو محمد بن حزم الظَّاهرِىّ، فإنه قال فى كتابه ((الملل والنِّحْل))(١).
ذهب قومٌ إلى أن الإيمان إنما هو معرفةُ الله بالقلب فقط، وإن أظهرَ اليهوديةَ أو النّصرانيةَ
أو سائر أنواع الكُفر بلسانه، وعبادته، فإذا عرف اللهَ بقلبه فهو مسلم مِن أهل.
الجنَّة، وهذا قولُ جَهْمَ بنِ صَفْوان، وأبى الحسن الأشْعرِىّ البَصْرِىّ، وأصحابِهِما
انتهى
وهذا ابنُ حزْم رجلٌ جرِىٌّ بلسانِهِ، مُتَرِّعٌ إلى النَّقل بُمُجرَّد ظنِّه، هَاجِمٌ على
أئمة الإسلام بألفاظه. وكتابه هذا ((الملل والنحل)) مِن شرِّ الكتب، وما برِح المحقّقُون
مِن أصحابنا يَنْهَوْن عن النَّظر فيه؛ لما فيه مِن الإزراء بأهل السُّنَّة، ونسبةِ الأقوال
السَّخيفةِ إليهم مِن غير تَنَبُّت عنهم، والتَّشْفيع عليهم بما لم يقولوه، وقد أفرط فى كتابه
هذا فى الغضِّ من شيخ السُّنَّة أبى الحسن الأشعرىّ، وكاد يُصرِّح بتَكْفِيره فى غير
موضع ، وصرَّح بنسْبته إلى البدعة فى كثير من المواضع ، وما هو عنده إلا كواحدٍ
مِن المبتدِعَة .
والذى تحقّقْتُهُ بعد البحث الشَّديد أنه لا يعرفُهُ، ولا بلغَه بالنّقَلِ الصَّحِيحُ مُمْتَقَدُه
وإنما بلغته عنه أقوالٌ نقلها الكاذبون عليه، فصدَّقَها بمجرَّد سماعِهِ إِيَّاها ثم لم يَكْتفِ
بالتَّصديق بمجرَّدِ السَّماعِ، حَتَّى أخذ يُشَنِّع.
(١) عبارة ابن حزم فى الفصل ١١١/٢ فى ذكره من يخالف أهل السنة الخلاف البعيد،
قال: وأبعدهم أصحاب جهم بن صفوان، والأشعرى، ومحمد بن كرّام السّجستانىّ؛ فإن
جهماًوالأشعرىّ يقولون: إن الإيمان عقد بالقلب فقط، وإن أظهر الكفر والتثليث بلسانه،
وعبد الصليب بلا تقيّة .
- ٩١ -
وقد قام أبو الوليد الباحِىّ(١) وغيره على ابن حزم بهذا السَّب وغيره، وأُخْرِج من
بلده ، وجرى له ما هو مشهورٌ [فى الكتب](٢) من غسْل كتُبُه وغيره.
ومما يعرِّفك ما قلتُ لك مِن جراءته وتسرُّعه، هذا النقلُ الذى عزَاه إلى الأشْعرىّ
ولا خلافَ عند الأشْعرِىّ وأصحابه، بل وسائر المسلمين أن مَن تلفَّظَ بالكُفْر أو فَعَل
أفعال النكفّار، أنه كافرٌ بالله العظيم مُخَلَّدُ فى النّار، وإن عرف بقلبه، وأنه لا تنفعه
المعرفةُ مع العنادِ، ولا تُغنى عنه شيئاً، لا يختلفُ مسلمان فى ذلك. وهل الفائت(٣) عليه
نفسُ الإيمان لكون النُّطق ركناً منه أو شرطَه؟ فيه البحثُ المعروف للأشاعرة ، وسيأتى
وأجمعوا على أنّ الإِسلام زائل عنه. فقول ابن حزمٍ فى النَّقل عنهم: إنَّه مسلمٌ خطّا
عليهم ، صادرٌ عن أمريْن: عن عدم المعرفة بعقائدهم، وعن عدم التَّفرقة بين الإيمان
والإسلام .
وأما جَهْمٌ فلا ندرى ما مذهبه! ونحنُ على قْطْع بأنّه رجل مبتدِعٌ، ومع ذلك
لا أعتقد أنه ينتهى إلى القول بأن مَن عائدَ اللهَ وأنبياءَهُ ورسله، وأظهر الكفرَ، وتعبَّد
به يكون مؤمناً؛ لكونه عرَف بقلبه . فاعلَّ الناقلَ عنه حمَّل الَّفظَ مالا يطيقُهُ، أو جازَف
كما جازف فى النقل(٤) عن غيره .
ومالنا ولِجِهَم! وهو عندنا من شرِّ المبتدعة، من قال بهذه المقالة فهو كافرٌ لا حيَّاهُ
الله ولا بَيَّاه كائناً من كان، والمسلمون مجمعون قاطبةً على أن تَنَفَّظَ القادر لا بُدَّ منه،
وأبو طالب إن سُلِّم أنه اعْتقد فلم يتلفّظْ ، بل رَدَّ :
فأخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم إذناً خاصًّاً بالسَّند المتقدِّم قريباً؛ إلى أحمد بن محمد
ابن حنبل، حدثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيب، عن الزُّهَرِىّ، أخبرنى رجلٌ مِن الأنصار
(١) نسبة إلى باجة مدينة بالأندلس. الباب ١ / ٠٨٢ (٢) ساقط من: ج، د.
(٣) فى ج: انثابت، وفوقها: كذا. (٤) فى المطبوعة: كما جازف الناقل عن غيره،
والمثبت من : ج ، د .
- ٩٢ -
مِن أهل الفقه: أنه سمع عثمانَ بن عفّان رضى الله عنه يذكرُ أن رجالًا من أصحاب النبيِّ
صلى الله عليه وسلم حزنُوا عليه حتى كاد بعضُهم يوسوس . قال عثمان: فكنتُ منهم ،
فِبْنَاَ أنا جالسٌ فى ظلِّ أُم (١) مِن الآطامِ مرَّ علىَّ عمرُ ، فسلمَّ علىّ، فلم أشعر أنّه سهمَّ
فانطلق عمر حتى دخل على أبى بكر ، فقال له : ما يعجبك أبِى مررتُ على عُثمان، فسلَّمْتُ
عليه فلم يَرُدَّ علىَّ السَّلام! وَأقبل هو وأبو بكر فى ولايةٍ أبى بكر، حتى سَأَّما علىَّ جميعاً،
ثم قال أبو بكر: جاءنى أخوك عمرٌ، فذكر أنه مرَّ عليك فسلّ، فلم تَرُدَّ عليه السّلامِ،
فما الذى حملك على ذلك ، قال : فقلتُ له: ما فعلتُ ! فقال عمر: بلى، واللهِ لقد فعلتَ ،
ولكنّها عَيْبَتَكُم (٢) يا بنى أَمَّة. قال قلتُ: والله ما شعرتُ أنّك مرَرْتَ ولا سَلَّمِتَ
قال أبو بَكْر: صدق عثمان، وقد شغلَك عن ذلك أمْرٌ، فقلت: أجَلْ. قال: ما هو ؟ فقال
عثمان: تَوَفِىَّ اللهُ نبيّه قبل أن أسْألُه عن نجاةٍ هذا الأمر . قال أبو بكر: قد سألتُهُ عن
ذلك. قال: فقمتُ إليه فقلتُ له: بأبى أنت وأمِّى أنت(٣) أحقُّ بها. قال أبو بكر: قلتُ
يا رسولَ اللهِ ما نجاةُ هذا الأمر؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ قَبِلَ مِنِىّ
الْكَلِمَةَ الَِّىِ عُرِضَتْ عَلَى عَمِّى فَرَدَّهَا عَلَىَّ فَهِىَ لَهُ نَجَةٌ)).
وروى الإمام أحمد أيضاً فى المسند من حديث محمّد بن جُبَير بن مُطْعِمٍ: أن عثمانَ.
ابن عفّن قال: تمنيّتُ أن أكون سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: ماذا يُنجِّينَا مِمّا
◌ُلْقِى الشيطانُ فى أنفسِنا؟ فقال أبو بكر: قد سألتُهُ عن ذلك، فقال: ((يُنَجِّيكُمْ مِنْ
ذُلِكَ أَنْ تَقُولَ مَا أَمَرْتُ بِهِ عَمِّى أَنْ يَقُولَهُ فَمْ يَقُلْهُ)) إسنادها صحيح.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ عَلَ أنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ)) - وذلك
(١) الأطم - بضمة وبضمتين: القصر وكل حصن مبنى بحجارة وكل بيت مربع مسطح.
(٣) فى المطبوعة، د: أنا، والمثبت
(٢) الغيبة الوصمة.
القاموس (أط م)
من : ج .
- ٩٣ -
فيما أخبرنا به أبو عبد الله الحافظ قراءةً عليه وأنا أسمع ، أخبرنا أحمد بن عِبَة الله بن
عسَاكِرٍ، أخبرنا أبو رَوْح عبد المعزّ(١) بن محمد الهَرَوِىّ إجازةً، أخبرنا زاهِى
ابن طاهر ، أخبرنا أبو يعلى إسحاق بن عبد الرحمن الصَّابونِىّ، أخبرنا أبو العباس أحمد
ابن محمد بن أحمد البالوىّ، أخبرنا أبو قُرَيْش محمد بن ◌ُعَةَ، أخبرنا عَبْدة بن عبد الله
الصَّفَّار، حدثنا عبد الله بن حمدان، حدثنا شعبةُ، عن بُثَن بن بِشر: سمعت ◌ُحمران
يُحَدِّث، عن عثمان رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ عَلِمَ
أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ)) .
رواه النَّسانىُّ عن عَبْدَةَ ، به .
ورواه مسلم(٢) عن أبى بكر بن أبى شَيْبَة، وزُهَيْر بن حَرْب ، كلاهما عن إسماعيل
ابن ◌ُلَيْة، وعن محمد بن أبى بكر المُدَّمِىِّ(٣)، عن بِشْر بن المُفَضَّل(٤)، كلاهما عن
خالد الخذَّاء ، عن أبى بِشْر الوليد بن مسلم ، عن ◌ُمْران ، به -
فإنه مخصوصٌ بمن علم ونطق عند الإمكان لقيام الإجماع على تكفير مَن لم ينطقْ عند
القُدرة، وقد جاء فى ألفاظٍ كثيرة: (( مَنْ قَالَ)) موضع (عَلِمَ)).
ولقائلٍ أن يقول: اللفظ باقٍ على عمومه، وأطلعَ الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم على أن
مَن عَلٍ فهو ينطق عند القدرة، فصدق (( مَن علم دخلَ الجنّةَ)) لوقوع العلم مقروناً
(١) فى المطبوعة: عبد العزيز، وفى د: أبو روح أبو عبد العزيز، والمثبت من : ج.
وقد تقدم .
(٢) صحيحة فى ( باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا. من كتاب
الإيمان) ١ /٥٥، ولفظه: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ)»
(٣) فى المطبوعة المقدسى، والتصويب من: ج، د، وصحيح مسلم .
(٤) فى المطبوعة، د: الفضل، والتصويب من: ج، وصحيح مسلم .
- ٩٤ -
بالنطق، وهل التَّلَفَظُ بالشهادتين شرط كما أطلقناه، فيكون خارجاً عن المساعيّة،
أو زكنْ؟ فيه اختلاف أمرُه سهلْ، والظَاهر أنه شرطٌ".
والمذهب الثانى: أن الإيمان بالله تعالى معرفته فقط، لا يُشتَرط معه لفظ، وهو رأى
جَهْم بن صَفْوان وشِيعته، وهو مذهب منذول(١) محجوج بالإجماع، لا يُعْبَأ به،
ولا يلتفت إلى قائله، وليس جهم مَن يُعْتَدُّ بقوله، ولولا الوفاء بتعداد المذاهب لما ذكرنا
هذا الرجل ولا مذهبه؛ فإنه رجل ولَاج خرَّج محجَّام على خرق حجاب الهيبة، بعيد
عن غَوْر الشريعة، يزعم أنه ذو تحقيقات باهرة، وما هى إلا تُرَّهات قاصرة، ويدَّعى
أن له مثاقب فى النّظر، وما هى إلا عقارب أوْ أضَرّ .
وأخشى قولا منه ما حكى عن محمد بن زياد الجَزَرِىّ الكوفى أنه قال: مَن آمن بالله
وكذّب برسوله صلى الله عليه وسلم فليس مؤمناً على الإطلاق ، ولا كافراً على الإطلاق ،
ولكنه مؤمن كافر معاً، وهذا المذهب كفر، ومع كونه كفراً ضرب من الهذيان،
ولا أعتقد أحداً مَّن ينتمى إلى الإسلام ذهب إليه ، ولعل الآفة مِن النّاقل عن هذا الرجل.
فلا يذْبغى أن يُعَدّ هذا مذهباً.
والثالث: أنه إقرار بالشهادتين. وهو رأى الكرَّامِيَّة، ومنزلة هذا المذهب
فى الشُّقوط منزلةُ مقابله(٢)، وقضيتُه: أن المنافقين مؤمنون، والقرآن ناطقٌ بأنهم
فى الدَّرك الأسْفل مِن النّار، وأنهم كاذبون فى الدين ، يدَّعون أنهم يعتقدون .
واعلمْ أن جهماً غاص فى المعانى بزَْمه، وأعرض عن الظَّواهر، فسقط على
أمِّ رأسه، وقامت عليه حجج الشَّرع ، ومنعته عن سبيل الحق أىَّ مَنْع، وابن كرَّامٍ
(١) فى المطبوعة: مردود، والمثبت من : ج، د .
د : قابله، والمثبت من : ج .
(٢) فى المطبوعة: قائله ، وفى
- ٩٥ -
السحب على الطَّواهر وأعرض عن ضمائر القلوب، فوقع من حَالِق(١) الحق إلى حضيض
الباطل ، وخرج عن قضايا المعقول، وتبرَّأ منه المنقول ، فلا هو على الحق ولا هؤلاء.
والرابع : أنه كل طاعة فرضاً كانت أم نْلا ، وهو رأى الخوارج ، وإليه ذهبتْ
طائفةٌ من المعتزلة، منهم : القاضى عبد الجبّار بن أحمد، الذى يُلَقِّبُونه قاضى القضاة،
وكان رجلاً محقً واسعَ النَّظر .
والخامس : أنه الطَّعة المفروضة دون النَّافلة، وهو مذهب الشَّيخيْن: أبى على
أُلْجَبَائِّيّ، وابنه أبى هاشم عبد السَّلام، وكانا من أساطين الاعتزال، ولهما الطَّامَّات
الكبرى ، والفضائح فى المذاهب السّافلة، ومعهما على هذا المذهب كثيرٌ مِن معتزلة
البصْرة .
والسادس: أنه إقرار باللِسان والمعرفة، وهذا المذهب يُعْزَى إلى عبد الله بن سعيد
ابن كُلَّب، وكان من أهل السُّنَّة على الجملة، وله طول الذَّيْل فى علم الكلام، وحسن
النظر ، ولم يتَّضح لى بعد شِدَّة البحث انْفصال مذهبه عن مذهب القائلين بأنه التَّصديق؛
فإن الإقرار باللسان والمعرفة يستدعى سبْقَ المعرفة .
فإن قال : أنا لا أُسِى نفسَ المعرفة إيماناً، وإنما أُسْمِى الإقرارَ بها مع التلفّظ إيماناً،
ولا بد مع ذلك من وجودها .
قلنا له : أجهدتَ نفسَك فى غير عظيم .
وإن قال : لم أقل إقرار بالمعرفة، وإنما قلتُ نفس المعرفة مع إقرار اللسان بمضمونها .
قلنا له : فهذا الآن مذهب الجماعة؛ فماذا تُعْرَف ، وعلام تُحَوِّم .
فإن قال : لفظ اللسان قد يكون إقراراً ، وقد يكون إنشاء .
قلنا : هذا الإنشاء لا ينافى الإقرار ، فإنه إخبار فى الحقيقة عما انْطوى عليه الضمير ،
-
(١) فى المطبوعة، د: من خالف، والمثبت من: ج.
- ٩٦ -
بدليل أن الكاذب فيه غير مُعْتَدٍ له به عند الله تعالى. ويَنْجَرُّ الكلام فى ذلك إلى مسئلة
حقائق الإنشاء ، وهى من عمد أصول الفقه لا من مخاضات المتكلِّمين .
وأنت إذا تفهّمْتَ ما ألقيتُه عليك مِن المذاهب عرفْتَ اجتماع المذاهب.
والمأخذ فى المسئلة على أربعة أصناف :
الصنف الأول : يقولون الإيمان يكون فى القلب(١) والسان وسائر الجوارح ،
وهم فِرَقَ أعْظَمُها قدرًا وأكثرُها عددًا وأعرُّهَا نقرأ أصحاب الحديث ، ووافقهم الخوارج
والزَّيْدِيَّةُ والمُعْتزلة، بَيْد أنّ المرام مختلف، والمقصدَ مُتباعِد. ثم هؤلاء جميعاً لا يفرِّقُون
بين الإيمان والإسلام .
والصنف الثانى: يزعمون أن الإيمان إنما يكون فى القلب واللسان دون سائر الأعضاء،
وهؤلاء منهم مَن يفرِّق بين الإيمان والإسلام فيجعل أعمال سائر الأعضاء إسلاما، وهم
كثيرٌ من الأشاعرة ، ومنهم مَن لا يفرِّقُ، ولا يكون هذا أشْعريًّا أبدا .
والصنف الثالث: يزعمون أن الإيمان لا يكون إلا فى القلب وحده دون سائر الجوازح،
وهؤلاء فريقان :
فريق قالوا : الإسلام غيرُ الإيمان ، وإن الإسلام يكون فى الجوارح ، وإن النطق:
لا بد منه ، وإن القادر عليه بدونه كافر لا ينفعه معرفةُ القلب.
قال الأستاذ أبو منصور البغدادىّ: وهُم أصحاب شيخنا أبى الحسن الأشعرى. قال:
وهم أحسن الفريقين قولًا .
وفريق لا يُدْرَى مذهبهم فى الجوارح(٢) ما هو، وهم الجَهْمِيَّة والبَجَلِيَّة أصحاب جَهْم
ابن صفْوان، والحسن بنِ الفَضْل البَجَلِىّ(٣)، والذى يغلب على الظنّ أنهم يقولون:
(١) فى المطبوعة: بالقلب، والمثبت من: ج، د. (٢) فى ج، د: الخوارج.
(٣) بفتح الباء الموحدة والجيم، هذه النسبة إلى قبيلة بجيلة. اللباب ١ / ٠٩٨
- ٩٧ -
الإيمان معرفة القاب، والإسلام النظق بالشهادتين، وسائر الجوارح لا تُسمى أعمالها إيمانا
ولا إسلاما .
مفرج من هذا أن أحداً لا يقول: إن القادر على النطق بالشهادتين مسامح بتركه ،
ولو قال ذلك قائل لراغَم الشَّريعة، وجاء بأُلخطَّةُ الشَّنيعة، وخَرق إجماع المسلمين، وقدَح
فى دعْوة سيّدٌّ المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
والصنف الرابع: يقولون: إن الإيمان إنما يكون فى المسان دون سائر الأعضاء ،
وهم الكَرَّامِيَّة ؛ فإنهم أهملوا جانبَ الاعتقاد رأسًا، وقد عرّفناك ما يلزمهم.
فإن قلتَ : فإلى أىِّ مذهبٍ مِن هذه المذاهب تذهبون ؟
قلتُ: لسْنا إلى مذهب جَهْم والكَرَّامِيَّةِ بذاهبين، ولا على أقوالهم مُعرِّجين .
فإن قلتَ: لِمْ يُطابق الجواب السؤال، وغايتُهُ نفى بعض الأقوال، لا إثبات
ما يُعْتَقَدْ.
قلتُ : القول بأن الإيمان تصديق القلب ، وأن النُّطْق لابُدَّ منه ، هو ما عليه قُدوتنا
فى الكلام أبو الحسن الأشْعرِىّ، وقاضينا أبو بكر بن الباقِلَانِىّ، والأستاذ أبو إسحاق،
وأكثر الجَهَا بِذَة البُزَّل. ثم اختلف جواب شيخنا أبى الحسن رضى الله عنه فى معنى هذا
التصديق ، فطوْرًا قال: هو المعرفة، وطورا قال: هو قولُ النَّفَس المتُضَمِّن للمعرفة ، ثم
يعبّر عن ذلك باللسان. فيُسمّى (١) الإقرار بالسان تصديقاً، وكذلك العمل بالأركان بحكم(٢)
دلالة الحال، كما أن الإقرار تصديق بحكم(٢) دلالة المقال، فالمعنى القائم فى النفس هو الأصل
المدلول عليه، والإقرار والعمل دليلان، وهذا يُدانِى مذهبَ ابن كُلَّاب.
(١) فى المطبوعة: فسمى، والمثبت من: ج، د. (٢) فى المطبوعة: لحكم. فى
الوضعين ، والمثبت من: ج ، د . .
(٧ - طبقات - ١)
- ٩٨ -
فإن قلتَ: فما نقولون فيما يُنقَلَ عن السَّف من أنه ((إقرار باللّسان، واعتقادٌ بالجنان
وعملٌ بالأركان))؟ وهذا مستفيض فيما بينهم لا يَحْحَدُه إلا المكابرون.
قاتُ: فَهَلَ قليلًا، واسمع ما نُلقِيه عليك، وإن كان ثقيلًا، واعلم أن قولهم.
((اعتقاد بالجنان)) لا إشكال فيه، وقوكهم: (إقرار باللّسان)) هو النُّطْق بالشهادتين
ولعلهم جعلوا ذلك ركنًا فى الإيمان، فيكون الإيمان مُركّبًا من الاعتقاد والإقرار ، وهو
أحد الروايتين فى تفاريع المذهب الأول، وليس بالبعيد ، وإن كان الأظهر جدلًا خلافُه
وقولهم: ((وعملٌ بالأركان)) يمكن أن يُراد به الكفُّ عَن ما يصدر بالجوارح فيوقع فى
الكفر، من السجود للأصنام، وإلقاء المصحف فى القاذورات . فاضبط هذا فيه يجتمع
لك كلام السَّافِ والخَف، ولا أدَّعى أنه حقيقةُ مُراد القوم، غيرَ أنى أَجُوِّز ذلك، وأسند
إلى لفظة الأركان . وأنا وإن لم أقطع بأنه المراد فأقطعُ بأنه لا دلالة فى العبارة على ردِّ
مذهب القائلين بأنه التصديق؛ لما ذكرت من [ أن](١) الأركان جاز أن يُعَنَى بها
الكفُّ عن المكفرات.
ودائماً أقول: عبارتان للقدماء مستفيضتان يتناقلهما المتأخِّرون ، معتقدين أن المراد بهما
شىء واحد ، وعندى أن اللفظ لا يُسَاعِد على ذلك .
إحداهما : هذه العبارة ، فإن الأركان أجزاء الماهية ، فلا يثبت على السَّف أنهم يقولون
بأن الطاعات المفروضة، أو مطلق الطّاعات إيمان كلها، إلا أن يثبت عليهم أن كلَّما أركانٌ،
ولم يثبت ذلك بعدُ، بل لفظ الأركان صريح أو كالصَّريح فى خلافه، إذ ليس كل طاعة
ينتفى الإيمان بانْتفائها، بل لم يُقَلْ ذلك فى شىء من مبانى الإسلام غير كملتى الشَّهادتين ،
إلا فى الصَّلاة عند مَنْ يَكفِّرِ بترْرِكِها. ثم لمْ يَقُلْ بذلك على إطلاقه، بل قال بكُفْرٍ دون
كُفْرٍ. وليستا الآن كذلك .
(١) ساقط من المطبوعة، وهو من: ج، د.
١
- ٩٩ -
والعبارة الثانية: ((لا يكفُرُ أحدٌ من أهل القبلة بذنْب غيرَ مُسْتَحِلٍّ )). يستدلُّ به
المتأخِّرون على أنهم لا يُكفِرون أربابَ البدع والأهواء ، ووقع البحث فى ذلك بينى وبين
الشيخ الإمام رحمه الله، فقلتُ له - وقد حكى هذه العبارة عن الطَّحاوِىّ الحنفىّ. صاحب
العقيدة ، وقال : إنه مسبوق إليها - : أنا لا أستدل بذلك على أنهم لا يكفرون القائل
بخلق القرآن مثلًا؛ حتى يثبت عندى أنهم يقولون: إنه من أهل القبلة، { فالعبارة دالة على
أن أهل القبلة لا يكفرون، لا على أن هؤلاء من أهل القبلة](١) ولا أحفظ الآن عن
الشَّيخ الإمام جواباً عن كلامى هذا ، غير أنى أظن أنه قال : أهل القبلة مَن صلى اِبْلتنا.
كذا أحسب أنه أجاب ، ولست على ثقة من ذلك .
وأقول مجيبا عن هذا الجواب - أن قاله الشيخ الإمام ، أم كان مما مجس فى الضمير ،
وتصوره من كلمات ذلك الخبر - : ليس كل من صلَّى لقبلتنا من أهل القبلة ، ألا ترى
أن المنافقين يصلُّون لقبلتنا، وهم كفار بالإجماع .
عدنا إلى الكلام على أن قول السلف: ((وعمل بالأركان)) لا يتعيَّن أن يُرَاد به جميع
الطَّاعات. ويجوز أن يُعْتَى به الكفُّ عن ما يُوقِع فى المكفِرّات.
فإن قلتَ : الكفُّ فعلٌ وليس بعمل.
قلتُ: قولُك فعل(٢) وليس بعمل مدخول؛ فإن الكفَّ فعل كما هو المختار ، وهو
مقرَّرْ فى أصول الفقه بما لا حاجةً إلى الإطالة بذِكْرِه، وأنا دائماً أُسْهجن ممَّنَ يدَّعى
التَّحقيق من العلماء إعادةَ ما ذكره الماضون، إذا لم يَضُمَّ إلى الإعادة تَشْكيتا(٣) عليهم ،
أو زيادةَ قَيْدٍ أهماوه، أو تحقيقٍ تركوه، أو نحو ذلك مما هو مَرَامُ المحقّقّين. وممّا أعتقد به
.(٢) فى المطبوعة : كف ،
(١) ساقط من المطبوعة، وهو من : ج ، د.
والمثبت من: ج، د. (٣) فى ج، د: تنكيتا. ونكت فى العلم، بموافقة فلان أو مخالفة
فلان : أشار . المسان ٢ /٠١٠١
- ١٠٠ -
عظمة الشَّيخ الإِمام رحمه الله أن عامَّة تصانيفِهِ اللَّطاف فى مسائلَ نادرَةِ الوقوع، مُوَلْدَةٍ
الاسْتِخْراج، لم يَسْبِق فيها للسَّبقين كلام، وإن تَكلَّم فى آية أو حديث أو مسئلة سُبِق
إلى الكلام فيها اقْتصر على ذِكْر ما عنده ممّا اسْتخرجَتْهِ فِكْرَتُهُ السَّيمة ، ووقعت عليه
أعمالُهُ القويمة، غيرَ جامعِ كلماتِ السَّابقين، كماطب ليلٍ يُحِبُّ التَّشَبُّعَ بما لم يُعْطَ، حظّه
من التصانيف جمعُ كلام مَن مضى، فإن ترقَّتْ رتبْتُهُ، وتَعَالَتْ همَّهُ لخَّص ذلك الكلامِ ،
وإن ضمَّ إلى التَّلَخيص أَدْنى بحثٍ أو استدراك، فذَاك عند أهل الزَّمان الخبرُ المُقَدَّم
والفارس المُبَجَّل، وعندنا أنه مُنْحاز عن مراتبِ العلماء الغُزَّل، والأذْ كياء المَهَرَة ؛
إنما الخَبْرُ مَن يُمْلى عليه قلبُه ودماغُه، وتبرُز التَّحقيقات التى تشهد الفطر السَّليمة،
بأنها فى أقصى غاياتِ النَّطْر، مشحونةً باسْتحضار مقالاتِ العلماء، مُشارًا(١) فيها إلى
ما يستند الكلام إليه من أدلة المنقول والمعقول، يرمز إلى ذلك رمْزَ الفارغ منه، الذى هو
عنده مقرَّر واضحٌ لا تفيدُه إعادته إلا السآمة والملالة، ولا يُعيده إعادةَ الحاشدِ الجَمَّاعة،
الولَّاحِ الحَرَّاجِ، المُحِبِ أنْ يُحْمَد بما لمْ يُفْعل
ولنَعُدْ إلى غرضنا ، فأقول: لقد وقعتْ علىَّ ثلاثةُ أدلّة تدلُّ على أن الكفَّ فِعْلٌ
لم أرَ أحداً عتُر عليها:
أحدها: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِىِ اتَّخَذُوا هُذَا الْقُرْآنَ
مَهْجُورًا﴾(٢) فتأَمَّلْه، وتقريره أن الاتخاذ افتعال مِن أخذ، أو من وخذ، أو من تَخِذِ ،
أقوال ثلاثة للتَّصريفّين أرجحُها أوّلُها، وعليه فهل أبدلت ياء أو واوًا ؟ قولان .
والحاصل أن الأخذ: التّناول، والمهجور: المتروك، فصار المعنى: تناولوه متروكاً .
أى فعلوا تْكَه ، وهذا واضح على جعل ((اتخذ)) فى الآية متعدِّياً إلى اثْنِين ثانيهما
((مهجورا) وهو الواقع فيها، ولا يجوز أن يكون متعدِّياً إلى واحد؛ لئلا يخْتَلَّ(٣) المعنى،
(٢) سورة الفرقان ٣٠.
(١) فى المطبوعة: مشيرا، والمثبت من: ج ، د.
(٣) فى المطبوعة: يحتمل، والمثبت من: ج، د.