Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَسَنَدأمير المؤمنين
عَد عَبدِ العَزيز
رَضِيَ اللهعَنه
خَرَّجه
الإمَام الْحَافِظ أَبُوبَكْر محمّد بن محَمّدبن سُليمان البَاغِنديّ
رَحِمَهُ اله تعَالى
المتوفى سنة ٥٣١٢
خريج أحاديثه وَعلّق عليه
مُحَمَّد عَوّامَة
دار الشركتير
دمشق - بيروت
?

حقوق الطبع محفوظة لمحقق الكتاب
الطُبْعَة الثَّالِيَة
١٤٠٧هـ - ١٩٨٧مـ
مَزِيدَة وَمَنَقّحَة
1
دار ابن كثير
دمشق - شارع مسلم البارودي- بناء خولي وصلاحي
هاتف: ٢٣٣٠١٨ - ص ب: ٣١١
يرون محرب: ١٢/٦٣١٨

بسْمِ اللهِالرَّحِ الرَّحَّةِ
تقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله رب العالمين وليّ كل نعمة ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله
وصحبه سادة الأمة . وبعد :
فهذه هي الطبعة الثانية لـ ((مسند أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز))
رضي الله عنه ، أقدمها إلى القراء الكرام ، راجياً من الله تعالى أن أكون قد
سدّدتُ فيها وقاربتُ أكثر من سابقتها ، ولابد للإنسان أن يعرضَ له في فترات
لاحقة، ما يقوِّم به فرطات ندَّتْ منه في أيام سابقة ، ما دامتْ له يدٌ تصلُ إلى
كتاب ، أو فكرٌ بهديه إلى صواب .
وقد كتب ( القاضي الفاضل ) شيخ صناعة الكتابة في عصره ، وإمام أهل
الترسُّل في وقته : عبد الرحيم بن علي البَيْساني المتوفى سنة ٥٩٦ رحمه الله ، إلى
نائبه في وزارة الكتابة ، الأديب الشهير العماد الأصفهاني صاحب ( الخريدة )
المتوفى سنة ٥٩٧ ، كتب إليه يقول: ((إني رأيت أنه لا يكتبُ إنسانٌ كتاباً في
يوم إلا قال في غده: لو غُيِّر هذا لكان أحسن ، ولو زِيدَ كذا لكان يُستحسن ،
ولو قُدِّم هذا لكان أفضل ، ولو تُرك هذا لكان أجمل ، وهذا من أعظم العِبَر ،
وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر)» (١) ..
(١) كان الأستاذ أحمد فريد الرفاعي المتوفى سنة ١٣٧٦ هو الذي شهر هذه الكلمة ، حيث وضعها
أول كل جزء من أجزاء « معجم الأدباء » لياقوت الحموي ، وغيره من الكتب - وتداولها عنه
الناس - منسوبة إلى العماد الأصفهاني، وصواب نسبتها أنها للقاضي الفاضل بعث بها إلى
العماد، كا في أول ((شرح الإحياء)) للإمام المرتضى الزبيدي رحمه الله تعالى ١ : ٣.
i
١٠٠ ٠

وكان من أيادي فضيلة مولانا وشيخنا العلامة الكبير ، المحقق الجهبذ
البصير ، الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي حفظه الله تعالى بخير وعافية ، وأمتعنا
بحياته ، كبير علماء الهند في علم الحديث الشريف وفنونه ، كان من أياديه عليّ
أن تكرم بقراءة هذا المسند من الطبعة الأولى ، وعلّق على نسخته ما بدا له من
ملاحظات ، وأرسلها إليَّ مشكوراً مأجوراً ، جزاه الله خيراً، فألحقتُ جلَّها في
مواضعها(٢) ، وذكرت باقيها بلفظه في ( الاستدراك ) آخر الكتاب .
وكان من أهم الاستدراكات والتصحيحات التي وقفت عليها بنفسي .
١ - تخريج الحديث الآتي برقم ٨٠ ، فلم أكن وقفت عليه من قبل.
٢ - وترجمة إبراهيم بن عبد الله بن حاتم في رقم ٤٣ ، وكشفت فيها تحريفاً
ذا أهمية، وقع في نسخة الحافظ ابن حجر من ((المعجم المشتمل)) لابن عساكر
رحمهما الله، وذلك أنه جاء في ((التهذيب)) ١ : ١٣٣ تاريخ ولادة إبراهيم عام
١٧٨، نقلاً عن ((المعجم المشتمل)).
إلا أنه لفت انتباهي أن إبراهيم يصرح بالتحديث عن حماد بن زيد - برقم
٤٠ - وكانت وفاة حماد سنة ١٧٩! ويروي إبراهيم - برقم ٤٣ - عن هُشيم بن بشير
الواسطي ، وكانت وفاة هشيم سنة ١٨٣! وكان إبراهيم يقول: ما من حديثٍ
من حديثِ هشيم إلا وقد سمعته ما بين العشرين إلى الثلاثين مرة !! فكيف
يكون ذلك وعمره خمس سنين !!. وقوي الإشكالُ عندي لما رأيت الحافظ نفسه
يقول في ((التقريب)): ((مات سنة أربع وعشرين - ومائتين - وله ست
وستون سنة)»، فيكون مولده سنة (١٧)، ولا مجال لاحتمال خطأ مطبعي في
رقمه ١٧٨ المذكور في ((التهذيب))! فرجعتُ إلى ((المعجم المشتمل)) فرأيت فيه
تاريخ ولادته سنة ثمان وأربعين ومائة - كتابة لا رقماً - فزال الإشكال والحمد
(٢) ومنها التعليقة التي تراها صفحة ١٧٨ .
ب
Wr
١٧٨

الله، ولهذا جزمت بوقوع الخطأ في نسخة الحافظ من ((المعجم )» ويحتمل أن
يكون سبق قلم منه .
ومما لوحظ على بعض التراجم في التعليق : التنبيه المتكرر إلى ما في أحكام
الحافظ ابن حجر رحمه الله في (( التقريب)) على بعض الرجال ، وكان القصد من
ذلك التنبيه إلى أمرين اثنين :
أولهما: أن بعض الناس من أهل زماننا يزعم أن ((التقريب)) هو أولى
كتب الجرح والتعديل للاعتماد عليه في معرفة حال الرجل . وقد شاع التطبيق
العملي لهذا الزعم في طلاب الدراسات العليا ، وكتابات الباحثين ، حتى
لا يكادون يعرفون كتاباً سواه للاعتماد عليه !.
ثانيهما : أن كثيراً من الناس يظن أن المراتب التي اصطلح عليها الحافظ في
((التقريب)) هي مراتب عامة في هذا العلم، فيطبق أحكامه على الرجال ، في
المجالات الأخرى . وكلا الأمرين غير صواب .
فاعتماد أحكامه على الرجال - وخاصة أصحاب المراتب المتوسطة - دون
الرجوع إلى أصله ((تهذيب التهذيب)) وكتبه الأخرى مثل: مقدمة فتح
الباري، والفتح نفسه، وكتب العلماء الآخرين مثل: ((الخلاصة))
و ((الكاشف )» وغيرها .
أقول : إن اعتماد أحكامه دون الرجوع إلى الكتب الأخرى : لا ينبغي ،
ولا يورث الطمأنينة عند الباحث المتحرِّي . وانظر أول مثال لهذا عند الكلام
على الحديث الثاني : ترجمة أسد بن موسى ، وأمثلة أخرى تجدها في هذه
التعليقات ، وتجدها بنفسك حين تقابل بين الكتابين : التقريب والتهذيب .
واعتماد مراتبه ومصطلحاته فيها اعتماداً مطلقاً دون تقييدها بكتابه : اعتماد
غير مرضي أيضاً . نعم قد تتفق بعض مراتبه الخاصة مع المراتب العامة .
ت

ويلاحظ أن أُولى مراتبه ( الصحابة) ولم يذكر هو في (( شرح النخبة)) ولا غيره
في كتبهم الأخرى : أن الصحبة مرتبة من مراتب التعديل .
وجَعَل ( صدوق رمي بالتشيع والقدر .. ) مثل ( صدوق سيء الحفظ .. )
كليهما من المرتبة الخامسة ، نازلَيْن عن المرتبة الرابعة (صدوق ) ؛ وإنزالُ
( صدوق سيء الحفظ ) عن ( صدوق ) : واضح الحجة ، أما الصدوق الذي رمي
يبدعة القدر مثلاً فلا حجة في إنزاله عن مرتبة الصدوق الذي لم ينسب إلى
بدعة .
وقد قال الحافظ نفسه في ((الفتح)) ١٢ : ٢٨٨ عن أبي بَلْج يحيى بن سليم
الكوفي : « وثقة ابن معين والنسائي وجماعة ، وضعفه جماعة بسبب التشيع ،
وذلك لا يقدح في قبول روايته عند الجمهور». فهذا كلامه نفسه صريح في أن
البدعة لا تؤثر على الرجل إذا لم تكن مكفرة ، ولم يكن صاحبها ممن يستحل
الكذب لأهل بدعته . وهذا هو التطبيق العام لأحكام الجرح والتعديل
وقواعدهما ، أما كلامه في مقدمة ((التقريب )) ففي مجال كتابه فقط .
ثم إن أبا بَلْجِ هذا وثّقه ابن معين والنسائي وجماعة ، كما قال ، وتضعيف
من ضعفه غير فادح ، فحقُّ هذا الراوي أن يقال فيه : ثقة ، وهي كلمة المرتبة
الثالثة عنده في ((التقريب))، في حين أنه قال عنه فيه: ((صدوق ربما أخطأ))
فيكون قد صنفه في المرتبة الخامسة !!.
وللبحث والمناقشة والأمثلة مجال غير هذه التقدمة ، إنما أردت أن أزيل
التباساً نشأ عن عباراتي غير المألوفة عند كثيرين من ذوي ( السطحية ) في هذا
الفن الخطير .
٠٠٠٠٠٠

وأسأل الله تعالى أن يلهم الجميع السداد والرشاد ، وهو ولي التوفيق
والإجابة ، والحمد لله رب العالمين .
المدينة المنورة ٢٠ من شهر جمادى الآخرة ١٤٠٤
وكتبه
محمد عوامة
ج

بِسْمِ اللَّهِالرَّمِ الرَّحيّةِ
الحمد لله رب العالمين رافع ألوية السنة المحمدية ، وناصر أهلها ،
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا وحبيبنا محمدٍ النبي الأمي القائلِ :
((نَضَّرَ اللهُ امرَأْ سِمع منا شيئاً فبلَّغه كما سِمِعَ، فرُبَّ مبلَّغٍ أوعى من
سامع )) .
ورضوانُ الله ورَحَمَاتُه على الصحابة وتابعيهم حَمّلةِ هذا العلم
الشريف ، ورواته ومدوّنِيه ، رعايةً له ، وخوفاً عليه من العبث
والضَّياع .
وبعد :
فهذا ((مسندُ أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز)» خامس الخلفاء
الراشدين رضي الله عنهم ، تخريجُ الإمام الحافظ أبي بكر محمد بن محمد بن
سليمان الباغَنْدي رحمه الله ، أَقدّمه للقراء الكرام محبِّي السنة النبوية
وشدَاتها ، مقدماً بين يديه كلمة عن :
- الجانب العلمي في حياة عمر بن عبد العزيز.
- وترجمةً للحافظ الباغندي .
- وكلمة عن هذا ((المسند)).
وأرجو من الله الكريم أن يتفضل عليَّ بقبولِه والإثابة عليه ، والنفعِ
-٣ -
i

به ، والتوفيق إلى خدمة سنة النبي الكريم مُّ، وتقريبها إلى المسلمين
على حينٍ فترةٍ منهم عنها وعن علوم الإسلام عامة ! .
وأسأل الله أن يغفر لنا ، ولوالدينا ، ومشايخنا ، وأهلينا ، وذرياتنا
وللمسلمين والمسلمات ، إنه خير الغافرين ، وهو وليُّ الهداية والتوفيق .
حلب - جمعية التعليم الشرعي
وكتبه
محمد عوامة
٢ من شهر رمضان المعظم ١٣٩٥
- ٤ -

الجانب العلمي في حياة عمر بن عبد العزيز
هو الإِمامُ الخليفةُ الراشد أمير المؤمنين أبو حفص عمرُ بن عبد العزيز بن مروان بن
الحكم الأمويّ رضي الله عنه .
ولد سنة إحدى وستين للهجرة - أو ثلاثٍ وستين - وتولّى الخلافةَ سنة تسع وتسعين
لها ، وتوفي سنة إحدى ومائة للهجرة أيضاً ، رحمه الله تعالى ورضي عنه .
اتفقتْ كلمة الأمة من صحابتها الذين أدركوه ، وتابعيها ، ومن بعدهم إلى يومنا
هذا ، على أنه نادرةٌ من نوادر أئمة الهدى ، في مختلف ميادين الهدى ! لا يكاد الناظر في
سيرته يجد باباً من أبواب الخير إلا وعمر بن عبد العزيز من المجَلِّين فيه .
ويكفيه أن بعض الأئمة المتبوعين ألحقه بالخلفاء الراشدين الأربعة ، فجعله خامستهم .
أسند الحافظُ ابنُ عبد البر رحمه الله في ((جامع بيان العلم)) ٢: ١٨٥ إلى الإمام
سفيان الثوريّ رضي الله عنه أنه قال: ((الخلفاء: أبو بكر ، وعمر، وعثمان ، وعلي ،
وعمر بن عبد العزيز)). ثم قال: ((قال أبو عمر - هو ابن عبد البر - : قد روي عن مالك
وطائفة نحو قولٍ سفيان )» .
وأسند البيهقي في (( مناقب الشافعي)) له ١ : ٤٤٧ إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه
أنه قال: ((الخلفاء الراشدون خمسة: أبو بكر، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعمر بن
عبد العزيز» .
وحكى الإمام النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١ / ٢ / ١٨ المنقول عن سفيان
الثوري. كما حكى الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) ٩ : ٢٠٠ مثله عن أبي بكر بن
عياش الإمام المقرئ. وحكى ابن القيم ((المنار المنيف)) ص ١٥٠ نحوه روايةً عن الإمام
أحمد .
- ٥ -

وتكلّم الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) ١٧: ٥٨ على الحديث الصحيح: ((إن
اللهَ يبعثُ لهذه الأمةِ على رأسِ كلِّ مائة سنةٍ مَن يُجدّدُ لها دينَها » ولم يسلّم اجتماعَ الصفاتِ
اللازمة للمجدّد في أحد على انفراده إلا لعمر بن عبد العزيز، فقال: ((لا يلزم أن جميع
خصال الخير كلّها في شخص واحد ، إلا أن يُدَّعى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان
القائم بالأمر على رأسِ المائة الأولى، باتصافِه بجميع صفات الخير وتقدُّمِه فيها ، ومن ثَمَّ
أطلق أحمدُ أنهم كانوا يحملون الحديث عليه ؛ وأما من جاء بعده : فالشافعي وإنْ كان
متَّصفاً بالصفات الجميلة ، إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل )) لأنه لم يكن أميراً
ولا سلطاناً .
وقال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) ١: ١٥١: ((روينا عن الحسن البصري أنه
قال: (( ما ورد علينا قطُّ كتابُ عمر بن عبد العزيز إلا بإحياء سُنَّة، أو إماتة بدعة، أو
ردِّ مَظْلَمة)). فهؤلاء هم الأئمة الذين هم الله في الأرض حجةٌ)) .
ولقد كان الإمام مالك والليث بن سعد ، وسفيان بن عيينة .. يكثرون من ذكر
سيرة عمر بن عبد العزيز وهديه أمامَ أصحابهم ، ويتخوّلونهم بأخباره ، حتى جمع تلميذهم
عبد الله بن عبد الحكم ماسمعه منهم من أخباره في كتاب مستقل ، مشهور متداول مطبوع
مراراً، قال فيه الإمام النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١ / ٢ / ١٧: ((فيه من
النفائس ما لا يُستغنى عن معرفته والتأْدُّبِ به » .
وممن أفرد سيرته في كتاب من المتقدمين : أحمد بن إبراهيم الدّوْرَقيُّ المولود سنة
١٦٨، والمتوفى سنة ٢٤٦، أحدٌ الثقات الحفاظ البغداديين، له ترجمة في ((تاريخ بغداد)»
٤: ٦، و((تهذيب التهذيب)) ١: ١٠. ذكر كتابه هذا الحافظ ابنُ خَيرِ الإشبيليُّ رحمه
الله في ((فهرست مروياته)) ص ٢٧٣ ، وأسند روايته به إلى بقيٍّ بن مَخْلَد الإمام الحافظِ
المشهور، عن مؤلفه . ولا أعرف عن هذا الكتاب شيئاً : مطبوعاً أو مخطوطاً .
وللإمام أبي بكر الآجريّ المتوفى سنة ٣٦٠، جزء أيضاً، أفرده باسم ((أخبار أبي
حفص عمر بن عبد العزيز)) وقد طبع في بيروت سنة ١٩٨٠ بتحقيق الدكتور عبد الله
عسيلان .
- ٦ -
.................. .......

والحديث عن عمر بن عبد العزيز متعدد الجوانب ، مترامي الأطراف ، لو كتب
كاتب ترجمة ( تحليلية ) لهذا الرجل العظيم لما اتَّسع لها مجلد ضخم !
وقد خطأ في هذا المضمار خطوةً جيدة موفّقة الدكتور عماد الدين خليل في كتابه
« ملامح الانقلاب الإسلامي في خلافة عمر بن عبد العزيز)» جزاه الله خيراً .
غير أني أقصر الحديثَ على جانب واحد من جوانبه الكثيرة ، وهو ((الجانب العلمي
في حياة عمر بن عبد العزيز »، ولن أتحدثَ عنه إلا بمقدار ما تتَسِعُ له هذه المقدمة .
تبرز ثلاثة أمور في الحياة العلمية لعمر بن عبد العزيز:
أحدها : إمامتُه ورفعةُ مكانته في العلم .
ثانيها : نشرُه العلم في الأمصار والبوادي .
ثالثها : تدوينُه العلم وتثبيتُه، خشيةَ أندراسه بموت حَمَلَته .
أما الأمر الأول : فقد اتفقت كلمة المترجمين له على أنه أحد أئمة زمانِه المليء بأئمة
التابعين ، فقد أطلق عليه كلٍّ من الإمامين : مالكٍ وسفيان بن عيينة - وهما هما - وصف
((إمام))! وقال فيه مجاهد - وحسْبك به -: (( أتيناه نُعلِّمه، فما بَرِحنا حتى تعلَّمْنا
منه »(١) .
وقال ميمونُ بن مِهْرانَ - وهو ممن خَبَر عمر بن عبد العزيز - : ما كانتِ العلماء عند
عمر إلا تلامذة)) وقال فيه أيضاً: ((كان عمر بن عبد العزيز معلّمَ العلماء))(٢).
(١) «العلل)) للإمام أحمد ص ١٥٣، و((الزهد)) له أيضاً ص ٣٠١، و((تهذيب التهذيب)) ٧:
٤٧٨ و ٤٧٧ .
(٢) هكذا في جميع المصادر التي ذكرت هاتين الكلمتين في ترجمة عمر، إلا ابن سعد فقد أسند
الكلمة الأولى في ((طبقاته)) ٥ : ٢٧٥ - ٢٧٦ إلى ابنه عمرو بن ميون بن مهران ، وكأنه مصدر
الذهبي في عزوه الكلمة الأولى إلى عمرو أيضاً في (سير أعلام النبلاء)) ٥: ١٢٠. ورواهما أبو
نعيمٍ ٥ : ٣٣٩ من طريق أخرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود خاصة أساتذة
عمر وشيوخه .
- ٧ -

وذكر الحافظ ابن عبد البرفي ((جامع بيان العلم)) ٢: ١٢٨ حجاج عمر لبعض
خوارج الجزيرة ، وأخْذَه الغلبة عليهم، ثم قال فيه: ((كان أحد الراسخين في العلم رحمه
الله » .
وفي (( سِيّر أعلام النبلاء)) للذهبي ٥ : ١١٨ ( قال الليث بن سعد : حدثني قادم
البربري أنه ذاكر ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيئاً من قضاء عمر بن عبد العزيز إذْ كان
بالمدينة ، فقال ربيعة : كأنك تقول أخطأ ؟ ! والذي نفسي بيده ما أخطأ قطُّ)).
ومن هنا قال ابن سعد في ((طبقاته الكبرى)) آخر ترجمة عمر ، حاكياً قوله هذا عن
لسان أهل العلم كافة: (( قالوا : وكان عمر بن عبد العزيز ثقة مأموناً له فقه وعلم وورع ،
وروى حديثاً كثيراً ، وكان إمامَ عَدْلٍ . رحمه الله ورضي عنه)»(١) .
وقال الحافظ الذهبي في ترجمته من ((تذكرة الحفاظ)) ص ١١٨ و١١٩: ((كان إماماً
فقيهاً مجتهداً ، عارفاً بالسنن ، كبيرَ الشأن، ثَبْتاً حافظاً ، قانتاً لله أوَّهاً منيباً ، يُعَدُّ في
حسن السيرة والقيام بالقسط مع جده لأمه عمر ، وفي الزهد مع الحسن البصري ، وفي العام
مع الزهري ، ولكن موته قرُب من موت شيوخه ، فلم ينتشر علمه))(٢) .
وقال الذهبي أيضاً في ((سير أعلام النبلاء)) ٥: ١١٤: ((الإمام الحافظ العلامة
المجتهد الزاهد العابد السيد أمير المؤمنين حقاً ... الخليفة الزاهد الراشد ... كان من أئمة
الاجتهاد ، ومن الخلفاء الراشدين)).
وكان طلبه للعلم في مُقْتَبَل شبابه على شيوخ المدينة المنورةِ الزاخرة بالائمة من عيون
التابعين ، فنهَل من علمهم وأدبهم .
(١) عن الفيلم المحفوظ في معهد المخطوطات العربية بمصر، لطبقات ابن سعد، وهو مأخوذ عن
مخطوطة أحمد الثالث في استانبول ، وهي نسخة مقابلة وعليها بعض التعليقات ومقروءة على
الإمام الحافظ الدمياطي المتوفى سنة ٧٠٥ رحمه الله . ونسخة ابن سعد المطبوعة في ليدن
- وعنها طبعة بيروت ومصر - ناقصة نقصاً كبيراً جداً، منه ماهو في أثناء الترجمة ، ومنه
تراجم كاملة . ولعل القسم الناقص يعدل ربع المطبوع . أفادنيه أحد إخواني من طلاب العلم .
(٢) هذا اعتذار عن عدم انتشار علم عمر بن عبد العزيز، وغيره أوجه منه وأولى ، وانظر ما سيأتي
في آخر الكلام عن هذا الأمر الأول ص ١٢ .
- ٨ -

قال الحافظ ابن كثير في («البداية والنهاية)) ٩: ١٩٣: ((قال الزبير بن بكار:
حدثني العُثْبي قال : إن أول ما استُبين من رشد عمر بن عبد العزيز حرصُه على العلم
ورغبته في الأدب . إن أباه ولي مصر، وهو - أي عمر - حديثُ السنِّ يُشَك في بلوغه ،
فأراد أبوه إخراجه معه إلى مصر من الشام ، فقال : ياأبةٍ ! أو غير ذلك ، لعله يكون أنفع
لي ولك؟ قال : وما هو ؟ قال : تُرَحْلني إلى المدينة فأقعدُ إلى فقهائها وأتأدّب بآدابهم .
فعند ذلك أرسله أبوه إلى المدينة ، وأرسل معه الخدام ، فقعد مع مشايخ قريش وتجنّب
شبابهم ، وما زال ذلك دأبه حتى اشتهر ذكره )» .
وكان الذي تولَّى تأديبه من رجالات المدينة المنورة هو صالح بن كيسان أحد
الثقات الأجلَّة، فرأى صالحٌ من عمر كلَّ خير، حتى قال فيه: (( ما خَبَرْتُ أحداً اللهُ أعظمُ
في صدره من هذا الغلام )» ورأى عمر من صالح كلَّ رعاية وتأديب رفيع ، فاختاره فيما بعد
مؤدّباً لأولاده(١) .
وكان شيوخُه في العلم والرواية مشاهير علماء المدينة آنذاك، إلا أنه أكثر التّرداة
والأخذَ عن أحد فقهائها السبعة الأعلام ، وهو عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ،
ولكثرة تردده إليه واستفادته منه، وصفه العجلي بقوله ((هو معلّم عمرَ بن
عبد العزيز))(٢) .
ولقد عبَّر عمر بن عبد العزيز عن إعجابه الكبير بمجلس عبيد الله - وكان أعمى .
وكثرة فوائده المنثورة فيه فقال: (( لَمجلسٌ من الأعمى : عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة بن مسعود أحبُّ إليَّ من ألف دينار)»(٣) .
ولهذا كان يصبر على ما في عبيد الله من جفوة خفيفة في التعليم والرواية ، ليصل إلى
ما عنده من علم جمّ غزير. روى ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) ١ : ٩٧ عن أبي
الزناد أنه قال: ((رأيت عمر بن عبد العزيز يأتي عبيد الله يسأله عن علم ابن عباس،
فربما أذِن له ، وربما حَجَبه )) .
(١) ((التهذيب)» ٧ : ٤٧٦ و٤ : ٣٩٩.
(٢) ((التهذيب)) ٧ : ٢٣ و ٢٤,
(٣) ((العلل)» للإمام أحمد ص ٣٤٥.
مسند غمر (٢)
- ٩ -

ولمعرفة عمر بما عند عبيد الله من علم ورأي، كان يقول أيام خلافته: ((لو كان
عبيد الله حياً ما صَدَرتُ إلا عن رأيه))(١). وكانت وفاة عبيد الله سنة ٩٤ أو ٩٨ .
وعبيد الله هذا قال فيه الزهري الإمام: « ما جالستُ أحداً من العلماء إلا وأرى أني
قد أتيت على ما عنده ، وقد كنتُ أُختلفُ إلى عروة حتى ما كنتُ أسمع منه إلا مُعاداً ،
ماخلا عبيد الله بنَ عبد الله بنِ عتبة ، فإنه لم آتِهِ إلا وجدتُ عنده علماً طريفاً(٢))).
بل قال فيه ماهو أبلغُ من هذا القول ، قال فيه: (( كنتُ أحسَبُ أني قد أصبت من
العلم ، فلما لقيت عبيد الله كأنما كنت أفجّر به بحراً))(٣) .
وأمدُ إقامة عمر - هذه المرة - في المدينة المنورة غير معلوم، إلا أنه من الواضح كان
أمداً مديداً ، يسَّر لعمر بن عبد العزيز - إلى جانب ذكائه وحافظته - الاستفادةَ العظيمةَ
من الأئمة الذين لقيهم ، ولقد وصف حاله التي خرج عليها من المدينة بقوله: (( خرجتُ
من المدينة وما من رجل أعلم مني ))(٤) مع أنه ترك فيها سعيد بن المسيب ونظراءه ! .
وبيِّنةُ هذه الشهاداتِ والأخبارِ قائمةٌ في كتب العلم ، فما من كتاب من كتب السنة ،
أو الفقه الاستدلالي إلا ويجد القارئ فيها ذكراً لعمر، من حديث ، أو رأي ، أو أمر ، أو
قضاء ، ونحوها ، وليسهلَ الأمرُ على المتتبع فلينظر من هذه الكتب الأبواب التي لها صلة
بالخليفة والسلطان ، كالزكوات والصدقات ، والمعاقل والديات ، والجهاد والسِّيّر،
ونحوها ، فإنه واجدٌ فيها الكثيرَ الوفير .
بل لو رجعنا إلى الكتب الصغيرة لأئمة العلم الأقدمين ، لوجدنا فيها ذكر عمر بن
عبد العزيز متكرراً ، على سبيل الاحتجاج لرأيهم بقوله وفعله .
فمنهم: الإمام سفيان الثوري. أسند ابن أبي حاتم في ((تقدمة الجرح والتعديل))
(١) ((التهديب)) ٧: ٢٤، و « سيرة عمر بن عبد العزيز)» لابن الجوزي ص ٢٤ .
«التهذيب» ٧ : ٢٣ و٢٤ .
(٢)
((فتح الباري)) ١٥: ٢٠٢. وأنظر ((سنن الدارمي)) ١: ١٤٨، ١٥١.
(٣)
« البداية والنهاية٥ ٩: ١٩٥، والذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) ٥: ١٢١ وزاد: ((فلما
(٤)
قدمت الشام نسيت )» .
- ١٠ -

ص ١١٣ إلى الإمام سفيان الثوري أنه قال: ((أُدخلت على المهدي فقلت له : انظر عمر بن
الخطاب ! فقال : عمر كان له أصحاب . فقلت : فعمر بن عبد العزيز فقد كان في فتنة ،
وفيا كان فيه فما تكلم بشيء إلا صار سُنة ! فقال - المهدي - : إنْ لم أُطِقُّ ؟ فقلت :
اجلس في بيتك )» .
ومن ذلك : رسالة الإمام الليث بن سعد إلى الإمام مالك بن أنس رضي الله عنهما ،
وهي رسالة قصيرة لا تتجاوز صفحاتُها عدد أصابع اليد الواحدة ، وفيها يحتج الليث - أكثر
من مرة - لصحة قوله ، بقول عمر بن عبد العزيز، على مالك فيا ذهب إليه في بعض
مسائله(١) .
ويَرِدُ ذِكر عمر بن عبد العزيز في كتب الفقه للمذاهب الأربعة المتبوعة ، على سبيل
الاحتجاج بمذهبه :
فيستدلُّ الحنفية بصَنيعه في كثير من المسائل ، حتى لقد جعلوا له وصفاً يتميّز به عن
جدّه لأمه : سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأحياناً يُدرِجون ذكره معه .
قال الحافظ القرشي رحمه الله في ((الجواهر المضية)) ٢: ٤٢٣: ((فائدة: يقول
أصحابنا في كتبهم في مسائل الخلاف: (( وهو قولُ عمرَ الصغیر )» یریدون به عمر بن
عبد العزيز الإمام الخليفة المشهور)) .
وقال الحافظ الزيلعي رحمه الله في ((نصب الراية)) ٤: ٣٦٩: ((يوجد في بعض
نسخ ((الهداية)): ((وبذلك قضى العمران )) فيحتل أنه أراد أبا بكر وعمر ، ويؤيده
التصريح بها في النسخة الأخرى ، ويحتمل أنه أراد عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز،
وكثيراً ما يفعل أصحابنا ذلك )).
ويُكثر الشافعية من ذكره في كتبهم ، لذلك ترجمة الإمام النووي ترجمة حافلة في
«تهذيب الأسماء واللغات)) ١ / ٢ / ١٧ - ٢٤ وقال في أولها: ((تكرر في ((المختصر))
و «المهذب)».» .
(١) انظرها في آخر ((تاريخ يحيى بن معين)» رواية الدوري ٤: ٤٨٧ وما بعدها، و((تاريخ
يعقوب بن سفيان الفَسوي)) ١: ٦٨٧ و((إعلام الموقعين)) ٣: ٨٣ - ٨٥.
- ١١ -

وأما المالكية فيكثرون من ذكره في كتبهم أكثر من غيرهم ، ومالك إمام المذهب ذكر
عمر بن عبد العزيز في ((الموطأ)) محتجاً بفتواه وقولِه في أكثر من عشرين موضعاً ، سوى
ذکړه له فيما يرويه من طريقه .
وأما الحنبلية فكذلك ، يذكرونه كثيراً، وعمر هو الذي قال فيه الإمام أحمد :
(( لا أدري قولَ أحد من التابعين حجةً إلا قولَ عمر بن عبد العزيز)). وكفاه هذا(١).
وقال المرداوي الحنبلي في ((الإنصاف)) ١١: ١٨٤: ((وذكر أبو المعالي عن الإمام
أحمد رحمه الله : يقلّد - أي القاضي - صحابياً، ويخيَّر فيهم ، ومن التابعين عمر بن
عبد العزيز رضي الله عنه فقط )) .
وكفانا قولُ الإمام أحمدَ أيضاً: ((إذا رأيتَ الرجلَ يحبُّ عمر بن عبد العزيز ويذكر
محاسنه وينشرها فاعلم أن من وراء ذلك خيراً إن شاء الله))(٢).
وقبل الانتقال إلى الحديث عن الأمر الثاني ، أودّ أن أعرِض لإشكال والإجابة عنه .
قد يقول قائل : إذا كان عمر بن عبد العزيز بهذه المثابة في سعة العلم والإمامة فيه ،
ويُعْدَل بابن شهاب الزهري ، فلَمَ لم يشتهر بالعلم هذه الشهرة ، ولم يُنقل عنه من العلم
- ماتُقل عن غيره من الأئمة : كالزهري ومالك وابن عيينة وأمثالهم ؟!
والجواب عنه : أن العلم تحمُّل وأداء : تحمُّل وأخذ واستماع ؛ وأداء ورواية وتحديث .
وقد يسّر الله تعالى لعمر بن عبد العزيز الجانب الأول من العلم ، وهو تحملُه وتلقّيه
له ، ولم يتيسر له الجانب الثاني إلا قليلاً .
فلما بعث به أبوه إلى المدينة المنورة ، توفّر على استماع العلم وتحمله ، إلى أن خرج
من المدينة المنورة ولم يترك فيها أحداً أعلم منه ، كما تقدم ، ثم شُغل يامارتها ، ثم جُمع إليه
معها إمارة مكة المكرمة ، ثم ألقيت عليه الخلافة بثقلها وأعبائها ، فلم يتفرغ لأداء ما تحمَّل
إلا قليلاً .
(١) البداية والنهاية ٩ : ١٩٢ .
(٢) سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص ٦١ .
- ١٢ -

وعذره في هذا عذر غيره من أئمة السلف .
فأبو بكر الصديق رضي الله عنه: كان أطولَ الصحابة صحبةً لرسول الله ظاهرِ،
وأكثرهم ملازمة له ، ولم يُنقل عنه من الرواية إلا أقلُّ من القليل(١)، وعذره تعجُّل
وفاته ، وانهاكه في حروب الردة ، وأمور الخلافة .
وحفيده القاسم بن محمد: كان إماماً في الحديث والفقه، ولم يُنقل عنه منها إلا
القليل ، الإيثاره العزلة والسكوت .
وأبو حنيفة الإمام : لم يرو من الحديث إلا القليلُ الذي لا يتفق وإمامته وما نُقل
عنه من إكثاره التحملَ وأُخْذِه عن أربعة آلاف شيخ ! وعذره تفرُّغه للفقه والتفقيه .
وبِشْرّ الحافي : كان كثيرَ التحمل والسماع، ولم ينقل عنه إلا النادر على سبيل
المذاكرة لا التحديث ، وعذره اعتزاله الناس وإقبالُه على العبادة.
ومن الخلفاء : عبد الملك بن مروان ، وأبو جعفر المنصور وغيرهما ، شَغَلتْهم السياسة
وأثِّرَتْ في سلوكهم .
وهكذا كان عمر بن عبد العزيز: كثير التحمل قليل الأداء ، ولولا ما شُغل به من
أمور المسلمين لنُقل عنه من العلم ما تقل عن أقرانه الأئمة . يضاف إليه : انقضاء أجله في
الأربعين من عمره . رحمه الله تعالى .
وأما الأمر الثاني - وهو نشره العلم في الأمصار والبوادي - : فذلك في إرساله
العلماء إليها ليعلِّموا أهلها شرع الله ويفقهوهم فيه ، متأسّاً في ذلك بجده لأمه عمر بن
الخطاب رضي الله عنه(٢).
(١) ذكر له السيوطي في تاريخ الخلفاء ص ٨٧ - ٩٤ أربعة أحاديث ومائة حديث ، وطبع مسند
أبي بكر الصديق للحافظ أبي بكر المروزي ، وقد بلغ ترقيم أحاديثه ١٤٢ حديثاً، وفيها من
المكرر الكثير ، كما أن فيها الصحيح وغيره .
(٢) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ((التهذيب، ٦: ٤٢ ترجمة الصحابي عبد الله بن مغفَّل
المزني المدني المتوفى سنة ٦٠ - أو نحوها -: ((قال الحسن البصري : كان أحد العشرة الذين =
- ١٣ -

قال الحافظ الذهبي رحمه الله في ((تذكرة الحفاظ)) ص ١٠٠ في ترجمة نافع مولى ابن
عمر: ((قال عُبيد الله بن عمر: بعث عمر بن عبد العزيز نافعاً إلى أهل مصر يُعلِّمهم
السنن» .
بل لقد عُرف في تاريخ مدينة القيروان عَشَرةُ رجالٍ من التابعين أرسلهم عمر بن
عبد العزيز إلى القيروان ليفقِّهوا أهلها ويعلّموهم ، فإذا ترجم المغاربة لواحد منهم وصفوه
بأنه : أحد العشرة التابعين الذين وجههم عمر إلى أهل إفريقية. وتراجمهم منتشرة في
طبقات علماء القيروان والمغاربة والمالكية ، حسبما يتّجه إيراده للمؤلف . إلا أن أبا بكر
المالكي رحمه الله جَمَعهم في مكان واحد من كتابه (( رياض النفوس)) ١: ٦٤ - ٧٦ ،
فذكرهم بعد ذكره لمن دخل القيروان من الصحابة ، وسردهم عَشَرةً ، وترجم لهم ، وساق
نوادرَ من أخبارِ بعضِهم ، ولولا خشية الإطالة لنقلت كلامه كلّه، فأكتفي بهذه الإحالة
الجملة إليه، وإلى ((معالم الإيمان)) خاصة، وإلى ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر إن
كانت له ترجمة فيه .
كما ذكرهم من المعاصرين العلامة محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله في كتابه الممتع
((أليس الصبح بقريب)) ص ٦٥، وترجم لهم ولده العلامة محمد الفاضل بن عاشور في
كتابه (( أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي )» ص ٨ - ١٤ .
فأولهم : أبو ثمامة بكر بن سَوادة الجذامي المصري. قال الحافظ في ((التهذيب))
١ : ٤٨٤: (( أرسله عمر بن عبد العزيز إلى أهل إفريقية ليفقههم)) وكان مفتياً فقيهاً.
الثاني: عبد الرحمن بن رافع التنوخي، قال الحافظ في ((التهذيب)) ٦ : ١٦٨
والدباغ في ((معالم الإيمان)) ١: ١٩٨: ((كان أحد الفقهاء العشرة الذين أرسلهم عمر بن
عبد العزيز ليفقهوا أهل إفْريقيَّة))(١)، وهو أول من استقضي فيها بعد فتحها .
= بعثهم إلينا عمر يفقهون الناس، وكان من نقباء أصحابه)). وقول الحسن ((بعثهم إلينا)):
يريد : بعثهم إلى أهل بلده البصرة .
(١) وعبد الرحمن هذا مرضي في ذاته، إنما تكلم فيه من قبل بعض الرواة عنه، انظر ((الميزان))
٢: ٢٥٦ و((مشاهير علماء الأمصار)» لابن حبان ص ١٢١، وتعليق العلامة أحمد شاكر
رحمه الله على («المسند» ١٠ : ٧٢ .
- ١٤ _

الثالث: عبد الله بن يزيد الحبُلِيُّ، قال في ((التهذيب)) ٦: ٨٢، و«معالم
الإيمان)) ١: ١٨٠: « بعثه عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية ليفقههم ، فبثّ فيها علماً
کثیراً )» ، وله حِكم وعجائب .
الرابع : طَلْق بن جعبان - أو: جابان - الفارسي . قال الأمير الحافظ ابن ماكٌولا
رحمه الله في ((الإكمال)) ٢: ١٠٨، والدباغ في «معالم الإيمان)) ١: ٢١٥: ((كان أحد النفر
الذين بعث بهم عمر بن عبد العزيز من فقهاء مصر إلى المغرب ليفقهوهم».
الخامس: سعد بن مسعود التُّجيبي، ذكره الدباغ ١: ١٨٤ وقال: (( سكن
القيروان، وبث فيها علماً كثيراً ))، وله خبرٌ عزيز مع زَبّان(١) بن عبد العزيز أخي عمر،
وكان آنذاك أمير مصر، انظره في ((رياض النفوس)).
السادس: إسماعيل بن عبيد الأنصاري - ولاء - المعروف بـ ((تاجر الله))، ذكره
الدباغ أيضاً ١: ١٩١ وقال: (( سكن القيروان وانتفع به خلق كثير من أهلها وغيرهم » ثم
قال: ((غرق في البحر فمات وهو معانقٌ للمصحف وذلك سنة سبع ومائة، وإنما شمي
((تاجر الله)) لأنه جعل ثلث كسبه لله عز وجل ، يصرفه في وجوه الخير)) ، وله خبر
طريف في إسعاف المعوزين وإدخال السرور عليهم ، ذكره مطولاً المالكي في «رياض
النفوس)) وقال: ((وهو الذي بنى المسجد الكبير بالقيروان الذي يعرف الآن بمسجد
الزيتونة )» .
السابع : إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي ، ترجمه الدباغ ١ : ٢٠٢
والحافظ في ((التهذيب)) ١: ٣١٧، وذكره خليفة بن خياط في ((تاريخه)) ص ٤٦٦
وقالوا: ((أسلم عامةُ البربر في ولايته))! وقال الطبري - كما في ((رياض النفوس)) - :
(( كان خير والٍ وخير أمير » .
الثامن: أبو سعيد جُعْثُل بن هاعان الرُّعَيني القِتْباني المصري ، ذكره الدباغ في
(١) هكذا صوابه: زاي مفتوحة، وباء موحدة مشددة. وتحرف في ((رياض النفوس)) أكثر من
مرة إلى : الريان .
- ١٥ -