Indexed OCR Text

Pages 61-80

- ٦١ -
بمراث وقد ذكر فى تاريخه شيئا كثيرا من شعره مفرقًا فى تراجم
شيوخه وغيرم
٣٧
﴿القاضى أحمد بن صالح بن محمد بن أحمد بن صالح﴾
(المذكور قبله المعروف بابن أبى الرجال)
الصنعانى. ولد يوم السبت خامس شهر محرم سنة ١١٤٠ أربعين ومائة
وألف. ونشأ بصنعاء فقرأ على جماعة من أعيانها، منهم القاضى العلامة
ء
أحمد ابن زيد الهبل، والسيد العلامة محمد بن اسماعيل الأمير ، والسيد
العلامة محسن بن اسماعيل الشامى، والسيد عبد الله بن أحمد بن اسحاق
ان المهدى، والسيد العلامة اسماعيل بن محمد بن اسحاق بن المهدى، والسيد
يوسف العجمى، والسيد العلامة محمد بن زيد بن محمدبن الحسن بن الامام
القاسم . وبرع فى جميع المعارف، وهو شيخ مشايخنا . وله يد طولى فى
النحو والصرف، والمعانى ، والبيان والاصول ، والتفسير، ومشاركة فما
عدا ذلك. وقد عكف عليه جماعة من الأعيان ، وأخذوا عنه فى فنون
متعددة وتخرجوا به وصاروا أعيان عصرم. فمنهم شيخنا العلامة الحسن بن
إسماعيل المغربي رحمه الله، ومنهم شيخنا العلامة القاسم بن يحي الحولانى
ومنهم شيخنا العلامة عبد الله بن الحسن بن على الا بيض، ومنهم شيخنا
العلامة على ابن هادى عرهب ، والسيد العلامة اسماعيل المفتى. وسيأتى
ذكرم انشاء الله تعالى. وقد اتصل المترجم له بالامام المهدى العباس بن
الحسين رحمه الله، ليقرئ أولاده فيما يحتاجون اليه من العلم، ثم ارتفعت
درجته عند الامام. وكان يجالسه ويحادثه، ويأخذ عنه من فوائده. وأركبه
الخيل واختصه، ورفع منزلته حتى كان تارة بمنزلة الوزير ، وأخرى بمنزلة

- ٩٢ -
المشير ومع ذلك فلم ينقطع عن نشر العلم بحسب الطاقة ولم يزل على حاله
الجميل حتى مات سنة ١١٩١ احدى وتسعين ومائة وألف. وله حواش
على شرح الغاية والكشاف. وحواشيه مفيدة جدا ، فى غاية من الدقة
والتحقيق. نقلها عنه شيخنا المغربى المتقدم فى كتبه .
٣٨ ﴿ السيد أحمد بن صلاح بن يحيى الخطيب الكوكيانى ثم الصنعانى ﴾
أخذ العلم عن السيد العلامة اسحق بن ابراهيم بن المهدى. وبه تخرج
وعليه عوّل. وبرع في المعارف وجمع رسائل. منها رسالة فى كون الفرجين
من أعضاء الوضوء سماها (الرياض الندية). وقد أجبت عليه برسالة سميتها
(الصوارم الهندية المسلولة على الرياض الندية). ومنها رسالة أجاب بها
على رسالة السيد العلامة محمد بن اسماعيل الامير جمعها في مسائل ثمان
ومنها رسالة في تحريم المتعة. وحصل معه خفة في الدماغ فكان يتردد
ما بين صنعاء وشبام، ثم تراجع عقله، وتصوف ومال اليه جماعة من الناس،
واخبروا عنه بمكاشفات وأحوال . وابتلى آخر المدة بذهاب بصره ولعل
موته على رأس القرن الثانى عشر أو قبله بقليل (١)
﴿أحمد بن عامر الحداثى ثم الصنعانى﴾.
ء
٣٩
أخذ علم الفقه، والفرائض بصنعاء عن جماعة من علمائها، وتصدر
للتدريس في الفنين بجامع صنعاء. واستفاد علبه جماعة من الأعيان.
وكان فى لسانه ثقل لا كاد يعرف عبارته ويفهمها الا من مارس ذلك.
(١) وتحقيقا ان وفاة السيد العلامة أحمد بن صلاح الخطيب الشبامى ثم الصعنى
فى جمادى الا خرة سنة ١١٩٦ ست وتسعين ومائة وألف الخ. كما فى تاريخ لطف
الله جحاف وفى جامع المتون

- ٦٣ -
وكان زاهداً، متقللا من الدنيا مواظبا على الطاعات، آمراً بالمعروف ؛
ناهياً عن المنكر. يغضب إذا بلغه مايخالف الشرع. وفيه سلامة صدر
ء
زائدة. قرأت علیه فى الا زهار وشرحه مر تین ، وفى الفرائض وشرحها
للناظرى مرات. وكان مواظبا على التدريس. لا يمنعه منه مانع. فانه يقع
المطر العظيم الذى يمنع من خروج من هو فى سن الشباب فلا يكون ذلك
عذرا لدى صاحب الترجمة . لرغبته في الخير وحرصه على افادة الطلبة .
ولقد استمر انصباب المطر فى بعض السنين من قبل الفجر الى قريب
وقت الظهر وكان معنا درس عليه وقت الشروق فماتر كت الذهاب الى
الجامع، العلمى بان مثل ذلك لا يمتعه مع علو سنه . فانتظرت له في المكان
المعد للدرس فلم يأت هو ولا أحد من الطلبة وهم كثيرون فاء اليوم
الثانى وقال لى هل أتيت إلى هنا قلت نعم قال لو علمت أنك أتيت
ما اختلفت. ثم تأسف كثيراً على فوت الدرس وما زال كذلك حتى
(مات) فى شهر رجب أو شعبان سنة ١١٩٧ سبع وتسعين ومائة وألف
ولعله قد جاوز السبعين. ورثيته بأبيات غابت عنى، وذكرت فيها تاريخ
موته وهو (حط بجنات الخلود أحمد) رحمه الله وإياى .
٤٠ (أحمد بن عبد الحليم بن عبدالسلام بن عبد الله بن القاسم بن تيمية﴾
الحرانى الدمشقى الحنبلى تقى الدين أبو العباس شيخ الاسلام امام
الأئمة المجتهد المطلق. ولد سنة ٦٦١ احدى وستين وستمائة، وتحوّل به
أبوه من حرّان سنة ٦٦٧ سبع وستين وستمائة، فسمع من ابن
عبد الدايم، والقاسم الأربلى، والمسلم ابن علان، وابن أبى نمر، والفخر
ومن آخرين ( قال ابن حجر) في الدرر وقرأ بنفسه ونسخ سنن

- ٦٤ -
ء
أبى داود وحصل الأجزاء. ونظر فى الرجال والعلل . وتفقه ، وتمهر ،
وتقدم، وصنف، ودرس ، وأفتى ، وفاق الاقران ، وصار عجباً فى سرعة
الاستحضار وقوة الجنان والتوسع فى المنقول والمعقول والاطلاع على
مذاهب السلف والخلف انتهى. (وأقول) أنا لا أعلم بعد ابن حزم مثله
وما أظنه سمح الزمان ما بين عصر الرجلين بمن شابهما أو يقاربهما.
( قال الذهبي) ما ملخصه، كان يقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من
مسائل الخلاف التى يوردها منه . ولا أشد استحضارا للمتون وعزوها
منه. وكانت السنة نصب عينيه وعلى طرف لسانه بعبارة رشيقة وكان آية
من آيات الله فى التفسير والتوسع فيه . وأما أصول الديانة ومعرفة أقوال
المخالفين فكان لا يشق غباره. فيه هدى ؛ مع ما كان عليه من الكرم
والشجاعة، والفراغ عن ملاذ النفس. ولعل فتاويه فى الفنون تبلغ ثلاثمائة
مجلد، بل أكثر. وكان قوالا بالحق، لا تأخذه بالله لومة لائم. ثم قال
ومن خالطه وعرفه قد ينسبنى إلى التقصير فيه. ومن نابذه وخالفه قد
ينسبنى إلى التغالى فيه. وقد أوذيت من الفريقين من أصحابه وأضداده
وكان أبيض، أسود الرأس واللحية قليل الشيب. شعره إلى شحمة أذنيه،
كأنّ عينيه لسانان ناطقان، ربعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين،
جهورى الصوت، فصيحا سريع القراءة. تعتريه حدة لكن يقهرها
بالحلم (قال) ولم أر مثله فى ابتهاله واستعانته بالله وكثرة توجهه. وأنا
لا أعتقد فيه عصمة بل أنا مخالف له فى مسائل أصلية وفرعية؛ فأنه
كان مع سعة علمه، وفرط شجاعته وسيلان ذهنه وتعظيمه لحرمات
الدين بشراً من البشر، تعتريه حدة في البحث وغضب وصدمة للخصوم،

- ٦٥ -
تزرع له عداوة فى النفوس. ولولا ذلك لكان كلمة اجماع فان كبارم
خاضعون اعلومه، معترفون بانه بحر لاساحل له، وكنز ليس له نظير .
.ولكن ينقمون عليه اخلاقا وافعالا. وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك.
قال وكان محافظا على الصلاة والصوم، معظما للشرائع ظاهراً وباطناً،
لا يؤتى من سوء فهم ؛ فان له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم فانه بحر
زاخر ولا كان متلاعباً بالدين ولا ينفرد بمسائل بالتشهى ولا يطلق لسانه
بما اتفق، بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس ويبرهن ويناظر أسوة
بمن تقدمه من الأئمة. فله أجر على خطأ، وأجران على اصابته. انتهى.
ومع هذا فقد وقع له مع أهل عصره فلاقل وزلازل. وامتحن مرة بعد
أخرى فى حياته. وجرت فتن عديدة، والناس قسمان في شأنه
فبعض منهم مقصر به عن المقدار الذى يستحقه بل برميه بالعظائم. وبعض
آخر يبالغ فى وصفه ويجاوز به الحد ويتعصب له كما يتعصب أهل القسم
الأول عليه . وهذه قاعدة مطردة فى كل عالم يتبحر فى المعارف العلمية
ويفوق أهل عصره ويدين بالكتاب والسنة، فانه لابد أن يستنكره
المقصرون، ويقع له معهم محنة بعد محنة . ثم يكون أمره الأعلى وقوله
الأولى، ويصير له بتلك الزلازل لسان صدق فى الآخرين ويكون لعلمه
حظ لا يكون لغيره وهكذا حال هذا الامام ، فانه بعد موته عرف
الناس مقداره ، واتفقت الآ لسن بالثناء عليه الا من لا يعتد به، وطارت
مصنفاته واشتهرت مقالاته. وأول ما أنكر عليه أهل عصره فى شهر
ربيع الأول سنة ٦٩٨ أنكروا عليه شيأ من مقالاته فقام عليه الفقهاء
وبحثوا معه ومنع من الكلام. ثم طلب ثانى مرة فى سنة ٧٠٥ إلى مصر
(٥- البدر - ل)

- ٦٦ -
فتعصب عليه بعض أركان الدولة . وهو ( بيبرس "جاشنكير) وانتصر
له ركن آخر وهو ( الأمير سلار) ثم آل أمره أن حبس فى خزانة
البنود مدة ثم نقل فى صفر سنة (٩) الى الاسكندرية. ثم أفرج عنه
وأعيد إلى القاهرة ثم أعيد إلى الاسكندرية. ثم حضر السلطان الناصر
من الكرك فأطلقه، ووصل الى دمشق فى آخر سنة (٧١٢) وكان
السبب في هذه المحنة أن مرسوم السلطان ورد على النائب بامتحانه فى
معتقده لمارفع اليه من أمور تنكر فى ذلك، فعقد له مجلس في سابع
رجب فسئل عن عقيدته، فاملى منها . ثم أحضروا العقيدة التى أعرف
بالواسطية فقرأ منها . وبحثوا فى مواضع ثم اجتمعوا فى ثانى عشره وقرروا
الصفى الهندى يبحث معه. ثم أخروه وقدموا الكمال الزملكانى ثم
انفصل الأمر على أنه أشهد على نفسه أنه شافعى المعتقد فأشاع أتباعه
أنه انتصر فغضب خصومة ورفعوا واحدا من أتباع ابن تيمية الى الجلال
القزوينى نائب الحكم بالعادلية فعزّره، وكذا فعل الحنفى باثنين منهم. وفى.
ثانى عشر رجب قرأ المزي فصلا من كتاب أفعال العباد للبخارى فى
الجامع فسمع بعض الشافعية فغضب وقال نحن المقصودون بهذا ورفعوه
الى القاضى الشافعى فأمر بحبسه. فبلغ ابن تيمية فتوجه الى الحبس
فأخرجه بيده ، فبلغ القاضى ، فطلع الى القلعة فوافاه ابن تيمية فتشاجرا
بحضرة النائب. فأمر النائب من ينادى أن من تكلم في العقائد فعل به
كذا وقصد بذلك تسكين الفتنة. ثم عقد له مجلس فى سلخ شهر رجب،
وجری فیه من ابن الزملکانی، وابن الو کیل مباحثة. فقال ان الزملكانى.
لابن الوكيل ماجرى على الشافعية قليل ، حيث تكون أنت رئيسهم،

- ٦٧ : -
فظن القاضى ان صصرى أنه يعرض به فعزل نفسه . ثم وصل بريد من عند
السلطان الى دمشق أن يرسلوا بصورة ما جرى فى سنة (٦٩٨) ثم وصل
ملوك النائب وأخبر أن بيبرس والقاضى المالكى قد قاما فى الانكار على
ابن تيمية، وأن الأمر قد اشتد على الحنابلة حتى صفع بعضهم. ثم توجه
القاضى ابن صصرى ، وابن تيمية صحبة البريد الى القاهرة، ومعهما جماعة
ء
فوصلا فى العشر الأخيرة من رمضان . وعقد مجلس فی ثاني عشرينه بعد
صلاة الجمعة فادعى على ابن تيمية عند المالكى، فقال هذا عدوى ولم يجب
عن الدعوى، فكرر عليه فأصر. فحكم المالكى بحبسه، فأقيم من
المجلس وحبس في برج. ثم بلغ المالكى أن الناس يترددون اليه . فقال
يجب التضييق عليه ان لم يقتل، وإلا فقد ثبت كفره. فنقلوه ليلة عيد
الفطر الى الجب. ولقد أحسن المترجم له رحمه الله بالتصميم على عدم الاجابة
عند ذلك القاضى الجرئ الجاهل الغي، ولو وقعت منه الاجابة لم يبعد الحكم
بإراقة دم هذا الامام الذى سمح الزمان به، وهو بمثله بخيل. ولاسيما هذا
القاضى من المالكية الذى يقال له ابن مخلوف، فانه من شياطينهم المتجرئين
على سفك دماء المسلمين بمجرداً كاذيب وكلمات ليس المراد بها ما يحملونها
عليه، وناهيك بقوله ان هذا الامام قد استحق القتل وثبت لديه كفره
ء
ولا يساوى شعرة من شعراته بل لا يصلح لأن يكون شعا لنعله. ومازال
هذا القاضى الشيطان يتطلب الفرص التى يتوصل بها إلى إراقة دم هذا
الامام فجبه الله عنه، وحال بينه وبينه والحمد لله رب العالمين. ثم بعد هذا
نودى بدمشق أن من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه وماله، خصوصاً
الحنابلة فنودى بذلك ، وقرئ المرسوم. قرأه ابن الشهاب محمود فى

محي الدين
والذي يقول
ة الوجود
ا عرفي
ـي.
- ٦٨ -
الجامع. ثم جمعوا الحنابلة من الصالحية وغيرها وأشهدوا على أنفسهم أنهم
على معتقد الامام الشافعى وكان من أعظم القائمين على المترجم له الشيخ
قصر المنبجى لأنه كان بلغ ابن تيمية، أنه يتعصب لابن العربى، فكتب
اليه كتابا يعاتبه على ذلك فما أعجبه . لكونه بالغ فى الحط على ابن العربى
وكفره. فصار هو يحط على ابن تيميه ويغرى بيبرس الذى يفرط فى محبة
نصر وتعظيمه وقام القاضى المالكي المتقدم ذكره مع الشيخ نصر وبالغ
فى أذية الحنابلة واتفق أن قاضى الحنابلة كان قليل البضاعة فى العلم فبادر
الى اجابتهم فى المعتقد واستكتبوا خطه بذلك. واتفق أن قاضى الحنفية
بدمشق وهو شمس الدين ابن الجزرى انتصر لابن تيمية وكتب فى حقه
محضراً بالثناء عليه بالعلم والفهم وكتب فيه بخطه ثلاثة عشر سطراً، من
جملتها أنه منذ ثلثمائة سنة ما رأى الناس مثله فبلغ ذلك ابن مخلوف فسعى
ء
فى عزل ابن الجزرى فعزل وقرر عوضه شمس الدين الاذرعى ثم لم يلبث
الأذرعى أن عزل فى السنة المقبلة . وتعصب سلار لابن تيميه وأحضر
القضاة الثلاثة الشافعى والمالكى والحنفى وتكلم معهم في اخراجه فاتفقوا
على أنهم يشترطون فيه شروطا. وأن يرجع عن بعض العقيدة فأرسلوا
إليه مرات. فامتنع من الحضور اليهم، واستمر على ذلك ولم يزل ابن تيمية
ء
فى الجب الى أن تشفع فيه مهنا أمير آل فضل فأخرج فى ربيع الأول فى
الثالث والعشرين منه . وأحضر إلى القلعة ووقع البحث مع بعض الفقهاء
فكتب عليه محضر بأنه، قال أنا أشعرى. ثم اجتمع جماعة من الصوفية
عند تاج الدين بن عطاء فطلعوا فى العشر الأوسط من شوال إلى القلعة
وشكوا من ابن تيمية أنه يتكلم في حق مشايخ الطريقة، وأنه قال لا يستغاث

- ٦٩ -
بالنبى صلى الله عليه وآله وسلم، فاقتضى الحال أن أمر بتسييره الى الشام
فتوجه على خيل البريد، وكل ذلك والقاضى زين الدين ابن مخلوف مشتغل
بالمرض. وقد أشرف على الموت فبلغه سير ابن تيمية، فراسل النائب،
فرده من نابلس ، وادعى عليه عند ابن جماعة وشهد عليه شرف الدين
ابن الصابونى . وقيل أن علاء الدين القونوى شهد عليه أيضاً، فاعتقل
بسجن حارة الديلمة فى ثامن عشر شوال، الى ساخ شهر صفر سنة
(٧٠٩) فنقل عنه أن جماعة يترددون اليه وأنه يتكلم عليهم فى نحو
ما تقدم، فأمر بنقله إلى الاسكندرية فنقل اليها فى سلخ صفر. وكان
سفره صحبة أمير مقدم ولم يمكن أحدا من جهته من السفر معه . وحبس
يرج شرق. ثم توجه اليه بعض أصحابه فلم يمنعوا منه، فتوجهت طائفة
منهم بعد طائفة وكان موضعه فسيحا، فصار الناس يدخلون اليه ويقرأون
عليه ويبحثون معه. فلم يزل إلى أن عاد الناصر الى السلطنة، فشفع فيه
عنده فأسر باحضاره فاجتمع به فى ثامن عشر شوال سنة (٧٠٩) فأ كرمه
وجمع القضاة فأصاح بينه وبين القاضى المالكى. فاشترط المالكى أن
لا يعود. فقال له السلطان قد تاب. وسكن القاهرة وتردد الناس اليه إلى
أن توجه صحبة الناصر إلى الشام بنية الغزو سنة (٧١٢) فوصل إلى
دمشق. وكانت غيبته منها أكثر من سبع سنين، وتلقاه جمع كثير
فرحاً بمقدمه. وكانت والدته إذ ذاك حية ثم قاموا عليه فى شهر رمضان
سنة (٧١٩) بسبب قوله ان الطلاق الثلاث من دون تخلل رجعة بمنزلة
طلقة واحدة . ثم عقد له مجلس آخر فى رجب سنة (٧٢٠) ثم حبس
بالقلعة، ثم أخرج فى عاشوراء سنة (٧٢١) ثم قاموا عليه مرة أخرى

- ٧٠ -
٧٢٨
فى شعبان سنة (٧٢٢) بسبب مسالة الزيارة واعتقل بالقامة فلم يزل بها
إلى أن (مات) فى ليلة الاثنين، لمشرين من شهر القعدة سنة (٧٣٨) بجامع
دمشق. وصار يضرب المثل بكثرة من حضر جنازته وأقل ماقيل فى
عدده أنهم خمسون ألفاً ( قال ابن فضل الله ) لما قدم ابن تيمية على البريد
الى القاهرة في سنة (٧٠٠) حض أهل المملكة على الجهاد وأغلظ القول
ء
المسلطان والأمراء. ورتبوا له كل يوم ديناراً وطعامًاً فلم يقبل ذلك! ثم
قال حضر عنده شيخنا أبو حيان فقال ما رأت عيناى مثل هذا الرجل ،
ومدحه بأبيات ذكر أنه نظمها بديهة منها :
داع الى الله فرد ماله وزر
لما أتانا تقى الدين لاح لنا
خير البرية نور دونه القمر
على محياه سيماء الأولى صحيوا
(قال) ثم دار بينهما كلام نجرى ذكر سيبويه فأغاظ ابن تيمية
القول فى سيبويه، فنافره أبو حيان وقطعه وصير ذلك ذنباً لا يغفر .
وسئل عن السبب فقال ناظرته فى شىء من العربية فذكرت له كلام
سيبويه. فقال ما كان سيبويه فىّ النحو ولا كان معصوماً، بل أخطأ في
الكتاب فى ثمانين موضعاً . ما تفهمها أنت . فكان ذلك سبب مقاطعته
إياه وذكره فى تفسيره البحر بكل سوء، وكذلك فى مختصره النهر .
وقد ترجم له جماعة وبالغوا فى الثناء عليه، ورناه كثير من الشعراء،
و (قال جمال الدين السرمدى) في أماليه ومن عجائب زماننا فى الحفظ
ان تيميه كان يمر بالكتاب مرة مطالعة فينقش فى ذهنه وينقله فى
مصنفاته بلفظه ومعناه وحكى بعضهم عنه أنه قال من سألنى مستفيدا
حققت له ومن سألنى متعنتا ناقضته فلا يلبث أن ينقطع فأ كثفى مؤنته.

- ٧١ -
وقد ترجم له الصفدى وسرد أسماء تصانيفه فى ثلاثة أوراق كبار . ومن
أنفعها كتابه في ( ابطال الحيل) فانه نفيس جدا و(كتاب المنهاج فى
الرد على الروافض) في غاية الحسن لولا أنه بالغ في الدفع حتى وقعت له
عبارات وألفاظ فيها بعض التحامل ، وقد نسبه بعضهم الى طلب الملك.
لأنه كان يلهج بذكر (ابن تومرت) ونظرائه، فكان ذلك مولداً لطول
سجنه. وله وقائع مشهورة. وكان إذا حوفق وألزم، يقول لم أرد هذا
وإنما أردت كذا فيذكر احتمالا بعيداً ولعل ذلك - والله أعلم -أنه
ء
يصرح بالحق فتأباه الأذهان وتنبوا عنه الطبائع لقصور الأفهام،
فيحوله إلى احتمال آخر دفعاً للفتنة. وهكذا ينبغي للعالم الكامل ، أن
يفعل ، يقول الحق كما يجب عليه ثم يدفع المفسدة بما يمكنه. وحكى عنه
أنه لما وصل إليه السؤال الذى وضعه السكاكينى على لسان يهودى وهو:
أيا علماء الدين ذمى دينكم تحير داوه بأعظم حجة
ولم يرضهمنىفاوجهحیاتی
ء
إذا ماقضیربی بکفری بز عمكم
الى آخرها. فوقف ان تیمیه على هذه الا بيات فتنی إحدى رجليه
على الأخرى وأجاب فى مجلسه قبل أن يقوم بمائة وتسعة عشر بيتاً أولها
مخاصم رب العرش رب البرية
سؤالك ياهذا سؤال معاند
وقال ابن سيد الناس اليعمرى فى ترجمة ابن تيمية انه برز فی کل فن
على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله؛ ولا رأت عينه مثل نفسه.
٣ وقال الذهبي مترجماله في بعض الاجازات، قرأ القرآن والفقه، وناظر
واستدل وهو دون البلوغ، وبلغ فى العلوم والتفسیر وافتی ودرس ،وهو
دون العشرين وصنف التصانيف وصار من أكابر العلماء فى حياة مشايخه.

- ٢٢ -
وتصانيفه نحو أربعة آلاف كراسة وأكثر. و(قال) وأما نقله الفقه
ومذاهب الصحابة والتابعين، فضلا عن المذاهب الأربعة فليس له فيه
نظير. وقال أنه لا يذكر مسألة إلا ويذكر فيها مذاهب الأئمة وقند
خالف الأئمة الأربعة فى عدة مسائل ، صنف فيها واحتج لها بالكتاب.
والسنة. وقد أثنى عليه جماعة من أكابر علماء عصره ثمن بعدم. ووصفوه
بالتفرد، وأطلقوا فى نعته عبارات ضخمة وهو حقيق بذاك. والظاهر
أنه لو سلم مما عرض له من المحن المستغرقة لا كثر أيامه، المكدرة
لذهنه ، المشوشة لفهمه، لكان له من المؤلفات والاجتهادات مالم يكن
لغيره . قال الصفدى وكان كثيرا ماينشد :
ولم يدر عوادها ما بها
تموت النفوس بأوصابها
أذاها إلى غير أربابها
وما أنصفت مهجة تشتكى
ومما أنشد له على لسان الفقراء:
وإنما فقرنا اضطرار
والله ما فقرنا اختيار
وأكلنا ماله عيار
جماعة كلنا کالی
حقيقة كلها فشار
تسمع منا إذا اجتمعنا
٤١ ﴿أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن ابراهيم
ابن أبى بكر بن ابراهيم الولى بن الزين العراقى﴾
الآتى أوه انشاء الله تعالى. ولد فى سحر يوم الاثنين ثالث ذى الحجة
سنة ٧٩٢ اثنتين وتسعين وسبعمائة بالقاهرة وأحضره والده على جماعة
من الشيوخ ورحل به الى دمشق فأحضره بها على أعيان علمائها. ثم لما
عاد من الرحلة الى مصر اجتهد في استيفاء شيوخ الديار المصرية وأخذ

- ٧٣ -
ء
عمن دبّ ودرج . وكتب الطباق وضبط الاسماء، وتدرب بوالده فى
الحديث وفنونه، وكذا فى غيره من فقه وأصول وعربية ومغان وبيان .
وبرع فى جميع ذلك، وشارك فى غيرها من الفضائل . وأذن له غير
واحدمن شيوخه بالافتاء، والتدریس . واستمر یترقى لمزيد ذ كائه حتى
ساد ، وأبدا وأعاد، وظهرت نجابته ونباهته، واشتهر فضله، وبهر عقله مع
حسن خلقه وخلقه وشرف نفسه، وتواضعه ، وانجماعه وصيانته،
وديانته وأمانته ، وعفته ، وضيق حاله ،و کثرة عياله. ودرس وهو شاب
في حياة أبيه . وقال أبوه في دروسه:
وذاك عند أبيه منتهى أربه
دروس أحمد خیر من دروس ا به
ولما توجه والده لقضاء المدينة وخطابها، قام بجميع وظائفه إلا
مشيخة دار الحديث فانه انتزعها منه شيخه ابن الملقن ، فتحرك معارضته
ثم سكنه بعض مشايخه فسكن . ثم أضيفت اليه جهات أبيه بعد موته
فزادت رئاسته، وانتشرت فى العلوم وجاهته، وأضيف اليه فى بعض
الأوقات قضاء منوف، وناب فى القضاء عن العماد الحركى نحو عشرين
سنة. ثم ترفع عن ذلك وفرغ نفسه للافتاء والتدريس والتصنيف . الى
أن خطبه الطاهر ططر بغير سؤال ، الى قضاء الديار المصرية في منتصف
شوال سنة (٨٢٤) مع وجود السعاة فيه بالبذل . وذلك عقب موت
الجلال البلقيني بأربعة أيام . فسار فيه أحسن سيرة بعفة ونزاهة، وحرمة
وصرامة، وشهامة ومعرفة . وكان يحض أصحابه على الاهتمام باجابة من
يلتمس منهم الشفاعة عنده عملا بالسنة . وقام عليبه جماعته حتى ألزموه
بتفضيل الرفيع من الثياب. وقرروا له أن فى ذلك قوة فى الشرع وتعظيما

- ٧٤ -
للقائم به. والا فلم يكن عزمه التحول عن جنس لباسه من قبل. واستمر
ء
حتى صرف، لتصميمه على الحق، وعدم مداراته لاهل الدولة، فى
أمور لا يحتملونها حتى شق ذلك عليهم فتمالئوا عليه . وكانت مدة ولايته
سنة دون شهرين فتالئت وتكدرت الخواطر الصافية لعزله، وتنغصت
معيشته ولكنه لزم طريقته فى الا كباب على نشر العلم وتصنيفه إلى
أن (مات) قبل استكمال سنة من صرفه مبطونا شهيداً آخر يوم
الخميس سابع عشر من شعبان سنة ٨٢٦ ست وعشرين وثمان مائة
ثم دفن الى جنب والده بتربته (قال ابن حجر) ولما صرف من القضاء حصل
له سوء مزاج من كونه صرف ببعض تلامذته بل ببعض من لا يفهم
عنه كما ينبغى. فكان يقول لو عزلت بغير فلان ما صعب علىّ، وله
مؤلفات منها (البيان والتوضيح لمن أخرج له فى الصحيح وقد
مس بضرب من التجريح) و(المستجاد فى مهمات المتن والاسناد)
و(تحفة التحصيل فى ذكر رواة المراسيل) و(أخبار المدلسين) والذيل
على الكاشف للذهبى. وأضاف اليه رجال مسند أحمد . و(الاطراف
بأوهام الاطراف) للمزى وشرح السنن لأبى داود، كتب قطعة منه
وعمل التعقيبات على الرافعى، كتب منه نحو ستة مجلدات . وشرح جمع
الجوامع شرحا مختصراً. واختصر الكشاف مع تخريج أحاديثه وتمات
ونحوها . وله تذكرة مفيدة فى عدة مجلدات. وأقرأ مصنفاته فى حياته.
وكان يسر بذكره، وله نظم ونتر كثير.

- ٧٥ -
٤٢ ﴿أحمد بن عبد الله بن بدر بن مفرح بن بدر بن عثمان بن كامل بن
ثعلب الشهاب العامرى الغزى ثم الدمشقى الشافعى﴾
ء
ولد فى ربيع الاول سنة ٧٧٠ سبعين وسبعمائة بغزة ونشأ بها،
فحفظ القرآن والتنبيه، ثم فى كبره الحاوى، وأخذ عن قاضيها العلاء على
ابن خلف وسمع عليه الصحيح ثم تحول الى دمشق بعد الثمانين وهو
فاضل فقطها وأخذها عن جماعة من أهلها. ورحل إلى القدس فأخذ عن
التقى القلقشندي وبرع فى الفقه وأصوله وشارك فى غيرهما، مع مذا كرة
حسنة فى الحديث ومتعلقاته وناب فى الحكم عن الشمس الاحنائى، وعين
مرة للقضاء استقلالا فلم يتم ، وولى افتاء دار العدل، والتدريس بعدة
أماكن، وتصدر للاقراء والافتاء، واشتهر برئاسة الفتوى بدمشق، فلم
يبق فى أواخر عمره من يقاربه. وله تصانيف، منها ( شرح الحاوى
الصغير) في أربع مجلدات و(شرح جمع الجوامع) و(شرح مختصر المهمات
للاسنوى) فى خمسة أسفار. وحج من دمشق غير مرة، وجاور بمكة
ثلاث سنين متفرقة وكانت ( وفاته) بها مبطونا فى ظهر يوم الخميس
سادس شوال سنة ٨٢٢ اثنتين وعشرين وثمان مائة وصلی علیه عند باب
الكعبة، ودفن فى المعلاة ( قال ابن حجر) فى أنبائه وبلغنى أن صديقه
النجم المرجانى رآه فى النوم. فقال له ما فعل الله بك فتلى عليه «ياليت
قومی یعلمون )) . الآ ية
﴿ السيد أحمد بن عبد الرحمن بن الحسين بن
٤٣
عز الدين بن الحسن الشامى ﴾
ولد تاسع شهر ذى الحجة سنة ١٠٩٥ خمس وتسعين وألف وكان

- ٧٩ -
من أكابر علماء صنعاء قرأ فى فنون العلم على مشايخها، فبرع فى الا لات
والفقه والحديث. ثم إن المتوكل قاسم بن حسين أرسل له ورغبه فى أن
يجعل بنظره من وصل من القاصدين من تهامه فأسعد وكان يرسل اليه
بما يحتاجون اليه من نقد وكسوة. ثم بعد ذلك ولاه القضاء الاكبر بحضرته
فى صنعاء، فاستمر فى ذلك الى أن توفى المتوكل ، ثم استمر على ذلك فى
أيام ولده المنصور حتى مات. ثم استمر فى ذلك في أيام الامام المهدى .
وقد ارتفعت درجته فى أيام المنصور ارتفاعا زائدا حتى كان مقبول القول
في الجليل والدقيق، وصار أمر القضاء فى جميع جهات اليمن منوطا به ،
ء
وكان يصدع بالحق مع حسن صناعته في الامر بالمعروف والنهى عن
المنكر وله شهرة كبيرة، وصولة عظيمة في مملكة المن ، وكان يضرب.
بعقله ورصانته المثل. وإلى الآن كذلك، وله شغف بالعلم والتدريس. وله
تلامذة منهم القاضى العلامة أحمد بن محمد قاطن الآ تى ذكره إنشاء الله.
ومن حسن أخلاقه وقوة اصطباره واحتماله أنه سمه رجل ظن أنه غير عليه
بعض أموردنياه، فاستمر الاسهال معه مقدارسنة ، ولم يحدث بذلك أحد!
وكافأ الذى سمه بأيصاله إلى مطلبه والقيام فى قضاء غرضه . فلله در هذه
الأخلاق الشريفة. وتوفى رحمه الله يوم الأحد السادس والعشرين من
شهر جمادى الآخرة سنة ١١٧٢ اثنتين وسبعين ومائة وألف (١)
﴿أحمد بن عبد الله الضمدى﴾
٤٤
ولد فى سنة ١١٧٠ سبعين ومائة وألف تقريبا (٢) وقرأ بياده على
(١) وللسيد أحمد بن عبد الرحمن الشامى ترجمة بسيطة فى الجزء الأول من
نفحات العنبر وغيره اهـ (٢) وتحقيقا سنة ١١٧٤

:
- ٧٧ -
من بها من أهل العلم. ثم ارتحل إلى صنعاء فأخذ عن جماعة من أكابر
علمائها كشيخنا السيد الامام عبد القادر بن أحمد، والقاضى العلامة.
أحمد بن محمد قاطن، وشيخنا العلامة قاسم بن يحي الحولانى، وغيرهم
وعاد إلى وطنه وقد برع فى الفقه والحديث والعربية . ثم بعد وصوله
إلى بلده عكف عليه الطلبة من أهلها ورغبوا فيه وأخذوا عنه فنونا
من العلم وعظم شأنه هنالك، وصار المرجع إليه فى التدريس والافتاء في
(ضمد) وغيرها كصبيا، وأبى عريش. ثم ارتحل إلى صنعاء رحلة
أخرى فقرأ علىّ فى شرح الغاية، وسألنى بمسائل عديدة أجبت عليها
بجواب سميته (العقد المنضد فى جيد مسائل علامة ضمد) ثم عاد إلى
بلاده، وهو الآن مستمر على حاله الجميل في نشر العلم والفتوى والزهد
والاشتغال بخاصة النفس. ثم (مات) رحمه الله في سنة ١٢٢٢ إثنتين
وعشرين ومائتين وألف تقريباً (١)
٤٥ ﴿ مولانا الإمام المتوكل على الله أحمد بن الامام المنصور بالله
على بن الامام المهدى العباس﴾
ابن الامام المنصور بن الحسين بن الامام المتوكل القاسم بن حسين
أبن أحمد بن حسن بن القاسم. وسيأتى تمام نسبه فى ترجمة جده الحسن بن
القاسم . مولده حفظه الله حسبما أخبرنى به فى أول شهر محرم سنة ١١٧٠
سبعين ومائة والف. وهو أ كبر أولاد أبيه. ولما صارت الخلافة إلى
(١) (وفى نفح العود يذكر دولة الشريف حمود) أن وفاة هذا القاضى أحمد
ابن عبد الله بن عبد العزيز الضمدى فى ربيع الثانى سنة ١٢٢٢ اثنتين وعشرين
ومائة وألف انتهى.

- ٧٨ -
أبيه جعل اليه بعد مضى نحو نصف سنة إمارة الأجناد ، وولاية صنعاء
وما اليها ، فباشر ذلك بحرمة وافرة ومهابة ونجابة وحسن سياسة ، وبعثه
والده لحرب من يناوئه غير مرة فظفر ، وانتصر. وهو میمون النقيبه،
ما بأشر حربا من الحروب إلا وكان الغلب له . وله في ذلك مواقف
لا يتسع المقام لبسطها ، منها حرب (حده) بينه وبين بكيل ، لما خرج
بهم سيدى على بن أحمد بن محمد بن اسحق بن المهدى. ومنها خروجه يجنده
إلى بني الحارث لما أفسدوا فاستولى على جميعهم. ومنها حرب الروضة لماخرج
أهلها عن الطاعة بسبب تغرير جماعة من السادة الكباسية وآل أبى طالب
عليهم ، وعاضدهم على ذلك سيدى أحمد بن عبد الله بن المهدى ، فاستولى.
عليهم مولانا المتوكل على الله فى أيام والده رحمه الله. وما زال فى خلافة
والده جميعها يسوس أمر الناس وينوب عن أبيه في كثير من الأمور،
ويفاوضه الوزراء فى غالب ماتدعو إليه الحاجة، حتى ولى الوزارة الفقيه
حسن بن حسن عثمان بعد والده فلم يسلك مسلك الوزراء، بل مازال.
يواحش بين الامام المنصور بالله رحمه الله وولده. وتزايد الأمر مع سوء
تدبير الوزير المذكور وضعف رأيه حتى كادت الدولة أن تذهب، وتقاصر
ظلها وهلكت الرعايا وانقطعت الطرق ومات كثير من أهل صنعاء
جوعاً بسبب حصارها، فعند ذلك وقع من مولانا المتوكل على الله
ما سيأتى فى ترجمة والده رحمه الله. وكانت البيعة له فى الليلة التي مات فيها
والده وهى ليلة خامس عشر شهر رمضان سنة ١٢٢٤ أربع وعشرين
ومائتين وألف. وكنت أول من بايعه، وتوليت قبض البيعة له من
أخوته وأعمامه وسائر آل الامام القاسم، وأعيان العلماء والرؤساء وكان

- ٧٩ -
تحرير هذه الترجمة في اليوم الثانى من بيعته. وتولى وزارته الفقيه على
ابن اسماعيل فارع. وشاركه فى بعض الاعمال القاضى حسن بن على عبد
ء
الواسع . ثم (توفى) رحمه الله ليلة الأربعاء لعله سابع عشر شهر شوال
سنة ١٢٣١ احدى وثلاثين ومائتين وألف. وقام بعده ولده عبد الله
ء
وتلقب بالمهدى، وكنت المتولى لا خذ البيعة له بعد مبايعتی له، وستأتى
له ترجمة مستقلة انشاء الله تعالى.
٤٦ (أحمد بن على بن عبد القادر بن محمد بن ابراهيم بن محمد بن تميم
ابن عبد الصمد بن أبى الحسن بن عبد الصمد بن تميم
ء
التقى أبو العباس الحسينى العبيدى البعلى الأصل القاهرى . ويعرف
بأبن المقريزى وهى نسبة لحارة في بعلبك تعرف بحارة المقارزة
(قال السخاوى) کان مولده حسبما كان يخبر به ویکتبه. بعد الستین یعنی
وسبعمائة وقال ابن حجر انه رأى بخطه مايدل على تعيينه في سنة ٦٦ ست
وستين بالقاهرة، ونشأ بها نشأة حسنة ففظ القرآن وسمع من جماعة من
الشيوخ كالا مدى، والبلقينى، والعراقى، والهيثمى. وحج فسمع بمكة
من علمائها وسمع فى الشام من جماعة واشتغل كثيراً ، وطاف على الشيوخ
ولقى الكبار وجالس الأئمة، وتفقه حنفياً على مذهب جده لامه ، ثم
ء
تحول شافعيا (قال السخاوى) ولكن كان مائلا إلى الظاهر وكذا قال ان
حجر انه أحب الحديث فواظب عليه حتى كان يتهم بمذهب ابن حزم.
انتهى . ونظر فى عدة فنون وشارك فى الفضائل ، وقال النظم والنثر ،
وناب فى الحكم وكتب التوقيع، وولى الحسبة بالقاهرة غير مرة،
والخطابة يجامع عمرو، والامامة يجامع الحاكم وقراءة الحديث بالمؤيدة

- ٨٠ -
وحمدت سيرته فى مباشراته كلها . وكان قد اتصل بالظاهر برقوق،
ودخل دمشق مع ولده الناصر وعرض عليه قضائها مراراً فأبى وصحب
( بشيك الدوادار) وقتاً ونالته منه دنيا، وحج غير مرة، وجاور، وكذا
دخل دمشق مراراً وتولى بها تداريس ثم أعرض عن جميع ذلك، وأقام
بياده عاكفاً على الاشتغال بالتاريخ حتى اشتهر به ذكره، وبعد فيه
صيته، وصارت له فيه جملة تصانيف ( كالخطط والا ثار القاهرة ) وهو
من أحسن الكتب وأنفعها وفيه عجائب ومواعظ وكان فيه ينشر محاسن
العبيدية ويفخم شأنهم ويشيد بذكر مناقبهم وكنت قبل أن أعرف
انتسابه اليهم أعجب من ذلك كونه على غير مذهبهم فلما وقفت على نسبه
علمت أنه استروح الى ذكر مناقب سلفه ( قال السخاوى) أن المترجم
له ظفر بمسودة للاوحدى فى خطط القاهرة وآثارها فأخذها وزاد فيها
زوائد غير طائلة ونسبها لنفسه. انتهى. والرجل غير مدفوع عن فضل
لاسيما في التاريخ وما يتعلق به والله أعلم. ومن مؤلفاته ( درر العقود
ء
الفريدة. فى تراجم الأعيان المفيدة) ذكر فيه من عاصره. (وامتاع
الاسماع. بما للرسول من الأبناء والحفدة والمتاع) و(عقد جواهر
الاسفاط. فى ملوك مصر والفسطاط) و(البيان والاعراب عما فى أرض
مصر من الاعراب) و(الالمام فيما بأرض الحبشة من ملوك الاسلام)
و(الطرفة الغريبة فى أخبار وادي حضرموت العجيبة) و(معرفة ما يجب
لأهل البيت النبوى على من عداه) و(ايقاظ الحنفاء، بأخبار الأئمة
ء
الفاطميين الخلفاء) و(السلوك، بمعرفة دول الملوك) و(التاريخ الكبير)
ء
وهو فى ستة عشر مجادا ، وله مؤلفات غير هده . وجد بخطه أن تصانيفه