Indexed OCR Text

Pages 1-20

التَّارِيعُ اْأَفْسَطُ
1 am imam m mmmwmm erea m m amam

سلسلة كتبُ التّوَارِيخِ وَالتَّاجمْ ٢
التَّارِيعُ الْأَفْسَطُ
لأِي عَبْدالّد محمد بن إسماعيل البخاري
رحمَهُ اللّه تعالى
١٩٤ هـ - ٢٥٦ هـ
يُلِّشْر لأوّل مَّرة برَوَيَة الخَفَّافُ عَن الإِمَامُ الْبُخَارِيْ
دراسة وتحقيق
محمّد بنْ إِبْرَاهِيمُاللحيَّانْ
المجَلُّ الَّوَّكْ
دار الصميعي
للنشر والتوزيع

جميع الحقوق محفوظة
الطّبْعَّة الأولى
١٤١٨هـ - ١٩٩٨م
دار الصمَيْعى للنشر والتوزيع
هاتف وفاكس: ٤٢٦٢٩٤٥ - ٤٢٥١٤٥٩
الرياض - السويديّ - شارع السويدي العام
ص.ب: ٤٩٦٧ - الّهْز البريدي ١١٤١٢
المملكة العَربيّة السّعوديّة

٣
مقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ، ونستغفره ، ونتوب إليه ، ونعوذ
بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ،
ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه ، وعلى آله ، وصحبه ، وسلم
أما بعد :
فلا شك في فضل علم الحديث النبوي ، وتفوقه على سائر العلوم ،
وإنما اكتسب هذه المزية، واعتلى هذه الرتبة لاتصاله بمقال البي {آلّ ، وفعله،
وتقريره، وبحثه في هديه وأدبه وسمته .
وكذلك هم أهل الحديث أشرف الناس شرفاً ، وأفضلهم فضلاً،
وأصلحهم شأناً، وماذاك إلا لاهتمامهم ميراث نبيهم ◌َ ◌ّ، ونشره ، والذب
عنه . وقد سطرت الكتب في مدحهم ، وبالغ الثناء عليهم - نثراً وشعراً -
مايطرب النفس ويسرها .
قال عبدالله بن داود الخريبي : "سمعت من أئمتنا، ومن فوقنا أن
أصحاب الحديث ، وحملة العلم هم أمناء الله على دينه ، وحفاظ سنة نبيه ،
ماعلموا وعملوا" .

٤
مقدمة
وقال كهمس الهمداني : "من لم يتحقق أن أهل الحديث حفظة
الدين، فانه يعدُّ في ضعفاء المساكين الذين لا يدينون الله بدين .. " .
وقال سفيان الثوري : "الملائكة حراس السماء ، وأصحاب الحديث حراس
الأرض!" .
وقال يزيد بن زريع : "لكل دين فرسان ، وفرسان هذا الدين أصحاب
الأسانيد" .
وقال أحمد بن حنبل : "إن لم يكن أصحاب الحديث هم الأبدال ، فمن
يكون ؟!" .
وقال صدقة : "كنا عند حفص بن غياث ، فاجتمع عليه الناس ، فقال
حفص : لولا أن الله جعل الحرص في قلوب هؤلاء - يعني طلبة العلم -
لدرس هذا الشأن".
وقال أبوداود : لولا هذه العصابة لاندرس الإسلام - يعني أصحاب الحديث
الذين يكتبون الآثار - " .
وقال البخاري : كنا ثلاثة ، أو أربعة على باب علي بن عبدالله - يعني
المديني - فقال: إني لأرجو أن تأويل هذا الحديث عن النبي 18 *: لاتزال
طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لايضرهم من خذلهم ، أو خالفهم" إني
لأرجو أن تأويل هذا الحديث أنتم ، لأن التجار قد شغلوا أنفسهم
بالتجارات، وأهل الصنعة قد شغلوا أنفسهم بالصناعات ، والملوك قد شغلوا
أنفسهم بالمملكة، وأنتم تحيون سنة النبي ◌ُ﴾ .
أنشد الخاقاني :

٥
مقدمة
به إذا ما أتى عن كل مؤتمن
أهل الحديث هم الناجون إن عملوا
قد قيل إنهم خير العباد على
ما كان فيهم إذا أنجوا من الفتن
فطاب من مَّت في اللحد مُرْتهنِ
من مات منهم كذا حانت شهادته
وقال بعضهم :
رجال بهم يحيا حديث محمد
قناديل دين الله یسعی محملها
تقيّ صدوق فاضل متعبد
هُمُ حملوا الآثار عن كل عالمٍ
حَبَرْ ناسكٍ وسط مسجد
محا برهم زُهْرٌ تضيء كأنها قناديل
تساق إلی من کان في الفقه عالماً
ومن صنّف الأحكام من كلّ مسند(١)
وهذا الشرف العظيم الذي نالوه ، إنما نالوه بخدمتهم الإسناد الموصل
إلى رسول الله 28، فقد تفانوا في خدمة ذلك الإسناد ، فيرحل الواحد منهم
الأيام بل الشهور للتأكد من سند حديث ، أو تأكيد لفظة ، فلله درهم ماذا
قدموا للأمة ؟! والله درهم بماذا حباهم ذو الجلال والعظمة ؟! هذا ومن
اعتناءهم بالإسناد ، اعتناءهم بتأريخ وفيات الرواة ، وذكر ما يلتحق بذلك
من الإدراك ، وعدمه ، والسماع ، ونفيه. فألفوا في ذلك كتب التواريخ التي
خدمت في هذا العلم خدمة جليلة عظيمة . ومن أولئك الذين خدموا في هذا
المضمار الإمام البخاري، فألف في ذلك كتبه الثلاثة ، التاريخ الكبير ،
والتاريخ الأوسط ، والتاريخ الصغير .
(١) هذ المقولات عن الأئمة منقولة عن كتاب شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي.

٦
مقدمة
ونحن اليوم مع إنتاج من إنتاجاته الثلاثة ، التاريخ الأوسط ؛ الأوسط
الذي ظل قرابة قرن من الزمان مسلوب الحق ، إذ أخذت مادته ، ووضعت
- خطأً - "للتاريخ الصغير".
قيض الله لهذا الخطأ جهابذة ، فكشفوه ، وأعلنوا أن هذا ظلم يجب
تدار كه ، وإزالته ، فكان أن سعيت بجهد المقل ، وحاولت بحول الضعيف ،
فبحثت عن أصول خطية في مخازن المخطوطات ، فأوقفني الله - عز وجلَّ -
على نسخة خطية ، عتيقة ، واضحة ، من رواية الإمام المتقن عبدالله بن
محمد الخفاف عن مؤلفه الإمام البخاري ، كما أوقفني على نسخة أخرى من
رواية الإمام زنجوية بن محمد النيسابوري عن الإمام البخاري ، إلا أنها
ناقصة، فعزمت على إظهار الكتاب بثوب جديد ، وعليه عنوانه الصحيح
التاريخ الأوسط .
وقد صنفته ضمن السلسلة التي بدأت بها وهي : "سلسلة كتب
التواريخ والتراجم" فكان الإخراج الثاني .
وقد شرعت قبل البدء بتحقيق نص الكتاب ، بكتابة دراسة مقتضبة،
عن الكتاب ومؤلفه ، فجاءت في ثلاثة فصول هي :-
الفصل الأول : في ترجمة الإمام البخاري .
الفصل الثاني : في أهمية كتب التواريخ الحديثية .
الفصل الثالث : التاريخ الأوسط ، ومنهج التحقيق فيه .
والله المسئول أن يوفقني ، ويحفظني ، ويزيدني من فضله ، وأن يجعل
أعمالي كلها خالصة لوجهه الكريم ، ليس لأحد فيها شرك ، إنه ولي ذلك

٧
مقدمة
والقادر عليه . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام
على رسوله الأمين ، محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
كتبه / محمد بن إبراهيم اللحيدان
ليلة عيد الفطر المبارك لعام ١٤١٦هـ

٨
مقدمة
الفصل الأول
ترجمة الإمام البخاري
"مؤلف التاريخ الأوسط"
عندما أكتب ترجمة للإمام البخاري ، فإنني لا أكتب عن إنسان
مجهول ، ولا أكشف عن شخصية مغمورة تَعُزُّ مراجعها ، وتخفى مصادرها ،
بل أنا أكتب عن شخصية مشهورة ، بلغت شهرتها الآفاق ، شخصية
فرضت نفسها على أهل الإسلام عامة ، عالمهم وجاهلهم ، متنورهم ،
وعاميّهم .
فإذ ذلك كذلك فلا حاجة إلى الإطناب ، والاسترسال في نقل
جوانب سيرة هذا الإمام الكثيرة الجزيلة في هذه العجالة . وإنما سأورد مايفيد
ويكفي ، وعلى من أراد التمتع بقراءة سيرة أبي عبدالله البخاري الرجوع
إلى الآف المصادر التي ذكرته وترجمت له . فأقول ، وبالله أستعين .
اسمه ونسبه :-
هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه ، أبوعبدا لله
الجُعْفي - مولاهم - البخاري . وهذا النسب متفق عليه إلا في "بردزبه" فقد
قيل في اسمه "بَذْدِز به"(١) وقيل : اسمه "الأحنف" واستبعد ذلك، إذ اتفق على
(١) - عند هذا الحد يقف من نسب البخاري، وزاد السبكي في طبقاته ٢١٢/٢ فقال : .. بن
بردزبه بن بذذبه" وقد تفرد بهذا . انظر سيرة الإمام البخاري للمباركفوري ص ٣٧ .

٩
مقدمة
أن "بَرْدزبه" مات مجوسياً، فكيف يكون اسمه الأحنف ؟! ووجه ابن خلكان
ذلك فقال : ولعل - بزذبه - كذا - كان أحنف الرجل . (١)
وبردزبه معناه بالبخارية : الزراع (٢). وأول من أسلم من أجداده، المغيرة
على يد اليمان الجعفي ، وكان من أسلم على يدي شخص نسب إلى قبيلة
ذلك الشخص .
ويمان هذا هو ، أبوجد عبدالله بن جعفر بن يمان المسنديُّ - شيخ
البخاري.(٣)
مولده وأسرته :-
ولد الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة ، لثلاث عشرة ليلة خلت من
شهر شوال سنة أربع وتسعين ومائة. قال النووي : اتفقوا عليه . (٤)
قلت : قال الحافظ ابن حجر في مقدمة شرحه للبخاري : قال المستنير بن
عتيق : أخرج لي ذلك - يعني سنة مولده المذكورة آنفاً - محمد بن إسماعيل
بخط أبيه(٥) . وكان مولده في بلدة بخارى .
وأما أسرته فأول من ذكر بطلب العلم منها أبوه إسماعيل بن إبراهيم ، وقد
ترجمه ابنه الإمام البخاري في التاريخ الكبير ٣٤٦/١/١ فقال: إسماعيل بن
(١) وفيات الأعيان ١٩٠/٤.
(٢) الإكمال ٣٥٩/١.
(٣) تاريخ بغداد ٦/٢ .
(٤) تهذيب الأسماء ٦٧/١ -٦٨.
(٥) هدي الساري ص ٢٥٠ .

١٠
مقدمة
إبراهيم بن المغيرة الجعفي ، أبو الحسن ، رأى حماد بن زيد، صافح ابن
المبارك بكلتا يديه ، وسمع مالكاً . وقال ابن حبان(١): روى عنه العراقيون".
ومما يدل على شهرة والد البخاري في طلب الحديث هذه الحكاية ،
قال البخاري : "كنت عند أبي حفص أحمد بن حفص ، أسمع كتاب الجامع
- جامع سفيان - في كتاب والدي ، فمر أبو حفص على حرف ، ولم يكن
عندي ماذكر ، فراجعته ، فقال الثانية كذلك ، فراجعته الثانية ، فقال
كذلك ، فراجعته الثالثة ، فسكت سويعة ، ثم قال : من هذا؟ فقالوا : هذا
ابن إسماعيل بن إبراهيم . (٢)
وُصف إسماعيل بالتقوى ، والصلاح، والورع، ذكر أحمد بن
حفص قال: "دخلت على إسماعيل والد أبي عبدالله عند موته فقال: لا أعلم
من مالي درهماً من حرام ، ولا درهماً من شبهة" قال ابن حفص :
"فتصاغرت إلى نفسي عند ذلك".(٣)
وأما والدته فلم يذكر لها اسم في الكتب التي ترجمت للبخاري ، وإنما
ذكروا حكاية تدل على صلاحها وعبادتها . روى غنجار في تاريخه
واللالكائي في شرح السنة في باب كرامات الأولياء : أن محمد بن إسماعيل
ذهبت عيناه في صغره، فرأت والدته الخليل إبراهيم في المنام فقال لها : ياهذه
الثقات ٠٩٨/٨
(١)
(٢) تاريخ بغداد ١١/٢ .
(٣) سيرة الإمام البخاري للمباركفوري ص ٤ .

١١
مقدمة
قد ردّ الله على ابنك بصره بكثرة دعائك قال : فأصبح وقد ردَّ الله عليه
بصره .(١)
وللبخاري أخ اسمه أحمد ، له ذکر في حكاية حجه معه ، ومعهما
والدتهما، وكان أحمد أسنّ منه . فأقام الإمام البخاري بعد الحج يطلب
الحديث في مكة ، ورجع أحمد بوالدته إلى بخارى ، فمات بها .
نشأته وطلبه الحديث :
لاشك أن للبيئة التي نشأ فيها الإمام البخاري دور مهم في مسيرة
نشأته . فالمسلمون في زمان الإمام البخاري ، وقبله كانوا قد أقبلوا على
سماع الحديث ، وطلبه، وروايته ، وتنافسوا في تكثير الشيوخ ، والطرق ،
والرواية ، حتى لقد كان يحضر حلقة المحدث الواحد ما يقدر بالآلاف
الكثيرة.
حدثوا عن مجلس سليمان بن حرب - شيخ البخارى - أنه كان
يحضره ما يقدر بأربعين ألفاً(٢). وكان يجتمع عند علي بن عاصم أكثر من
ثلاثين ألفاً(٣). وذكر الذهبي في ترجمة يزيد بن هارون أنه كان يحضر في
مجلسه سبعون ألفاً .
إن مثل هذه المجالس المكتضة بطلبة الحديث ، لابد وأن تكون تركت
البصمات الظاهرة الواضحة في حياة الإمام البخاري ، ونشأته العلمية ، إلى
(١) هدي الساري ص ٢٥٠ .
(٢) تذكرة الحفاظ ٣٩٣/١.
(٣) تذكرة الحفاظ ٣١٧/١، ٣١٨.

١٢
مقدمة
جانب ما كان يتمتع به ذلك الإمام من جمعه لأدوات اكتساب العلم ،
وتحصيله وهما الحفظ والذكاء الخارق.
كل ذلك أهّل تكوين شخصية الإمام البخاري العلمية الفذة النادرة ،
والتي ظهرت واضحة فيما خلّفه من مصنفات .
ذكر محمد بن أبي حاتم قال : قلت لأبي عبدالله : كيف كان بدء
أمرك ؟ قال : ألهمت حفظ الحديث ، وأنا في الكتّاب فقلت : كم كان
سنك ؟ فقال : عشر سنين ، أو أقل ! ثم خرجت من الكتّاب بعد العشر ،
فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره . يقول : فلما طعنت في ستّ عشرة
سنة، كنت قد حفظت كتب ابن المبارك ووكيع ، وعرفت كلام هؤلاء(١)،
ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة ، فلما حججت رجع أخي بها -
يعني أمه - وتخلفت في طلب الحديث ، فلما طعنت في ثمان عشرة جعلت
أصنف قضايا الصحابة ، والتابعين ، وأقاويلهم ، وذلك أيام عبيدالله بن
موسى ، وصنفت كتاب التاريخ - يعني به الكبير إذ ذاك عند قبر الرسول
** في الليالي المقمرة.(٢)
وحيث كانت نشأته في بلده بخارى ، فقد أتى على ماعند شيوخها ،
وسأتعرض لذكرهم عند دراسة شيوخه .
· يعني به أصحاب الرأي (مقدمة الفتح : ٤٧٩) .
(١)
(٢) تاريخ بغداد ٥٧/٢ السير للذهبي ٣٩٣/١٢، مقدمة الفتح : ٤٧٩.

١٣
مقدمة
حفظه وإتقانه، وعجيب ماروى في ذلكـ :-
كان الإمام البخاري في ذلك الآية ، وكانت ذاكرته الفذة خازنة
لكل مايسمعه ، ويرويه . وتقضي العجب عندما تقرأ الحكايات المروية في
ذلك . وقد كان شيوخه ، الأئمة العظام من أمثال أحمد بن حنبل ، وإسحاق
بن راهوية وعلي بن المديني يتواضعون له ، لما لمسوه من فطنته ، وحفظه ،
وعلمه .
عن حاشد بن إسماعيل قال : كان أبو عبدالله محمد بن اسماعيل
يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام ، فلا يكتب ، حتى أتى على ذلك
أيام ، وكنا نقول له : إنك تختلف معنا ، ولاتكتب ، فما معناك فيما
تصنع؟! فقال لنا بعد ستة عشر يوماً: إنكما أكثرتما عليَّ، وألححتما ،
فاعرضا عليَّ ماكتبتما ، فأخرجنا ما كان عندنا ، فزاد على خمسة عشر ألف
حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب ، حتى جعلنا نُحكم كتبنا على حفظه ،
ثم قال: أترون أني أختلف هدراً، وأضيع أيامي؟! فعرفنا أنه لايتقدمه
أحد.(١)
وحكاية أهل بغداد ، وقلبهم مائة حديث ، متونها ، وأسانيدها ،
وامتحانه في ذلك حتى أرجع كل سند إلى حديثه مشهورة . (٢)
وحدث يوسف بن موسى قال : كنت بالبصرة في جامعها ، إذ
سمعت منادياً ينادي : يا أهل العلم ، قد قدم محمد بن إسماعيل البخاري ،
(١) تاريخ بغداد ١٤/٢-١٥.
(٢) تاريخ بغداد ٢١،٢٠/٢.

١٤
مقدمة
فقاموا في طلبه ، وكنت معهم ، فرأينا رجلاً شاباً ، يصلي خلف الاسطوانة،
فلما فرغ من الصلاة أحدقوا به ، وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء ،
فأجابهم ، فلما كان الغد اجتمع قريب من كذا وكذا ألف ، فجلس
للإملاء، وقال : ياأهل البصرة ، أنا شاب ، وقد سألتموني أن أحدثكم ،
وسأحدثكم بأحاديث عن أهل بلدكم تستفيدون الكل قال : فبقي الناس
متعجبين من قوله ، ثم أخذ في الإملاء .(١)
وروى عنه قوله : تفكرت أصحاب أنس ، فحضرني في ساعة ثلاثمائة.(٢)
وقال أحيد بن أبي جعفر - والي بخارى - قال محمد بن إسماعيل
يوماً: رُبَّ حديث سمعته بالبصرة ، كتبته بالشام ، ورب حديث سمعته بالشام
كتبته بمصر. قال : فقلت له : يا أباعبدالله بكماله ؟! قال: فسكت.(٣)
وقال محمد بن أبي حاتم - هو الوراق - سمعت أبا عبدالله يقول :
مانمت البارحة حتى عددت كم أدخلت مصنفاتي من الحديث ، فإذا نحو
مئتي ألف حديث مسندة . وسمعته يقول : ماكتبت حكاية قط ، كنت
أتحفظها وسمعته يقول : صنفت كتاب الاعتصام في ليلة . (٤)
وقال أبوبكر المديني : كنا يوماً بنيسابور عند إسحاق بن راهويه ،
ومحمد بن إسماعيل حاضر في المجلس ، فمر إسحاق بحديث من أحاديث النبي
﴿*، وكان دون صاحب النبي # عطاء الكيخاراني فقال له إسحاق: يا
تاريخ بغداد ١٥/٢-١٦ ٠
(١)
(٢) السير ٤١١/١٢ .
(٣) تاريخ بغداد ١١/٢ ، السير ٤١١/١٢.
(٤) السير ٤١٢/١٢.

١٥
مقدمة
أباعبدالله أيش كيخاران ؟ قال: قرية باليمن كان معاوية بن أبي سفيان بعث
هذا الرجل من أصحاب النبي {## الى اليمن ، فسمع منه عطاء حديثين فقال
له إسحاق : يا أباعبدالله ، كأنك شهدت القوم .! (١)
وقال محمد بن أبي حاتم - هو الوراق - قلت لأبي عبدالله محمد بن
إسماعيل : تحفظ جميع ما أدخلت في المصنف ؟ قال : لا يخفى عليَّ جميع
مافيه. (٢)
هذا غيض من فيض ، وإلا فالمراجع مليئة من أخبار حافظة هذا الإمام
العظيم.
معرفته علل الحديث :-
معرفة علل الأحاديث من أدق العلوم المتعلقة بمصطلح الحديث ، وهي
في الوقت ذاته من أصعب المباحث في علوم الحديث النبوي ، إذ هي تستلزم
الأحاطة بجمع الطرق ، والبراعة الكاملة في معرفة مواليد الرواة ووفياتهم
وسماعهم . ولذلك كان الموصوفون بمعرفة العلل أفذاذ قليلة ، كأحمد بن
حنبل وعلي بن المديني، وأبي حاتم وأبي زرعة ، والدارقطني .
ومنهم الإمام البخاري ، فلقد حاز قصب السبق في هذا المضمار ،
وعندما تتصفح كتب التواريخ التي ألفها كالتاريخ الكبير ، والتاريخ الأوسط
- كتابنا هذا - فسترى مايثبت لك ذلك .
(١) تاريخ بغداد ٨/٢ .
(٢) تاريخ بغداد ٩/٢ .

١٦
مقدمة
حدث الحافظ أحمد بن حمدون قال : رأيت البخاري في جنازة
عثمان بن أبي سعيد بن مروان ، ومحمد بن يحيى الذهلي يسأله عن الأسماء
والعلل، والبخاري يمر فيه مثل السهم، كأنه يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ وقال
أبو حامد الأعمش : قرأ عليه - يعني البخاري - حديثاً : "حجاج بن محمد
عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي
هريرة عن النبي ◌َ ◌ّ قال: كفارة المجلس إذا قام .. " الخ فقال له مسلم - هو
ابن الحجاج صاحب الصحيح - : في الدنيا أحسن من هذا الحديث ؟ ابن
جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح ، تعرف بهذا الإسناد في
الدنيا حديثاً ؟
فقال البخاري : "إلا أنه معلول" .
فقال مسلم : لا إله إلا الله وارتعد ! أخبرني به .
فقال البخاري : أسترُ ماستر الله وهذا حديث جليل رواه الناس عن حجاج
ابن محمد عن ابن جريج. فألح عليه مسلم ، وقبل رأسه ، وكاد أن يبكي
فقال : اكتب إن كان ولابد ، ثم روى هذا الحديث بسنده السالم من العلة
هكذا: "حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا موسى بن عقبة عن
عون بن عبدالله قال: قال رسول الله ﴿: كفارة المجلس .. " .
فلما سمع مسلم هذا الإسناد قال : لا يبغضك إلا حاسد ، وأشهد أنه ليس في
الدنيا مثلك . (١)
(١) مقدمة الفتح ٤٨٨، سيرة الإمام البخاري ص ٢٤-٢٥ .

١٧
مقدمة
شيوخه ورحلته :-
باب الرحلة في طلب الحديث باب عظيم ، يسلكه المحدثون بغية
التحصيل، وجمع الطرق ، والعلو في اسناد الحديث ، وغير ذلك والإمام
البخاري ممن أكثر الترحال في طلب الحديث ، منذ سنّ مبكرة، فقد خرج
سنة ٢١٠ هـ ، وعمره ست عشرة سنة إلى الحج مع أمه وأخيه ، فلما فرغ
من الحج ، رجع أخوه مع أمه، وأما هو فبقي يتنقل في الحجاز بلاد الحرمين ،
يتلقى من شيوخها ، ومن بين أولئك الذين تلقى عنهم الحديث في مكة
عبدالله بن الزبير الحميدي ، وعبدالله بن يزيد ، وإسماعيل بن سالم الصائغ .
وفي المدينة وكان وصلها سنة ٢١٢هـ سمع من إبراهيم بن المنذر ، وعبدالعزيز
بن عبدالله الأويسي . ثم توجه إلى البصرة ، واستفاد هناك من الامام أبي
عاصم النبيل ، وصفوان بن عيسى ، وحرمي بن عمارة وغيرهم . ثم سافر
.إلى الكوفة وهناك التقى بعبيد الله بن موسى ، وأبي نعيم أحمد بن يعقوب ،
وإسماعيل بن أبان ، وغيرهم. ثم إلى بغداد ، وقد كثرت بعد رحلته إلى
الكوفة وبغداد ، ولذلك ذكر الوراق عنه قوله : "ولا أحصي كم دخلت إلى
الکوفة وبغداد مع المحدثين" .
وكان الإمام البخاري قد وصل - أيضاً - في رحلاته إلى الشام ،
وأخذ هناك عن يوسف الفريابي وآدم ابن أبي اياس ، وأبي اليمان الحكم بن
نافع ، وحیوة بن شريح .
ووصل كذلك إلى مصر ، وأخذ عن سعيد بن أبي مريم ، وأحمد بن
صالح، ويحيى بن عبدالله بن بكير ، وأقرانهم وسافر كذلك إلى الجزيرة ،

١٨
مقدمة
واستفاد من أحمد بن عبدالملك الحراني ، وأحمد بن يزيد الحراني، وإسماعيل
ابن عبدالله الرقي وغيرهم.
وأما خراسان ، ونيسابور ، وبلاد المشرق الإسلامي ، فإن رحلاته
إليها تعددت، نظراً لأنها في طريق بلاده بخارى ، ومن تلك المدن التي أكثر
التزداد إليها مرو، وبلخ ، وهراة ، والري ، وسمرقند ، وطاشقند وغيرها(١) .
هذه الرحلات أثرت المادة العلمية التي يحملها الإمام البخاري ، سواء
منها ما كان في كثرة الأسانيد ، أو معرفة الرجال ، أو معرفة علل الحديث .
هذا من جهة .
ومن جهة أخرى فقد وهبته علو السند ، حتى ماكان بينه وبين رسول الله
مُ * غير ثلاث رجال :
- البخاري عن مكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن
الأكوع عن رسول الله حل .
- البخاري عن علي بن عياش عن حَرِيز بن عثمان عن عبدالله بن بُسْر عن
رسول الله ال﴾ .
- البخاري عن خلاد بن يحيى عن عيسى بن طهمان عن أنس بن مالك عن
رسول الله صل﴾ .
- البخاري عن عصام بن خالد عن حَرِيز بن عثمان عن عبدالله بن بُسْر
عن رسول الله لا .(٢)
(١) لخصت خطة الرحلات من كتاب سيرة الإمام البخاري ص ١١-٢١.
(٢) سيرة الإمام البخاري .