Indexed OCR Text

Pages 1-20

الموتَوعَة الَحَدِيثَّة
مُسْتَك
الأَمرَِبَد
(١٦٤-٢٤١ هـ )
الجزء الأوَّل
حقَّقَهُ وَخَتَّجَ أحَادِيثِهِ وَعَلّقْ عَلَیْهِ
◌ُشعيبالأرنَوْوط
عَادِل مُرْشِد
مؤسسة الرسالة
:

المؤسُوعَة المَشْيَة
مُسَنَّكُ
منـ
s ul
:
:
=
....
:
٠٠

مُقُوقُ الْظُ مَّقُظٌُّ
وَلَا يَحِقْ لأُنْ جَهَةٍ أَن تَطْبَعَ أوْ تُعْطِيَّحَقّ الطّبْعْ لِأَحَدٍ
سَوَاءَ كَانَتْ مُؤْسَّسَةٌ رَسْمَيَّةً أو أفرادًا
الطبعة الأولى
١٤١٦هـ - ١٩٩٥م
مؤسسة الرسالة مؤسسة الرسالة - بيروت - شارع سوريا - بناية صَمَدِي وَصالحة
للطباعة والنشر وَالتوزيع هاتف ٣١٩٠٣٩ -٨١٥١١٢ - ص.ب ٧٤٦٠ بَرْقَيًا: بيوسشَران
--------- -

٠٫٥٠
.... ..
٠ ٠٠ - ٠٠٠٠ ١
٠٫٠٠
المُؤَسُوعَةُ الرَدْمَة
تُقَدُِّهَا مُؤْسَّسَةُ الرَّسَالَةِ للْطِبَاعَةِ وَالنّشْر وَالتَّوْزِيع
بَيْروت
المشرف العام عَلى صَدارهَا
الدكتور عبد اللّه بن عبدالمحسن التركي
المشرف على تَحَقيقَها وَتَخِيجُ نصوصهَا وَالتَّعَليقعَليها
الشَيخِ المحدّث شعيب الأرنؤوط
المشاركونَ في التَّحَقِيق
محمّد نعيم العرقسوسي عَادل مُرشد إبراهيم الزّين
شعيب الأرنؤوط
محمد رضوان العرقسوسي كامِل الخراط
...

بقلم: مَعَال الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي
الحمدُ للهِ الذي حَفِظَ القرآنَ العظيمَ بحفظه، فقال تبارك
اسمه :
﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ
تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.
: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
والحمدُ لله الذي جَعَلَ من عصمة الكتاب عصمةً لِبيانٍ
الكتاب، وهو السنةُ المُطَهِّرَةُ، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ
لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكِّرُونَ﴾.
فإِنَّما كان بيانُ السنة للكتاب وحياً من الله: ﴿لاتُحَرِّكْ بِهِ
لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَتَبْعْ قُرآنُهُ،
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيَانَهُ﴾ .
والصلاةُ والسلامُ على الرحمة المهداةِ، والنّعمةِ المُسْداةِ، إِمام
الأنبياءِ والمرسلين وخاتَمِهِم الذي أخرج الله به الناسَ مِن الظلمات

إِلى النورِ، وأَكْمَلَ به الدينَ، وأَتَّمَّ به النِّعمة، وأَقَامَ به الحُجَّةَ
العلميةَ بالبرهان، والحجة العملية بالقدوةِ، سَيِّدِنا محمد، وعلى آله
وصحبه، ومَنْ تبعهم بإحسانٍ.
أَمَّا بعدُ، فلم يَكُن الله - تعالى - لِيْرُكَ الناسَ سُدىً، وهو
الحكيمُ العليمُ، الرحيمُ الودودُ:
﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىٌ﴾ .
﴿أَفَحَسِبْتُم أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وأنَّكم إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ .
﴿أَفْتَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ .
وَمِن رحمته - تعالى - بالعبادِ أُن أرسلَ إِليهم أُنبياءَ ورسلاً،
بالهدى ودين الحَقِّ منذ البدء:
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ،
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِنَّكُمْ مِنِّي هُدىٍ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ
فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .
ولقد اطَرَدَ هَدْيُ السَّماءِ في الموكب البشري:
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلى نُوحٍ والنَّبِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وأَوْحَيْنَا
إلى إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ وإِسْحَاقَ ويَعْقُوبَ والأَسْبَاطِ وَعِيسى وأَيوبَ
ويُونُسَ وهَارُونَ وسُلَيْمَانَ وآتينا داودَ زَبُوراً، وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ
عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ورُسُلَّا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وكلَّمَ الله مُوسَى
تَكْلِيماً، رُسُلَّ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِثَلَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ على اللهِ حُجَّةٌ
بَعْدَ الرُّسُلِ وكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً﴾.
٦
........
...- --
٠٠ ....
..................... ..... .. ..... .......... | -
:
:
----

الكتاب العظيم:
ثم ابتعث الله - على فترةٍ من الرُّسُلِ - أَعظم المُرْسَلِينَ بأعظمِ
كتاب :
﴿أَلَّرِ تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنَاً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذا
القُرآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِينَ﴾ .
:﴿وَلَقَدْ آتَيْنَكَ سَبْعاً مِنَ المَثَانِي وَالقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ .
﴿إِنَّهُ لَّقُرآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمْسُّهُ إِلَّ الْمُطَهَّرُونَ،
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبَِّ العَالَمِينَ﴾.
﴿قُلْ أُوحِيَ إِليَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرآناً
عَجَباً، يَهْدِي إِلى الرُّشْدِ فَآَمَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾.
* ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لَا يَأْتِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ
تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.
· الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾.
* ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ ◌ِوَجاً،
قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً، مَاكِئِينَ فِيهِ أَبداً﴾ .
الرسول العظيم :
ولا يحمل الكتابَ العظيمَ إِلا الرسولُ العَظِيمُ:
٧

﴿اللّه أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.
فلم يمش على الأرْضِ إِنسانُ أَكْرَمُ على الله، وأَتْقى لَه، وأَبّ
بِخَلْقِهِ مِنَ النَّبِيِّ محمَّدٍ لِ﴾.
:﴿وَرَحْمَتِي وَسَعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيَؤْتُونَ الزُّكَاةَ
والَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبيَّ الْأَمِّيَّ الَّذِي
يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي النَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ
وبْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطََِّّاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ
وَضَعُ عَنْهُمَّ إِصْرَهُمَّ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهـ
وعَزّرُوهُ ونَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أَنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ،
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهَ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الذي لَهُ مُلْكُ
السَّمَوْاتِ والأَرْضِ لاَ إِلهَ إِلَّ هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ
النبيِّ الْأُمِّيِّ الذي يُؤْمِنُ باللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبِّراً وَنَذِيراً، ودَاعِياً إِلى اللهِ
بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، وَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً
كُبِيراً﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ﴾.
: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِثُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ
بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾
المسؤولية الأولى: تلاوة القرآن:
ولقد أَدَّى الرسولُ بَّهِ الأَمَانَةَ، وتحَمَّلَ المسؤولیةَ.
٨
......................................... .......... .. .. ... .......... .
....

ومِنَ الأَمانَةِ والمسؤوليةِ تلاوةُ آيَاتِ الكتابِ المُبِينِ على
الناس :
﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرآنَ، فَمَنِ اهْتَدِى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَنْ ضَلِّ
فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا ويُزَكِيكُمْ
ويُعَلِّمُكُم الكِتَابَ والحِكْمَةَ ويُعَلَّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿قَدْ أَنْزَلَ اللهِ إِلَيْكُمْ ذِكْراً، رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبِينَاتٍ
لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ﴾.
﴿وَثْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابٍ رَبِّكَ﴾ .
﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً، فِيها كُتُبُ قَيِّمَةٌ﴾.
استنان السنة :
وابتعث الله الرسولَ وَّهِ، وأَوحَى إليه أنْ يعَلِّمَ الناسَ الكِتَابَ،
ويُبين لهم ما نُزَّلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهم:
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأَمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
ويُزَكِيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والحِكْمَةَ وإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَّفِي ضَلالٍ
مُبينٍ﴾ .
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾.
ومِنَ البيان والتعليم: تعليمُ الناسِ كيفياتِ الطهارة والصلاة

والزكاة والصيام والحج، والحلال والحرامِ في البيوعِ والمطاعمِ
والمشاربِ والمناكح .. وغير ذلك مما بيِّنْتُهُ السُّنَّةُ، وعلَّمَتّه للناس.
قال الإِمامُ الشافعيُّ - رحمه الله - في ((الرسالة)) ..: ((قال الله
تبارك وتعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُم
إِلى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُم وَأَرْجُلَكُمْ إِلى الكَعْبَينِ وَإِنْ كُنْتُمْ
جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ .
وقال: ﴿وَلاَ جُنُباً إِلَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
فأتى كتابُ الله على البيانِ في الوضوءِ دونَ الاستنجاءِ
بالحجارة، وفي الغسل من الجنابة.
ثم كان أقل غسل الوجه والأعضاء مرةً مرةً، واحتمل ما هو
أكثرُ منها، فَبيِّنَ رسولُ الله ◌َِّ الوضوءَ مرةً، وتوضأ ثلاثاً، ودَلَّ على
أن أقلَّ غسل الأعضاءِ يُجزىء، وأن أقلَّ عدد الغسلِ واحدة، وإِذا
أجزأت واحدة فالثلاث اختيارٌ.
ودلّت السنةُ على أنَّه يُجزىء في الاستنجاءِ ثلاثةُ أحجار، ودلَّ
النبيُّ على ما يكونُ منه الوضوء، وما يكونُ منه الغُسْلُ، ودلَّ على
أنَّ الكعبين والمرفقين مما يغسل، لُأَنَّ الآية تحتملُ أن يكونا حَدَّيْن
للغَسل، وأن يكونا داخلين في الغَسل، ولما قال رسول الله: ((وَيْلٌ
لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ) ذَلَّ على أنَّه غَسْلٌ لا مسحُ)).
ثم ذكر الشافعي آياتِ الصلاة والحج والعُمرة، وقال: (بَيَّنَ الله
١٠
٠٠٠٠
. ..-* - . |

....
على لِسان رسولِه عَدَدَ ما فَرِض مِن الصَّلواتِ ومواقيتها وسننها،
وعدد الزكاة ومواقيتها، وكيف عمل الحج والعمرة، وحيث يزولُ هذا
ويثبت، وتختلف سُنْتُهُ وتَتَّفْقُ ولهذا أشباه كثيرةٌ في القُرآن والسنة».
سنة التزكية بالقدوة :
وابتعث الله تعالى رسولَه نَّه ليزكي النفوسَ والمسالكَ بالقُدوة
الحيَّةِ الماثلة المجلوة:
﴿لَقَدْ مَنَّ الله على المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ
يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلَّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ وإِنْ كَانُوا مِنْ
قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
والتزكيةُ بالقدوة هي السنةُ:
﴿لَقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ
واليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ .
سنة تعليم الحكمة :
وابتعَث الله تعالى نبيَّهِ وَ﴿ لِيُعَلَّمَ الناسَ الحِكمة:
﴿رَبِّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ
والحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ وما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الكِتَابِ والحِكْمَةِ
يَعظكُمْ بِهِ﴾.
﴿وَأَنْزَّلَ الله عَلَيْكَ الكِتَابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
١١

.............................
وكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً﴾.
إِذْلِكَ مِمَّا أَوْحِى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾.
﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله والحِكْمَةِ﴾.
والحكمة: هي السُّنَّةُ.
قال الشافعي - رحمه الله -: ((فذكر الله الكتابَ وهو القرآنُ،
وذَكَرَ الحِكمةَ، فسمعتُ مَنْ أَرْضَى مِن أَهل العلم بالقُرآن يقول:
الحِكمة: سنةُ رسولِ الله)).
وقال ابنُ كثير - رحمه الله -: ((وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ
الكِتَابَ﴾ يعني القرآنَ. ﴿والحِكْمَةَ﴾ يعني السنة، قاله الحسنُ
وقتادة ومقاتلُ بنُ حيان وأبو مالك)).
لا إِسلامَ بِغِيرِ السُّنَّةِ :
إِن أَمَرَ السنةِ المطهرةِ جِدُّ عَظيم.
ولا يُتَصوَّرُ إِسلامٌ بلا سنة، ولا يُفهم إِسلام بلا سُنَّة، ولا يُقبل
إسلام بلا سنة .
لقد قال رسولُ الله ◌ََّ: ((أَلا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ ومِثلَهُ مَعَهُ)).
هذا المِثْلُ هو: السنةُ الشريفة بشُعَبها جميعاً: القول والفعل
والتقرير.
لا جرَم أن الله - تَقَدَّس اسمُه - أُلزَمَ المؤمنينَ باتباعِ سنة
الرسول وَله، يقول الله تعالى:
١٢
٣٠٠ -..

* ﴿ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهِ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ
لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ومَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا
%
مبيناً﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينِ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى الله والرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنونَ
بِاللهِ واليَومِ الآخرِ ذلك خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾.
· ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي الله وَرَسُولِه واتّقُوا اللهَ
إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أُصواتَكُمْ فَوْقَ
صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعضٍ أَنْ
تَحْبطَ أَعْمَالُكُمْ وأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ .
﴿فَلْيَحْذَرِ الذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَو يُصِيبَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا
يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسلِيماً﴾.
: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ
اللّهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ .
﴿والنَّجْمِ إِذَا هَوَى، ما ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ومَا غَوَى، وما يُنْطِقُ عَنِ
الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾.
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيِّنَ له الهُدَى وَتَّبَعْ غَيْرَ سَبِيلِ
الْمُؤْمِنِينَ نُوَلَّهِ مَا تَلَّى ونُصْلِهِ جَهَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾.
١٣

﴿فَاتّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَه إِنْ كُنْتُم
مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا
أَعْمَالگمْ﴾.
-------<<<********-******-* ......
.............
﴿فَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأَمِّيِّ الذي يُؤْمِنُ باللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ .
:﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِيْكُمُ اللهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبِكُمْ
والله غَفورٌ رَحِيمٌ، قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فإِنَّ اللهَ
لايُحِبُّ الکَافِرِينَ﴾ .
السنة ميزان الأعمال والأقوال:
ويعلمُ الراسخون في العلم، أهلُ التقوى والعقلِ والصلاحِ:
أن السنةَ المطهرة هي ميزانُ الأعمال والأقوال، فالعلمُ بها واجِبُ
لِصِحة العمل، والعملُ بها واجب، يقولُ تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ
وأَطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾.
ومن زَاغَ عن السُّنَّة متعمِّداً، هلك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ
عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُم فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
يقول ابن القيم - رحمه الله - في ((زاد المعاد)) .. ((والمقصودُ
أنَّ بحسب متابعة الرسول تكون العزَّةُ والكفاية والنَّصرةُ، كما أن
بحسب متابعته تكونُ الهدايةُ والفلاحُ والنجاةُ، فالله سبحانه عَلَّقَ
١٤
. ..... ........
٠٠.
:
:

سعادةَ الدَّارَيْنِ بمتابعته، وجعل شقاوةً الدارين في مخالفته،
فلأتباعه الهُدى والأمنُ، والفلاحُ والعزَّةُ، والكفايةُ والنّصرةُ، والولاية
والتأييدُ، وطيبُ العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذُّلةُ والصَّغارُ،
والخوفُ والضلالُ، والخِذلان والشقاءُ في الدنيا والآخرة، وقد أُقسم
* بأن لا يُؤمِن أَحَدُكُم حتى يَكُونَ هو أُحبَّ إِلیه مِن ولدِهِ ووالدِهِ
والناسِ أَجمعين، وأَقْسَمَ الله سبحانه بأن لا يؤمن من لا يُحكِّمُه
في كل ما تنازَعَ فيه هو وغيرُه، ثم يرضى بحكمه، ولا يجدُ في
نفسه حرجاً مما حكم به، ثم يُسَلِّمُ له تسليماً، وينقادُ له انقياداً،
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهِ وَرَسُولُه أَمْراً
أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فَقَطَع سبحانه وتعالى التَّخييرَ بعد
أمره وأمر رسولهِ، فليس لمؤمنٍ أن يختارَ شيئاً بعد أمره وَّر، بل
إِذا أَمَرَ فَأمُرُهُ حتم، وإنما الخِيرَةُ في قولٍ غيرِهِ إِذا خَفِي أَمْرُهُ،
وكان ذلك الغيرُ مِن أهل العلم به وبسنته، فبهذه الشروطِ يكونُ
قولُ غيره سائغَ الاتباع، لا واجبَ الاتباعِ، فلا يجب على أحدٍ
اسْبَاعُ قولِ أحدٍ سواه، بل غايتُه أنه يسوغُ له اتباعُه، ولو تَرَكَ الأخْذَ
بقول غيره، لم يكن عاصياً لله ورسوله، فأينَ هذا ممن يَجِبُ على
جمِيعِ المكلَّفينَ اتِّباعُه، ويَحْرُمُ عليهم مخالفته، ويجبُ عليهم
تركُ كُلِّ قول لِقوله، فلا حُكْمَ لأحدٍ معه، ولا قولَ لأحدٍ معه،
كما لا تشريعَ لأحدٍ معه، وكل مَنْ سواه ، فإنما يجب اتباعُه على
قوله إِذا أُمَرَ بما أمر به، ونهى عما نهى عنه، فكانَ مُبَلِّغاً محضاً،
ومخبراً لا مُنْشِئاً ومُؤسِّساً، فمنِ أَنْشأَ أقوالاً وأَسَّسَ قواعِدَ بحسب
فهمِه وتأويلِه، لم يجب على الأمَّةِ اتِّباعُها، ولا التحاكمُ إِليها حتى
٥
٠٠ ....
:
١٠٠٫٥٠٠ ٠٠
| -.....- ٠.٠٠ ٠.٠٠ ٠٫ ..
:

تُعرض على ما جاءَ بِهِ الرَّسولُ، فإن طابقته ووافقته وشهد لها
بالصحة، قُبِلَتْ حِينئذٍ، وإِن خالفته وجب ردُّها واطْرَاحُهَا)).
الإِمام المُحبُّ للسنة المُدافع عن حماها:
إِنَّ سَنَا الحَقِّ مُتَأَلُّقٌ يَراهُ كُلُّ ذِي عينين، ولكن هناك من
يتجافى عن السعادة، فيغلق عينيه دونَ النور.
لقد أرجف أقوامٌ حول السنة بأراجيفَ كثيرة.
ومن نبوءات الرسولِ ودلائل إعجازِهِ أَنَّه ◌ِو ◌َ حَذَّرَ من هؤلاءٍ
المُرْجِفِينَ الَّذِينَ سَيَأْتُونَ مِن بعد، فقال: ((يُوشِكُ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ
منكم على أُرِيكَتِهِ، يُحَدِّثُ بحديثي فيقول: بيني وبينَكُم كِتابُ
الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرَّمناه، ٪
وإنَّ ما حَرَّمَ رسولُ الله كما حرَّمَ الله)).
ألا إِنَّ السُّنة محفوظةٌ بحِفْظِ الله .
ومن دلائل حفظه - سبحانه - لسنة نبيه: أنه انتدبَ رجالاً **
يذودون عن السنة ذَوْدَ الكريمِ العزيز عن حوضه، ويَرُدُّون عنها رَوَّ ** ،
الغيور يد الجاني عن الحرم ..
ومن هؤلاء الأَئِمَّةِ الأعلام: الإِمامُ أَحْمد بن محمد بن حنبل
الشيباني .
......
| ٠٠ .... ..........
فقد كان - بحقِّ - رجلَ السُّنَّة، وإِمامَ أهل السنة والجماعة في
عصره .
يقول عنه موفق الدين ابنُ قدامة المقدسي - رحمه الله - في *
١٦
..... ..

كتابه ((المغني)): ((فإِنَّ الله برحمته وطَوْلِه، وقوَّتِه وحَوْلِه، ضَمِنَ بقاءً
طائفة من هذه الأمَّة على الحقِّ لا يضرُّهم مَنْ خَذَلهم حتى يأتِيّ
أَمْرُ الله وهم على ذلك، وجعل السببَ في بقائهم بقاءَ عُلمائهم،
واقتداءَهم بأَئِمَّتِهِم وفُقْهَائِهم، وجعل هذه الأُمَّة مع عُلمائِها، كالأمم
الخالية مع أنبيائِها، وأظهرَ في كُلِّ طبقةٍ من فقهائها أئمةٌ يُقتدى
بها، وينتهى إِلى رَأيها، وجعل في سلف هذه الأمة أئمةً من
الأعلام، مهّد بهم قواعِدَ الإِسلام، وأُوضَحَ بهم مشكلاتِ
الأحكام، اتِّفَاقُهُم حُجَّةٌ قَاطِعةٌ، واختلافُهم رحمةٌ واسعة، تحيا
القلوبُ بأخبارِهِمْ، وتحصلُ السعادة باقتفاء آثارِهم، ثم اختصَّ منهم
نفراً أُعلى أقدارَهم ومناصبهم، وأبقى ذكرهم ومذاهبهم، فعلى
أقوالهم مدارُ الأحكام، وبمذاهبهم يُفتي فُقهاءُ الإِسلام.
وكان إِمامُنَا ((أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله
عنه)) مِن أوفاهم فضيلة، وأقربهم إلى الله وسيلةً، وأتبعهم لِرسول
الله آل﴾، وأعلمهم به)).
وقال عنه الإِمام الشافعي - رحمه الله -: ((أحمدُ ابن حنبل إمامٌ
في خصالٍ كثيرةٍ: إِمامُ في الحديث، إِمامٌ في الفِقْهِ، إِمامٌ في
القُرآنِ، إِمامٌ في الزُّهْدِ، إِمامُ في الوَرَعِ، إِمامُ فِي السُّنَّةِ».
ومن تعظيم الإِمام أحمد للسنةِ:
* ما أورده الإِمامُ ابنُ تيمية - رحمه الله - في ((الصارم المسلول))
إِذ قال: ((قال الإِمامُ أحمد في رواية الفضل بنِ زياد: نظرتُ في
١٧

............
.........
المصحف، فوجدتُ طاعةَ الرسولِ ﴿ في ثلاثة وثلاثين موضعاً،
ثم جعل يتلو: ﴿فَلْيَحْذّرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ
فِتْنَةٌ﴾ الآية، وجعل يُكررها ويقولُ: وما الفتنةُ؟ الشرك، لعله إِذا
رَدَّ بعضَ قولِهِ أَن يَقَعَ في قلبه شيء من الزيغ، فيزيغ قلبُه فيهلِكه
وجعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فيما
شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ .
* ما ذكره ابن الجوزي - رحمه الله - في ((مناقب الإِمام أحمد ابن
حنبل)) إذ قال: ((سمعتُ عبدَ الملك الميموني يقول: ما رأت
عيناي أفضلَ مِن أحمد ابن حنبل، وما رأيتُ أحداً من المحدثين
أَشدَّ تعظيماً لِحرمات اللهَ عز وجل وسنَّةِ نبيه وَ إِذا صحت
عنده، ولا أشدَّ اتِّباعاً منه)).
وذكر - أي ابن الجوزي - عن أبي بكر الأثرم، قال: سمعتُ
أبا عبد الله أحمد ابن حنبل يقول: إنما هو السنةُ والاتباعُ، وإنما
القياسُ أن تَقيسَ على أصلٍ، أما أن تجيءَ إلى الأصل فتهدمه،
ثم تقول: هذا قياس، فعلى أي شيء كان هذا القياس؟ .
ونقل أيضاً عن صالح بن أحمد ابن حنبل، قال: سمعتُ أبي
يقول: ((مَنْ عَظَّمَ أصحابَ الحديثِ تَعَظّمَ في عين رسولِ الله،
ومن حَقَّرَهُمْ سَقَطَ مِن عين رسولِ الله، لأن أصحابَ الحديث
أحبارُ رسولِ اللهِ وَ﴿)).
* ما ذكره ابن القيم - رحمه الله - في ((أعلام الموقعين)) إِذ نقل
عن الإِمام أحمد قوله - من كتابه: ((طاعة الرسول)) -: ((إن الله
١٨

جلَّ ثناؤه، وتقدَّست أسماؤه بَعَثَ محمداً بالهدى ودين الحق
لِيُظهره على الدِّين كُلُّه ولو كره المشركون، وأنزلَ عليه كتابه فيه
الهدى والنورُ لمن اتبعه، وجعل رسولَه الدَّالَّ على ما أراد، مِن
ظاهره وباطنه، وخاصِّه وعامِّه، وناسِخهِ ومَنسُوخِهِ، وما قَصَدَ له
الكتاب، فكان رسولُ اللهِ وَِّ هو المُعَبِّرَ عن كتاب الله، الدالَّ
على معانيه، شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه
واصطفاهم له، ونقلُوا عنه، فكانوا هم أعلمَ الناسِ برسول الله
﴿4﴾، وبما أراد الله مِن كتابه بمشاهدتهم وما قَصَدَ له الكتاب،
فكانوا هُمُ المعبرين عن ذلك بعدَ رسولِ اللهِ وََّ، قال جابر:
ورسول الله ◌َّ﴾ بين أظهرنا عليه يَنْزِلُ القرآن، وهو يعرفُ تأويله،
وما عَمِلَ به من شيء عملنا به)).
المدرسة المتكاملة :
إِن الإِمامَ أحمد ابن حنبل مدرسةٌ متكاملةٌ في منهج الاعتقادِ،
والحديثِ، والاجتهادِ، والفقه.
وقِوامُ هذا المنهج: التمسكُ بالسنة، والمشي في خطى
الرسولِ وَ﴾.
وينبغي فتق الوعي - هاهنا - على حقيقتين عظيمتين:
الأولى هي: أنه قد تخرَّجَ في مدرسة الإِمام أحمد ابن حنبل
أئمةٌ أعلام، منهم: الخِرقي، وابنُ قُدامة المقدسي، وابنُ رجب
الحنبلي، وابنُ الجوزي، وأبو يعلى، وابنُ تيمية، وابنُ القيّم
١٩
٠ ٠٠٠

وغيرهم ممن اغترفوا من مَعين الإِمام أحمد، وأضافوا إليه من
جهودهم المباركة، واجتهاداتهم السديدة ما أثرى المذهبَ
الحنبلي، ورفده بنفائسَ علمية عالية القيمة والقدر في مختلفٍ فنونٍ
علوم الإِسلام.
الحقيقة الثانية هي: أن هؤلاء الرجالَ الأفذاذَ الفحولَ، لزموا
غَرْزُ السنة، واتبعوا مستنها بَّ هَ، فما منهم إلا صاحب سنة فيما
يأتي، وفيما يَذَرُ.
ولا غرو، فمذهبُ الإِمام أحمد مبني على السنة.
يقول شيخُ الإِسلام ابن تيمية - في التمذهب من أصول
الفقه -: ((ومَن كان خبيراً بأصولٍ أحمد ونصوصِه، عرف الراجح
في مذهبه في عامّة المسائل، وإن كان له بَصَرٌ بالأدلة الشرعية،
عرف الراجحَ في الشرع، وأحمد كان أعلمَ مِنْ غيره بالكتاب
والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولهذا لا يَكَادُ يوجد
له قول يُخالف نصاً كما يُوجد لِغيره، ولا يوجد له قولٌ ضعيف
في الغالب إلا وفي المذهب قول يُوافق القولَ الأقوى. وأكثرُ
مفاريده التي لم يختلفْ فيها مذهبُه يكونُ قوله فيها راجحاً، كقوله
بجواز فسخ الإِفراد والقِران إلى التمتع، وقبوله شهادة أهل الذمة
على المسلمين عندَ الحاجة، كالوصية في السفر، وقوله بتحريم
نكاح الزانية حتى تتوبَ، وقوله بجوازٍ شهادة العبد، وقوله بأن السنةً
للمتيمم أن يمسح الكُوعين بضربةٍ واحدةٍ، وقوله في المستحاضة
بأنها تارةً ترجِعُ إلى العادة، وتارةً ترجع إلى التمييز، وتارةً ترجع
٢٠