Indexed OCR Text
Pages 1-20
ثَلاثَةُ مَاِسْ
مِنْ أَمَّالِى
الحَافِظ الإمَام الكبير أبى بكر أحمد بن مُوسى
ابْنُ عَزْدَوَيْ
[٣٢٣ - ٤١٠ هـ]
درَاسَة وَحَقِيقَ
الدكتور محمد ضياء الرحمن الأَخْطَى
الأسْتَاذ المشَارِك بالجامِعَة الإسْلامِيَّة
بالمَدِينَةِ المُنَوَّرَة
دار علوم الحديث
ST
الأمَالِىُ الحَدِيثِيَة
[١]
ثَلاثَّةٌ مَالِس
مِنْ أَمَالِى
الحَافِظ الإمَام الكبير أبى ◌َجْرِ أحمد بنَّ مُوسى
ابْنُ مَرْدَوَيْ
[٣٢٣ - ٤١٠ هـ ]
دَرَاسَة وَحَقِيقَ
الدكتور محمد ضياء الرحمن الأَخْظى
الأستَاذ المشَارِك بالجامِعَة الإسْلامِيَّة
بالمحَدِينَةِ المِنَّوَّرَة
دار علوم الحديث
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م
دار علوم الحديث
الإمارات العربية المتحدة
دبا - الفجيرة ت : ٤٢٤٢٤
نِـ
بِاللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحِيمِ
أول دراسة مستفيضة عن الحافظ أبي بكر ابن مردويه
رحمه الله تعالى
المقدمة
■ السنة في اللغة :
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه
أجمعين .
أما بعد :
فقد استعملت كلمةُ السنة في اللغة العربية بعدة معانٍ:
منها: السيرة؛ حسنة كانت أم سيئة .
قال خالد بن زهير الهذلي : .
فَلاَ تَجْزَعَنْ عَنْ سُنَّةٍ أَنْتَ سِرْتَها
فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيْرُها
وفي رواية: فلا تُجزعن عن سيرة أنت سرتها ...
ومنها: الطريقة، يقال: فلان من أهل السنة، أي: من الذين يتبعون
الطريقة التي سنَّها رسول اللّهِ وَال .
وقال نصيب بن رباح (شاعر أموي):
كأنّي سَنَنْتُ الحُبَّ أَوَّلُ عَاشِقٍ
مِنَ النَّاسِ إِذ أُحْبَبْتُ مِنْ بَيْنِهِم وَحْدِي
ومنها: الوجه، أي الشيء البارز.
يقول ذو الرمة :
تُرِيْكَ سُنَّةَ وَجِْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ
مُلْسَاءَ لَيْسَ بِها خالٌ ولا نَدِبُ
ويكون المقصود بهذا: ظهورها وتفردها بما يجعلها ممتازة عن العادات
الجاهلية القديمة منها والحديثة، فسنة رسول الله ول# ظاهرة وواضحة لا
يختلط بها شيء.
وهذه المعاني كلها موجودة في السنة النبوية الشريفة، فإنها الطريقة
التي وضعها الشارع للمسلمين للسير عليها ..
وقد استعمل القرآن الكريم كلمة السنة بهذه المعاني وغيرها:
كقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ
تَبْدِيلاً﴾ [سورة الفتح: ٢٣].
وكقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللّهِ فِي الَّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ قَدَراً
مَقْدُوراً﴾ [سورة الأحزاب: ٣٨]، أي: عادته وطريقته .
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال
رسول اللّهِ وَ﴾: ((لتتبعُنَّ سنن الذين من قبلكم شبراً بشبرٍ، وذراعاً بذراعٍ ،
حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم)). قلنا: يا رسول الله: اليهود
والنصارى؟ قال: ((فمن؟))(١).
وفيه أيضاً عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله وبحثية: ((مَن سن في
الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص
من أجورهم شيء، ومن سن في الإِسلام سنة سيئة فعمل بها بعده، كتب عليه
مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء))(٢).
وفي ((صحيح البخاري)): قال رسول الله يخ:" ((فكان خبيب هو الذي
سنَّ الركعتين لكل امرئ مسلم)»(٣).
وفي ((موطأ الإمام مالك)): قال رسول اللّه عليه في أمر المجوس: ((سنوا
بهم سنة أهل الكتاب))(٤).
وفي ((صحيح البخاري)): قال رسول اللّه بحمل﴾: ((أبغض الناس مُبْتَغٍ في
الإِسلام سنة الجاهلية))(٥).
وأنت تلاحظ أيها القارىء الكريم أن كلمة السنة في هذه الأحاديث
استُعمِلت بمعنى الطريقة التي ابتدعها الناس للسير عليها، فكذلك السنة في
الإِسلام، وهي الطريقة التي وضعها رسول الله صل# للمسلمين، وسار عليها
الصحابة والتابعون من بعدهم.
(١) ((صحيح مسلم))، كتاب العلم، باب: اتباع سنن اليهود والنصارى.
(٢) ((صحيح مسلم))، كتاب العلم، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة . .
(٣) ((صحيح البخاري))، الجهاد (١٧)، والمغازي (١٠، ٢٨).
(٤). ((موطأ مالك))، الزكاة (٤٣).
.(٥) ((صحيح البخاري)»، الديات (٩).
٠
٧
■ وأما السنة اصطلاحاً:
فيختلف مفهومها باختلاف الأغراض والمقاصد، فالسنة بالنسبة إلى
القرآن على ثلاثة أقسام :
الأول: أن تكون مؤيدة وموافقة لأحكام القرآن من حيث الإِجمال،
كالأحاديث التي تفيد بوجوب الصلاة، وأداء الزكاة، وفرض الحج والصوم من
غير تعرض لتفاصيل أركانها وأحكامها .
فقول النبي بحالة: ((بُنِيَ الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله
وأنَّ محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج
البيت من استطاع إليه سبيلا)»:
فهذا الحديث الشريف موافقٌ لقول الله عز وجل: ﴿وأُقِيمُوا الصَّلاةَ
وآتُوا الزَّكاةَ﴾ .
ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّها الذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَمَا كُتِبَ على
الذينَ مِنْ قَبْلِكُم﴾
ولقوله سبحانه وتعالى: ﴿وللهِ على النَّاسِ حِجُ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِليهِ.
سَبِيلاً﴾.
وقوله { ل: ((لا يَحِلَّ مال امرىء مسلم إلا بطيب نفسه)»، موافق لقول
- اللّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بِينَكُم بالباطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ
تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ ..
والثاني: ما كان مُبيِّناً لأحكام القرآن: من تقييد مطلق، أو تفصيل
مجمل، أو تخصيص عام، كالأحاديث التي فصلت أحكام الصلاة، والزكاة،
والصيام، والحج، والبيوع، والنكاح، وغير ذلك.
٨
هذا هو الجانب الأكبر لسنة النبي ◌ُ#، لأن الله بعثه مبينا للقران،
ومشرعاً للأحكام.
٠
والقسم الثالث: ما دل على حكم سكت عليه القرآن، فلم يوجبه، ولم
ينفه، كالأحاديث التي أثبتت حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها،
وأحكام الشفعة، وتحريم أكل الحمر الأهلية، وتوريث الجدة، وغير ذلك.
والسنة عند المحدثين: ما أثِرَ عن النبي مَّة من قول أو فعل أو تقرير أو
وصف من أوصاف رسول الله ( ، سواء أكانت خَلْقية أو خُلُقية، قبل البعثة
أم بعدها .
مثل قول علي بن أبي طالب الذي أخرجه الترمذي وغيره: ((لم يكن
النبي # بالطويل ولا بالقصير، شئن الكفين والقدمين، ضخم الرأس،
ضخم الكراديس، طويل المسربة، إذا مشى تكفُّؤاً تكفياً كأنما ينحطُ من
صبب، لم أر قبله ولا بعده مثله (چ)).
قال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح))(٦).
قوله: ((شَئْن الكفين والقدمين)»: بفتح المعجمة، وسكون المثلثة، قال
ابن الأثير في ((النهاية)): ((أي: أنهما يميلان إلى الغلظ والقصر، وقيل: هو
الذي في أنامله غلظ بلا قصر، ويُحمَد ذلك في الرجال، لأنه أشد لقبضهم،
ويذم في النساء)).
وقوله: ((ضخم الرأس)): أي: عظيمه .
وقوله: ((ضخم الكراديس)): هي رؤوس العظام، واحدها كردوس،
(٦) ((تحفة الأحوذي)) (١٠ / ١١٦)، وأخرجه أيضاً الحاكم (٢ / ٦٠٦)، وصححه، .
ووافقه الذهبي .
٩
وقيل: هي ملتقى كل عظمين ضخمين كالركبتين والمرفقين والمنكبين، أراد
أنه ضخم الأعضاء.
وقوله: ((طويل المَشْرُبة)): بفتح الميم، وسكون السين، وضم الراء:
الشعر المستدق الذي يأخذ من الصدر إلى السرة.
وقوله: ((ينخطُّ من صيب)»: أي: موضع منحدر من الأرض، يريد به
** كان يمشي مشياً قوياً، ويرفع رجليه من الأرض رفعاً بائناً، لا كمَن يمشي
اختيالاً ويقارب خطاه.
وحديث آخر: ما أخرجه أيضاً الترمذي وصححه عن البراء بن عازب
قال: «ما رأيت من ذي لِمَّةٍ في حلة حمراء أحسن من رسول الله څ#، له شعر
يضرب منكبيه، بعيد ما بين المنكبين، لم يكن بالقصير ولا بالطويل)).
لذا نرى أن المحدثين قد اهتموا في جمع شمائل النبي {*، سواء في
الكتب الحدیثیة کالجوامع والسنن والمسانيد، أو في مصنفات خاصة باسم
الشمائل النبوية، وأشهرها في ذلك ((شمائل الترمذي)).
والسنة عند الفقهاء والأصوليين تقتصر على ما نُقِلَ عن النبيِحُ ﴾ من
قول أو فعل أو تقرير، لأنّ جُلَّ اهتمامهم أن يدوروا حول الأوامر والنواهي.
ليستنبطوا منها الأحكام والمسائل.
وكان الصحابة رضي الله عنهم أحرص الناس على اتباع حديث رسول
الله ﴾ في الحیاہ کلها، فهذا أبو بكر الصديق خليفة رسول الله چل﴾ قد كان
أحرص الناس على العمل بالحديث، ويسأل دائماً أصحاب النبي وم عن
· حديث رسول الله # في المسائل التي عرضت له.
روی أبو داود في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن ابن شهاب الزهري
١٠
عن قبيصة بن ذؤيب قال: ((جاءت جدة إلى أبي بكر رضي اللّه عنه تسأل
ميراثها، فقال لها أبو بكر: ما أجد لك في كتاب الله شيئاً، وما علمتُ في سنة
رسول اللّه ◌ُ﴾ شيئاً، فارجعي حتى أسأل. فسأل الناس، فقال المغيرة بن
شعبة: حضرتُ رسول الله ور أنه أعطاها السدس. فقال أبو بكر: هل معك
أحد. فقام محمد بن مسلمة، وشهد على ذلك، وقال مثل ما قال المغيرة بن
شعبة، فأنفذه أبو بكر، وورَّث الجدة السدس))(٧).
وجاء في حديث طويل في ((مسند الإمام أحمد)): ((يقول أبو بكر رضي
الله عنه: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله وي لم يعمل به إلا عملتُ به، وإني
أخشى إن تركتُ شيئاً من أمره أن أزيغ».
فكأنه رضي الله عنه بطلبه الإِشهاد على قول المغيرة بن شعبة وضع
أصلاً من أصول الدين، وهو التثُّت والتأكُّد من سنة رسول اللّه عليه أفضل
الصلاة والتسليم، حتى لا يتلاعب الناس بسنته التي هي مصدر من مصادر
التشريع .
ونشأ من هذا التثبت والتأكد ظهور علم جديد، وهو علم الجرح
والتعديل، وعلم إسناد الحديث، ثم صار فيما بعد هذا العلم عمدة في معرفة
الحديث الصحيح من السقيم، وهو أصل من أصول الدين.
قال الإمام مالك بن أنس: ((إن هذا العلم دين، فانظروا عمَّن تأخذون
دينكم، لقد أدركتُ سبعين ممّن يقول: حدثني فلان قال: قال رسول الله
و#، عند هذه الأساطين - وأشار إلى أساطين المسجد النبوي - فما أخذت
عنهم شيئاً، وإن أحدهم لو اؤتمن على بيت المال لكان أميناً، وقدم علينا ابن
(٧) أبو داود (٣ / ٣١٧)، والترمذي (٤ / ٤٢٠)، وقال: ((حسن صحيح)).
١١٠
الشهاب، فكنا نزدحم على بابه))(٨).
يقول حمّاد بن زيد: ((دخلنا على أنس بن سيرين في مرضه، فقال:
اتَّقوا الله يا معشر الشباب، وانظروا عمَّن تأخذون هذه الأحاديث، فإنها
دینکم)»(٩) .
وروى الإمام مسلم في مقدمة ((صحيحه)) بإسناده عن عاصم الأحول
عن ابن سيرين أنه قال: ((لم يكونوا يسألون عن الإِسناد، فلما وقعت الفتنة
قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى
أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم)).
وفي رواية أخرى كما ذكرها الحافظ ابن الأثير في مقدمة «جامع
الأصول)): قال ابن سیرین: «كانوا في الزمن الأول لا يسألون عن الإِسناد،
فلما وقعت الفتن سألوا عن الإِسناد، ليأخذوا حديث أهل السنة، ويدعوا
حديث أهل البدع، فإن القوم كانوا أصحاب حفظ واتفاق، ورب رجل - وإن
كان صالحاً - لا يقيم الشهادة، ولا يحفظها)).
وروى الحافظ ابن عبد البر في مقدمة كتابه ((التمهيد لما في الموطأ من
المعاني والأسانيد)) عن شعبة يقول: ((إنما نعلم صحة الحديث بصحة
الإِسناد».
وروى أيضاً بإسناده عن الأوزاعي إمام أهل الشام أنه قال: ((ما ذهب:
العلم إلا بذهاب الإِسناد».
وروى الخطيب البغدادي في كتابه «الكفاية في علم الرواية)): ((عن
(٨) ((التمهيد)) (١ / ٦٧).
(٩) ((المحدث الفاصل)) (ص ٤١٥).
١٢
سفيان بن عيينة، قال له أخوه: حدثهم بغير إسناد. فقال سفيان: انظروا إلى
هذا يأمرني أن أصعد فوق البيت بغير درجة))(١٠).
هكذا ترى أيها القارىء الكريم كيف وضع أبو بكر رضي الله عنه نواةً
العلم الحديث، حتى لا يتقَوَّل أحدٌ على رسول الله له .
وقد اهتمَّ المحدِّثون بذكر تاريخ المواليد والوفيات لرواة الحديث، ليتمَّ
البحث عن أحوالهم، ومعرفة ما يدَّعونه من السماع واللقاء بالمشايخ، كما
ضبطوا أيضاً قدوم الراوي البلد الفلاني في رحلة طلب الحديث، ونشأ من
تدقيقهم هذا ظهور مؤلفات خاصة في ضبط مواليد المحدثين ووفياتهم .
وإليه يشير قول سفيان الثوري كما ذكره الخطيب في كتابه ((الكفاية)):
((لما استعمل الرواة الكذب، استعملنا لهم التاريخ)).
يقول حفص بن غياث: ((إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين)). يعني:
احسبوا سنه وسن من کتب عنه .
يذكر ابن الجوزي في مقدمة كتابه ((الموضوعات)) عن حسان بن زيد
يقول: ((لم يستعن على الكذابين بمثل التاريخ، يقال للشيخ: سنة كم
ولدت؟ فإذا أقر بمولده عرفنا صدقه من کذبه)).
قال الحاكم أبو عبد الله: ((قدم علينا محمد بن حاتم الكشي، وحدث
عن عبد بن حميد، فسألته عن مولده، فذكر أنه ولد سنة ستين ومثتين، فقلت
لأصحابنا: سمع هذا الشيخ من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة
سنة))(١١).
(١٠) ((الكفاية)) (٤٩٢ - ٤٩٣).
(١١) ((فتح المغيث)) (٣ / ٢٨٢)، ولكن بهذا تكون وفاة عبد بن حميد سنة (٢٤٧هـ)، =
١٣
هكذا استطاع المحدثون بهذا الفن الجديد - وهو علم الجرح
والتعديل - أن ينفوا الكذب عن أحاديث رسول الله الخير.
:
وقد امتنع العلماء من قبول أي حديث ما لم يكن له إسناد، وذلك
بانتشار الكذب على النبي مل.
وكتب الحديث والسنة تتألف الآن على قسمين أساسيين :
أولهما: السند.
وثانيهما: المتن.
فالسند أو الإِسناد: هو الطريق الموصلة إلى المتن، ابتداء من مؤلف
الكتاب إذا كان من عصر الرواية، انتهاء إلى رسول الله وعلي#. وأما المتن: فهو
ألفاظ صادرة عن النبي ◌ّ أو بمعناها .
فالسنة باعتبار طريقة وصولها إلينا تنقسم إلى متواتر وآحاد.
والمتواتر: هو في اللغة: مجيء الواحد بعد الواحد، وهو مأخوذ من
الوتر.
وفي الاصطلاح: خبر جمع يستحيل عادة وعقلاً تواطؤهم على الكذب
لكثرتهم ولثقتهم .
ويشترط فيه أربعة شروط :
الأول: أن يكون رواته عالمين بما أخبروا به، وجازمين، غير مجازفين
ولا ظانين.
والصواب أنه مات سنة (٢٤٩هـ) كما ذكر الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)» (٢ /
٥٣٤)، وانظر أيضاً: ((العبر)) (٢ / ٤٥٤)، و((شذرات الذهب)) (٢ / ١٢٠).
١٤
والثاني: أن يكون علمهم مستنداً إلى شيء محسوس، كمشاهدة أو
سماع.
والثالث: أن يبلغ عددهم إلى مبلغ يمنع في العادة تواطؤهم على
الكذب .
والرابع: أن يستمر العدد المعتبر في كل الطبقات، أي: في أوله
وأوسطه وآخره(١٢).
وأما الآحاد: فهو كل حديث لم يجمع فيه شروط التواتر فيها، وقد يتفرد
به واحد فيسمى غريباً، وقد يرويه اثنان فأكثر فيسمى عزيزاً، وقد يستفيض بأن
يرويه جماعة فيكون مشهوراً أو مستفيضاً.
والبنة بقسميها تفيد العلم واليقين، بدون فرق بين العقيدة
والشريعة(١٣)، هذا الذي أقوله، وبه أومن، خلافاً للمبتدعة والفرق الضالة،
(١٢) انظر: ((الحديث حجة بنفسه)) (ص ١٨ - ١٩).
(١٣) لقد أساء الظنّ بعضُ الأخوة من عبارة في كتابي ((أبو هريرة في ضوء مروياته)) (ص
٣٣)، حيث نقلت كلام الأصوليين والفلاسفة في خبر الآحاد، فظنوا أني معتقد به،
والعبارة هي :
((فهذا التشديد جاء لسبب انتشار الكذب على رسول اللّه ورية، وخاصة في بلاد
العجم ومقر الشيعة والخوارج، وعدم تمييز الصحيح من غير الصحيح، ولم يتم في
عصره وضع الموازين لنقد الأحاديث، ولم تُدون الصحاح من غيرها، ولهذا لم يقبل
العلماء خبر الآحاد في الأمور الاعتقادية، لأن العقيدة لا تؤخذ إلا بالأدلة القطعية
كما هو معروف في أصول الشريعة)».
هذا تعبير لمنكري حجية الآحاد في العقيدة.
. وأما أنا فالحمد لله، فمنذ ما عرفت الإِسلام وصرت من طلاب العلم، فإنما أدعو =
١٥
فإن المعتزلة أنكروا حجية السنة بقسميها، وقالوا: ((الخبر المتواتر مع خروج
ناقليه عند سامع الخبر عن الحصر، ومع اختلاف همم الناقلين واختلاف
دواعيهم، يجوز أن يقع كذباً)(١٤).
وإذا كانت الفرقة النظامية من المعتزلة تردُّ حجية المتواتر فأكثر المعتزلة
یردون أخبار الآحاد .
والمقام يحتاج إلى دراسة أوسع، وهذا ليس مجاله، لذا أحيل القارىء.
الكريم إلى كتاب الإِمام ابن القيم ((مختصر الصواعق المرسلة)) (ص ٤٩٦)،
فإنه ذكر فيه واحداً وعشرين دليلاً لحجِيَّة أخبار الآحاد، كما أن للشيخ محمد
ناصر الدين الألباني حفظه الله مشاركة طيبة في كتابه الصغير ((الحديث حجة
بنفسه في العقائد والأحكام)).
إلى الأخذ بأخبار الآحاد في العقيدة والشريعة إذا كان ناقلوها ثقاتٍ ضابطين، ولم
=
يخبروا بأمر مخالف للدين بالضرورة .
وقد نبّه علي بعضُ المحبين بأن أغيِّر هذه العبارة بالعبارة التالية :.
((فهذا التشديد جاء لسبب انتشار الكذب على رسول الله #، وخاصة في بلاد
العجم ومقر الشيعة والخوارج، وعدم تمييز الصحيح من غير الصحيح، ولم يتم في
عصره وضع الموازين لنقد الأحاديث، ولم تدون الصحاح من غيرها، ولهذا لم يقبل .
بعض العلماء خبر الآحاد في الأمور الاعتقادية، لأن العقيدة لا تؤخذ عندهم إلا
بالأدلة القطعية كما يقولون، ولكن الصحيح هو الأخذ بها في جميع أمور الدين بما
فيه العقيدة أيضاً)).
فأرجو أن تصححوا نسختكم بهذه العبارة الأخيرة، وفقنا الله جميعاً لما يحبه ..
:.
ويرضاه .
: (١٤) انظر: ((الفرق بين الفرق)) (ص ١٢٨)، ونسب هذا القول إلى إبراهيم بن سيار
المعروف بالنظام المعتزلي، (ت ٢٣١ هـ).
١٦
الفصل الأول
الأمالي
الأمالي :
نوع من أنواع طرق تدريس الحديث النبوي الشريف في العصور
الأولى، وهو جمع إملاء.
(«والإملاء وظيفة من وظائف العلماء قديماً، خصوصاً الحفاظ من أهل
الحديث في يوم من أيام الأسبوع يوم الثلاثاء أو يوم الجمعة وهو المستحب،
كما يستحب أن يكون في المسجد لشرفه، وطريقتهم فيه أن يكتب المستملي
في أول القائمة: هذا مجلس أملاه شيخنا فلان بجامع كذا في يوم كذا،
ويذكر التاريخ، ثم يورد المُمْلي بأسانيده أحاديث وآثاراً، ثم يفسِّر غريبها،
ويورد من الفوائد المتعلقة بها بإسناد أو بدونه ما يختاره ويتيسر له))(١).
ولذا نرى المشتغلين بالحديث لا يتوجهون إلى تحقيق كتب الأمالي
لاشتمالها على موضوعات شتى .
لقد شاء اللّه أن تبقى مجموعة كبيرة من كتب الأمالي، وأذكر هنا من
هذه الأمالي ما يوجد في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بقسم
(١) انظر: ((الرسالة المستطرفة)) (ص ١٥٩).
١٧
المخطوطات (حديث)، وهي مصورة من مكتبة الظاهرية غالباً.
١ - ((أمالي أبي النجاد)): أحمد بن سليمان بن الحسن بن إسرائيل المحدث
الحافظ الفقيه، توفي سنة (٣٤٨هـ). انظر ترجمته في ((السير)) (١٥ ٪.
٥٠٢).
٢ - ((أمالي أبي نعيم الأصبهاني)): الحافظ أحمد بن عبد الله بن أحمد بن
إسحاق بن موسى، توفي سنة (٤٣٠ هـ). انظر ترجمته في ((العبر)) (٢٪
٢٦٢).
٣ - ((أمالي الروذباري): أحمد بن عطاء أبو عبد الله الزاهد، توفي سنة
(٣٦٩ هـ). انظر ترجمته في ((العبر)) (٢ / ١٣١).
٤ - ((أمالي الخطيب البغدادي)): أحمد بن علي بن ثابت الحافظ
المعروف، توفي سنة (٤٦٣ هـ) ..
٥ - ((أمالي الحافظ ابن حجر)): أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، توفي.
سنة (٨٥٢هـ).
٦ - ((أمالي البغدادي)): أبو سعد أحمد بن محمد بن سعيد الأصبهاني
الحافظ، توفي سنة (٥٤٠هـ). انظر ترجمته في ((العبر)) (٢ / ٤٥٨).
٧ - ((أمالي الملحمي)): أحمد بن محمد بن موسى، توفي سنة (٣٢٤ هـ).
٨ - ((أمالي السمرقندي))؛ أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر، توفي سنة
.(٥٣٦هـ). انظر ترجمته في ((العبر)» (٢ / ٤٥٠).
٩ - ((أمالي أبي القاسم التيمي)): إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ،
توفي سنة (٥٣٥هـ) انظر ترجمته في («العبر» (٢ / ٤٤٦).
١٨
١٠- ((أمالي أبي حامد الشجاعي)): توفي سنة (٥٣٤هـ).
١١ - ((أمالي المخلدي)): أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد، توفي سنة
(٣٨٩هـ). انظر ترجمته في ((العبر)) (٢ / ١٧٦).
١٢ - ((أمالي المحاملي)): الحسين بن إسماعيل الضبي البغدادي، توفي سنة
(٣٣٠هـ). انظر ترجمته في ((العبر)) (٢ / ٣٧).
١٣- ((أمالي الجوهري)): أبو محمد الحسن بن علي الشيرازي ثم البغدادي،
توفي سنة (٤٥٤ هـ). انظر ترجمته في ((العبر)) (٢ / ٣٠١).
١٤ - ((أمالي نظام الملك)): الحسن بن علي أبو علي الوزير الطوسي، توفي
سنة (٤٨٥ هـ). انظر ترجمته في ((العبر)) (٢ / ٣٤٩).
١٥- ((أمالي أبي محمد الحسن بن محمد الخلال البغدادي الحافظ)»: توفي
سنة (٤٣٩ هـ). انظر ترجمته في ((العبر)) (٢ / ٢٧٤).
١٦ - ((الأمالي لابن البناني)): الحسين بن علي، توفي سنة (٤١٧ هـ) أو
بعده .
١٧- ((أمالي أبي الفرج الإِسفرائيني)): سهل بن بشر بن أحمد، توفي سنة
(٤٩١ هـ). انظر ترجمته في ((العبر)) (٢ / ٣٦٤).
١٨- ((أمالي طراد بن محمد بن علي)): أبو الفواس الهاشمس العباسي
الزيني البغدادي، توفي سنة (٤٩١ هـ). انظر ترجمته في ((العبر)) (٢ /
٣٦٤).
١٩- ((الأمالي لابن سعد البصروي)): من القرن الخامس.
٢٠ - ((أمالي أبي المظفر)»: عبد الله بن شبيب المقرىء الضبي: توفي سنة
١٩
(٤٥١ هـ). انظر ترجمته في ((العبر)» (٢ / ٢٩٨).
٢١ - ((أمالي الديباجي)): أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن العثماني: من
القرن السادس.
٢٢ - ((أمالي أبي محمد الصريفيني)): عبد الله بن محمد بن عبد الله بن
هزارمرد، توفي سنة (٤٦٩ هـ). انظر ترجمته في ((العبر)) (٢ / ٣٢٧).
٢٣ - ((أمالي الحافظ العراقي)»: زين الدين عبدالرحيم بن الحسين بن
عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم الشافعي، توفي سنة (٨٠٦هـ).
انظر ترجمته في «شذرات الذهب» (٧ / ٥٥).
٢٤ - ((أمالي الحُرفي)): أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد اللّه، توفي
سنة (٤٢٣ هـ). انظر ترجمته في ((العبرة (٢ / ٢٥٠).
٢٥ - ((أمالي أبي محمد بن النحاس)): عبد الله بن عمر المصري البزار، توفي
سنة (٤١٦ هـ). انظر ترجمته في ((العبر)» (٢ / ٢٣٠).
٢٦ - ((أمالي عبد الرزاق الصنعاني)): الحافظ الإِمام المعروف، توفي سنة.
(٢١١ هـ).
٢٧ - ((أمالي عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي)»: أبو الحسن،.
توفي سنة (٥٢٩هـ) انظر ترجمته في ((العبر)) (٢ / ٤٣٥).
٢٨ - ((أمالي أبي محمد الكتاني)»: عبد العزيز بن أحمد الصوفي الدمشقي
الحافظ، توفي سنة (٤٦٦ هـ) ... انظر ترجمته في ((العبر)) (٢ / ٣٢٠).
٢٩ - ((الأمالي لابن بشران)): أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن عبد الله،
توفي سنة (٤٣٠هـ). انظر ترجمته في ((العبر)) (٢ / ٢٦٣).
٢٠