Indexed OCR Text
Pages 401-420
سنة تسع وتسعين، ببغداد، اجتمع في الرصافة أعلام أصحاب الحديث، فمنهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهما. فكان صدر المجلس لإسحاق، وهو الخطيب. اهـ. ومع هذا كان يروي عنهما، وعن غيرهما من كبار أقرانه(١). كما أن أقرانه كانوا يروون عنه، كما هي عادة المحدثين في الأخذ عن أقرانهم وعمن هم في طبقة تلاميذهم. وكان في الحفظ آية من آيات الله، لا يسمع شيئاً إلَّ حفظه، ولا حفظ شيئاً فنسيه. قال ابن عدي(٢): ثنا محمد بن يوسف الفريابي، ثنا علي بن خشرم، ثنا ابن فضيل، عن ابن شبرمة، عن الشعبي، قال: ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل بحديث قط إلاَّ حفظته، ولا أحب أن يعيده علي. فحدثت - المحدث هو علي بن خشرم - بهذا الحديث إسحاق بن راهويه، فقال: تعجب من هذا؟ قلت: نعم. قال: كنت لا أسمع شيئاً إلَّ حفظته. وكأني أنظر إلى سبعين ألف حديث - أو قال: أكثر من سبعين ألف - في كتبي. اهـ. وقال الأمير عبد الله بن طاهر(٣) لإِسحاق: قيل لي: إنك تحفظ مائة ألف حديث؟ قال: مائة ألف حديث !! ما أدري ما هو، ولكني ما سمعت شيئاً قط إلاَّ حفظته، ولا حفظت قط شيئاً فنسيته. اهـ. فكان يملي الأحاديث من حفظه ولا يمسك كتاباً. قال أبو يحيى الشعراني(٤): ما رأيت بيد إسحاق كتاباً قط، وما كان يحدث إلاَّ حفظاً. اهـ. وكان في بعض الأحايين يملي عليهم من حفظه، ثم يقرأ (١) انظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص ٦٠، ١٢٩). (٢) الكامل (١٣٦/١)، وانظر الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٣٠٩/٢). (٣) تاريخ بغداد (٣٥٤/٦). (٤) تاريخ بغداد (٣٥٤/٦). ٤٠١ عليهم ما أملى حفظاً، فلا يزيد ولا ينقص. قال أبو داود الخفاف(١): أملی علينا إسحاق بن راهويه، أحد عشر ألف حديث من حفظه، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفاً ولا نقص حرفاً. اهـ. وقد حدث بمسنده - على ضخامته - حفظاً. قال إبراهيم بن أبي طالب(٢): وكان قد أملى المسند كله من حفظه وقرأه أيضاً من حفظه ثانياً. اهـ. وكان كبار حفاظ عصره يتعجبون من حفظه، وإتقانه، وسلامته من الغلط . قال أحمد بن سلمة(٣) سمعت أبا حاتم الرازي يقول: ذكرت لأبي زرعة، إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وحفظه للأسانيد، والمتون، فقال أبو زرعة: ما روي أحفظ من إسحاق. قال أبو حاتم: والعجب من إتقانه وسلامته من الغلط مع ما رزق من الحفظ. قال أحمد بن سلمة: فقلت لأبي حاتم: إنه أملى التفسير عن ظهر قلبه. فقال أبو حاتم: وهذا أعجب فإن ضبط الأحاديث المسندة أسهل وأهون من ضبط أسانيد التفسير وألفاظها. اهـ. وقال قتيبة بن سعيد(٤): الحفاظ بخراسان: إسحاق بن راهويه، ثم عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، ثم محمد بن إسماعيل. اهـ. الكامل (١٣٦/١)، تاريخ بغداد (٣٥٤/٦). (١) تاریخ بغداد (٣٥٤/٦). (٢) تاریخ بغداد (٣٥٣/٦). (٣) (٤) تاريخ بغداد (٣٥٣/٦). ٤٠٢ المطلب السابع معرفته بعلل الحدیث ورجاله وبعض آرائه في مصطلح الحديث كان إسحاق كغيره من أئمة الحديث النبلاء الأفذاذ، لا يكتفون بالحفظ المجرد عن الفهم والوعي، وإنما كانوا يحفظون، ويعون، ويفهمون ما يحفظون. فكان رحمه الله جهبذاً في معرفة علل الحديث - ولم يصلنا من ذلك إلَّ القليل - فعندما سمع أن أبا زرعة الرازي، يقدم عليه، أكب على مراجعة کتبه ۔ رغم کثرة محفوظه ـ فأعد للقائه خمسين ومائة ألف حديث، خمسون ألفاً منها معلولات لا تصح - كما صرح بذلك(١) -. فحسبك بمن يحفظ خمسين ألف حديث معلول، إضافة إلى حفظ غيره، ومعرفة رجاله. وقد حملت لنا كتب الجرح والتعديل في طياتها جواهر فريدة من كلامه - رحمه الله -. وقد ذكروه في طبقات المتكلمين في الرجال(٢)، وترجم له ابن عدي في مقدمة كتابه(٣) - حيث ترجم للأئمة الذين يسمع قولهم في الرجال. ومما حفلت به كتب الرجال، قوله: ١ - الشافعي، إمام(٤). ٢ - الضحاك بن حمزة ثقة في الحديث(٥). (١) انظر: الإِرشاد في معرفة علماء الحديث للخليلي (٨٥٨/٢ - (٨٣٧)). (٢) انظر: ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، للذهبي (ص ١٧٣)، والمتكلمون في الرجال للسخاوي (ص ٩٥). (٣) الكامل (١٣٥/١). (٤) الكامل (١٢٤/١). (٥) انظر: المطالب العالية لابن حجر - وهو كتابنا هذا -: ق ٢٤ أ، والتهذيب (٤ / ٤٤٤). ٤٠٣ ٣ - وقال في سليمان بن عمرو النخعي: لا أرى في الدنيا أكذب منه(١) . ٤ - محمد بن عمر الواقدي، هو عندي ممن يضع الحديث(٢). ٥ - وقال: أصح الأسانيد كلها: الزهري، عن سالم، عن أبيه(٣) - رضي الله عنه - . وغير ذلك كثير، وهو قليل إذا ما قيس بعلمه، وإمامته، وما ذلك، - والله أعلم - إلَّ لأنه لم يتهيأ له - فيما يبدو لي - من ينقل علمه من نجباء الطلبة، مثل ما تهيأ لغيره، كابن معين، وأحمد، وابن المديني، وغيرهم. وكانت له آراؤه الخاصة في بعض المصطلحات الحديثية، كقوله في أكثر حديثه: (أخبرنا)(٤) ولا يقول: (حدثنا) إلاَّ نادراً، لأنه يرى أن (أخبرنا) أعم من (حدثنا)، فالأخيرة تختص عنده بما سمع من لفظ الشيخ. والجمهور على أنهما بمعنى(٥). وغير ذلك من اختياراته في المناولة، والوجادة، وغيرها(٦). (١) تاريخ بغداد (٩/ ٢٠). (٢) الميزان (٦٦٥/٣). (٣) معرفة علوم الحديث (ص ٥٤) الكفاية (ص ٣٩٧). (٤) انظر صحيح مسلم (٢٤٠/١، ٢٥٧، ٢٥٩ ح (٢٩٢، ٣٢٣، ٣٣٠)) وغيرها كثير - وانظر المحقق من مسنده - وهو مسند عائشة رضي الله عنها فكل أحاديثه يبدؤها بـ (أخبرنا). (٥) انظر: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (١٤٤/١، ١٤٥)، المحدث الفاصل (ص ٥١٧)، الكفاية (ص ٢٨٤)، الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع (ص ١٢٢). (٦) انظر: ترجمته عند محقق مسند عائشة رضي الله عنها - وهو جزء من مسنده الكبير - : الباب الثاني: الفصل الرابع (ص ١١٥ - ١٣١). ٤٠٤ المطلب الثامن عنایته بتفسیر کتاب الله تبارك وتعالى كان إسحاق مع اشتغاله بجمع السنة المطهرة، يحرص على جمع أقوال الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، بأسانيدها، فاجتمع له رصيد ضخم من ذلك، نتج عنه نبوغ، واتساع في الفقه، وإحاطة بتفسير كتاب الله عز وجل، فأولى ما يفسر به كلامه جل وعلا، كلام نبيه ◌َّر، الذي لا ينطق عن الهوى، ثم كلام الصحابة رضي الله عنهم، الذين شاهدوا التنزيل، ثم التابعين لهم بإحسان. فألف تفسيره الكبير(١)، وأملاه من حفظه - كما تقدم - رغم صعوبة ضبط ألفاظ التفسير وأسانيده، لكن لشدة حفظه، وبذله نفسه لهذا الشأن صار عنده أمراً سهلاً، رغم أنه مما تَحار العقول عند سماعه، ويتعجب أفذاذ الحفاظ عند ذكره، فحين ذكر لأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين ذلك تعجبا، وشهدا لإِسحاق بالحفظ، والإتقان، والضبط. وقد ذكره الداودي في طبقات المفسرين(٢). ولا غرو فهو إمام من أئمة التفسير بالمأثور(٣). المطلب التاسع فقهه واجتهاداته، وتأثره ببعض مشاهير معاصريه، ومخالفته لبعضهم كان إسحاق بن راهويه من ذلك النفر القليل الذي يغوص في أعماق النصوص القرآنية والحديثية، ليستخرج منها قلائد اللؤلؤ والمرجان، وينظمها (١) انظر: مبحث مؤلفاته. (٢) (١٠٢/١). (٣) انظر: السير (٣٧٥/١١). ٤٠٥ في العقد نظماً يذهل كل من رآه، صافية نقية من شوائب كلام الرجال الذي لا يستند على إحدى هاتين القاعدتين العظيمتين. بل وكان يبغض ويذم من نحا هذا النحو(١). وقد ناظر أقرانه، بل ومَنْ هم في طبقة شيوخه كالشافعي (٢)، فأظهر مهارة فائقة في استحضار النصوص، ووضعها في موضعها، واستنباط الغوامض من ثناياها. وكتب الحديث - الجامعة لمثل هذا - والفقه، خير شاهد لذلك(٣). وعندما كان بمكة في إحدى رحلاته إلى الحجاز، طلب منه أحمد بن حنبل أن يصحبه إلى مجلس الشافعي، فرفض قائلاً: كيف أترك ابن عيينة، وأذهب إلى من هو في سني، لكن أحمد استطاع إقناعه(٤). فلما حضر مجلس الشافعي رغب فيه، وتأسف على ما فاته منه(٥). وقد طلب من أحمد أن يرسل إليه بعض كتب الشافعي، فأرسل إليه كتاب (الرسالة)(٦). وقد أولع بحب کتب الشافعي وكلامه، حتى إنه تزوج بامرأة من أهل مرو مات عنها زوجها، وكانت عنده كتب الشافعي، وإنما تزوجها لذلك(٧). (١) انظر: تاريخ بغداد (٣٥٣/٦). (٢) قف على مناظرته للشافعي في كرى بيوت مكة - آداب الشافعي ومناقبه (ص ١٧٧ - ١٨١). (٣) انظر: سنن الترمذي (٨٤/١، ٩٢، ٩٨، ١٠٥، ١١٠)، والأوسط لابن المنذر (٣٧٧/٢، ٣٩٧، ٤٠٦)، والمحلى (١٧٦/٨، ٢٩٨، ٤٠١)، والمغني (١٤٠/٧، ١٤٢، ٤٥١، ٥٧٣، ٦٥٨)، والمجموع (١٩٩/٤، ٢٤٠، ٢٤٩، ٢٦٥). (٤) انظر: آداب الشافعي ومناقبه (ص ٤٢، ٤٣). (٥) انظر: توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس (ص ٩٠). انظر: آداب الشافعي ومناقبه (ص ٦٢، ٦٣). (٦) (٧) انظر: آداب الشافعي ومناقبه (ص ٦٤). ٤٠٦ وقد وضع جامعه الكبير على كتاب الشافعي(١) . ورغم ذلك لم يكن إسحاق إمعة يتبع غيره بدون وعي، فقد كان له مذهبه الفقهي المتميز باتباع الأثر. قال ابن عبد البر(٢): وله اختيار كاختيار أبي ثور، إلاّ أنه أميل إلى معاني الحدیث، واتباع السلف، نحو مذهب أحمد بن حنبل. اهـ. وله مصنفات في الفقه(٣)، وكان له أتباع، ولكنهم انقرضوا(٤). المطلب العاشر دوره في نشر السنّة كان المشرق الإسلامي - خراسان وما جاورها - قد بدأت تعج فيه أنواع البدع والضلالات، وخاصة التشيع والرفض. فقدر الله تبارك وتعالى بحكمته أن يعيش هذا الإِمام في وسط ذلك الطغام الأهوج الذي لا يعرف كتاباً ولا سنة، وإنما يعرف التقليد الأعمى، الذي ينبو عنه كل قلب فيه أدنى شعور بالحياة. فشَّر عن ساعد الجد، واجتهد فحقق الله على يديه خيراً كثيراً، من انتشار السنة في ذلك الصقع من العالم الإسلامي، وقمع البدع وأهلها. وقد شكر له علماء السنّة هذا الصنيع وامتدحوه به. قال وهب بن جرير(٥): جزى الله إسحاق بن راهويه، وصدقة، ومعمر، عن الإِسلام خيراً، أحيوا السنة بأرض المشرق. اهـ. (١) انظر: آداب الشافعي ومناقبه (ص ٦٤). (٢) الانتقاء (ص ١٠٨). (٣) انظر: الانتقاء (ص ١٠٨). (٤) انظر: السير (٣٧٥/١١)، واختصار علوم الحديث مع شرحه الباعث الحثيث (ص ٢٤٠). (٥) تاريخ بغداد (٣٤٨/٦). ٤٠٧ وقال ابن القيم(١): وقد كان رحمه الله، رأس أهل زمانه في العلم، والحديث، والتفسير، والسنّة، والجلالة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكسر الجهمية، وأهل البدع ببلاد خراسان، وهو الذي نشر السنة في بلاد خراسان، وعنه انتشرت هناك، وقد كانت له مقامات محمودة عند السلطان، يظفره الله فيها بأعدائه، ويخزيهم على يديه، حتى تعجب منه السلطان، والحاضرون. اهـ. المطلب الحادي عشر بعض ثناء المشاهير عليه استفاض واشتهر ثناء الأئمة المتقدمين، والمتأخرين على هذا الإِمام الفذ، حتى قال الإِمام أحمد بن حنبل حين سئل عنه(٢): مثل إسحاق يسأل عنه؟ !! إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين. اهـ. وقال(٣): لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم تزل يخالف بعضهم بعضاً. اهـ. وقال محمد بن أسلم الطوسي (٤) - حين مات إسحاق -: ما أعلم أحداً كان أخشى لله من إسحاق، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ﴾(٥)، وكان أعلم الناس، ولو كان سفيان الثوري في الحياة لاحتاج إلى إسحاق . (١) تحفة المودود في أحكام المولود (ص ٢١٠). (٢) الجرح (٢١٠/٢)؛ وتاريخ بغداد (٣٥٠/٦). (٣) الكامل لابن عدي (١٣٥/١). (٤) تاريخ بغداد (٣٤٩/٦). سورة فاطر: آية ٢٨. (٥) ٤٠٨ قال محمد بن عبد السلام الورّاق: فأخبرت بذلك أحمد بن سعيد الرباطي، فقال: والله لو كان الثوري، وابن عيينة، والحمادان، في الحياة لاحتاجوا إلى إسحاق. قال محمد: فأخبرت بذلك محمد بن يحيى الصفار، فقال: والله لو كان الحسن البصري في الحياة لاحتاج إلى إسحاق في أشياء كثيرة. اهـ. وقال الدارمي(١): ساد إسحاق بن إبراهيم أهل المشرق بصدقه. اهـ. وقال سعيد بن ذؤيب(٢): ما أعلم على وجه الأرض مثل إسحاق. اهـ. وقال أبو حاتم(٣): إسحاق بن راهويه، إمام من أئمة المسلمين. وقال النسائي(٤): أحد الأئمة. وقال: ثقة مأمون. اهـ. وقال ابن خزيمة(٥): والله لو أن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي في التابعين لأقروا له بحفظه، وعلمه، وفقه. اهـ. وقال ابن حبان(٦): وكان إسحاق من سادات زمانه، فقهاً، وعلماً، وحفظاً، ونظراً، ممن صنف الكتب، وفرَّع السنن، وذب عنها، وقمع من خالفها. اهـ. وقال الذهبي(٧): قد كان مع حفظه إماماً في التفسير، رأساً في الفقه، من أئمة الاجتهاد. اهـ. تاريخ بغداد (٣٤٩/٦). (١) تاريخ بغداد (٣٤٩/٦). (٢) (٣) الجرح (٢١٠/٢). (٤) تاریخ بغداد (٦/ ٣٥٠). (٥) المصدر السابق. (٦) الثقات (١١٦/٨). (٧) السير (٣٧٥/١١). ٤٠٩ المطلب الثاني عشر مؤلفاته بعد استقراره في نيسابور عكف على كتب الشافعي، وبعض كتب الثوري وغيرهما من أفاضل العلماء، يتعلم منها، ويصنف عليها، مع قيامه بنشر العلم، والسنة(١). وقد وصف غير واحد مؤلفاته بالكثرة، في الفقه، وغيره. قال ابن عبد البر(٢): له كتب كثيرة، ومصنفات في الفقه. اهـ. لكن وللأسف لم يصلنا من ذلك شيء سوى بعض مسنده، ولعل من أهم أسباب ذلك ما ذكره أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، من أن إسحاق دفن کتبه(٣). ومما ذكر من كتبه: ١ - المسند(٤). ٢ - التفسير الكبير(٥). ٣ - السنن في الفقه(٦). انظر: آداب الشافعي ومناقبه (ص ٦٤). (١) (٢) الانتقاء (ص ١٠٨). (٣) انظر: السير (٣٧٧/١١)؛ وطبقات الشافعية الكبرى (٨٨/٢)، وللوقوف على الأسباب التي دعتهم لذلك، انظر: السير (٣٧٧/١١، ٣٩٦). (٤) سیأتي الكلام علیه مفصلاً. ذكره ابن النديم في الفهرست (ص ٣٢١)؛ والداودي في طبقات المفسرين (١٠٢/١)؛ (٥) والكتاني في الرسالة المستطرفة (ص ٧٦)؛ وكشف الظنون (١/ ٤٤٢). (٦) ذكره ابن النديم في الفهرست (ص ٣٢١)؛ والداودي في طبقات المفسرين (١/ ١٠٢)؛ والبغداي في هدية العارفين (٥/ ١٩٧). ٤١٠ ٤ - الجامع الكبير، وضعه على كتاب الشافعي(١). ٥ - الجامع الصغير، وضعه على جامع الثوري الصغير(٢). ٦ - المصنف(٣). ٧ - كتاب العلم(٤). المطلب الثالث عشر أهم تلاميذه إن إماماً مثل إسحاق، عاش في ثغر من ثغور الإسلام، ينشر الحديث، والتفسير، والفقه، سنوات طويلة لا بد وأنه سمع منه آلاف الطلاب، ونهل من علومه كثير من الناس على اختلاف طبقاتهم، وقد سمع منه أيضاً أهل البلدان الأخرى في رحلاته إليهم، ورحلاتهم إليه، فقد كان يعقد مجالس التحديث في بغداد وغيرها(٥). بل قد حدث عنه بعض شيوخه، كبقية بن الوليد الحمصي، ويحيى بن آدم. وحدث عنه أيضاً كبار أقرانه، کأحمد بن حنبل(٦)، ويحيى بن معين، وغيرهما. وحدث عنه: البخاري، ومسلم - في صحيحيهما -، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - في سننهم -، وعبد الله بن محمد بن شيرويه - وقد روى عنه المسند -، وأبو العباس السراج - وهو خاتمة أصحابه - وخلق (١) انظر: آداب الشافعي ومناقبه (ص ٦٤)؛ والحلية (١٠٣/٩)؛ والسير (٧٠/١٠). (٢) المصادر السابقة. (٣) ذكره الحافظ في الفتح (١١/ ٥٤٧). ذكره الحافظ في المعجم المفهرس (ص ١٢٥). (٤) (٥) انظر: تاريخ بغداد (٣٥١/٦). (٦) انظر: مناقب أحمد لابن الجوزي (ص ٦٠). ٤١١ سواهم يصعب حصر بعضهم(١). المطلب الرابع عشر وفاته، وما ذكر من تغير حفظه الأصل في هذه القضية - أعني: مسألة تغيره - ما رواه أبو عبيد محمد بن علي الآجري(٢)، قال: سمعت أبا داود يقول: إسحاق بن راهويه تغير قبل أن يموت بخمسة أشهر، وسمعت منه في تلك الأيام، فرميت به، ومات سنة سبع، أو ثمان وثلاثین ومائتين. اهـ. وقد استنكر الحافظ الذهبي هذه المقالة جداً، فقال(٣): فائدة لا فائدة فيها، نحكيها لِنُلِيشَها (أي لنميتها ونزيلها) - فذكر رواية الآجري - ثم قال: فهذه حكاية منكرة. وفي الجملة فكل أحد يتعلل قبل موته غالباً، ويمرض، فيبقى أيام مرضه متغير القوة الحافظة، ويموت إلى رحمة الله على تغيره، ثم قبل موته بيسير يختلط ذهنه، ويتلاشى علمه، فإذا قضى زال بالموت حفظه، فكان ماذا؟ أفبمثل هذا يلين عالم قط؟! كلا والله، ولا سيما مثل هذا الجبل في حفظه وإتقانه. نعم ما علمنا استغربوا من حديث ابن راهويه - على سعة علمه ــ سوى حديث واحد، وهو حديثه عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة - رضي الله عنها - في الفأرة التي وقعت (١) انظر: السير (٣٥٩/١١، ٣٦٠)؛ وتهذيب الكمال (٣٧٦/٢)، وترجمته عند محقق مسند عائشة رضي الله عنها - وهو جزء من مسند إسحاق (ص ١٩١ - ٢١٠). وقد ذکر منهم مائة تلميذ. (٢) تاريخ بغداد (٣٥٤/٦، ٣٥٥)؛ وتهذيب الكمال (٣٨٧/٢)؛ والسير (٣٧٧/١١)؛ والكواكب النيرات (ص ٨٠). (٣) السير (٣٧٧/١١ -٣٧٩). ٤١٢ في سمن(١)، فزاد إسحاق في المتن من دون سائر أصحاب سفيان، هذه الكلمة: ((وإن كان ذائباً، فلا تقربوه)»(٢)، ولعل الخطأ فيه من بعض المتأخرين، أو من راويه عن إسحاق(٣). (١) رواه البخاري (٦٦٧/٩) ح (٥٥٣٨)، وأبو داود (١٨٠/٤) ح (٣٨٤١)، والترمذي (٢٥٦/٤) ح (١٧٩٨)، والنسائي (١٧٨/٧) ح (٤٢٥٨)، وليس عند أحد منهم زيادة إسحاق، في هذا الحديث. (٢) رواه ابن حبان (٣٣٥/٢) ح (١٣٨٩) من طريق عبد الله بن محمد الأزدي - وهو ابن شيرويه راوي مسند إسحاق (انظر: المعجم المفهرس لابن حجر (ص ١٠٨) - قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة: أن رسول الله وَ له، سئل عن الفأرة تموت في السمن، فقال: «إن کان جامداً فألقوها وما حولها وکلوه، وإن كان ذائباً فلا تقربوه». (٣) وهذا هو الأقرب عندي، لأن إسحاق رواه في مسنده (٢٠٤/٤)، ح (٢٠٠٧) على الصواب دون هذه الزيادة وهو أول حديث في مسند ميمونة عنده- قاله محقق مسند عائشة - ولم أجد هذا الحديث بهذه الزيادة في مسند ميمونة رضي الله عنها، إلاَّ أن يكون ذكره في غير مسندها، وفي ذلك بعد إذ كيف يذكره في مسندها على الصواب ثم يذكره في مسند غيرها بزيادة منكرة، وثمة أمر آخر جدير بأن يدفع هذا الأمر عن إسحاق من أصله، وهو أن من ادعى خطأ إسحاق فيه حمل ذلك على ما بعد الاختلاط المزعوم، وهذا في غاية البعد، إذ إن إسحاق حدث بمسنده قبل موته بسنوات، وقد سمع منه عبد الله بن محمد بن شيرويه الأزدي جميع المسند، فهل تراه يأتي ليسمع من إسحاق في حال اختلاطه وهو يعلم أن ذلك سيفسد عليه كل ما حمل عنه. والذي أرى أنه كان يحدث - أعني ابن شيرويه - في بعض أحابينه حفظاً فدخل عليه حدیث في حديث، وذلك أن إسحاق قد روى عن عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سئل رسول الله وَ﴾، عن الفأرة تقع في السمن، فقال: (إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه)، وقد رواه ابن حبان (٣٣٥/٢) ح (١٣٩٠، ١٣٩١)، من طريقين عن إسحاق، به، وقد رواه غير إسحاق عن معمر انظر: مصنف عبد الرزاق (٨٤/١) ح (٢٧٨)، = ٤١٣ نعم وحديث تفرد به جعفر بن محمد الفريابي، قال: حدثنا إسحاق، حدثنا شبابة، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس، قال: (كان رسول الله ◌َّر، إذا كان في سفر فزالت الشمس، صلى الظهر والعصر، ثم ارتحل) فهذا منكر، والخطأ فيه من جعفر (١)، فقد رواه مسلم - في صحيحه _(٢) عن عمرو الناقد، عن شبابة، ولفظه: (إذا كان في سفر وأراد الجمع، أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما)، تابعه الحسن بن محمد الزعفراني، عن شبابة، وقد اتفقا عليه - في الصحيحين _(٣) من حديث عقيل عن ابن شهاب، عن أنس، ولفظه: (إذا عجل به السير، أخر الظهر إلى أول وقت العصر، فيجمع بينهما). ومع حال إسحاق وبراعته في الحفظ، يمكن أنه لكونه كان لا يحدث إلاَّ من حفظه، جرى عليه الوهم في حديثين من سبعين ألف حديث، فلو أخطأ منها في ثلاثین حديثاً لما حط ذلك رتبته عن الاحتجاج به أبداً، بل کون إسحاق تُع حديثه، فلم يوجد له خطأ قط سوى حديثين، يدل على أنه أحفظ أهل وهذا وهم فيه معمر، كما قال الحفاظ. وأما قول الحافظ في الفتح (٦٦٨/٩): ووقع في مسند إسحاق بن راهويه، ومن طريقه أخرجه ابن حبان بلفظ: ((إن كان جامداً فألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان ذائباً فلا تقربوه)». اهـ. فلا يلزم منه ـ عندي - أن يكون وقف عليه في مسند إسحاق، لكن لما رآه عند ابن حبان من طريق راوي مسند إسحاق تجوز في عزوه إلى المسند - والله أعلم - . (١) وقد رد الحافظ في الفتح (٢/ ٥٨٢) إعلال من أعله بتفرد إسحاق، ثم تفرد جعفر عنه، فقال: وليس ذلك بقادح، فإنهما إمامان حافظان. اهـ. ثم ساق جملة من الشواهد لرواية إسحاق هذه فانظرها هناك. (٢) صحيح مسلم (٤٨٩/١) ح (٧٠٤). (٣) البخاري (٢/ ٥٨٢) ح (١١١١)؛ ومسلم (٤٨٩/١) ح (٧٠٤). ٤١٤ زمانه. اهـ. وصدق الذهبي - رحمه الله - فهل يضيره لو ثبت خطؤه فيهما، فكيف ولم يثبت؟ ومما يضعف ويوهن القول بتغيره - أيضاً - ما رواه الخطيب(١) بسنده، عن أبي يزيد محمد بن يحيى بن خالد، قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول في سنة ثمان وثلاثين ومائتين: أعرف مكان مائة ألف حديث، كأني أنظر إليها، وأحفظ منها سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي، صحيحة، وأحفظ أربعة آلاف حديث مزورة. فقيل: ما معنى حفظ المزورة؟ قال: إذا مر بي منها حديث في الأحاديث الصحيحة فَلَيْتُه منها فلياً. اهـ. مات بنيسابور، سنة ثمان وثلاثين ومائتين، ليلة السبت، لأربع عشرة خلت من شعبان، وهو ابن سبع وسبعين سنة. قاله البخاري(٢)، وابن حبان(٣)، وغيرهما. وقال محمد بن إسحاق بن راهويه(٤): توفي - رحمه الله - في ليلة الأحد، للنصف من شعبان سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وفيها يقول الشاعر: في نصف شعبان لا تُنْسى مدى الأبد يا هَدَّةً ما هُدِدْنا ليلةَ الأحدِ وكذلك قال الحسين بن محمد بن زياد، إلاّ أنه لم يسم الليلة(٥). وقال أبو يزيد المشعراني: مات ليلة الخميس سنة ثمان وثلاثين(٦). (١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٣١٠). (٢) التاريخ الكبير (٣٧٩/١)، وفي تاريخه الصغير (٣٣٨/٢): وهو ابن خمس وسبعين سنة. (٣) الثقات (١١٦/٨). (٤) كنى الدولابي (١٥٨/٢). تاریخ بغداد (٣٥٥/٦). (٥) (٦) نفس المصدر السابق. ٤١٥ وقد نقل مغلطاي(١) عن الحاكم قوله: مات يوم السبت، في يوم بارد، ولم يدفن إلاّ یوم الأحد. قلت: وبهذا يجمع بين قول من قال: مات ليلة السبت - كالبخاري - ومن قال: ليلة الأحد - کمحمد بن إسحاق بن راهويه وغيره - . فيقال: مات ليلة السبت، ودفن ليلة - أو يوم - الأحد. (١) إكمال مغلطاي (١ ق ٨٦ ب). ٤١٦ المبحث الثاني التعريف بمسنده وأهم ما خدم به وفيه تسعة مطالب : المطلب الأول : ثبوت نسبته إليه. المطلب الثاني : حجم هذا المسند. المطلب الثالث : أهميته. المطلب الرابع : الموجود منه الآن. المطلب الخامس: وصف مخطوط المجلد الموجود من هذا المسند. المطلب السادس: توثيق نسبة هذا القسم إلى مسند إسحاق بن راهويه. المطلب السابع : محتوى هذا القسم الموجود - وهو المجلد الرابع - وأهم ما خدم به. المطلب الثامن : زوائده - المذكورة في المطالب - على الكتب الستة ومسند أحمد. المطلب التاسع : شيوخ إسحاق بن راهويه، الذين وقفت عليهم في المطالب العالية. ٤١٧ 1 4 . المطلب الأول ثبوت نسبة المسند لإِسحاق وهذه المسألة أشهر من أن يدلل علیها، وذلك أنه قد اشتهر في حیاته، ورُحِل إليه لأجل سماعه (١) منه، وتناقل الأئمة أحاديثه في رواياتهم ومصنفاتهم. وأخرج الحافظ ابن حجر(٢)، وتلميذه البوصيري(٣)، زوائد ما وجداه منه علی الکتب الستة - وزاد ابن حجر: وأحمد - ، وقد ذکرہ - أيضاً - کل من ترجم لإسحاق بن راهويه. المطلب الثاني حجمه وكان مسنداً ضخماً يقارب حجمه حجم مسند الإمام أحمد. قال الحافظ ابن حجر(٤): مسند إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه، وهو في ست مجلدات ضخمة. اهـ. وقد أثبتت المقارنة التي قام بها محقق مسند أم المؤمنين عائشة رضي الله (١) انظر: تاريخ بغداد (٣٦٩/٨)، والسير (٩٨/١٣). (٢) في كتابه المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية. (٣) في كتابه إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة. (٤) المعجم المفهرس (ص ١٠٨). ٤١٩ عنها، - وهو بعض جزء من مسند إسحاق - بين عدد أحاديثها عند إسحاق، وعدد أحاديثها عند أحمد بن حنبل، أن بينهما تقارباً كبيراً في الحجم. فعدد أحاديث مسند عائشة رضي الله عنها عند إسحاق بالمكرر وما أدخل في مسندها من مسانيد غيرها لسبب ما - اثنين وسبعين ومائتين وألف حديث. وعند أحمد بلغ عددها سبع وسبعون ومائتان وألف حديث(١). المطلب الثالث أهميته إن كتاباً ألفه إمام من أئمة المسلمین کإسحاق بن راهويه، لجدير أن تشد له الرحال، وتضرب أكباد الإبل لتحصيله، كيف لا وهو ممن فاق أقرانه حفظاً، وإتقاناً، وفقهاً، بل وأقسم بعضهم - كما تقدم - أنه لو وجد في عهد التابعين لاحتاج له کبارهم. أضف إلى ذلك - وإن كان ليس بحاجة إلى إضافة - علو أسانيده، فقد سمع مؤلفه من أوساط أتباع التابعين، كابن عيينة، وابن علية، وغيرهما. وقد كان من كبار شيوخ الأئمة أصحاب الكتب الستة - عدا ابن ماجه - وقد أکثروا من حديثه فيها . وكذلك من جاء بعدهم كابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهم، تكبدوا المشاق للسماع ممن سمع منه، وأودعوا أكثر ذلك كتبهم، التي وسموها بالصحة، وقد ثبت من خلال القسم المحقق اعتناؤه بأحاديثه، فلم یذکر فیه ممن رمي بالكذب سوى واحد هو الحكم بن عبد الله العاملي، روى من طريقه ثلاثة أحاديث فقط(٢). (١) انظر: مسند عائشة المحقق (ص ٣٣٦، ٣٣٧). (٢) انظر: مسند عائشة (ص ٣٦٣ - ٣٦٤). ٤٢٠