Indexed OCR Text

Pages 321-340

المبحث الأول
التعريف بالحميدي
وفيه المطالب الآتية:
المطلب الأول : اسمه، ونسبه، وكنيته.
المطلب الثاني : نشأته، وطلبه للعلم، ورحلته فيه.
المطلب الثالث : أهم شيوخه.
المطلب الرابع : مذهبه، ومكانته العلمية، وثناء العلماء عليه.
المطلب الخامس: روايته عن ابن عيينة، ومنزلته عند العلماء فيه.
المطلب السادس: فقهه وتأثره بالشافعي.
المطلب السابع : شبه حول شخصية الإمام ودحضها.
المطلب الثامن : أهم تلاميذه.
المطلب التاسع : مؤلفاته.
المطلب العاشر : وفاته.
٣٢١

>
-

تمهيد
يعتبر الإِمام الحميدي من الشخصيات التي لم تنل ما يليق بمكانتها من
قبل الباحثين قديماً وحديثاً، فلم أقف على شيء من ذلك، سوى ما يذكر من
نتف قليلة متفرقة في كتب التراجم، وغيرها. ولا شك أن إماماً كان شيخ الحرم
في عصره جدير بأن تصرف الهمم إلى دراسة حياته، ومآثره العلمية في
الحديث، والفقه، وغيرهما. ولا أستطيع في مثل هذه المقدمة أن أصنع شيئاً
من ذلك لأمور شتى، لكنني سأحاول بمشيئة الله تعالى، أن أقدم ولو شيئاً
يسيراً، يكون لبنة لعمل قادم يقوم به من هو أجدر مني بذلك. ومن الله أستمد
العون والسداد.
المطلب الأول
اسمه ونسبه و کنیته(١)
هو عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة بن عبد الله بن
(١) مصادر الترجمة: الطبقات (٥٠٢/٥)؛ وتاريخ ابن معين (٣٠٨/٢)؛ والتاريخ الكبير
(٩٦/٥)؛ والتاريخ الصغير (٣١٠/٢)؛ وكنى مسلم (ص ٨٩)؛ وسؤالات ابن الجنيد
(٥٧٦)؛ والمعرفة والتاريخ (٢٠٠/١، ٢٠٣)؛ وآداب الشافعي ومناقبه (ص ٤١،
٤٣، ٤٤، ٩٧)؛ والجرح (٥٦/٥)؛ والثقات (٣٤١/٨)؛ وعلل الدار قطني
(١٧٠/٣/ب)؛ وسؤالات السجزي (٨١)؛ وجمهرة أنساب العرب لابن حزم =
٣٢٣

حميد بن زهير(١) بن الحارث بن أسد بن عبد العزى - وقيل(٢): ابن
عيسى بن عبد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد - القرشي الأسدي،
أبو بكر الحُمَيْدي(٣)، المكي، الإمام الحافظ الفقيه، شيخ الحرم في
عصره.
(١١٧/١)؛ والانتقاء لابن عبد البر (ص ١٠٤)؛ والتعديل والتجريح (٨٢٢/٢)؛
=
والأنساب (٢٦٨/٢، ٢٦٩)؛ وطبقات الفقهاء (ص ٩٩)؛ والجمع بين رجال
الصحيحين (٢٦٥/١)؛ والمعجم المشتمل (ص ١٥٣)؛ والتقييد لابن نقطة
(٤١/٢)؛ واللباب (٣٩٢/١)؛ ومناقب الإِمام أحمد لابن الجوزي (ص ١٤٦)؛
وتهذيب الكمال (٥١٢/١٤)؛ والسير (٦١٦/١٠)؛ وتذكرة الحفاظ (٤١٣/٢)؛
والعبر (٢٩٧/١)؛ ودول الإسلام (ص ١١٩)؛ والكاشف (٧٧/٢)؛ والمقتنى في
سرد الكنى (١١٩/١)؛ وإكمال مغلطاي (٤ / القسم الثاني ق ١٠٤: أ)؛ وطبقات
الشافعية الكبرى (١٤٠/٢)؛ والبداية والنهاية (٢٨٢/١٠)؛ والعقد الثمين في تاريخ
البلد الأمين (١٦٠/٥)؛ وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٦٦/١)؛ والتهذيب
(٢١٥/٥)؛ والتقريب (ص ٣٠٣)؛ وتوالي التأسيس لمعالي محمد بن إدريس
(ص ٢٤٤)؛ ومباني الأخبار للعيني (ق ٢٧٥)؛ وحسن المحاضرة (١/ ٣٤٧)؛
والخلاصة (٥٦/٢)؛ وشذرات الذهب (٤٥/٢)؛ والأعلام (٤/ ٨٧)؛ وتاريخ التراث
العربي لفؤاد سزكين (١٨٩/١/١)؛ وتراجم الأحبار من رجال شرح معاني الآثار
(٢٩٣/١).
(١) تحرفت في تهذيب التهذيب (٢١٥/٥) إلى: نصير.
(٢) قال الحافظ في التهذيب (٢١٥/٥): ساق الزبير بن بكار نسبه إلى عبد الله فقال: ابن
الزبير بن عبيد الله بن حميد. وهذا هو الراجح. اهـ.
قلت: وهذا هو الذي ذكره ابن حزم في الجمهرة (١١٧/١)، وما سقته هنا هو الذي
ذكره المزي والذهبي.
(٣) بضم الحاء المهملة، وفتح الميم، وسكون التحتية، وفي آخره دال مهملة، وهذه النسبة
إلى حميد. انظر: الأنساب (٢٦٨/٢).
٣٢٤

المطلب الثاني
نشأته
نشأ بمكة المكرمة، والظاهر أنه ولد بها، لكن لم أجد من صرح بسنة
ولا دته.
طلبه للعلم:
طلب العلم، ولازم كبار شيوخ بلده، وعلى رأسهم سفيان بن عيينة. قال
الحميدي: جالست ابن عيينة تسع عشرة سنة، أو نحوها. اهـ(١).
كما كان يسمع من القادمين لأداء الحج والعمرة. وتفقه على الشافعي،
حتى صار مفتي أهل مكة.
رحلاته في طلب العلم:
لم يذكر للحميدي كبير رحلة، ولعل السبب في ذلك - والله أعلم -
مجاورته لبيت الله الحرام، فكل أهل العلم تهفوا قلوبهم إليه، فيأتونه حجاجاً،
ومعتمرين، فلا حاجة له في البحث عنهم في ديارهم، لكنه لم يرض أن تخلو
صحائف أعماله من تغيير الأقدام في طلب العلم. فحين خرج الشافعي
- رحمه الله - إلى مصر، رافقه الحميدي، ولازمه حتى مات، ثم رجع إلى
مكة(٢). وكان كغيره من المحدثين كل ما بلغه حديثاً عن رجل ابتغى لقاءه
ليسمعه بعلو منه، ومن ذلك ما رواه الخطيب(٣) بسنده عن أحمد بن محمد بن
القاسم بن أبي بزة، قال: ثنا أبو العباس الوليد بن عبد العزيز بن عبد الملك بن
(١)
التاريخ الكبير (٩٧/٥).
(٢) انظر: آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم: (ص ٤٤)؛ والسير (٦١٩/١٠)؛
وطبقات الشافعية الكبرى (١٤٠/٢) - وكان خروج الشافعي إلى مصر سنة مائتين،
وتوفي سنة أربع ومائتين -. انظر: الانتقاء لابن عبد البر (ص ١٠١).
(٣) كتاب الرحلة في طلب الحديث (ص ١٨١)، ح (٨١).
٣٢٥
٠٠

عبد العزيز بن جريح، قال: حدثتني أمي، عن جدي عبد الملك، عن عطاء بن
أبي رباح، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله وَلقر، فذكر
حديثاً.
قال: فحدثت الحميدي، فقال لي: اذهب بنا إلیه حتى أسمعه منه.
فقلت له: منزله بالثُقْبَة . - والثقبة على رأس ثلاثة أميال من مكة - فلما
كان ذات يوم دفنًّا رجلاً من قريش، باكراً، ثم قال لي الحميدي: هل لك بنا في
الرجل؟ قلت: نعم. فخرجنا نريده، فلما كنا بقصر داود بن عيسى لقينا ابن عم
له، فقال: يا أبا بكر أين تريد؟ قال: أردنا أبا العباس. فقال: يرحم الله
أبا العباس، مات أمس. فقال الحميدي: هذه حسرة. ثم قال: أنا أسمعه منك.
خروجه إلى البصرة:
روى أبو نعيم (١) من طريق حبان بن إسحاق البلخي، ثنا محمد بن
مردويه، قال: سمعت الحميدي يقول: صحبت الشافعي إلى البصرة، فكان
يستفيد مني الحديث، وأستفيد منه المسائل. اهـ.
فيظهر من هذا أن الحميدي خرج إلى الشافعي بالعراق، ثم سار معه إلى
مصر، لأن الشافعي خرج إلى مصر من العراق(٢). لكن الخطيب لم يذكر له
ترجمة في تاريخ بغداد، فلعله إنما لحق به بالبصرة، ثم سارا إلى مصر.
المطلب الثالث
أهم شيوخه
لم يذكر المترجمون له في ترجمته إلاَّ عدداً قليلاً - إذا ما قيس بإمامته -
من الشيوخ، كما أن أحاديثه التي أودعها مسنده كان اعتماده فيها على شيخه
(١) حلية الأولياء (٩٦/٩).
(٢) انظر: توالي التأسيس (ص ١٣٣).
٣٢٦

ابن عيينة، ولم يذكر فيه من رواياته عن غيره إلاَّ النزر اليسير، إذ لا يتجاوز
عددهم تسعة وعشرين شيخاً، وبعضهم روى له مقروناً بابن عيينة (١)، وأكثرهم
ليس له إلاَّ حديث واحد. وإليك ما وقفت عليه منهم:
١ - [س - ت] (٢) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ((ثقة
ربما أخطأ إذا حدث من حفظه))، مات سنة خمس وثمانين ومائة(٣).
٢ - [س ] إسماعيل بن إبراهيم بن ميمون الصائغ ((قال البخاري: سكتوا
عنه. اهـ. وقال أبو حاتم: شيخ)) (٤).
٣ - [س - ت] أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي المدني ((ثقة))، مات سنة
مائتين، وله ست وتسعون سنة(٥).
٤ - [س - ت] بشر بن بكر التنيسي، أبو عبد الله البجلي ((ثقة يغرب))، مات
سنة خمس ومائتين - وقيل: سنة مائتين _(٦).
٥ - [س] جرير بن عبد الحميد الضبي ((ثقة صحيح الكتاب)) مات سنة ثمان
وثمانين ومائة، وله إحدى وسبعون سنة(٧).
٠
(١) وسيأتي بيان ذلك في دراسة مسنده.
(٢) ما بين المعقوفتين: ذكرت فيه ثلاثة حروف، أو أحدها: (١) - (س) وهي رمز لمن
روى له في مسنده. (٢) - (م) وهي رمز لمن ذكر له الحافظ حديثاً في المطالب
العالية من طريق الحميدي. (٣) - (ت)، وهي رمز لمن ذكره المزي في شيوخ
الحميدي في ترجمته.
(٣) انظر: المسندح (٥٤٠).
الجرح (١٥٢/٢)؛ والميزان (٢١٥/١). وانظر: المسندح (٣٨٢).
(٤)
(٥) الكاشف (٨٨/١)؛ والتقريب (ص ١١٥). وانظر: المسندح (٦٢، ٧٠٠).
(٦) الكاشف (١٠١/١)؛ والتقريب (ص ١٢٢). وانظر: المسندح (١٩).
(٧) انظر: المسندح (٧٣، ٢١٨، ٩٢١، ١٢٠٦).
٣٢٧

٦ - [ ت] أبو أسامة حماد بن أسامة، ((ثقة ثبت))، مات سنة إحدى ومائتين،
وله ثمانون سنة .
٧ - [س ] سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري ((قدري لين الحديث))، مات
(١)
قبل المائتين(١).
٨ - [س - ت] سفيان بن عيينة الهلالي، الكوفي ثم المكي ((ثقة فقيه حافظ
مفسر إمام))، ولد سنة سبع ومائة، ومات سنة ثمان وتسعين ومائة.
٩ - [س ] صالح بن قدامة بن إبراهيم القرشي الجمحي المدني ((صدوق))،
مات قبل المائتين(٢).
١٠ - [ س] عبد الرحمن بن زياد الرصاصي، ((صدوق))(٣).
١١ - [ ت] عبد الرحمن بن سعد بن عمار المؤذن المدني، ((ضعيف))، مات
قبل المائتين (٤).
١٢ - [ س ] أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد البصري مولى بني
هاشم ((ثقة)»(٥)، مات سنة سبع وتسعين ومائة.
١٣ - [س] عبد الرزاق بن همام الصنعاني ((ثقة حافظ، تغير بآخره بعدما
عمي))، مات سنة إحدى عشرة ومائتين، وله خمس وثمانون سنة(٦).
(١) الكاشف (٢٧٧/١)؛ والتقريب (ص ٢٣١). وانظر: المسندح (٥).
(٢) الكاشف (٢١/٢). وانظر: المسندح (٦٤١، ٦٤٥).
الجرح (٢٣٥/٥)؛ والثقات (٣٧٤/٨). وانظر: المسندح (٧).
(٣)
الكاشف (١٤٧/١)؛ والتقريب (ص ٣٤١).
(٤)
الكاشف (١٥٢/٢)؛ والتهذيب (٢٠٩/٦). وانظر: المسندح (٣٦).
(٥)
(٦) انظر: المسندح (٦٩).
٣٢٨

١٤ - [ س - ت] عبد العزيز بن أبي حازم المدني ((صدوق فقيه))، مات سنة
أربع وثمانين ومائة - وقيل: قبل ذلك _(١).
١٥ - [س - ت] عبد العزيز بن عبد الصمد العمي البصري ((ثقة حافظ)) مات
سنة سبع وثمانين ومائة - وقيل: بعدها _(٢).
١٦ - [س - ت] عبد العزيز بن محمد الدراوردي ((صدوق صحيح الكتاب،
يخطىء إذا حدث من حفظه))، مات سنة ست وثمانين ومائة ــ وقيل:
غير ذلك _(٣) .
١٧ - [س - م - ت] عبد الله بن الحارث بن عبد الملك القرشي المخزومي
أبو محمد المكي ((ثقة))، مات قبل المائتين (٤).
١٨ - [ ت] عبد الله بن الحارث بن محمد الحاطبي الجمحي المدني
(٥)
٠
((صدوق))، مات قبل المائتين
١٩ - [س - ت] عبد الله بن رجاء المكي ((ثقة تغير حفظه قليلاً))، مات في
حدود التسعين ومائة (٦).
٢٠ - [ ت] أبو صفوان عبد الله بن سعيد الأموي، الدمشقي، نزيل مكة
((ثقة))، مات على رأس المائتين(٧).
(١) الكاشف (١٧٤/٢)؛ والتقريب (ص ٣٥٦). وانظر: المسندح (٩٤٤).
(٢) الكاشف (١٧٧/٢)؛ والتقريب (ص ٣٥٨). وانظر: المسندح (١٣٩).
(٣) انظر: المسندح (٢٠٤، ٦٤٨، ١٢٩٩).
(٤) الكاشف (٢/ ٧٠)؛ والتقريب (ص ٢٩٩). وانظر: المسندح (٦٣، ٣٣٥)؛ والمطالب
العالية (ق ١٦٧/ب).
(٥) التقريب (٢٩٩).
(٦) الكاشف (٧٧/٢)؛ والتقريب (ص ٣٠٢). وانظر: المسندح (٢٢٨، ٢٧٣).
(٧) الكاشف (٢/ ٨٢)؛ والتقريب (ص ٣٠٦).
٣٢٩

٢١ - [ ت] عبد الله بن يرفا المدني مولى بني ليث ((ذكره ابن حبان في
الثقات))(١).
٢٢ - [س - م) عبد الملك بن إبراهيم الجُدي ثم المكي ((صدوق))، مات
سنة أربع - أو خمس - ومائتين(٢).
٢٣ - [ت] علي بن عبد الحميد بن زياد بن صيفي(٣).
٢٤ - [ ت ] فرج بن سعيد المأربي اليماني ((صدوق))، مات قبل المائتين(٤).
٢٥ _ [س - ت] فضيل بن عياض ((ثقة عابد إمام))، مات سنة سبع وثمانين
ومائة، وقد جاوز الثمانين(٥).
٢٦ - [ ت] محمد بن إدريس الشافعي ((ثقة فقيه إمام، ومذهبه من أوسع
المذاهب الأربعة انتشاراً)، مات سنة أربع ومائتين، وله أربع وخمسون
سنة(٦).
٢٧ - [س] محمد بن خازم التميمي السعدي أبو معاوية الضرير ((ثقة ثبت في
حديث الأعمش، وقد یهم في حديث غيره))، مات سنة خمس وتسعين
ومائة(٧) .
(١) الجرح (٢٠٦/٥)؛ والثقات (٥٨/٧).
(٢)
الكاشف (١٨٢/٢)؛ والتقريب (ص ٣٦٢). وانظر: المسند ح (٥٩)؛ والمطالب
العالية: (ق ١٨٦ : ب).
(٣)
لم أجد له ترجمة.
الكاشف (٣٢٦/٢)؛ والتقريب (ص ٤٤٤).
(٤)
الكاشف (٣٣١/٢)؛ والتقريب (ص ٤٤٨). وانظر: المسندح (١٠٤، ٢٥٨، ٩٠٦،
(٥)
١١١٩).
(٦) الكاشف (١٩/٣)؛ والتقريب (ص ٤٦٧).
(٧) انظر: المسندح (٢١٧).
٣٣٠

٢٨ - [س] أبو همام محمد بن الزِّبرِقان الأهوازي ((صدوق ربما أخطأ))، مات
قبل المائتين(١).
٢٩ - [س - ت] محمد بن عبيد الطنافسي ((ثقة))، مات سنة أربع
ومائتين(٢).
٣٠ - [س - م) محمد بن عثمان بن صفوان الجمحي ((ضعيف))، مات قبل
المائتين(٣).
٣١ - [س - ت] مروان بن معاوية الفزاري ((ثقة حافظ، وكان يدلس))، مات
سنة ثلاث وتسعين ومائة، وله إحدى وثمانون سنة (٤).
٣٢ _ [ت] مسلم بن خالد، الزنجي، ((فقيه صدوق كثير الأوهام))(٥).
٣٣ _ [٢] المعتمر بن سليمان التيمي ((ثقة))، مات سنة سبع وثمانين
ومائة(٦).
٣٤ - [ م] مهدي بن ميمون الأزدي المعولي، أبو يحيى البصري ((ثقة))، مات
سنة اثنتين وسبعين ومائة(٧).
٣٥ - [س - ت] وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي «ثقة حافظ عابد
فقيه))، مات في آخر سنة ست وتسعين ومائة، وله سبعون سنة(٨).
(١) انظر: المسندح (٣٧٠).
(٢) انظر: المسندح (١٢٦).
(٣) انظر: المسندح (٢٣٧)؛ والمطالب العالية (ق ٣٢: ب).
(٤) انظر: المسندح (٣، ٧٠، ٣٤٩، ٤٣٩، ٨٠٢).
(٥) الكاشف (١٢٣/٣)؛ والتقريب (ص ٥٢٩).
(٦) انظر: المطالب العالية (ق ٦: أ).
(٧) الكاشف (١٥٨/٣)؛ والتقريب (ص ٥٤٨). وانظر: المطالب العالية (ق ٥٣: أ).
(٨) انظر: المسندح (٤، ١٥٢، ٧٦٠).
٣٣١

٣٦ - [س - ت] الوليد بن مسلم الدمشقي ((ثقة كثير التدليس والتسوية))،
مات في أول سنة خمس وتسعين ومائة، وله ست وسبعون سنة(١).
٣٧ - [س ] يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن التميمي النهشلي الكوفي
((صدوق یخطىء، ورمي بالتشيع))، مات سنة إحدى ومائتين(٢).
٣٨ - [س - ت] يعلى بن عبيد الطَّنافسي، ((ثقة))، مات سنة تسع ومائتين،
ومولده سنة سبع عشرة ومائة(٣).
المطلب الرابع
مذهبه ومكانته العلمية وثناء العلماء عليه
كان الحميدي رحمه الله، كغيره من أئمة الحديث، في التمسك بالسنة،
ونبذ البدع، واتباع السلف الصالح رضوان الله عليهم، فكان شديد الحمل على
كل من خالف ذلك.
قال الإِمام أحمد بن حنبل(٤): تكلم بشر بن السري بمكة بشيء، فوثب
عليه ابن الحارث - يعني حمزة بن الحارث - والحميدي، فلقد ذل بمكة، حتى
جاء فجلس إلينا مما أصابه من الذل. اهـ.
وقال عن نفسه(٥): ما دمت بالحجاز، وأحمد بن حنبل بالعراق،
وإسحاق بخراسان، لا يغلبنا أحد. اهـ.
فكان شيخ الحرم، ومفتي أهل مكة في زمانه، لجمعه بين حفظ
(١) انظر: المسندح (٢، ١٩، ٦١٥).
(٢) الكاشف (٢٣٢/٣)؛ والتقريب (ص ٥٩٥). وانظر: المسندح (٥٨).
(٣)
انظر: المسندح (٦).
علل أحمد (٢٥٥/١)، (١٤٥٨). وانظر: تهذيب الكمال (١٢٤/٤).
(٤)
(٥) رواه ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (ص ١٤٦).
٣٣٢

الحديث، والفقه فيه. وكان لا يرى الأخذ عن كل صاحب بدعة وإن لم يكن
داعية(١) .
وقد وصفه بالإمامة غير واحد من الأئمة، قال أحمد (٢): الشافعي عندنا
إمام، والحميدي عندنا إمام، وإسحاق بن راهويه عندنا إمام. اهـ.
وقال إسحاق بن راهويه(٣): الأئمة في زماننا: الشافعي، والحميدي،
وأبو عبيد. اهـ. وقال أبو حاتم(٤): ثقة إمام. اهـ، وكان حافظاً من حفاظ
الحدیث، ولم یکن بالمکثر (٥) - إذا قُرِن ببعض أقرانه کأحمد بن حنبل وغيره -
لاكتفائه بحديث ابن عيينة، غالباً، فلم يكن بالمتوسع في الشيوخ، ولاشتغاله
بالفقه وملازمة الشافعي(٦) رحمه الله، لذا جاء مسنده مختصراً، بخلاف مسانيد
غيره من الأئمة(٧) .
وقد استفاض ثناء العلماء علیه وتبجيلهم له.
قال الشافعي(٨): ما رأيت صاحب بلغم أحفظ من الحميدي، كان يحفظ
لسفيان بن عيينة عشرة آلاف حديث. اهـ. وقال ابن سعد(٩): كان ثقة كثير
الحدیث. اهـ.
(١) انظر: الكفاية (ص ١٢٣)؛ وشرح العلل (٣٥٦/١).
(٢) التقييد لابن نقطة (٤١/٢).
السير (٦١٨/١٠)؛ وطبقات الشافعية الكبرى (١٤٠/٢).
(٣)
(٤)
الجرح (٥٧/٥).
(٥)
انظر: السير (٦١٦/١٠).
انظر: آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (ص ٤٣، ٤٤).
(٦)
وسيأتي إن شاء الله ذكر ذلك مفصلاً في دراسة مسنده.
(٧)
(٨)
السير (٦١٨/١٠).
(٩) الطبقات (٥٠٢/٥).
٣٣٣

وقال أبو العباس السراج(١): سمعت محمد بن إسماعيل يقول: الحميدي
إمام في الحديث. اهـ. وقال يعقوب بن سفيان الفسوي(٢): حدثنا الحميدي -
وما لقيت أنصح للإسلام وأهل الإسلام منه. اهـ. وقال ابن حبان(٣): كان
صاحب سنة وفضل ودين. اهـ. وقال الحاكم(٤): ثقة مأمون. اهـ. وقال(٥):
کان البخاري إذا وجد الحدیث عند الحميدي لا یعدوه إلی غیره. اهـ. وقال ابن
عبد البر(٢): كان من الفقهاء المحدثين النبلاء الثقات، والحفاظ المأمونين،
أخذ عن ابن عيينة، وهو صاحبه والمتحقق به. اهـ. وقال الذهبي (٧): الإِمام
الحافظ الفقيه، شيخ الحرم، ... ، وليس هو بالمكثر، ولكن له جلالة في
الإِسلام. اهـ. وقال الذهبي(٨) أيضاً: هو أجل أصحاب ابن عيينة. اهـ. وروى
الذهبي - بسنده إلى البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا
يحيى بن سعيد الأنصاري، أخبرني محمد بن إبراهيم أنه سمع علقمة بن وقاص
الليثي يقول: سمعت عمر يقول - على المنبر -: سمعت رسول الله # يقول:
((إنما الأعمال بالنيات ... )) الحديث، ثم قال(٩): هذا أول شيء افتتح به
البخاري صحيحه، فصيّره كالخطبة له، وعدل عن روايته افتتاحاً بحديث مالك
الإِمام إلى هذا الإسناد لجلالة الحميدي وتقدمه، ولأن إسناده هذا عزيز المثل
(١) السير (٦١٩/١٠).
(٢) المعرفة والتاريخ (١٨٤/٣).
(٣) الثقات (٣٤١/٨).
(٤) سؤالات السجزي (٨١).
التقريب (ص ٣٠٣).
(٥)
(٦) الانتقاء (ص ١٠٤).
(٧)
السير (٦١٦/١٠).
طبقات الشافعية الكبرى (١٤٠/٢).
(٨)
(٩) السير (٦٢٠/١٠).
٣٣٤

جداً، ليس فيه عنعنة أبداً، بل كل واحد منهم صرح بالسماع له. اهـ.
وقال الحافظ(١): ثقة حافظ فقيه، أجل أصحاب ابن عيينة. اهـ.
المطلب الخامس
روايته عن ابن عيينة، ومنزلته عند العلماء فيه
في سنة ثلاث وستين ومائة(٢) انتقل سفيان بن عيينة من الكوفة،
مسقط رأسه، إلى مكة المكرمة، فجاور بها حتى مات في سنة ثمان وتسعين
ومائة، فلاحت الفرصة للحميدي، فما تردد في قبولها، بل جعل نفسه
وتداً في أرض حلقة ابن عيينة، التي كانت تشع بالأنوار المحمدية،
فصاحبها قد حوى علم عمرو بن دينار، وابن المنكدر، والزهري،
وغيرهم من جلة التابعين وفضلائهم، ولم يخرج الحميدي من مکة حتی مات
سفيان.
قال الحميدي(٣): جالست ابن عيينة تسع عشرة سنة، أو نحوها. اهـ.
ومع طول هذه المجالسة كان الحميدي - رحمه الله - قد وهِب قوة الحافظة،
وحسن الفهم لما يحفظه، فحفظ ووعى حديث ابن عيينة، وقد تقدم قول
الشافعي(٤) فيه: ما رأيت صاحب بلغم أحفظ من الحميدي، كان يحفظ لسفيان
ابن عیینة عشرة آلاف حدیث. اهـ.
وقد استفاض عن الأئمة تقديمه على سائر أصحاب ابن عيينة الحفاظ.
قال محمد بن عبد الرحمن.
(١) التقريب (ص ٣٠٣).
(٢) انظر التهذيب (٤/ ١٢٢).
التاريخ الكبير (٩٧/٥).
(٣)
(٤) السير (٦١٨/١٠).
٣٣٥

الهروي(١): قدمت مكة سنة ثمان وتسعين ومائة، ومات ابن عيينة في أول السنة
قبل قدومنا بسبعة أشهر، فسألت عن أجل(٢) أصحاب ابن عيينة، فذكر لي الحميدي
فکتبت حدیث ابن عيينة عنه. اهـ.
وقال ابن سعد(٣): وهو صاحب ابن عيينة، وراويته. اهـ. وقال ابن
عبد البر(٤): سئل أحمد بن حنبل: من أثبت في ابن عيينة: علي بن المديني
أو الحميدي؟ فقال: الحميدي صاحب الرجل، وأعلم الناس بحديث ابن عيينة،
وأثبتهم فيه. اهـ. وقال أبو حاتم(٥): أثبت الناس في ابن عيينة: الحميدي،
وهو رئيس أصحاب ابن عيينة. اهـ. وقال الدارقطني(٦) - في أثناء كلامه على
حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((أن رسول الله صل*، رأى نخامة في حائط
المسجد ... الحديث)) -: كذلك قال أصحاب ابن عيينة الحفاظ، منهم:
الحميدي، ومسدد، وسعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة. اهـ. وقال
الذهبي (٧): أكثر عنه، وجود. اهـ. وقال الحافظ(٨): أجل أصحاب ابن
عيينة. اهـ.
ومن الأدلة العملية القوية على صحة وصدق ما قاله من قدمنا ذكرهم، ما
(١) الجرح (٥٧/٥) -؛ وتهذيب الكمال (٥١٤/١٤).
(٢) سقط قوله: (أجل) من تهذيب الكمال، الذي حققه بشار عواد، وهو ثابت في الجرح
والتعديل لابن أبي حاتم، وفي مخطوطة تهذيب الكمال المصورة -. انظر:
(٢/ ق ٦٨٢) - .
(٣) الطبقات (٥٠٢/٥).
الانتقاء (ص ١٠٤).
(٤)
(٥)
الجرح (٥٧/٥).
(٦)
علل الدار قطني (١٧٠/٣ ب).
(٧) السير (٦١٦/١٠).
(٨) التقريب (ص ٣٠٣).
٣٣٦
.

رواه يعقوب بن سفيان الفسوي(١)، عن شيخه الحميدي، أنه قال: کنت بمصر،
وكان لسعيد بن منصور حلقة في مسجد مصر، ويجتمع عليه أهل خراسان،
وأهل العراق، فجلست إليهم، فذكروا شيخاً لسفيان، فقالوا: كم يكون حديثه؟
فقلت: كذا وكذا، فسبح سعيد بن منصور، وأنكر ذلك، وأنكر بن دَيْسم، وكان
إنكار ابن ديسم أشد عليَّ، فأقبلت على سعيد، فقلت: كم تحفظ عن سفيان،
عنه؟ فذكر نحو النصف مما قلت، وأقبلت على ابن ديسم، فقلت: كم تحفظ
عن سفيان عنه؟ فذكر زيادة على ما قال سعيد نحو الثلثين مما قلت أنا، فقلت
لسعيد: تحفظ ما كتبت عن سفيان، عنه؟ فقال: نعم. قلت: فعدّ. قال: فعدّ.
ثم قلت لابن ديسم: عدّ ما كتبت عن سفيان، عنه. فإذا سعيد يغرب على ابن
دیسم بأحاديث، وابن ديسم يغرب على سعيد في أحاديث كثيرة، فإذا قد ذهب
عليهما أحاديث يسيرة، فذكرت ما ذهب عليهما. قال: فرأيت الحياء والخجل
في وجھیھما. اهـ.
قلت: وسعيد بن منصور، من حفاظ أصحاب ابن عيينة - كما تقدم نقل
ذلك عن الدارقطني - .
وقد أبدى السبكي عدم قناعته بقولهم: (أجل أصحاب ابن عيينة)،
فقال(٢): إن كان ما قاله أبو حاتم، والشافعي، وابن حبان، هو الحامل للذهبي
على قوله: إن الحميدي أجل أصحاب ابن عيينة، فليس ذلك بكاف فيما
قال. اهـ. قلت: الذي يظهر لي أن كلام من ذكر كاف في إثبات ذلك، لأنهم
من جهابذة النقاد، فكيف إذا أضيف إليه ما ذكرنا من كلام محمد بن
عبد الرحمن الهروي، وابن سعد، وأحمد بن حنبل.
(١) المعرفة والتاريخ (١٧٩/٢).
(٢) طبقات الشافعية الكبرى (١٤٠/٢).
٣٣٧

المطلب السادس
فقهه، وتأثره بالشافعي
أقام الإِمام أحمد بن حنبل في مكة، على سفيان بن عيينة، ينهل من معين
علمه الصافي، لكنه لم يكن صاحب علم واحد، بل كان يدور على حلق العلم
المختلفة، فكان من بين هذه الحلق حلقة محمد بن إدريس الشافعي، التي كانت
تغوص في بحور النصوص القرآنية والحديثية، لتستخرج منها اللؤلؤ والمرجان،
فكان أحمد يلازم هذه الحلقة كثيراً، ويدعو من رأى من إخوانه المحدثين إليها،
لكنهم كانوا يظهرون النفرة منها في الوهلة الأولى، لتطرقها إلى شيء من القياس
والرأي، لكن سرعان ما تنقلب هذه النفرة إعجاباً بذلك الإِمام الفذ الثاقب
البصيرة. قال إسحاق بن راهويه(١): كنا بمكة - والشافعي بها، وأحمد بن
حنبل بها - فقال لي أحمد بن حنبل: يا أبا يعقوب، جالس هذا الرجل.
- يعني: الشافعي - قلت: ما أصنع به: وسنه قريب من سننا؟ أترك ابن عيينة،
والمقبري؟!
فقال: ويحك، إن ذاك یفوت، وذا لا يفوت. فجالسته. اهـ.
وقد تمنى إسحاق أن يكون عرف هذا الإِمام وما أوتي من الفهم قبل
ذلك، وكان يتأسف على ما فاته(٢) .
فكان الحميدي واحداً من أولئك النفر الذين اهتم أحمد بشأنهم، وسعى
لإفادتهم. قال الحميدي(٣): كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على
سفيان بن عيينة، فقال لي - ذات يوم أو ذات ليلة - : ههنا رجل من قريش، له
(١) آداب الشافعي (ص ٤٣).
(٢) انظر: توالي التأسيس (ص ٩٠).
(٣) آداب الشافعي (ص ٤٣ - ٤٤)؛ والحلية (٩٦/٩).
٣٣٨

بيان ومعرفة. فقلت له: فمن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي.
وكان أحمد بن حنبل قد جالسه بالعراق، فلم يزل بي حتى اجترني إليه.
وكان الشافعي قبالة الميزاب، فجلسنا إليه، ودارت مسائل. فلما قمنا قال
لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟ فجعلت أتتبع ما كان أخطأ فيه - وكان ذلك
مني بالقرشية (يعني: الحسد) - فقال لي أحمد بن حنبل: فأنت لا ترضى أن
يكون رجل من قريش يكون له هذه المعرفة، وهذا البيان !!! - أو نحو هذا
القول - تمر مائة مسألة، يخطىء خمساً أو عشراً، اترك ما أخطأ، وخذ ما
أصاب. قال: وكان كلامه وقع في قلبي، فجالسته، فغلبتهم عليه، فلم نزل
نقدم مجلس الشافعي، حتی کان بقرب مجلس سفيان.
قال: وخرجت مع الشافعي، إلى مصر. وكان هو ساكناً في العلو، ونحن
في الأوسط ... إلخ. فلازمه ملازمة الابن لأبيه.
وكان الإمام الشافعي يعامل طلابه معاملة أبنائه، ویحب لهم كل خير،
ولا يزال يفيدهم في كل أوقاته، ليلاً ونهاراً.
قال الحميدي(١): كان الشافعي ربما ألقى عليَّ وعلى ابنه أبي عثمان،
المسألة، فيقول: أیکما أصاب فله دینار. فتخرَّج الحميدي به، حتی عد من
كبار أصحابه. وقد رأى من نفسه بعد طول هذه المجالسة، التأهل لتصدر
مجلس الشافعي بعد وفاته.
قال الذهبي(٢): لما توفي الشافعي أراد الحميدي أن يتصدر موضعه،
فتنافس هو وابن عبد الحكم على ذلك، وغلبه ابن عبد الحكم على مجلس
الإِمام، ثم إن الحميدي رجع إلى مكة، وأقام بها ينشر العلم، رحمه الله. اهـ.
(١) آداب الشافعي (ص ٩٧).
(٢) السير (٦١٩/١٠).
٣٣٩

وبعد رجوعه من مصر تصدر الفتيا في المسجد الحرام، إلى جانب عقد مجالس
التحديث والفقه، وحُقَّ له ذلك فقد جمع بين حديث ابن عيينة وفقهه، وفقه
الشافعي، إلى جنب ما سمع واستفاد من غيرهما.
قال أبو عبد الله الحاكم(١): الحميدي مفتي أهل مكة ومحدثهم، وهو
لأهل الحجاز في السنة كأحمد بن حنبل لأهل العراق. اهـ.
المطلب السابع
شبهات حول شخصية الإِمام، ودحضها
لا یکاد أحد ینجو من کلام الآخرین، وخاصة أقرانه، ولا سيما إذا كان
ممن بَعُدَ صيتهم وعلت منزلتهم، واشتهرت معارضتهم لغيرهم، لكن هذا
الكلام منه المؤثر، ومنه غير المؤثر، ومنه المفتعل. وقد نقل عن الإِمام
یحیی بن معین في حق الحميدي کلام محتمل، وکلام غريب.
أما المحتمل فهو ما نقله الدوري(٢) عنه أنه قال: كان يجيء إلی سفيان،
ولا يكتب. قلت ليحيى: فما كان يصنع؟ قال: كان إذا قام أخذها - يعني
يحيى أنه كان يتسهل في السماع -. اهـ. فهذا الكلام ليس فيه قدح في
الحميدي، لأنه هو صاحب الرجل وملازمه، وراویته، فلیس بإمکان ابن معین،
أو غيره، ممن يقيم عند سفيان بن عيينة اليوم واليومين، والشهر والشهرين،
الحكم على الحميدي وسماعه من سفيان، فإن الرجل قد لازمه ما يقرب من
عشرين سنة، فاستوعب ما عنده، وحفظه، وفاق أقرانه فيه.
وذكر ابن الجنيد في سؤالاته(٣): قلت ليحيى بن معين: الحميدي
(١) طبقات الشافعية الكبرى (١٤١/٢).
(٢) تاريخ ابن معين (٣٠٨/٢).
(٣) سؤالات ابن الجنيد (٥٧٦).
٣٤٠