Indexed OCR Text

Pages 21-40

قال ابن أبى شيبة رحمه الله ( المصنف ١٧٨/١٢ ):
حدثنا زيد بن الحباب قال : ثنا عبد الله بن العلاء أبو زَبْر (١) الدمشقى
قال: ثنا عبد الله بن عامر (٢) عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسولُ الله
صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تزالون بخيرٍ مادَامَ فِيكُم من ◌َآنى
وصاحَبَتى ، والله لا تزالون بخير ما دامَ فِيكم من رَأى من رآنى وصاحَبَ
من صَاحَبَنِى)).
حسن(٣)
= فى الفتح (٥/٧) فقال هناك: وهذه الرواية شاذة وأكثر الروايات مقتصر على
الثلاثة .
(١) فى الأصل أبو الزبير الدمشقى ، وهو غلط ، والتصويب من الكنى للدولابى ومن
التقريب ، والتهذيب وغيرها .
(٢) هو عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة اليحصبى .
(٣) وقد حسَّن الحافظ ابن حجر إسناده أيضا ( انظر الفتح ٥/٧ ).
- ٢١ -

تحريم سب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وبيان بعض أحكام ذلك
قال الإمام البخاري رحمه الله ( حديث ٣٦٧٣ ) :
حدثنا آدمين أبى إياس حدثنا شعبة عن الأعمش قال : سمعت ذكوان
يحدث عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال(١): قال النبى صلى الله عليه
وآله وسلم: ((لا تَسُبُّوا أصحابى فلو أَنَّ أُحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذهباً ما بَلَغَ مُدَّ(٢)
(١) فى رواية مسلم من الزيادة .. عن أبى سعيد قال : كان بين خالد بن الوليد وبين
عبد الرحمن بن عوف شىء فسبه خالد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
(لا تسبوا أحداً من أصحابى ... )) الحديث . هذا وقد ورد الحديث ( أعنى حديث
الباب ) فى صحيح مسلم أيضا من حديث أبى هريرة مرفوعا (رقم ٣٥٤٠) لكن
حكم كثير من أهل العلم على رواية أبى هريرة بالشذوذ ( انظر فتح الباري
٣٥/٧ ) .
(٢) المد : قال فى لسان العرب: المُدُّ ضرب من المكاييل وهو ربع صاع وهو قدر
مُد النبى صلى الله عليه وآله وسلم ، وذكر أقوالاً أخرى وقال: وقيل: إن أصل
المد مقدر بأن يمد الرجل يديه فيملأ كفيه طعاماً .
ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح (٣٤/٧) عن البيضاوى قوله : معنى الحديث
: لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أُحدٍ ذهباً من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق
مد طعام أو نصيفه، وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص
وصدق النية ، قلت ( القائل الحافظ ): وأعظم من ذلك فى سبب الأفضلية عظم
موقع ذلك لشدة الاحتياج إليه ، وأشار بالأفضلية بسبب الإنفاق إلى الأفضلية
بسبب القتال كما وقع فى الآية: ﴿من أنفق من قبل الفتح وقاتل ﴾ فإن فيها
إشارة إلى موقع السبب الذى ذكرته ، وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح
مكة عظيماً لشدة الحاجة إليه وقلة المعتنى به بخلاف ما وقع بعد ذلك لأن المسلمين
كثروا بعد الفتح ودخل الناس فى دين الله أفواجا فإنه لا يقع ذلك الموقع المتقدم .
والله أعلم .
- ٢٢ -

أَحَدِهِمْ ولا نَصِيفَه (١))).
صحيح
(١) قوله: ((نصيفه)) قال الترمذى: ومعنى قوله: ((نصيفه)) أى نصف المد . أما
حكم من سب أصحاب النبى صلى الله عليه وآله وسلم فنقل هنا بعض أقوال
أهل العلم :
* قال النووي رحمه الله ( شرح مسلم ٤٠٠/٥ ) :
واعلم أن سب الصحابة رضى الله عنهم حرام من فواحش المحرمات ، سواء
من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون فى تلك الحروب متأولون كما أوضحناه
فى أول فضائل الصحابة من هذا الشرح ، قال القاضى : وسب أحدهم من
المعاصى الكبائر ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر ولا يقتل ، وقال بعض
المالكية : يقتل .
* * وقال الحافظ ابن حجر ( فتح البارى ٣٦/٧ ) : اختلف فى ساب الصحابى
فقال عياض ذهب الجمهور إلى أنه يعزر ، وعن بعض المالكية يقتل ، وخص بعض
الشافعية ذلك بالشيخين والحسنين ، فحكى القاضى حسين فى ذلك وجهين ،
وقواه السبكى فى حق من كفر الشيخين ، وكذا من كفر من صرح النبى صلى الله
عليه وآله وسلم بإيمانه أو تبشيره بالجنة إذا تواتر الخبر بذلك عنه لما تضمن من
تكذيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
* * * أما ابن تيمية رحمه الله فقد عقد لذلك فصلاً طويلاً فى كتابه القيم
( الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ٥٦٧ ) فقال رحمه الله : فأما من سب
أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهل بيته وغيرهم فقد
أُطلق الإِمام أحمد أنه يضرب ضرباً نكالاً، وتوقف عن قتله وكفره .
قال أبو طالب : سألت أحمد عمن شتم أصحاب النبى صلى الله عليه وآله وسلم
قال : القتل أجْبُن عنه، ولكن أضربه ضرباً نكالاً .
وقال عبد الله : سألت أبى عمن شتم أصحاب النبى صلى الله عليه وآله وسلم
قال : أرى أن يضرب قلت له : حد؟ فلم يقف على الحد إلا أنه قال : يضرب
وقال : ما أراه على الإِسلام .
وقال : سألت أبى من الرافضة ؟ فقال : الذين يشتمون - أو يسبون أبا بكر وعمر
رضى الله عنهما .
- ٢٣ -

وأخرجه مسلم (٢٥٤١) وأبو داود (٤٦٥٨) والترمذى (٣٨٦١)، وقال : هذا
حديث حسن صحيح، وعزاه المزى للنسائى. وأخرجه أيضا أحمد (١١/٣) وفى
:
فضائل الصحابة (٥و٦ و٧ و ١٧٣٥) وعبد بن حميد فى المنتخب ( بتحقيقى رقم ٩١٦)
والطيالسى (٢١٨٣).
!
=.. وقال فى الرسالة التى رواها أبو العباس أحمد بن يعقوب الإصطخرى وغيره :
وخير الأمة بعد النبى صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر وعمر بعد أبی یکر وعثمان
بعد عمر وعلى بعد عثمان ووقف قوم ، وهم خلفاء راشدون مهديون ثم أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس لا يجوز لأحد
أن يذكر شيئاً من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص فمن فعل
ذلك فقد وجب تأديبه وعقوبته ، ليس له أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستبه فإن
تاب قبل منه ، وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلَّده فى الحبس حتى يموت أو
يراجع ، وحكى الإِمام أحمد هذا عمن أدركه من أهل العلم ، وحكاه الكرمافى
عنه ، وعن إسحاق والجميدى وسعيد بن منصور وغيرهم وقال الميمونى : سمعت
أحمد يقول: ما لهم ولمعاوية ؟ نسأل الله العافية وقال لى: يا أبا الحسن إذا رأيت
أحداً يذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسوء فاتهمه على
الإِسلام .
فقد نص رضى الله عنه على وجوب تعزیره و استتابته حتى يرجع بالجلد وإن
لم ينته حبس حتى يموت أو يراجع ، وقال: ما أراه على الإِسلام وقال : واتهمه
على الإسلام ، وقال : أجبن عن قتله ..
وقال إسحاق بن راهويه : من شتم أصحاب النبى صلى الله عليه وآله وسلم يعاقب
ويحبس ، وهذا قول أكثر أصحابنا منهم ابن أبى موسى قال : ومن سب السلف من
الروافض فليس بكفؤ ولا يزوج ، ومن رمى عائشة رضى الله عنها بما برأها الله
منه فقد مرق من الدين ولم ينعقد له نكاح على مسلمة إلا أن يتوب ويظهر توبته ؛
وهذا فى الجملة قول عمر بن عبد العزيز وعاصم الأحول وغيرهما من التابعين.
وأورد ابن تيمية رحمه الله جملة أقوال لأهل العلم فى هذا الباب فليراجعها من
شاء فهى أقوال مفيدة فى هذا الباب وبالله سوفيق .
- ٢٤ -
-

انخرام قرن الصحابة رضوان الله عليهم
قال الإِمام مسلم رحمه الله (٢٥٣٨) :
حدثنى هارون بن عبد الله وحجاج بن الشاعر قالا : حدثنا حجاج بن
محمد قال : قال ابن جريج : أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله
يقول : سمعت النبى صلى الله عليه وآله وسلم يقول قبل أن يموت بشهر :
« تَسألونى عن الساعةِ، وإنما عِلمُها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض
من نفسٍ منفوسةٍ تأتى عليها مائة سنة))(١) حدثنيه محمد بن حاتم حدثنا
محمد بن بكر أخبرنا ابن جريج بهذا الإسناد ، ولم يذكر قبل موته بشهر . صحيح
وأخرجه أحمد (٣٨٤/٣-٣٨٥) :
قال الإِمام مسلم رحمه الله ( حديث ٢٥٣٩ ).
حدثنا ابن نمير حدثنا أبو خالد عن داود ( واللفظ له ) ح وحدثنا
أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا سليمان بن حياد عن داود عن أبى نضرة عن
أبى سعيد قال : لما رجع النبى صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك سألوه
عن الساعةِ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تأتى مِائَةُ سنةٍ
وعلى الأرضِ نفسٌ منفوسةٌ اليومَ » .
صحيح
قال الإمام البخاري رحمه الله ( حديث ٦٠١ ) :
حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب عن الزهرى قال حدثنى سالم بن
عبد الله بن عمر وأبو بكر بن أبى حثمة أن عبد الله بن عمر قال : صلى النبى
صلى الله عليه وآله وسلم صلاةَ العِشاءِ فى آخِرٍ حياتِهِ فلما سلَّم قام النبُّ صلى الله
(١) فى هذه الأحاديث الرد على من ادعى الصحبة بعد مائة عام من هذه المقالة .
- ٢٥ -

عليه وسلم فقال: (( أرأيتَكُم ليلَتكم هذه فإن رأسَ مائةٍ (١) لا يبقى ممن
هو اليوم على ظَهْرِ الأرضِ أحدٌ)) فَوَهِلَ النَّاسُ (٢) فى مقالةِ رسولِ الله
صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائةٍ
سنةٍ(٢)، وإنما قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يبقى ممن هو
اليوم على ظهر الأرض)) يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن . صحيح
وأخرجه مسلم (٢٥٣٧) وأحمد (١٢١/٢).
(١) فى بعض الروايات فى الصحيح ( مائة سنة ).
(٢) القائل فوهل الناس هو ابن عمر كما هو واضح فى رواية مسلم وغيره ومعنى وَهِل
أى غلط .
(٣) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ( فتح البارى ٧٥/٢) قوله: ( عن مائة سنة )
لأن بعضهم كان يقول : إن الساعة تقوم عند تقضى مائة سنة كما روى ذلك
الطبرانى وغيره من حديث أبى مسعود البدرى ورد ذلك عليه على بن أبى طالب
وقد بين ابن عمر مراد النبى صلى الله عليه وآله وسلم فى هذا الحديث ، وأن
مراده أن عند انقضاء مائة سنة من مقالته تلك ينخرم ذلك القرن ، فلا يبقى
أحد ممن كان موجوداً حال تلك المقالة ، وكذلك وقع بالاستقراء فكان آخر من
ضبط أمره ممن كان موجوداً حينئذ أبو الطفيل عامر بن واثلة ، وقد أجمع أهل
الحديث على أنه كان آخر الصحابة موتا وغاية ما قيل فيه إنه بقى إلى سنة عشر
ومائة ، وهى رأس مائة سنة من مقالة النبى صلى الله عليه وآله وسلم ، والله أعلم .
- ٢٦ -

فضائل أبى بكر الصديق (١) رضى الله عنه
خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
(١) هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن
كعب بن لؤى القرشى التميمى أبو بكر الصديق بن أبى قحافة . أمه أم الخير
سلمى بنت صخر بن عامر ابنة عم أبيه .
* وسيأتى فى فضائله - بالإضافة إلى ما هنا - حديث أبى هريرة رضى الله عنه
الآتى فى فضائل عثمان وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان على حراء
هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اهدأ فما عليك إلا نبى أو صديق أو
شهيد ) .
# وحديث سعيد بن زيد فى فضائل على: أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم
قال : أبو بكر فى الجنة ...
* ونحوه من حديث عبد الرحمن بن عوف فى فضائل أبى عبيدة .
- ٢٧ -

قول النبى صلى الله عليه وآله وسلم: ((لو كنت متخذاً خليلاً
لاتخذت أبا بكر خليلاً)) وأمر النبى صلى الله عليه وآله وسلم
بسد الأبواب إلا باب أبى بكر
قال الإمام البخاري رحمه الله ( حديث ٤٦٧ ) :
حدثنا عبد الله بن محمد الجعفى قال حدثنا وهب بن جرير قال : حدثنا
أبى قال : سمعت يعلى بن حكيم عن عكرمة عن ابن عباس قال: خَرَجَ
رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم فى مَرَضِهِ الذى مات فيه عاصباً رَأْسَهُ بخرقةٍ
فَقَعَدَ على المنبر فَحَمِدَ الله وأثنى عليه ثم قال: ((إنه ليس من الناس أحدٌ أمنَّ
علَّ فى نفسِهِ ومالِهِ من أبى بكر بن أبى قُحافة ، ولو كُنْتُ متخذاً من
الناسِ خليلاً لاتخذتٌ أبا بكر خليلاً، ولكن خُلَّةُ الإِسلام أفضل ، سُُّوا
صحیح
----
كلَّ خوخةٍ فى هذا المسجد غيرَ خوخةٍ أبى بكرٍ» .
وأخرجه أحمد (٢٧٠/١و٣٥٩) وفى فضائل الصحابة (٦٧) والنسائى فى فضائل
الصحابة (١) وابن أبى عاصم فى السنة (١٢٢٨) .
قال الإِمام البخارى ( حديث ٣٦٥٤ ) :
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أبو عامر حدثنا فليح قال حدثنى سالم
أبو النضر عن بسر بن سعيد عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال :
خَطَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس وقال: ((إِن الله خيّر
عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبدُ ما عند الله)) قال : فبكى
أبو بكرٍ فعجبنا لبكائِهِ أن يُخْبِرَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن
- ٢٨ -

عبدٍ مُخيَّ ، فكان رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم هو المُخَيَّر ، وكان
أبو بكر أعلمَنا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن أمنَّ الناسِ
علَّ فى صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت مُتَّخِذاً خليلاً غَير ربى لاتخذتُ
أبا بكر ، ولكن أُحُوَّةُ الإِسلام ومودَّته، لا يَبَقَينَّ فى المسجِد بابٌ إلا سُدُّ
صحيح
إلا بابأبى بكر)) .
وأخرجه مسلم (٢٣٨٢) والترمذى (٣٦٦٠) وقال : هذا حديث حسن صحيح .
وعزاه المزى فى الأطراف للنسائى ، وأخرجه أحمد (١٨/٣) وابن أبى عاصم (١٢٢٧)
فى السنة وابن أبى شيبة فى المصنف (١١٩٧٥) .
قال الإمام البخاري رحمه الله (٣٦٥٨) :
حدثنا سليمان بن حرب أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب عن عبد الله بن
أبى مليكة قال: كتب أهل الكوفة إلى ابن الزبير فى الجدّ (١) فقال: أما الذى
قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلَّم: ((لو كُنْتُ متخذاً من هذه الأمةِ
خليلاً لاتخذتُه، أَنْزَلَهُ أباً (٢) ، يعنى أبا بكرٍ)).
صحيح
وأخرجه أحمد (٤/٤) .
قال الإِمام مسلم رحمه الله (٢٣٨٣) :
حدثنا محمد بن بشار العبدى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن
إسماعيل بن رجاء قال : سمعت عبد الله بن أبى الهذيل يحدث عن أبى الأحوص
قال : سمعتُ عبد الله بن مسعود يحدِّثُ عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم
أنه قال: ((لو كنت مُتخِذاً خليلاً لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً ولكنه أخى
(١) أى عن ميراث الجد .
(٢) أى ينزل الجد منزلة الأب فى الميراث إذا لم يكن دونه أب، انظر فتح البارى (١٩/١٢).
- ٢٩ -

وصاحبى، وقد اتخذ الله عز وجلَّ صاحِبَكم خليلاً)).
صحيح
وأخرجه الترمذى (٣٦٥٥) وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وأخرجه ابن ماجة
(٩٣) وأحمد (٣٨٩/١) وفى فضائل الصحابة (٦٩ و ١٥٥ و١٥٦) وابن أبى عاصم
(١٢٢٦) والطيالسى (٣١٤) وابن سعد في الطبقات (١٢٤/١/٣) وابن أبى شيبة فى
المصنف (١١٩٧٢) وعبد الرزاق (٢٢٨/١١) والنسائى فى فضائل الصحابة (٣)
قال الإمام مسلم رحمه الله (٥٣٢) :
حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وإسحاق بن إبراهيم ( واللفظ لأبى بكر ) قال
إسحاق : أخبرنا ، وقال أبو بكر : حدثنا زكرياء بن عدى عن عبيد الله بن
عمرو عن زيد بن أبى أنيسة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث
النجرانى قال : حدثنى جندب قال : سمعت النبى صلى الله عليه وآله وسلم
قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: ((إنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل
فإن الله تعالى قد اتخذلى خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ، ولو كنتُ متخذاً من
أُمتى خليلاً لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلاً ، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون
قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجدَ ألا فلا تَتَّخذوا القبور مساجد إنى أنهاكم
صحيح (١).
عن ذلك )) ..
وعزاه المزى فى الأطراف للنسائى، وأخرجه أحمد فى فضائل الصحابة (٧١) وابن
سعد مختصرا (٠١٢٤/١/٣-١٢٥) .
(١) ولمزيد انظر الإلزامات والتتبع ص ٢٥٣ .
- ٣٠ -

أبو بكر أحب الناس إلى رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم
قال الإمام البخاري رحمه الله ( حديث ٣٦٦٢ ) :
حدثنا معلى بن أسد حدثنا عبد العزيز بن المختار قال خالد الحذاء
حدثنا عن أبى عثمان قال حدثنى عمرو بن العاص رضى الله عنه أن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل(١) فَأَتَيْتُهُ فقلت:
أتّى الناس أحبُّ إليك؟ قال: ((عائشة)) فقلتُ: من الرِّجال؟ قال:
(((أبوها)). قلت: ثم من؟ قال: ((ثم عمر بن الخطاب)) فعد رجالاً .
صحيح
وأخرجه مسلم (٢٣٨٤) والترمذى (٣٨٨٥) وقال : هذا حديث حسن صحيح ،
وأخرجه أحمد فى فضائل الصحابة (٢١٤) وابن أبى عاصم فى السنة (١٢٣٥) وعبد بن
حميد فى المنتخب بتحقيقى (٢٩٥) والنسائى فى فضائل الصحابة (٥).
(١) قال الحافظ فى الفتح (٧٤/٨): قيل سميت ذات السلاسل لأن المشركين ارتبط
بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا ، وقيل لأن بها ماء يقال له السلسل .
- ٣١ -

شهادة الصحابة بخيرية أبى بكر رضى الله عنه
وأفضليته عليهم
قال الإمام البخاري رحمه الله ( حديث ٣٦٥٥ ) :
حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا سليمان عن يحيى بن سعيد عن نافع
عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: كنا نُخَيِّرُ(١) بين الناسِ فى زمن النبِّ
صلى الله عليه وآله وسلم فتُخيّرُ أبا بكرٍ ثم عُمر بن الخطاب ثم عثمانَ بن
صحیح
عفان رضى الله عنهم
وأخرجه أحمد فى فضائل الصحابة (٥٣) وابن أبى عاصم فى السنة (١١٩٢).
شهادة أمير المؤمنين عنّ رضى الله عنه لأبى بكر بذلك
قال الإمام البخاري رحمه الله (٣٦٧١) :
حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان حدثنا جامع بن أبى راشد حدثنا أبو يعلى
عن محمد بن الحنفية قال : قلت لأبى: أتُّ الناسِ خيرٌ بَعْدَ رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم؟ قال: أبو بكر. قلت : ثمَّ مَنْ؟ قال: ثُمَّ عُمر وخشيتُ
أن يقول: عثمان، قلت: ثُمَّ أنت؟ قال: ما أنا إلا رجلٌ مِنَ المسلمين»(٢). صحيح
وأخرجه أبو داود (٤٦٢٩) وابن أبى عاصم فى السنة (١٢٠٦) وابن أبى شيبة
فى المصنف (١١٩٩٤).
!
(١) فى رواية البخارى (٣٦٩٧) كنا لا نعدل بأبى بكر أحداً ثم عمر ثم عثمان ثم نترك
أصحاب النبى صلى الله عليه وآله وسلم لا نفاضل بينهم ..
(٢) وللحديث طرق متعددة عن على بن أبى طالب رضى الله عنه انظر فضائل الصحابة
لأحمد (٤٠ ,٤١ و ٤٣ و٤٤ و ٤٥ و ... ) وابن أبي عاصم فى السنة (١٢٫٥)
- ٣٢ -

أسبقية أبى بكر إلى الإِسلام(١)
قال الإمام البخاري رحمه الله ( حديث ٣٦٦٠ ) :
حدثنى أحمد بن أبى الطيب حدثنا إسماعيل بن مجالد حدثنا بيان بن بشر
عن وبرة بن عبد الرحمن عن همام قال : سمعت عماراً يقول : رأيتُ
رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلَّم وما معه إلا خمسةُ أَعْبُدٍ وامرأتان
صحيح
وأبو بكر .
وأخرجه أحمد فى فضائل الصحابة (٢٣٢) .
قال الإِمام مسلم رحمه الله (٨٣٢) :
حدثنى أحمد بن جعفر المعقرى حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة بن
عمار حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار ويحيى بن أبى كثير عن أبى أمامة
( قال عكرمة : ولقى شداد أبا أمامة وواثلة وصحب أنسا إلى الشام وأثنى
عليه فضلاً وخيراً ) عن أبى أمامة قال : قال عمرو بن عبسة السُّلُمى :.
كنت وأنا فى الجاهلية أظنُّ أن النَّاس على ضلالةٍ وأنهم ليسوا على شىءٍ وهم
(١) وانظر فضائل أبى بكر وبلال. وقد أخرج ابن حبان ( موارد الظمآن ٢١٧٣ )
وابن سعد فى الطبقات (١٢٩/١/٣) من طريق شعبة عن الجريرى عن أبى نضرة
عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال : قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه :
ألست أحق الناس بهذا الأمر ألست أول من أسلم ألست صاحب كذا ألست
صاحب كذا . الحديث إسناده صحيح ، والجريرى وإن كان مختلطا إلا أن شعبة
روى عنه قبل الاختلاط . إلا أن لهذا الحديث علة ذكرها أبو حاتم فى العلل
(٣٨٨/٢) فقال الناس يروون هذا الحديث عن أبى نضرة عن أبى بكر مرسلا لا
یقولون فيه عن أبى سعيد .
- ٣٣ -

يعبدون الأوثان فسمعتُ برجلٍ بمكة يُخبر أخباراً فقعدتُ على راحلتى
فقدمتُ عليه فإذا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم مستخفياً جُرَءاء عليه
قومه فتلطفتُ حتى دخلتُ عليه بمكة فقلت له : ما أنت؟ قال: (( أنا
نبّى )) فقلتُ: وما نَبِى؟ قال: ((أرسلنى الله)) فقلت : وبأى شىءٍ
أرسلكَ؟ قال: ((أَرْسُلنى بصلةِ الأَرحام وكسرِ الأوثان وأن يُوحد الله لا
يشرك به شيئاً)) قلتُ: فمن معك على هذا الأمر؟ قال: ((حرّ وعبدٌ))
(قال: ومعه يومئذٍ أبو بكر وبلالٌ ممن آمن معه) ... فذكر الحديث. صحيح
تصديق أبى بكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
فى أوائل البعثة ومواساته له بماله ونفسه
قال الإِمام البخاري رحمه الله ( حديث ٣٦٦١) :
حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا زيد بن واقد عن
بسر بن عبيد الله عن عائذ الله أبى إدريس عن أبى الدرداء رضى الله عنه
قال: (( كنتُ جالساً عِندَ النبى صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبلَ أبو بكرٍ
آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته فقال النبى صلى الله عليه وآله
وسلم: ((أما صاحبكم فقد غامَرَ، فسلَّم)) وقال: يا رسول الله إنى كان
بينى وبين ابن الخطاب شىءٌ فأسرعت إليه ثم نَدِمْتُ فسألته أن يغفر لى
فأبى على فأقبلت إليك فقال: ((يغفر الله لك يا أبا بكر)) ( ثلاثا ) ، ثم إن
عمر ندم فأتى منزلَ أبى بكر فسأل: أثمَّ أبو بكر ؟ فقالوا : لا فأتى إلى النبى
صلى الله عليه وآله وسلم فجعل وجْهُ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم يَتَمَعَّرُ
حتى أشفق أبو بكر فجثا على رُكْبَتَيْهِ فقال: يا رسول الله، والله أنا كُنْتُ أَظْلَمَ
( مرتين) فقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله بعثنى إليكم فقلتم
كذبت، وقال أبو بكر صَدَقَ، وواسانى بنفسِهِ ومالِهِ فهل أنتم تاركو لى صَاحِبِى ؟))
- ٣٤ -

صحيح
( مرتين ) فما أُوذِى بَعْدَها .
وأخرجه البخارى أيضا (٤٦٤٠)، وأحمد فى فضائل الصحابة (٢٩٧).
قال الإمام أحمد رحمه الله (٢٥٣/٢) :
حدثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما نفعنى مالٌ قط ما نفعنى مالُ
أبى بكر )). فبكى أبو بكر وقال : هل أنا ومالى إلا لك يا رسول الله. صحيح
وأخرجه ابن ماجة (٩٤)، وأحمد أيضا فى فضائل الصحابة (٢٥) وابن أبى عاصم
فى السنة (١٢٢٩) وابن حبان ( موارد الظمآن ٢١٦٦ ) وابن أبى شيبة فى المصنف
(١١٩٧٦) والنسائى فى فضائل الصحابة (٩) .
قال الإِمام أحمد رحمه الله (٣٦٦/٢) :
حدثنا معاوية قال ثنا أبو إسحاق يعنى الفزارى عن الأعمش عن أبى صالح
عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أنفق
زوجاً - أو قال - زوجين - من ماله - أراه قال فى سبيل الله - دعته
خَزَنَةُ الجَنَّة يا مُسلم هذا خيرٌ هلم إليه)) فقال أبو بكر: هذا رجلٌ
لا تؤدى عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما نفعنى مال
قط إلا مال أبى بكر)) قال فبكى أبو بكر وقال : وهل نفعنى الله إلا بك
وهل نفعنى الله إلا بك وهل نفعني الله إلا بك .
صحیح
وأخرجه أحمد فى فضائل الصحابة (٣٢).
سبق أبى بكر إلى الخيرات
قال أبو داود رحمه الله (١٦٦٢) :
حدثنا أحمد بن صالح وعثمان بن أبى شيبة، وهذا حديثه قالا: أخبرنا الفضل.
- ٣٥ -

ابن دكين أخبرنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : سمعت
عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: أَمَرَنًا رسولُ الله صلى الله عليه وآله
وسلم يوماً أن نتصدق فوافق ذلك مالاً عِنْدِى فقلت : اليومَ أَسْبِق أبا بكر
إن سبقتُهُ يوماً فجئتُ بنصف مالى فقال رسولُ الله صلى الله عليه وآله
وسلم: (( ما أبقيت لأهلك؟ )) فقلت : مثله قال : وأتى أبو بكر بكل
ما عنده فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( ما أبقيت
لأهلك ؟)) قال: أبقيت لهم الله ورسوله . قلتُ : لا أسابقكَ إلى شىءٍ
أبداً .
حسن .
وأخرجه الترمذى (٣٦٧٥) وقال : هذا حديث حسن صحيح ، والدارمى
(٣٩١/١-٣٩٢) وابن أبى عاصم فى السنة (١٢٤٠) وعبد بن حميد فى المنتخب
بتحقيقى (١٤) .
شهادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
لأبى بكر بالصديقية
قال الإِمام البخارى رحمه الله ( حديث ٣٦٧٥ ):
حدثنى محمد بن بشار حدثنا يحيى عن سعيد عن قتادة أن أنس بن
مالك رضى الله عنه حدثهم أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم صَعَدَ أُحُداً
وأبو بكر وعمر وعثمان فَرَجَفَ بهم فقال: («اثْبُتْ أُحُدُ، فإن عليك نبِى
وصِدِّيقٌ وشَهِيدانِ )).
صحيح
وأخرجه أبو داود (٤٦٥١) والترمذى (٣٦٩٧) وقال: هذا حديث حسن
صحيح ، والنسائى فى فضائل الصحابة (٣٢)، وأحمد (١١٢/٣) وفى فضائل الصحابة
(٢٤٦) وأبو يعلى (٢٨٩/٥-٢٩٠).
- ٣٦ -

ذَبُّ أبى بكر عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم
قال الإِمام البخارى رحمه الله (٣٨٥٦) :
حدثنا عياش بن الوليد حدثنا الوليد بن مسلم حدثنى الأوزاعى حدثنى
يحيى ابن أبى كثير عن محمد بن إبراهيم التيمى قال : حدثنى عروة بن
الزبير قال سألت ابن عمرو بن العاص : أخبرنى بأشد شىء صنعه المشركون
بالنبى صلى الله عليه وآله وسلم . قال : بينا النبى صلى الله عليه وآله وسلم
يصلى فى حجر الكعبة ، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه فى عنقه
فخنقه خنقاً شديداً ، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبى
صلى الله عليه وآله وسلم قال: ﴿ أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله ﴾
صحيح
( الآية ٢٨ غافر )
تابعه ابن إسحاق حدثنى يحيى بن عروة عن عروة: قلت لعبد الله بن عمرو (١)
وقال عبدة : عن هشام عن أبيه : قيل لعمرو بن العاص ، وقال محمد بن
عمرو عن أبى سلمة حدثنى عمرو بن العاص .
وأخرجه أحمد (٢٠٤/٢) .
قال أبو يعلى رحمه الله (٣٦٩١) :
حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا ابن أبى عبيدة حدثنى أبى عن
أبى سفيان عن أنس بن مالك قال : لقد ضربوا رسولَ الله صلى الله عليه
وآله وسلم مرةً حتى غُشِى عليه فقام أبو بكر رضى الله عنه فجعل يُنادى :
ويلكم ﴿ أَتَقْتُلون رجلاً أن يقولَ ربى الله ﴾ فقالوا: من هذا قال: ابن
أبى قُحافة المجنون .
حسن
وأخرجه الحاكم فى المستدرك (٦٧/٣) وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم
ولم يخرجاه ووافقه الذهبي .
(١) ورد خلاف فى صحابى الحديث هل هو عبد الله بن عمرو أم أبوه وهذا الخلاف لا يضر .
- ٣٧ -

صحبة أبى بكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فى الهجرة وقول الله
تعالى : ﴿ إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذا هما فى الغار إذا يقول
لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ﴾
قال الإِمام البخاري رحمه الله ( حديث رقم ٣٦٥٢ ) :
حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء قال:
((اشترى أبو بكر رضى الله عنه من عازبٍ رحلاً بثلاثةٍ عَشْرَ درهما فقال
أبو بكر لعازب : مُرِ البراءَ فَلْيَحمِلْ إلَى رَحلى فقال عازبٌ : لا ، حتى
تُحدثنا كيف صنعتَ أَنتَ ورسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم حين
خرجتُما من مكةَ والمشركون يطلبونكم ، قال : ارتحلنا من مكة فأحيينا -
أو سَرَينا - لَيْلَتنا ويومَنا حتى أَظْهَرنا وقام قائمُ الظَّهيرةِ فِرمَيتُ ببصرى
هل أرى من ظلٍ فآوى إليه ، فإذا صَخرةٌ أتيتُها فنظرتُ بقيةً ظلٍ لها
فَسَوَّيته ، ثم قَرَشت للنبِّ صلى الله عليه وآله وسلم فيه ثم قلتُ له :
اضطجع يا نبى الله فاضطجع النبى صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم انطلقتُ
انظر ما حولى : هل أرى من الطلبِ أحداً ؟ فإذا أنا براعى غَتَمِ يسوقُ غَمِّه
إلى الصخرةِ ، يُريد منها الذى أرَدْئا فسألته فقلت له : لمن أنت يا غُلام ؟ فقالٍ
لرجلٍ من قريش سماه فَعَرفتُه، فقلت : هل فى غنمك من لبنٍ ؟ قال : نعم
قلت : فهل أنت حالبٌ لنا ؟ قال : نعم فأمرته فاعتقل شاةَّ من غَتَمِهِ ، ثم أمرته.
أن يَنفُضِ ضَرعَهَا من الغبار ثم أَمَرتُهُ أن ينفض كَفَّیه فقال هكذا ، ضرب إحدى
كفيه بالأُخرى فحلبَ لى كُتبةً من لبنٍ وقد جعلتُ لرسولِ الله صلى الله عليه
وآله وسلم إداوةً على فَمِهَا خِرِقَةٌ فصيبتُ على اللبن حتى بَرَدَ أَسْفَلُهُ
فانطلقت به إلى النبِّ صلى الله عليه وآله وسلم فوافقتُهُ قد استيقظ فقلت :
- ٣٨ -

أشرب يا رسول الله فَشَرِبَ حتى رضيتُ ثم قلت : قد آن الرحيل
يا رسولَ الله، قال: ((بلى)» فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يُدرِكْنا أحدٌّ منهم
غيرُ سُراقة بنِ مالكِ بن جُعْثُم على فرسٍ له فقلت : هذا الطلب قد لَحِقَنَا
يا رسولَ الله فقال: «لا تحزن إن الله معنا ».
صحيح
وأخرجه مسلم بنحوه (٢٠٠٩) ص ٢٣٠٩ وأحمد (٢/١-٣).
قال الإِمام البخارى رحمه الله ( حديث ٣٩٠٥ ) :
حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل قال ابن شهاب : فأخبرنى
عروة بن الزبير أن عائشة رضى الله عنها زوج النبى صلى الله عليه وآله وسلم
قالت : لم أعقل أبوتَّ قطَّ إلا وهما يَدِينان الدين ، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا
فيه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم طَرَفَى النهار : بكرة وعشياً ، فلما
ابْتُلِى المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة حتى بلغ بَرْكَ
الغِماد لقيه ابن الدَّغِنة - وهو سيدُ القارةِ - فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟
فقال أبو بكر : أُخْرَجنى قومى فأريد أن أُسيحَ فى الأرضِ وأعبد ربى .
قال ابن الدَّغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يَخْرُجُ ولا يُخْرَجُ ، إنك تَكْسِبُ
المعدوم وتَصِلُ الرحم وتحمل الكُلَّ وتقرِى الضيف وثُعين على نوائب الحق
فأنا لك جارّ ارجع واعبد ربك ببلدك فرجع وارتحل معه ابن الدَّغنة فطاف
ابن الدَّغنة عشيةً فى أشرافٍ قريشٍ فقال لهم: إن أبا بكر لا يَخْرُجُ مثلُهُ
ولا يُخرَجُ ، أَتُخرِجون رجلاً يَكسِبُ المعدومِ ويَصِلُ الرّحم ويحمل الكلّ
ويقرى الضيف ، ويُعينُ على نوائب الحق ؟ فلم تُكذّب قريش بجوار ابن
الدَّغِنة، وقالوا لابن الدغنة: مُرْ أبا بكر فليعبد ربه فى دارهِ فليُصَلَّ فيها
ولیقرأ ما شاء ، ولا يؤذینا بذلك ولا يستعلِنْ به فإنا نخشى أن يفتن نساءنا
وأبناءنا فقال ذلك ابن الدغنة لأبى بكر فلبث أبو بكر لذلك يعبد ربه
فى داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ فى غير داره ثم بدا لأبى بكر
- ٣٩ -

فابتنى مسجداً بفناءٍ دارِهِ وكان يُصلى فيه ويقرأ القرآن فيتقذف عليه نساءُ
المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلاً
بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن ، فأفزع ذلك أشراف قريشٍ من
المشركين فأرسَلُوا إلى ابن الدَّغنة فقدم عليهم فقالوا : إنا كنا أُجَرْئًا أبا
بكر بجوارك على أن يعبد ربه فى داره ، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجداً
بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه ، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا
وأبناءنا فانهه ، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه فى دارٍهٍ فعل ، وإن
أبى إلا أن يُعلن بذلك فسله أن يردّ إليك ذمتَكَ، فإنا قد كَرِهْنَا أن
نُخْفِرَك، ولسنا بمقرِّين لأبى بكر الاستعلانَ . قالت عائشةُ : فأتى ابن
الدَّغِنة إلى أبى بكر فقال : قد علمتَ الذى عاقدتُ لك عليه فإما أن
تقتصر على ذلك وإما أن تَرجِعَ إلَى ذمتى ، فإنى لا أحب أن تسمع العربُ
أنى أُخفرتُ فى رجلٍ، عقدتُ له فقال أبو بكر : فإنى أردُّ إليك جوارَكَ ،
وأرضى بجوارٍ الله عزَّ وجلّ ، والنبى صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ بمكةً
فقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين: (( إنى أُريتُ دار هِجْرَتِكم
ذات نخلٍ بين لابتين)) وهما الحرّتان فهاجر من هاجر قِبَلَ المدينةِ ورجع
عامةُ من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة وتجهز أبو بكر قبل المدينة
فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم : على رِسْلِكَ فإنى أرجو أن
يُؤذن لى فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبى أنت ؟ قال : (( نعم ))
فحبس أبو بكر نَفْسَه على رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم ليصحبه
وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السَّمُر - وهو الخبْطُ - أربعة أشهر .
قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة : فبينما نحن يوماً جلوسٌ فى بيت
أبى بكر فى نحر الظهيرة قال قائل لأبى بكر : هذا رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم متقنعاً فى ساعة لم يكن يأتينا فيها - فقال أبو بكر : فداءٌ له
أبى وأمى ، والله ما جاء به فى هذه الساعة إلا أمرٌ قالت: فجاء رسولُ الله
صلى الله عليه وآله وسلم فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبى صلى الله
- ٤٠ -