Indexed OCR Text
Pages 181-200
٦٦٩ الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة وقد بوب البخاري رحمه الله للحديث في صحيحه في كتاب الاعتصام بقوله: (باب الحجة على من قال: إن أحكام النبي قال# كانت ظاهرة، وما كان يغيب بعضهم عن مشاهد النبي ◌ُّ وأمور الإسلام). قال الحافظ ابن حجر : هذه الترجمة معقودة لبيان أن كثيرًا من الأكابر من الصحابة # كان يغيب عن بعض ما يقوله النبي والر أو يفعله من الأعمال التكليفية ، فيستمر على ما كان اطلع عليه هو ؛ إما على المنسوخ ؛ لعدم اطلاعه على ناسخه، وإما على البراءة الأصلية(١). (١) فتح الباري (١٣/ ٣٣٣). ٦٧٠ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان الفصل الخامس : الطاعون: قد وقفت على ما ورد في استدراك الصحابة ﴾ بعضهم على بعض في فصل: (ما ورد في الطاعون) علی حدیثین: ١٣٧ - الحديث الأول: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، أن عمر بن الخطاب ف خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد - أبو عبيدة ﴾ وأصحابه - فأخبروه أن الوباء قدوقع بأرض الشام. قال ابن عباس رضي الله عنهما: فقال عمر ته: ادع لي المهاجرين الأولين، فدعاهم، فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع في الشام ، فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجنا لأمر، ولا نرى أن نرجع عنه . وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ێے ، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء. فقال: ارتفعوا عني . ثم قال : ادعوالي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح ، فدعوتهم ، فلم يختلف منهم عليه رجلان ، فقالوا : نرى أن ترجع بالناس ، ولا تقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر ع في الناس : إني مصبح على ظهر ؛ فأصبحوا عليه. ٦٧١ الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة فقال أبو عبيدة بن الجراح : أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ، نعم ؛ نفر من قدر الله إلى قدر الله ، أرأيت إن کان لك إبل هبطت واديًا له عدوتان، إحداهما خصبة ، والأخرى جدبة ، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ؟ قال : فجاء عبد الرحمن بن عوف ﴾ - و کان متغيبًا في بعض حاجته - فقال: إن عندي في هذا علمًا، سمعت رسول الله وَ ل ويقول: ((إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه». قال: فحمد اللهعمر ، ثم انصرف. أخرجه البخاري(١) - واللفظ له -، ومسلم(٢)، ومالك(٣)، ومن طريقه أبو داود(٤)، والنسائي في الكبرى(٥)، وأحمد(٦)، كلهم من طرق عنه به. وأخرجه مالك، ومن طريقه البخاري، ومسلم، والطحاوي(٧). وأخرجه أحمد(٨)، كلاهما عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، أنعمر څخرج إلى الشام ... الحديث. (١) صحيح البخاري [كتاب الطب (١٠ / رقم ٥٧٢٩، ٥٧٣٠)، كتاب الحيل (١٢ / رقم ٦٩٧٣)]. (٢) صحيح مسلم [ كتاب السلام (٤ / ١٧٤٠ - ١٧٤١)]. (٣) الموطأ (٢/ ٦٨٢ - ٦٨٣). (٤) سنن أبي داود [ كتاب الجنائز (٤٧٨/٣)]. (٥) السنن الكبرى (٦٥/٧-٦٦). (٦) المسند (١٩٢/١، ١٩٤). (٧) شرح معاني الآثار (٤/ ٣٠٤). (٨) المسند (١/ ١٩٣). ٦٧٢ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان وقوله: ((بسرغ)»بفتح أوله، وسكون ثانيه، ثم غين معجمة : أول الحجاز، وآخر الشام من منازل الحاج الشامي(١). وقوله: على ظهر: أي راكب على ظهر الراحلة، راجع إلى وطني(٢). والعدوة: جانب الوادي(٣). ويدل هذا الخبر على أن عمر لم يكن يعلم سنة في هذه الواقعة ، ولذا استشار الصحابة﴾. وكان يرى عدم المضي إلى أرض الطاعون، ولذا حج أبا عبيدة حين احتج بالقدر . فلما جاءعبدالرحمن بن عوف، وبلغھم بما سمع من النبي ێ، ورأى عمر ﴾ أن رأيه كان موافقًا له، حمد الله على هذه الموافقة (٤). وقدروى الطحاوي(٥) هذا الحدیث بسنده عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك ، أن عمر بن الخطاب # أقبل إلى الشام ، فاستقبله أبو طلحة وأبو عبيدة بن الجراح، فقالا: يا أمير المؤمنين ؛ إن معك وجوه أصحابرسول الله ێ( و خيارهم، وإنا تركنا من بعدنا مثل حریق النار، فارجع العام ... الحديث. (١) انظر: مراصد الاطلاع (٢/ ٧٠٧). (٢) شرح صحيح مسلم، للنووي (١٤ / ٢١٠). (٣) السابق نفسه . (٤) السابق نفسه . (٥) شرح معاني الآثار (٣٠٣/٤). ٦٧٣ الباب الرابع عشر : في أبواب متفرقة وليس فيه حديث النبي ◌َّه في النهي عن دخول الأرض التي فيها الطاعون . قال الحافظ ابن حجر في إسنادهذا الحديث عن أنس : صحيح(١). وظاهر هذا الخبر أن أبا عبيدة ۵﴾ أشار على عمر ﴾ بعدم دخول الشام بسبب الطاعون، وحديث ابن عباس # السابق، ظاهره أن أبا عبيدة ﴾ أشار على عمر بترك الرجوع والفرار. وقد جمع بينهما الحافظ ابن حجر فقال : يمكن الجمع ؛ بأن يكون أبو عبيدة ﴾ أشار أولاً بالرجوع ، ثم غلب عليه مقام التوكل ؛ لما رأى الكثير من المهاجرين والأنصاري جنحوا إليه، فرجع عن رأي الرجوع، فناظر عمر عه في ذلك، فلما أقام عليه الحجة تبعه، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف ۶﴾ بالنص، فرجعوا أجمعين إليه(٢). وقد تابع عبدالرحمن بن عوف على رواية هذا الحديث جماعة من الصحابة #،منهم: أسامةبنزيد، وسعدبن أبي وقاص، وخزيمةبن ثابت﴾. أما حديث أسامة ، فأخرجه البخاري(٣)، ومسلم(٤) بنحو حديث عبد الرحمن بن عوف. وحدیث سعد بن أبي وقاص ، وخزيمة بن ثابت رضي الله عنهما عند مسلم(٥) أيضًا. (١) فتح الباري (١٠/ ١٩٧)، بذل الماعون في فضل الطاعون (ص ٢٤١). (٢) بذل الماعون (ص ٢٤٧)، وانظر: فتح الباري (١٠/ ١٩٧). (٣) صحيح البخاري [ كتاب الطب (١٠ / رقم ٥٧٢٨)]. (٤) صحيح مسلم [ كتاب السلام (٤/ ١٧٣٧ - ١٧٣٩)]. (٥) السابق نفسه . ٦٧٤ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان وهناك شواهد أخرى استوفاها الحافظ ابن حجر(١). قال الحافظ ابن حجر: في قصة عمر من الفوائد : مشروعية المناظرة، والاستشارة في النوازل وفي الأحكام، وأن الاختلاف لا يوجب حكمًا ، وأن الاتفاق هو الذي يوجبه، وأن الرجوع عند الاختلاف إلى النص، وأن العالم قد یکون عندهما لا یکون عند غيره ممن هو أعلم منه. وفيه وجوب العمل بخبر الواحد، وهو من أقوى الأدلة على ذلك ؛ لأن ذلك كان باتفاق أهل الحل والعقد من الصحابة #، فقبلوه من عبد الرحمن بن عوف ، ولم يطلبوا معه مقويًا (٢). ويشكل على ما تقدم من رجوع عمر ؛ ما رواه ابن أبي شيبة(٣) بإسناده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : جئت عمر حین قدم الشام، فوجدته قائلاً في خبائه، فانتظرته في الخباء، فسمعته حين تضور من نومه وهو يقول : اللهم اغفر لي رجوعي عن غزوة سرغ - حين رجع من أجل الوباء - . وتضور: أي يتلوى ويتقلب ظهرً البطن(٤). وإسناد ابن أبي شيبة حسن، وصححه الزركشي(٥). وقال الحافظ ابن حجر: جيد، قوي(٦). وقال: حسن(٧). (١) بذل الماعون (ص ٢٥٠ -٢٥٥) (٢) فتح الباري (١٠/ ٢٠٠). (٣) مصنف ابن أبي شيبة (٣٩/٨). (٤) النهاية في غريب الحديث(١٠٥/٣). (٥) بذل الماعون في فضل الطاعون (ص ٢٨٥-٢٨٦). (٦) فتح الباري (١٩٨،١٩٧/١٠). (٧) بذل الماعون (ص ٢٨٥). ٦٧٥ الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة وأما القرطبي فقال: لم يصح عنه شي من ذلك، وكيف يندم على هذا النظر القويم، ويرجع عن هذا المنهج المستقيم، الذي قد تطابق عليه العقل والسمع، واصطحب عليه الرأي والشرع ، هذا ما لا يكون ؛ فالحاكون عنه هم المتقولون(١). ولم يرض الحافظ ابن حجر بما ذكره القرطبي، فقال: الأخبار القوية لا ترد بمثل هذا مع إمكان الجمع، فيحتمل أن يكون كما حكاه البغوي في شرح السنة عن قوم أنهم حملوا النهي على التنزيه ، وأن القدوم عليه جائز لمن غلب عليه التوكل، والانصراف عنه رخصة. ويحتمل - وهو أقوى - أن يكون سبب ندمه أنه خرج لأمر مهم من أمور المسلمین ، فلما وصل إلى قرب البلد المقصود رجع ، مع أنه کان یمکنه أن یقیم بالقرب من البلد المقصود إلى أن يرتفع الطاعون فيدخل إليها ، ويقضي حاجة المسلمين. ويؤيد ذلك أن الطاعون ارتفع عنها عن قرب ، فلعله كان بلغه ذلك فندم علی رجوعه إلى المدينة، لا على مطلق رجوعه، فرأى أنه لو انتظر لكان أولى؛ لما في رجوعه على العسكر الذي كان بصحبته من المشقة. والخبر لم يرد بالأمر بالرجوع، وإنما ورد بالنهي عن القدوم(٢). والله أعلم. ویظهر لي أنه ليس فيما قاله عمر ۵﴾مايدل على ندمه على الرجوع، کیف لا وقد سمع سنة النبي ◌َّ في ذلك ، وسؤال المغفرة لشدة خوفه من الله تعالى (١) المفهم، للقرطبي (٦١٨/٥). (٢) فتح الباري (١٩٨/١٠). ٦٧٦ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان وخشيته، وإن كان في أمر له فيه سعة ، وهذا حال الخائفين الوجلين ، الذين قال الله فيهم: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَحِلَةُ أَنَّهُمْإَِ رَبِهِمْ رَجِعُونَ﴾(١). ويمكن أن يقال - والله أعلم - إن عمر # أحب لو أخذ بالتوكل ، فإذا قوي التوكل على الله ، والإيمان بقضائه وقدره ، وقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادًا على الله، ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر، ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك، لا سيما إذا كانت فيه مصلحة عامة أو خاصة(٢). وأما حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عند أبي داود(٣)، والترمذي(٤)، وابن ماجه(٥)، أن رسول الله وَ لل أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة، وقال:«کل ثقة بالله وتو کلاً علیه)). ففي إسناده مفضل بن فضالة بن أبي أمية البصري ، قال فيه ابن معين : ضعيف(٦). وقال ابن المديني : في حديثه نكارة (٧). وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه ضعيف (٨). فعلی هذا فإسنادهذا الحديث ضعيف. (١) سورة المؤمنون، آية (٦٠). (٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٧٤). (٣) سنن أبي داود [ كتاب الطب (٢٣٩/٤)]. (٤) جامع الترمذي [ كتاب الأطعمة (٤/ ٢٦٦)]. (٥) سنن ابن ماجه [كتاب الطب (١١٧٢/٢)]. (٦) الجرح والتعديل (٣٣٩/٨). (٧) تهذيب الكمال (٤١٤/٢٨). (٨) تقريب التهذيب ، رقم الترجمة (٦٨٥٧). ٦٧٧ الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة وقدرجح الترمذي أنه موقوف على ابن عمر رضي الله عنهما . وقد صح عن الزبير ﴾ أنه خرج غازيًا نحو مصر ، فكتب إليه أمراء مصر أن الأرض قد وقع بها الطاعون ، فلا تدخلها ، فقال الزبير ﴾ : إنما خرجت للطعن والطاعون، فدخلها، فلقي طعنًا في جبهته فأفرق(١). قال الحافظ ابن حجر: سنده صحيح على شرط البخاري (٢). وأفرق: أي أفاق من مرضه، وبرأ من الطاعون(٣). ١٣٨ - الحديث الثاني : عن شرحبيل بن شفعة (٤)، أن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال لما وقع الطاعون بالشام: «تفرقوا عنه،فإنهرجز)». فبلغ ذلك شرحبيل بن حسنة ، فقال: قد صحبت رسول الله وَليل ، فسمعته يقول : «إنها رحمة ربكم ، ودعوة نبيكم ، وموت الصالحين قبلكم ، فاجتمعواله، ولا تفرقوا عليه». فقال عمرو : صدق. في إسناده شیخ الطحاوي ابن أبي داود ؛ متكلم فيه . رواه الطحاوي(٥) بإسناده عن أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة، عن يزيدبن ◌ُمیر، عنه به. (١) أخرجه ابن خزيمة، ساق إسناده الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة (٥٤٩/٤- ٥٥٠). (٢) بذل الماعون (ص ٢٨٧ -٢٨٨). (٣) النهاية في غريب الحديث (٣/ ٤٤٠). (٤) وقع في المطبوع من شرح معاني الآثار (حسنة)، وهو خطأ. (٥) شرح معاني الآثار (٣٠٦/٤). ٦٧٨ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان ورواه أحمد(١) عن محمد بن جعفر وعفان، وابن خزيمة(٢) بإسناده عن أبي داود الطيالسي وابن أبي عدي وعبد الصمد بن عبد الوارث ، وابن حبان(٣) بإسناده عن محمد بن كثير العبدي، والطبراني(٤) بإسناده عن حجاج بن منهال وسليمان بن حرب، كلهم من طرق عن شعبة به موقوفًا . ورواه أحمد(٥)، والحاكم(٦) من وجهين آخرين بنحوه موقوفًا أيضًا. والذي يترجح لي من هذه أن الحديث بمجموع طرقه صحيح موقوفًا ؛ لكونه رواية الأكثر . وقد وقع نحو هذه القصة لعمرو بن العاص ۵﴾مع معاذبن جبل غُ. فقدرواه أحمد(٧) بإسناده عن أبي قلابة به . قال الحافظ ابن حجر : رجاله ثقات ، إلا أنه منقطع بين أبي قلابة ومعاذ ﴾(٨)، ولكنه قد جاء من طرق أخرى تقويه، فيكون حسنًا(٩). ورواه أحمد(١٠)، والطبري(١١) أيضًا بإسنادهما عن شهر بن حوشب، (١) المسند (١٩٦/٤). (٢) ساق إسناده الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة (١٨٤/٦)، وبذل الماعون (ص ٢٥٨). (٣) الإحسان في ترتیب صحيح ابن حبان (٢١٥/٧-٢١٦). (٤) المعجم الكبير (٧/ ٣٠٥). (٥) المسند (١٩٥/٤). (٦) مستدرك الحاكم (٢٧٦/٣). (٧) المسند (٢٤٨/٥). (٨) بذل الماعون (ص ٢٦٢). (٩) انظر : السابق نفسه . (١٠) المسند (١/ ١٩٦). (١١) تاريخ الطبري (٦١/٤- ٦٢). ٦٧٩ الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة عن رابِه - زوج أمه - به، وذکر أن الذي رد على عمرو بن العاص هو أبو واثلة الهذلي ﴾. وفي إسناده شهر بن حوشب ، متكلم فيه(١)، وقد جعله الحافظ ابن حجر في مرتبة : صدوق کثیر الإرسال والأوهام(٢) . وشیخه مجهول. فمما تقدم ؛ يترجح أن الذي رد على عمرو بن العاص ﴾ هما معاذ وشرحبیل بن حسنة﴾. ويحمل هذا على تعدد الواقعة(٣). ويشهد لهذا ما رواه البيهقي في دلائل النبوة(٤) بإسناده، وفيه: أن معاذًا ﴾ سمع ما كان بين شرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص ، فقال : إن هذا الطاعون رحمة ربکم، ودعوةنبیکم. ولكن في إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف كما تقدم(٥). وقد توفي معاذبن جبل، وشرحبیل بن حسنة في هذا الطاعون سنة ثمان عشرة(٦). (١) انظر: تهذيب التهذيب (٤/ ٣٧٠ -٣٧٢)، ويترجح لي من أقوال الأئمة فيه أنه ضعيف يعتبر به . والله أعلم. (٢) تقريب التهذيب، رقم الترجمة (٢٨٣٠). (٣) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة (٢١٥/٤). (٤) دلائل النبوة (٣٨٥/٦). (٥) تقدم(ص ١٢٨). (٦) انظر: تاريخ مولد العلماء ووفياتهم (١٠٣/١)، الإصابة في تمييز الصحابة (١٤٣/٢)، (٤٢٧/٣). ٦٨٠ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان وإنكار معاذ وشرحبيل بن حسنة على عمرو بن العاص #، لما ذكر أن الطاعون رجز ، يعارضه في الظاهر ما حدث به أسامة بن زيد سعد بن أبي وقاص ﴿، أن رسول الله وسلم قال: ((الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم ، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه». أخرجه البخاري(١)، ومسلم(٢)، ومالك(٣) - واللفظ له -. ويجاب عن هذا بأنه رجز على من مضى دون هذه الأمة(٤). والله أعلم. (١) صحيح البخاري، مع الفتح [ كتاب الحيل (١٢ / رقم ٦٩٧٤)]. (٢) صحيح مسلم [كتاب السلام (٤/ ١٧٣٨ - ١٧٣٩)]. (٣) الموطأ (٦٨٣/٢). (٤) انظر : بذل الماعون (ص ٧٣). ٦٨١ الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة الفصل السادس : الدعاء عندهبوب الرياح : ١٣٩ - عن أبي هريرةقال: أخذت الناس ريح بطريق مكة، وعمر بن الخطاب حاج، فاشتدت عليهم، فقال عمر ﴾ لمن حوله: من يحدثنا عن الريح؟ فلم یرجعوا إلیه شيئًا، قال : فبلغني الذي سأل عنه عمر ﴾ من ذلك، فاستحثثتراحلتي حتى أدركته،فقلت : يا أمير المؤمنين؛إنكسألتعن الریح، وإني سمعت رسول الله قال# يقول: «الريح من روح الله ، تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأیتموها فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوابه من شرها». أخرجه عبد الرزاق(١) - واللفظ له -، ومن طريقه أبو داود(٢)، وأحمد(٣)، والطبراني في الدعاء(٤). وأخرجه البخاري في الأدب المفرد(٥)، والنسائي في الكبرى(٦)، وابن ماجه(٧)، (١) المصنف (٨٩/١١). (٢) سنن أبي داود [ كتاب الأدب (٣٢٩/٥)]. (٣) المسند (٢٦٨/٢). (٤) الدعاء (٢/ ١٢٥٥). (٥) الأدب المفرد، المطبوع مع شرحه فضل الله الصمد (٢/ ١٨٣، ٣٥٣). (٦) السنن الكبرى (٣٤٠/٩-٣٤١). (٧) سنن ابن ماجه [ كتاب الأدب (١٢٢٨/٢)]. ٦٨٢ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان وأحمد(١)، وابن حبان(٢)، والحاكم(٣)، كلهم من طرق عن الزهري، عن ثابت بن قیس ، عنه به . وفي لفظ لأحمد: أن عمر ﴾ قال لمن حوله: ما الريح ؟ فلم يرجعوا إليه شيئًا ... الحديث. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الحافظ ابن حجر : حديث حسن صحيح(*). وقوله : الريح من روح الله : « روح))، بفتح الراء بمعنی الرحمة ، کما في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْتَسُواْ مِن زَّوْعِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأيْشَسُ مِن رَّوْجِ اللَّهِ إلَّا الْقَوْمُ اُلْكَفِرُونَ﴾(٥)، أي: يرسلها الله تعالى من رحمته بعباده(٦). (١) المسند (٢ / ٥١٨،٤٠٩،٢٥٠). (٢) الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (٢٨٧/٣). (٣) المستدرك (٢٨٥/٤). (٤) الفتوحات الربانية (٤/ ٢٧٢). (٥) سورة يوسف، آية (٨٧). (٦) عون المعبود (٣/١٤). ٦٨٣ الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة الفصل السابع : حکم اقتناء الكلبللحرث : ١٤٠ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((من اتخذ كلبًا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع، انتقص من أجره كل يوم قيراط)». قال الزهري : فذكر لابن عمر رضي الله عنهما قول أبي هريرة ، فقال : پرحم الله أبا هريرة، کان صاحب زرع. رواه البخاري(١) - ولم يذكر قول الزهري -، ومسلم(٢) - واللفظ له -، وأبو داود(٣)، والترمذي(٤)، والنسائي(٥)، وابن ماجه(٦)، وأحمد(٧)، كلهم من طرق عنه به . والقيراط: تقدم التعريف به(٨). وقول الزهري هنا - وإن كان مرسلاً - إلا أن عمرو بن دينار وسالمًا حدثا بذلك أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما. (١) صحيح البخاري ، مع الفتح [كتاب الحرث والمزارعة (٥/ رقم ٢٣٢٢)، كتاب بدء الخلق (٦/ رقم ٣٣٢٤)]. (٢) صحيح مسلم [ كتاب المساقاة (٣/ ١٢٠٣)]. (٣) سنن أبي داود [ كتاب الصيد (٢٦٦/٣)]. (٤) جامع الترمذي [ كتاب الأحكام (٤/ ٦٨)]. (٥) سنن النسائي [كتاب الصيد (١٨٩/٧)]. (٦) سنن ابن ماجه [كتاب الصيد (١٠٦٩)]. (٧) المسند (٢/ ٢٦٧، ٣٤٥، ٤٥٢، ٤٧٣). (٨) تقدم التعريف (ص ٢٦٦). ٦٨٤ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي. أما قول ابن عمر رضي الله عنهما في زيادة أبي هريرة ﴾ في الحديث : ((أو زرع)) قال الخطابي: «تأوله بعض من لم يوفق للصواب على غير وجهه، وذهب إلى أنه قصد بهذا القول إنكاره، والتهمة له من أجل حاجته إلى الكلب لحراسة زرعه، وليس الأمر كما قال؛ وإنما أراد ابن عمر رضي الله عنهما تصديق أبي هريرةۋەوتوکید قوله، و جعل حاجته إلىذلك شاهدًالهعلى علمه ومعرفته به؛ لأن من صدقت حاجته إلى شيء کثرت مسألته عنه ، ودام طلبه له حتی یدر کهو یحکمە»(١). انتھی. ولم ينفرد أبو هريرة # بذكر الزرع في هذا الحديث ، بل تابعه سفيان بن أبي زهیر ، وعبد الله بن مغفل رضي الله عنهما . أما حدیث سفيان بن أبي زهير ﴾، فرواه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه(٢). وحدیث عبد الله بن مغفل ﴾، رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه(٣). (١) معالم السنن المطبوع مع سنن أبي داود (٢٦٦/٣)، وانظر: فتح الباري (٩/٥). (٢) انظر في مواضع الحديث عندهم ما تقدمت الإشارة إليه في الحواشي السابقة لكل منهم. (٣) السابق نفسه . ٦٨٥ الباب الرابع عشر : في أبواب متفرقة الفصل الثامن : المشي في نعل واحدة: ١٤١ - عن القاسم بن محمد ، أن عائشة رضي الله عنها كانت تمشي في خف واحد، وتقول: لأخيفن أبا هريرة. رواه الترمذي(١)، وابن أبي شيبة(٢) - واللفظ له - ، كلاهما من طريق عبدالرحمن بن القاسم عنه به . وإسناده صحيح موقوف. وقد صححه الحافظ ابن حجر(٣). ورواه الترمذي بإسناده عن ليث، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ربما مشى النبي وَ ل﴾ في نعل واحدة. وليث؛ سبق أنه ضعيف الحديث(٤)، وقد خولف في هذا الحديث. قال الترمذي: رواه سفيان الثوري وغير واحد عن عبد الرحمن بن القاسم موقوفًا، وهذا أصح. فعلى هذا ؛ فالمحفوظ في هذا الحديث أن عائشة رضي الله عنها هي التي كانت تمشي في نعل واحدة، وليس النبي ◌َّر. وقولهارضي الله عنها: ((لأخيفن)»، قال الحافظ: معناه لأفعلن فعلاً يخالفه. (١) جامع الترمذي [ كتاب اللباس (٤/ ٢٤٤)]. (٢) مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٤٢). (٣) فتح الباري (١٠/ ٣٢٢). (٤) تقدم الكلام فيه (ص ٢٥٩). ٦٨٦ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان وقد ضبطت هكذا: (( لأُخَالفنّ ))، وهو أوضح في المراد . وروي : ((لأحنثن)) من الحنث. واستبعد، لكن يمكن أن يكون بلغها أن أبا هريرة ﴾. حلف على كراهية ذلك، فأرادت المبالغة في مخالفته(١). وإنما خصت أبا هريرة ﴾ لأنه روى عن النبي يثير أنه قال: (( لا يمشي أحدكم في نعل واحدة، ليحفهما معًا، أو لينعلهما جميعًا». أخرجه البخاري(٢)، ومسلم(٣)، وأبو داود(٤). ومعنى: ((ليحفهما)) أي ليمشي حافي الرجلين(٥). وكأنها رضي الله عنها لم يثبت لديها الخبر، وظنت أن أبا هريرة ﴾ أخطأ فيه. والله أعلم. قال ابن عبد البر: لم يلتفت أهل العلم إلى معارضة عائشة رضي الله عنها؛ لأن السنن لا تعارض بالرأي(٦). وقال أيضًا: ليس في إنكار من أنكر حجة على من علم(٧). ولا يعني ابن عبد البر أن عائشة رضي الله عنها خالفت السنة بالرأي، وإنما - كما تقدم - لم يثبت لديها الخبر ، ففرق بين رد الحديث لعدم ثبوته عند متلقيه، وردهمخالفة رأيه له. (١) فتح الباري (١٠/ ٣٢٣). (٢) صحيح البخاري، مع الفتح [ كتاب اللباس (١٠ / رقم ٥٨٥٥)]. (٣) صحيح مسلم [ كتاب اللباس والزينة (١٦٦٠/٣)]. (٤) سنن أبي داود [ كتاب اللباس (٣٧٦/٤ -٣٧٧)]. (٥) النهاية في غريب الحديث (٤١٠/١). (٦) الاستذكار (١٩٥/٢٦). (٧) التمهيد (١٢ /١٦٦). ٦٨٧ الباب الرابع عشر: في أبواب متفرقة ويظهر أن أبا هريرة﴾كان قد علم بما تقوله عائشة رضي الله عنها أو غيرها فيإنکار حدیثههذا. فقد روى مسلم(١) بإسناده عن أبي رزين قال : خرج إلينا أبو هريرة ﴾، فضرب بيده على جبهته، فقال: ألا إنكم تحدثون أني أكذب على رسول الله وَليه لتهتدوا وأضل، ألا وإني أشهد لسمعت رسول الله ولو يقول: ((إذا انقطع شِسْع أحدكم فلا یمشي فيالأخرى حتى يصلحها». والشسع : أحد سيور النعل ، وهو الذي يدخل بین الأصبعین ، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام(٢). ومما يزيل شبهة الخطأ عن أبي هريرة # أنه لم ينفرد بهذا الحديث ، بل تابعه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما . أخرجه مسلم(٣)، ولفظه عنه څ﴾ قال: قال رسول الله ﴾: «إذا انقطع شسع أحدكم فلا یمشي في نعل واحدة حتى يصلح شسعه، ولا يمشي فيخف واحد، ولا يأكل بشماله، ولا يحتبي بالثوب الواحد، ولا يلتحف الصماء)». وقد اختلفت أقوال العلماء في الحكمة من النهي عن المشي في نعل واحدة على أقوال، أشهرها : ١ - أن في ذلك خروجًا عن سجية مشيه، ولا يأمن مع ذلك من العثار. ٢ - ربما ینسب فاعل ذلك إلى اختلال الرأي أو ضعفه. (١) صحيح مسلم [ كتاب اللباس (١٦٦٠/٣)]. (٢) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٧٢). (٣) صحيح مسلم [كتاب اللباس (٣/ ١٦٦١)]. ٦٨٨ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان ٣ - وقيل: العلة أنها مشية الشيطان، وهذا لا دليل عليه. ٤ - لأنها خارجة عن الاعتدال. ٥ - لأن في ذلك شهرة. ٦ - وقيل: لأنه لم يعدل بين جوارحه(١). والله أعلم بمراده. (١) فتح الباري (٣٢٢/١٠).