Indexed OCR Text

Pages 21-40

((المعالم)) ١: ٢٠٢، والحافظ في ((التهذيب)) ٢: ٧٩، وقال: ((كان أحد القراء
الفقهاء )» .
التاسع: حِبان بن أبي جَبَلة القرشي - ولاء - المصري ، سكن القيروان وانتفع به
أهلها. ترجمه الحافظ في ((التهذيب)) ٣: ١٧١، والدباغ في ((معالم الإيمان)) ١: ٢٠٩.
العاشر: مَوْهَب بن حَيّ المعافري ، سكن القيروان وبثّ فيها العلم . ذكره الدباغ في
((معالم الإيمان)) ١ : ٢١٣(١).
ومن أخبار إرساله العلماء إلى البوادي من أجل هذا الغرض : مارواه الإمام أبو عُبيد
القاسم بن سلام رحمه الله في كتابه ((الأموال الشرعية وبيان جهاتها ومصارفها)) - المشتهر
بـ ((الأموال)) - ص ٢٦٢، ومن طريقه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) - انظر
((تهذيبه)) ٣: ٤٦٤ - وابن عبد الحكم ص ١٦٧ وابن الجوزي ص ٧٤ من ((سيرتها)) أن
عمر بن عبد العزيز بعث يزيدَ بنَ أبي مالك الدمشقي ، والحارثَ بنَ يَمْجُد(٢) الأشعريّ
يفقّهان الناس في البادية ، وأجرى عليها رزقاً ، فأما يزيد فقّبل، وأما الحارث فأبى أن
يقبل وقال : ما كنتُ لآخُذَ على علم علّمنيه اللهُ أجراً ، فكُتِب إلى عمر بن عبد العزيز
بذلك ، فكتب عمر : إنا لا نعلمٌ بما صنع يزيدُ بأساً، وأكثرَ اللهُ فينا مثلَ الحارث بن
يَمْجُد .
وكان رضي الله عنه يُردفُ إرساله العلماء بكتب يُرسلها هو إلى الأمصار يعلّمهم فيها
السنن والفقه ، ويمكن الوقوف على كثير منها في كتابَيْ: ابن عبد الحكم وابن الجوزي ، في
سيرته ، فلا حاجة إلى الإطالة بذكر بعضها ، إنما المفيدُ ذكر كلام الإمام مالك في بيان
منهج عمر بن عبد العزيز في هذه الكتب ( التعليمية ) لعماله ورعيته .
(١) وذكره ابن أبي حاتم ٤١٥/١/٤ كذلك: موهب بن حي، وذكره قبل ٢٧٦/٢/١ : حي بن
موهب. واقتصر البخاري ٣٤/٢/٤ على: موهب بن حبي . هكذا بالباء قبل الياء ، وكأنه
تحريف .
(٢) وقع محرفاً في ((سيرة)) ابن عبد الحكم إلى: محمد ، وصوابه ماأثبته، أنظر وجوة ضبطه
وترجمته في ((الجرح والتعديل ٩٤/٢/١، و(التاريخ الكبير» ٢٨٥/٢/١ مع التعليق
عليه ، و((تصحيفات المحدثين)) لأبي أحمد العسكري ٣: ١٠٤٨.
- ١٦ -

روى ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١: ٨٠ عن ابن وهب قال: «سمعت مالكاً يقول :
كان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يُعلمهم السنن والفقه ، ويكتب إلى المدينة
يَسألهم عما مضى ، وأن يعملوا بما عندهم .. )).
وتقدم ص ٦ نقل ابن عبد البر في ((الاستذكار)) عن الحسن البصري أن كُتُب عمر
كانت في إحياء سُنة ، أو إماتة بدعة ، أو ردّ مظلمة .
فكان رحمه الله يستمدُّ علمه - فوق ما اغترفه أول أمره - من معين المدينة المنورة ،
ويرسل بذلك إلى سائر أمصار الإسلام ، فتكون كتبه بمثابة رُسُل توجّه الرعية .
ومما زاد في نشره العلم أمران :
١ - فَرْضُه العطاءَ والمرتّبَاتَ لمن نَصَب نفسه للعلم وحبسها عليه، كي لا يهتُّوا بدنياهم
أو يشتغلوا بها عن هذه المهمة .
روى الخطيب الحافظ في ((شرف أصحاب الحديث)) ص ٦٤ عن أبي بكر بن أبي
مريم قال: ((كتب عمر بن عبد العزيز إلى والي حمص: ((مُرْ لأهل الصلاح من بيت المال
بما يُغْنيهم ، لئلا يَشغَلَهم شيء عن تلاوة القرآن وما حَمَلوا من الأحاديث)).
وذكر له ابن الجوزي ص ٩٥ كتاباً آخر إلى والي حمص كذلك ، قال له فيه :
(( انظر إلى القوم الذين نَصبوا أنفسهم للفقه، وحَبَسوها في المسجد عن طلب الدنيا ،
فأعطِ كلِّ رجل منهم مائة دينار يستعينون بها على ماهم عليه ، من بيت مال المسلمين حين
يأتيك كتابي هذا ، وإن خيرَ الخير أعجلُه ، والسلام عليك )).
ومما يتصل بهذا: ما أسنده الرامَهُرْمُزي رحمه الله في ((المحدّث الفاصل)» ص ٣٧٢ إلى
يَزِيدَ الرَّقاشي قال: (( حججتُ مع عمر بن عبد العزيز، فحدَّثته بأحاديثَ عن أنس بن
مالك فكتبها وقال : ليس عندي مالٌ فأعطيَك(١) ، ولكنْ أَفرضُ لك في الديوان ؛ ففرض
لي أربعمائة درهم )» .
وفي القسم المتم ((لطبقات ابن سعد الكبرى)) ص ١٢٧ ترجمة عاصم بن عمر بن
(١) انظر هذا القول من عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المؤمنين! فرضي الله عنه وأرضاه.
- ١٧ -

... ⑈ m
قتادة بن النعمان ، قال ابن سعد: ((وفد عاصم بن عمر على عمر بن عبد العزيز في خلافته
في دين لزمه ، فقضاه عنه عمر، وأمر له بعد ذلك بمعونة ، وأمره أن يجلس في جامع
دمشق فيحدث الناس بمغازي رسول الله مع الز ومناقب أصحابه وقال : إن بني مروان كانوا
يكرهون هذا وينهون عنه ، فاجلسُ فحدث الناس بذلك . ففعل» .
بل إنه فرض الرزق للقضاة والقصاص المذكرين الواعظين .
ففي المصدر المذكور ص ١٤١ في ترجمة مسلم بن جندب الهذلي - ونحوه في ترجمته
من التهذيب ١٠: ١٢٤ -: (( أن عمر بن عبد العزيز رزق مسلم بن جندب دينارين ،
وكان قبل ذلك يقضي(١) بغير رزق )) .
وفي ((أخبار المدينة النبوية)) لابن شبة ١: ١٥ - ونحوه ١: ١٦ - : أن عمر بن عبد
العزيز أمر رجلاً - وهو بالمدينة - أن يقصَّ على الناس وجعل له دينارين كل شهر، فلما
قدم هشام بن عبد الملك جعل له ستة دنانير كل سنة )) .
وإذا كنا نراه في هذه الكتب يأمر بكفاية المتفرغين للعلم والعبادة ، فإنا نجده في
بعض كتبه الأخرى يأمر بتفريغ طلبة العلم من القواطع والشواغل لهم عما نَذَروا أنفسهم
له ، ويأمر بالجِراية عليهم .
أسند ابن عبد البرفي ((جامع بيان العلم)) ١: ١٨٦ إلى يحيى بن أبي كثير قال :
((كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: أنْ أُجْروا على طلبة العلم الرزق، وفرّغوهم
للطلب» .
اً - حضُّه العلماء على ((عَلَنِيَّة العلم)) وأَمْرُه إياهم أن يتخذوا المساجد مراكز لتعليم
الناس أمور دينهم . قال عكرمة بن عمار - وهو من أهل اليمن - سمعت كتاب عمر بن عبد
(١) هكذا جاء النص في هذين المصدرين ((يقضي)) فيكون مسلم بن جندب قاضياً، وكذلك جاء
وصفه في ((خلاصة)) الخزرجي و((ثقات)) ابن حبان ٥ : ٣٩٣، فهذه أربعة مصادر تفيد
ذلك. وجاء في ((التقريب)): قاص المدينة ، بالصاد المهملة ، فيحتمل حينئذ أن يكون هو
المراد في خبر ابن شبة التالي ، ويؤيده - أو: يؤكده - خبر آخر عند ابن شبة ١ : ١٤ يقول
فيه: (( كان مسلم بن جندب قاصاً لأهل المدينة ... )) والأخبار التي ساقها ابن شبة من
ص ٨ - ١٦ كلها تحت عنوان ((ذكر القَصَص)). والله أعلم.
- ١٨ -

العزيز يقول: «أما بعد فأمُرْ أهل العلم أن ينشُروا العلم في مساجدهم، فإن السنة كانت،
قد أُمیتتْ))(١) .
وروى ابن أبي خيثمة في ((تاريخه الكبير)) الجزء الخمسون ورقة ١٤ / أ، وابن عبد
البرفي ((جامع بيان العلم )) ١ : ١٢٤ عن جعفر بن بُرقان - وهو من أهل الرقة شرقي
سُورِيّةَ - أنه قال: (( كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: أما بعد فُرَّ أهل الفقه والعلم من
جندك فلينشروا ما علمهم الله في مجالسهم ومساجدهم . والسلام )) .
بل إنه ذم التكتُّم في تعليم الدين ذماً شديداً فقال: (( إذا رأيتَ القوم يتناجون في
دينهم دون العامة ، فاعلم أنهم على تأسيسٍ ضلالة))(٢) .
أما الأمر الثالث - وهو تدوينه العلم وتثبيته - : فذلك في إرشاداته وأوامره
الخاصة والعامة بتدوين السنة عامة ، وروايات بعض الصحابة والتابعين خاصة .
فمن إرشاداته: قوله رضي الله عنه: ((قيِّدوا العلم بالكتاب))(٣) وهذا يدلُّ على ذهابه
إلى ما استقر عليه الأمر من جواز كتابة العلم .
ولم يقف الأمر منه عند حدّ الإرشاد العام ، إنما تعداه إلى الأوامر الخاصة والعامة :
فقد ذكر البخاري في ((صحيحه)) ١ : ٢٠٤ كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم: ((انظُر ما كان من حديثِ رسولِ الله ◌َّ فاكتُبْه ، فإني خِفْتُ
دروس العلم - أي اندراسَه - وذهابَ العلماء)).
(١). أسنده الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) ص ٦٠٣، وهو في ((سيرة)) ابن الجوزي ص ٩٤ .
(٢) من كتاب ((الزهد)) للإمام أحمد ص ٢٨٩ و٢٩١ من زوائد ابنه عبد الله .
(«البداية والنهاية)) ٩: ٢٠٩، وأصله في ((الحلية)) ٥: ٣٤٢: ((أيها الناس قيدوا النعم
(٣)
بالشكر، وقيدوا العلم بالكتاب)). وجملة (قيدوا العلم بالكتاب)) مروية مرفوعةٌ وموقوفةٌ
على أنس بن مالك ، ومرفوعةٌ عن عبد الله بن عمرو ، وموقوفةً على عمر بن الخطاب ، وابنه
عبد الله، وابن عباس. انظر ((سنن الدارمي)) ١ : ١٢٧، و ((تقييد العلم)» ص ٦٨ فا
بعدها، و((جامع بيان العلم وفضله)) ١: ٨٦ فما بعدها، و((المحدث الفاصل)» ص ٣٦٥
و ٣٦٨.
- ١٩ -
.١.

وروى ابن سعد في ((الطبقات)) ١٣٤/٢/٢ و٨: ٣٥٣، والخطيب في ((تقييد
العلم)» ص ١٠٥ و١٠٦ عن عبد الله بن دينار قال: ((كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي
بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن انظر ما كان من حديث رسول الله مُطِّ، أو سنة
ماضية ، أو حديث عَمْرة بنت عبد الرحمن فأكتبه ، فإني قد خِفْتُ دروس العلم وذهاب
أهله )» .
وعبد الله بن دينار هو البَهْراني ، وهو ضعيف ، لكن روى الإمام أحمد نحوه بإسناد
صحيح في ((العلل)) ١: ١٢ ولفظه: ((اكتُبْ إليّ من الحديث بما ثبت عندك عن رسول
الله عَلّمٍ ، وحديث عَمْرة )» .
وروى الإمام محمد في ((الموطأ)) ص ٣٣٠، والدارمي في ((السنن)) ١: ١٢٦، وأبو
إسماعيلَ الهروي في ((ذم الكلام وأهله)) - كما في ((تنوير الحوالك)) للسيوطي ١ : ٥ - ٦ -
نحوه وفيه قوله: ((أو حديث عُمر)»(١) .
وكذلك وجَّه كتاباً إلى الإمام ابن شهاب الزهري - وغيره - بكتابة السنن .
فروى الحافظ ابن عبد البر في «جامع بيان العلم)) ١ : ٧٦ عن ابن شهاب قال:
((أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن ، فكتبناها دفتراً دفتراً، فبعث إلى كلِّ أرض له
عليها سلطانٌ دفتراً » .
وروى الإمام أبو عبيد في ((الأموال الشرعية وبيان جهاتها ومصارفها)» ص ٥٧٨ أن
عمر بن عبد العزيز أمر ابن شهاب أن يكتب مصارف الزكاة الثانية ، وكيف يكون
تفريقُها فيهم ، فكتب له كتاباً مطوّلاً ذكر أبو عبيد جانباً منه في صفحة ونصفٍ صفحة .
وروى الدارمي في ((سننه)) ١: ١٢٦، والرامَهُرمزي في ((المحدث الفاصل»
ص ٣٧٤ ، والخطيب في ((تقييد العلم)) ص ١٠٦ عن عبد الله بن دينار البَهْراني قال:
((كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المدينة: أن انظروا حديث رسول الله ما لم
فاكتبوه ، فإني قد خِفْتُ دروس العلم وذهاب أهله)) .
(١) هكذا في المصادر المذكورة: ((عمر)». وانظر ما سيأتي ص ٢٢ .
- ٢٠ -

وأعم الروايات في هذا الصدد عن عمر بن عبد العزيز: روايةُ أبي نعيم في ((تاريخ
أصبهان)) ١: ٣١٢ عن عبد الله بن دينار أيضاً قال: ((كتب عمر بن عبد العزيز إلى
الآفاق : انظروا حديث رسول اللّه ◌ُ لّ فاجمعوه واحفظوه، فإني أخاف دروس العلم
وذهابَ العلماء )) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ((فتح الباري)) ١ : ٢٠٤ في شرحه قول عمر بن
عبد العزيز لأبي بكر بن حزم (انظر ما كان من حديث رسول الله مع تر فاكتبه)):
(( يُستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي ، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ ، فلما
خاف عمر بن عبد العزيز - وكان على رأس المائة الأولى - من ذهاب العلم بموت العلماء،
رأى أن في تدوينه ضبطاً له وإبقاءً )).
ثم قال ١: ٢١٨: «أول مَن دَوَّن الحديثَ ابنُ شهاب الزهري(١)، على رأس المائة
بأمر عمر بن عبد العزيز ، ثم كثر التدوين ، ثم التصنيف ، وحصل بذلك خير كثير ، فللّه
الحمد )» .
(١) أوَّليةُ ابن شهاب في تدوين السنة وكونُها بأمر عمر له : قول مركب من قولين فيما أحسب:
أولهما: قول الإمام مالك رضي الله عنه الذي رواه عنه أبو نعيم في ((الحلية)) ٣: ٣٦٣ ، وابن
عبد البر في ((جامع بيان العلم))١: ٩١: (( أول من دوَّن العلم ابنُ شهاب)).
ثانيها: قول ابن شهاب الذي تقدم نقله عن «جامع بيان العلم)): ((أمرنا عمر بن
عبد العزيز بجمع السنن ... )) .
أما قول مالك : فلا يصح عنه، إذ الرأوي له عن مالك: هو محمد بن الحسن بن زبالة ، كا
جاء مبيناً منسوباً إلى جده هكذا ، عند أبي نعيم ، ولم يُنسب إليه عند ابن عبد البر، فأوهم
أنه هو الإمام محمد بن الحسن الشيباني، أحد رواة ((الموطأ)» عن مالك، وتلميذ الإمام
أبي حنيفة ، رحمهم الله جميعاً. وابن زبالة ضعيف جداً ، بل كذبه أبو داود.
وأما قول ابن شهاب : فواضح أن الأمر موجّه إلى جماعة العلماء ، لا إلى ابن شهاب فقط ،
وقد تقدم أن عمر كتب إلى أبي بكر بن حزم خاصة ، وإلى أهل المدينة عامة ، أن يجمعوا
السنن .
ومعنى هذا: أن اثنين - على وجه الخصوص - قد بدأا جمع السنة ، ورجالاً آخرين من أهل
المدينة ، ورجالاً كثيرين غيرهم من أهل الآفاق كذلك، حسب رواية أبي نعيم في ((تاريخ
أصبهان » .
ومن هنا يتعذر الحكم بأولية ابن شهاب في تدوينه السنة ، ولو أوليةٌ مقيَّدة بالنسبة لأهل
المدينة ، والله أعلم .
- ٢١ -

ويلاحظ قول الحافظ ((تدوين الحديث النبوي)) و((أول من دَوَّن الحديث )) ،
فهذا هو تاريخ تدوينه ، أما مجرد كتابته فقد حصلتْ في عهد النبي ◌ُ ◌ّ فمن بعده ، فكان
أحدهم يكتب لنفسه مسموعاتِه ليُثْقِن حفظها، ويرجعَ إليها عند الحاجة، ولا تتعدّى
كتابتُه خاصَّةَ مروياتِه .
ومما تجدر ملاحظته في تدوين عمر بن عبد العزيز للسنة عدة أمور:
١ - حُسْن اختياره لمن يقوم بهذه المهمة العظيمة، وسَمَّتِ الروايات اثنين: الزهري
وأبا بكر ابن حزم ، كما تقدم .
أما الزهري : فإمام زمانه ، ومرجع علماء عصره ، وأشهر من أن يعرّف .
وأما أبو بكر ابن حزم: فهو الذي شهد له الإمام مالك بقوله: (( لم يكن عندنا أحد
بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم » كما في
((التهذيب » ١٢ : ٣٩.
٢ - طلبُه ممن يدوّنُ له السنة: تدوينَها مطلقاً، وتدوينَ أحاديث أناس
مخصوصين ، لما امتازوا به ، وتدوين أحاديث معينة لأهميتها .
فقد طلب من أبي بكر ابن حزم تدوين حديثِ القاسم بن محمد وعمرة بنتِ
عبد الرحمن، كما في ((التهذيب)) ١٢ : ٣٩ ، وذلك لاختصاصها بمعرفة أحاديث عائشة
رضي الله عنها، واختصاص عائشة بمعرفة أحوال سيدنا رسول الله مَ لّم .
وفي ((تذكرة الحفاظ)) ١: ١١٢ أن القاسم بن محمد قال للزهري: ((أراك تحرص على
العلم ، أفلا أدلَّك على وعائه ؟ قال : بلى . قال : عليك بعمرة بنت عبد الرحمن، فإنها
كانت في حجر عائشة . قال: فأتيتها فوجدتها بحراً لا يَنْزِف )) .
وتقدم ص ٢٠ أن بعض المصادر روتْ هذا الخبر على أن عمر بن عبد العزيز طلب
من ابن حزم تدوين حديث عمر ، لا عمرة ، وحينئذ فيكون قد طلب منه تدوين
مرويات عمر بن الخطاب ، لما يقصده من تتبعه سيرته وأحواله وأقضيته ، وقد روى أبو
نعيم في ((الحلية)) ٥ : ٢٧٤ خبراً طويلاً يطلب فيه عمر بن عبد العزيز من سالم بن
عبد الله بن عمر أن يكتب إليه بسيرة جده عمر بن الخطاب رضي الله عنهم .
- ٢٢ -

وسيأتي في تخريج الحديث الثمانين أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى آل عمر بن
الخطاب أن ينسخوا له كتاب عمر إلى عماله في الصدقات ، وإلى آل عمرو بن حزم أن
ينسخوا له كتاب النبي مَّةٍ في الصدقات، وأمر عمَّاله أن يأخذوا بما فيهما .
٣ - تنبيهه من يكتبُ له السنة ويدوّنها، أن يلتزم الثابت الصحيح منها، كما جاء
هذا في رواية الإمام أحمد لهذا الخبر في ((العلل)» ص ١٢ ، وتقدم نقله ص ٢٠ .
وهذا تنبيه هام في ذاته ، ويزداد أهميةً حينما نلاحظ أن هذه هي أولى مراحلٍ
التدوين ، فإذا لم يُرسّم هذا المنهج ، كانت المراحل اللاحقة أشدَّ اضطراباً وخللاً فيا نجمعه
من السنة النبوية .
وبهذا يتبين أن عمر بن عبد العزيز انتقى الرجال القائمين بهذا العمل العظيم ،
فأحسن الانتقاء ، ورسم لهم بعض النقاط الهامة جداً ، فخصَّ أناساً يتتبعون أحاديثهم ؛
وخصَّ أحاديث معينةً ذات أهمية خاصة بالنسبة له ؛ وأن يكتبوا ماثبت عندهم من
الحديث الشريف فقط ، ولا يكون همّهم الجمعَ والإكثارَ.
وهذا كلُّه يدلُّ على عُمق نظره ، ودقة فكره ، ونافذ بصره في العلم ، رحمه الله
تعالى ، وجزاه عن الإسلام والسنة النبوية عظيم الأجر ووافر الثواب .
وإن الله عز وجل قد ادخر لعمر بن الخطاب منقبة اقتراحه على أبي بكر الصديق
رضي الله عنهما القيام بمهمة جمع القرآن الكريم ، وقد تم ذلك بناء على دقة ملاحظته
لحوادث يوم اليمامة ، وأدّخر لسبطه عمر بن عبد العزيز منقبة أمره علماء عصره بجمع
السنة النبوية ، بناء على دقة ملاحظته لذهاب العلماء واندراس العلم بذهابهم !
وهكذا يكون شأن العظماء من الرجال ، تخطر ببالهم الخاطرة ، وينقدح في ذهنهم
الأمر ، فيكون من وراء ذلك أمر عظيم الخير ، بعيد الأثر. ويتكلمون بالكلمة فتكون
نبراساً للأمة من بعدهم ، وأساساً راسخاً يتفرع عنه خير عميم ، وفضل جسيم . والله تعالى
هو ولي التوفيق ، والملهم للخيرات .
وبعد هذا، فسأعرِضُ لترجمة صاحب هذا ((المسند)) ومخرِّجه، ثم أعرضُ لـ ((المسند)»
نفسه ، دراسةً له ، ولنسختيه اللتين اعتمدتُ عليهما في إخراجه ، ولعملي فيه .
- ٢٣ -

ترجمة المؤلف(*
هو الإمام الحافظ الأوحد محدثُ العراقِ أبو بكر محمد بن محمد بن سليمانَ بنِ الحارثِ
الأزْدِيُّ الباغَنْديُّ الواسطيُّ البغدادي ، أحدٌ بحور الحديث .
ولد في أواسط العِقْد الثاني من القرن الثالث الهجري ، فيما أقدّر ، وتوفي في ذي
الحجة سنة اثنتي عَشْرة وثلاثمائة . رحمه الله تعالى .
قال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) ص ٧٣٦: ((كان أولُ سماعه في سنة سبع
وعشرين ومائتين ، بواسط ». فقدَّرتُ تاريخ ولادته كما ذكرت ، اعتماداً على عادة غالب
السلف في تبكيرهم في طلب الحديث وكتابته ، ولا سيما إذا كان والد أحدهم من المحدثين ،
كما هو الحال في والد المترجم ، فيكون عمره المبارك قد أناف على التسعين عاماً ، ويكون قد
قضى في الاشتغال بالسنة النبوية ما يزيد على الثمانين عاماً ! رحمه الله تعالى ورضي عنه .
كانت ولادته في «باغَنْد))، قال الإمام الحافظ ابن السمعاني رحمه الله في
((الأنساب)): ((وظني أنها قرية من قرى واسط))، وتابعه على هذا الظن الحافظ ابن
الأثير في ((اللباب)) وياقوت في ((معجم البلدان)) ٢: ٤٢، وجزم السيوطي في ((لب
اللباب)) بأنها ((من قرى واسط )).
وكان والده محمد بن سليمان من أهل الحديث وذوي العناية به ، ترجمه الخطيب في
((تاريخه)) ٥ : ٢٩٨ فقال: ((سكن بغداد، وحدَّث بها عن عُبيد الله بن موسى، وأبي نعيم
الفضل بن ذُكين ، وعارم ابن الفضل ، وأبي الوليد الطيالسي ، روى عنه ابنه محمد ،
والقاضي المحاملي، وابن السّاك، والنجَّاد ، وأبو بكر الشافعي ، وغيرهم . قال أبو جعفر
(*) من ((تاريخ بغداد)) لأبي بكر الخطيب ٣: ٢٠٩ - ٢١٣، ولخص الحافظ السمعاني ما عنده في
((الأنساب)): نسبة ((الباغندي)) ٢: ٤٥، ومن ((تذكرة الحفاظ و للذهبي ص ٧٣٦.
مسند عمر (٣)
- ٢٥ -

الأَرْزُناني : رأيت أبا داود السّجْتاني جاثياً بين يدي محمد بن سلیان الباغندي يسأله عن
الحديث . ورواياته كلها مستقيمة ، ولا أعلم في حديثه منكراً ، قال فيه الدارقطني :
لا بأس به . وكانت وفاته ليلة الاثنين لأربع عشرة بقيت من ذي الحجة ، سنة ثلاث
وثمانين ومائتين )) انتهى باختصار وتصرُّف يسير، وعلى هذا القدر اقتصر الحافظ السمعاني
في ترجمته في ((الأنساب)) عند كلامه على ((الباغندي)).
وخلّف الباغنديُّ - المترجَمُ - ولداً له ذِكْر بين المحدثين والرواة ، هو : أبو ذر
أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان الباغندي ، ترجمه الخطيب أيضاً ٥ : ٨٦ .
سمع المترجمُ أبو بكر الباغندي من شيوخ واسط ، كما هي سنة المحدثين : أن يسمعوا
من شيوخ بلدهم أولاً . ثم رحل ، فسمع من شيوخ بغداد والبصرة والكوفة ، والشام ومصر ،
وقد يسَّر الله تعالى له اللقاء بعلية الشيوخ بسبب تبكيره بالسماع .
قال الخطيب ٣: ٢٠٩: ((سمع محمد بنّ عبد الله بن نُمير، وأبا بكر وعثمان ابنَيْ
أبي شيبة الكوفِيّين ، وشيبانَ بن فروخَ الأيْليَّ، وعلي بن المديني ، ومحمد بن عبد الملك بن
أبي الشوارب ، وسويد بن سعيد الحدثاني، ودُحياً الدمشقي ، وهشام بن عمار،
والحارث بن مسكين ، وغيرهم من أهل الشام ومصر، والكوفة وبغداد والبصرة ... )).
وأشار الذهبي في ((التذكرة)) إلى كثرتهم فقال: ((وخلقاً كثيراً)». ويكفي للدلالة
على كثرة شيوخه أنه روى في هذا ((المسند)» الصغير عن حوالي خمسة وسبعين شيخاً!
وقد شارك الباغنديُّ البخاريَّ ومسلماً وغيرهما من الأئمة في جلَّة شيوخهم ، وأقدمُ
شيوخه وفاة هو الإمام ابن المديني وابن نمير ، وكانت وفاتهما سنة أربع وثلاثين ومائتين ،
وبين وفاتها ووفاته ثمانية وسبعون عاماً ! رحمهم الله تعالى .
وروى عن الباغندي أئمة محدثون ، ومنهم من روى عن أبيه . قال الخطيب : ((روى
عنه الحسين بن إسماعيل المحاملي ، ومحمد بن مخلد الدوري ، وأبو بكر الشافعي ، ودَعْلَج بن
أحمد ، وأبو علي بن الصواف ، ومحمد بن المظفَّر ، وأبو عمر بن حَيُّوته ، وأبو حفص بن
شاهين ، وخلق يطول ذكرهم )» .
أما كثرة ما تحمّله عن شيوخه: فقد شهد له الخطيب الحافظ بذلك - ووافقه
- ٢٦ -
-----

السمعاني - فقال: ((كان كثير الحديث ، رحل فيه إلى الأمصار البعيدة ، وعُني به العناية
العظية، وأخذ عن الحفاظ والأئمة)) ثم أسند إلى أبي بكر الأبهري قوله: «سمعتُ أبا بكر
أبن الباغندي يقول: أنا أجبت(١) عن ثلاثمائة ألف مسألة في حديث رسول الله مَ ضَّل))
وهذا مقدار كبير جداً ، لعله لم ينقل عن غيره من الأئمة !! .
ثم عمل الأبهري مقارنة بين الباغندي وبين ابن عُقْدة فقال: (( وسمعت أبا العباس
ابن عُقْدة يقول: أحفظ ثلاثين ألف حديث عن رسول الله عَلّم وأهل البيت)).
فإذا كان هذا مقدارَ محفوظ ابن عقدة - وهو الذي دعا البَرْديجي إلى وزن محفوظاته
بالقبَّان (٢) - أدركنا سعة محفوظات الباغندي، وأنها عشرة أضعاف ما عند ابن عقدة، أو
تزيد .
كما قارن تلميذه أبو بكر أحمد بن عبدان الشيرازي بينه وبين أبي بكر بن أبي داود ،
فقال ابن عبدان: ((الباغندي أحفظ من ابن أبي داود )) . وابن أبي داود هو الذي حدّث
في رحلة له إلى أصفهان بستة وثلاثين ألف حديث من حفظه دون كتاب ، وَهِم في أثنين
منها فقط(٣) ! .
وكان حفظُه حفظ المستحضر المناظر، لا حفظ المتذكِّر المذاكر، فقد ذكر عنه
أبو القاسم الطبري اللالكائي أنه: « كان يسرد الحديث من حفظه ويهذَّه مثلَ تلاوةٍ
القرآن ، للسريع القراءة» ! .
ويزداد الإعجاب بحافظة الباغندي عندما نقف على قول الخطيب فيه: (( بلغني أن
عامة ماحدَّث به كان يرويه من حفظه)) !.
(١) في ((تاريخ بغداد)): ((أنا أجيب .. )). وفي ((طبقات الحفاظ)» للذهبي ص ٧٣٦ والسيوطي
ص ٣١٢: ((أجبت في .. )) وبينهما فرق كبير، فصوبت عبارة الخطيب كما ترى اعتماداً على
ماجاء في ((الميزان)): ((قيل: أجاب في .. )) فإنها لا تحتمل التحريف.
(٢) في قصة ذكرها الخطيب ٥: ١٦ قال ابن عقدة: «دخل البرديجي الكوفة، فزعم أنه أحفظ ،
فقلت : لا تطول ، تتقدم إلى دكان وراق ، وتضع القبان وتزن من الكتب ماشئت ، ثم تلقى
علينا، فنذكره، فبقي)» أي: سكت البرديجي مدهوشاً مبهوتاً، فماذا يقول الباغندي ! .
(٣) انظر القصة في (( التذكرة )» للذهبي ص ٧٦٩ .
- ٢٧ -

وقد شَغِف الإِمام الباغندي بالحديث شَغَفاً نادراً حتى خالط لحمه ودمه ، وغطَّى كلَّ
رغبة له، وَصَّف ذلك هو من نفسه فقال: ((قد حُبِّب إليَّ هذا الحديث ، بحسبك أني
رأيت النبي ◌َّ في النوم ، فلم أقل له: ادع الله لي ، وقلت له: يا رسول الله أَيُّما أثبتْ
في الحديث: منصور أو الأعمش ؟ فقال لي : منصور منصور)).
ولذلك بلغ من الحُظْوة أن اعتمد عليه شيوخه ورووا عنه ، وعارضوا روايتهم
بروايته ، كل هذا مع تحلِيه بالأدب الجمّ ، والتواضع الرفيع ! .
روى الخطيب أن الباغندي كان في مجلس شيخه عمرو بن سَوَّاد السَّرْحي - أحد
شيوخ مسلم في ((صحيحه)) - فقال عمرو بن سوَّاد: ((حدثنا عبد الله بن وهب ، أخبرني
جرير بن حازم ، عن سليمان الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن شُتَيْر بن شَكَل ، عن
علي بن أبي طالب قال : شَغَلنا المشركون عن صلاة العصر حتى غربت الشمس ، فقال
رسول الله عَ ليه: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة حتى غربت
الشمس».
((قال أبو بكر الباغندي: قلت لعمرو بن سوَّاد: هذا يُذكر عن الأعمش، عن
أبي الضحى ، عن شُتَيْر بن شَكَل ، فأخرج إليّ أصله من كتابه ، فإذا فيه كما حدثناه . ثم
حدث من بعد مجلسِه بالحديث وأنا حاضر، فلما ذكره قال : وأخبرني بعض أصحابنا ممن
نرجع إلى معرفته من أهل العراق أن هذا الحديث يُذكر عندهم عن الأعمش عن
أبي الضحى ، عن شُتَير بن شّكل ، عن علي .
قال الباغندي : فكتبت كلامه، وإنما حدَّث به عني)) .
وقد اعتمد الباغنديَّ أئمةُ عصره ومن بعدهم ، وإن لم يخلُ من كلام ، ولخص القولَ
فيه الحافظ الخطيب في ((تاريخه)) فقال بعد أن حكى الأقوال فيه: (( لم يثبتْ من أمر ابن
الباغندي ما يُعاب به سوى التدليس ، ورأيت كافة شيوخنا يحتجون به ويخرجونه في
الصحيح » .
هذا ، وللباغندي غير هذا «المسند».
ففي مكتبة تيمور باشا بمصر (( ستة مجالس)) من إملاء المترجَم ، بخط الحافظ
- ٢٨ -

العلائي ، وفي المكتبة الظاهرية بدمشق جزء «مارواه الأكابر عن الأصاغر من المحدثين من
الأفراد )) للباغندي ، وهو ضمن المجموع ١٠٩، من ورقة ٢٢٠ - ٢٥٧ .
وفيها له أيضاً ضمن المجموع ١١٥: ((الجزء السادس من حديث شيبان بن فروخ
وغيره)) من ورقة ١٨٢ - ١٩٤ ، مع أنهم ينقلون أحياناً عن الباغندي كلاماً في الرجال ،
لكني لم أقف على تسمية كتابه فيه، من ذلك ماجاء في ((تهذيب التهذيب)) ٩ : ٥٧ ترجمة
محمد بن إسماعيل بن البختري الحساني، قال: ((قال الباغندي : كان خيراً مرضياً
صدوقاً )).
وأتحدث الآن بالتفصيل عن هذا («المسند » فيما يلي :
- ٢٩ -

هذا المسْند
ترجع صلتي بهذا المسند إلى سنة ١٣٨٠ ، فقد كنت وقفت حينئذ على قول مسند
عصره الحافظ السيد عبد الحي الكتاني رحمه الله تعالى ، في مقدمة كتابه («التراتيب
الإدارية)) ١: ٢٢ قال وهو يعدّد مصادره: ((ومسند الخليفة عمر بن عبد العزيز)) تخريج
أبي بكر محمد بن محمد الباغندي ، وهو مطبوع بالهند ، وإن يكن طابعه لم يذكر جامعه ،
وهو عجيب )) .
فكتبت هذا التنبيه على نسختي من المسند ، وصرتُ أتتبّع نقول العلماء لأرى من هو
سَلَف السيد الكتاني في نسبة المسند إلى الباغندي ، فرأيت الحافظ ابن حجر رحمه الله لَهجاً
بذكره ، ولأنه مصدر الحافظ الكتاني في نسبته إلى الباغندي .
فنقل عنه ونسبه إلى الباغندي في ((فتح الباري)) ٢: ١٤٥ و ١٥ : ٤٨ ويقابلهما
الحديثان الآتيان برقم ٥٨ و ٨٢ .
وتقل عنه في ((التلخيص الحبير)) ١: ٢٧٦ في تخريج الحديث الآتي برقم ٢٩ و ٨٤ .
ونقل عنه في ((الإصابة)) ٣: ٢٣٤ عزا إليه حديث ((رحم الله حارس الحرس))
الآتي برقم ١و٢ و٨١، وكلمة ((الباغندي)) تحرفتْ في ((الإصابة)) إلى ((الذي عندي))
فلتصحح .
ونقل عنه في ((تهذيب التهذيب)) ٧ : ٢٦ ، وسيأتي كلامه عند الحديث الآتي برقم
٠٨٢
وقال في ((الدرر الكامنة)) ١: ١٥ - ١٦ في ترجمة أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد
الحريري الدمشقي المتوفى ٧٣٧: «سمع على ابن أبي عمر ((مسند عمر بن عبد العزيز)»
للباغندي » .
- ٣١ -

والباغندي المراد : هو الذي تقدمت ترجمته : أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان ،
المتوفى سنة ٣١٢ .
وقد أخطأ صاحب (( آداب الزفاف)) فنسب المسند إلى والد المذكور: محمدِ بنِ
سليمان، المتوفى سنة ٢٨٣ ، سماه وأرَّخ وفاته كذلك في فهرس الكتاب المذكور ص ١٨٧ .
كما وقع صاحب ((الأعلام)) ٥ : ٦١ في وهم أفحش من هذا، فقال في ترجمة أبي
حفص عمر بن محمد ابن طبرزد: (( وصنف مسند عمر بن عبد العزيز - ط)). وعذره في
ذلك أن النسخة المطبوعة من المسند في ملتان ينتهي سندها إلى ابن طبرزد ، فظن أنه هو
المصنّف له ! .
قام الباغندي في هذا المسند بمحاولة جمع الأحاديث التي تُروى من طريق عمر بن
عبد العزيز ، كما هو منهج المحدثين في تصنيف المسانيد .
ولم أقف على من سبق الباغنديَّ رحمه الله بهذه المحاولة ، ثم قام من بعده الإمام
الحافظ أبو نعيم الأصفهاني صاحب (( حلية الأولياء )) رحمه الله ، فجمع أحاديث عمر بن
عبد العزيز، قال في ((الحلية)) ٥: ٣٥٩: ((جمعنا ما انتهى إلينا من مسانيده ورواياته في
غير هذا الكتاب )» ثم ساق سبعة عشر حديثاً له ، سبعة منها مذكورة هنا في هذا المسند .
ثم جاء من بعده الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله ، فجمع قسطاً كبيراً من
مرويات عمر في كتابه الذي أفرده في ((سيرة عمر بن عبد العزيز)) وسردها في ((الباب
الرابع)» منه، من صفحة ١٢ - ٢٥ ذكر فيه خمسة وأربعين حديثاً، ثمانية عشر منها مروية
هنا ، إلا أنه يذكر جانباً من سند الحديث ، ولا يعرِّف المصدر المنقول عنه .
وذكر الحافظ الذهبي في ترجمة الإمام الطبراني من (( تذكرة الحفاظ )) ص ٩١٤ أن من
مؤلفاته ((أخبار عمر بن عبد العزيز)) وهي - لاشك - أخبارٌ مروية بالإسناد ، شأن
المحدثين القدامى ، لا يذكرون خبراً ولا كلمة إلا بإسنادهم إلى قائلها ، ولا أبعد أن يكون قد
أفرد فصلاً من فصوله لما أسنده عمر بن عبد العزيز من الأحاديث ، والله أعلم .
- ٣٢ -

وقد نهج الإمام الباغندي في هذا المسند :
١ - أن يذكر فيه مسانيد عمر بن عبد العزيز، متجنّباً مراسيله ، إلا نادراً كالحديث
الآتي برقم ٤٢ ، وإن كان فيه الإرسال - بمعنى الانقطاع - بين عمر وبعضٍ من يروي عنه ،
كالحديث الأول: يرويه عمر عن عقبة بن عامر ، ولم يسمع عمر من عقبة .
٢ - والأصل في عمل الإمام الباغندي في هذا المسند : أن يذكر من الأحاديث ما ورد
من طريق عمر بن عبد العزيز ، وقد كان كذلك ، إلا أنه قد يذكر أحياناً إسناداً آخر
للحديث من غير طريق عمر ، وذلك لفائدة من : علو إسناد ، ونحو ذلك . والأسانيد التي
وردت فيه على هذا المثال هي الآتية برقم ٣٣، ٣٧، ٤١، ٥٠، ٥٨، ٧٢، ٧٣، ٧٧ .
٣ - وقد ذكر رحمه الله ما كان من رواية عمر، وما ذُكر بحضرة عمر أو طّلَب هو
سماعَه وتحمُّلَه، والقسم الأول هو الأكثر الأغلب ، وأحاديث القسم الثاني هي الآتية برقم
٦٣ - ٦٥، ٧٨ - ٨٠، ٨٣، ٩١، ٩٤، ٩٥ .
٤ - والتزم رحمه الله وضع عنوان لأحاديث عمر عن كل شيخ له، مثل: ((عمر بن
عبد العزيز عن عقبة بن عامر)) و((عمر بن عبد العزيز عن يوسف بن عبد الله))
وهكذا، إلا عنوان «عمر بن عبد العزيز عن نوفل بن مُساحق » عند رقم ٤٩ فزيادة
مني .
وأدخل المخرج قسماً من أحاديث عمر عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ الزهري ، مع
أحاديثه عن سعيد بن المسيب عند رقم ٢٤ إلى ٣٠ ، مع أنه أفرد روايته عن ابن قارظ في
عنوان خاص عند الرقم ٨٤ .
وقد بلغ عدد شيوخ عمر بن عبد العزيز في هذا المسند ثلاثة وثلاثين شيخاً ، ثمانية
منهم من الصحابة ، والخمسة والعشرون الباقون من التابعين ، وقد قدَّم رواياته عن
الصحابة فذكرها أولاً من الرقم ١ - ١٩ إلا الحديث الحادي عشر فهو من روايته عن التابعي
الجليل سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم .
٥ - وغالبُ ما في هذا المسند أحاديث مرفوعة إلى النبي ◌ُ ◌ّره ، والقليل منها موقوف
على بعض الصحابة ، وهي الآثار الآتية برقم ٤٩، ٥٠، ٦١، ٦٨، ٧٧، ٧٨ ، ٩٣ .
- ٣٣ -

٦ - وفي المسند ثلاثة أسانيد من زيادة الإمام الحافظ أبي الحسين محمد بن المظفر البزاز
البغدادي ، تلميذِ الإمام الباغندي وراويةٍ هذا المسند عنه ، زادها لينبّه على علوّ إسناده
فيها ، وهي عادة مألوفة في كتب السنة، وهي الأسانيد الآتية برقم ٩، ١٢، ٥٢ .
وقد أتى رحمه الله تعالى في هذا المسند الصغير - على طَرَافة موضوعه وأُوَّليّته في بابه -
بفوائد نادرة ، منها في متونه : كتلك الأحاديث التي تتبّعْتُها كثيراً في مظانها فلم أقف
عليها ، كالحديث الخامس ، ومنها في أسانيده: كالفائدة الآتية عند رقم ٣ و٥١ ، فإني لم
أجدهما في مكان آخر ، أما الفوائد التي يعزّ وجودها في مشهور كتب السنة ، وتوجد في
غيرها على نُدرة ، وهي في هذا المسند أيضاً : فكثيرة ، ولذلك كان جديراً بالخدمة
والنشر .
٠
هذا ، ولما عزمت على إخراج هذا المسند ، اعتمدت على النسخة المطبوعة طبعاً
حجرياً في بلدة ملتان من بلاد الهند آنذاك - وهي الآن في باكستان - سنة ١٣٤٠، في
اثنتي عشرة صفحة ، في كل صفحة سبعة وعشرون سطراً . فخدمته ، ولقيتُ عَنَّتاً في
تصحيح بعض أسماء الرواة وبعض ألفاظ المتون ، ثم علمتُ أن في مكتبة فيض الله - إحدى
مكتبات اصطنبول - نسخةً خطية منه ، فرجوتُ أخاً لي في الله أن يقابله على هذه
النسخة الخطية ، ففعل جزاه الله خيراً ، وقابله مقابلة دقيقة نابهة .
وهذه النسخة ضمن مجموع برقم ٥٠٧ من الورقة ٢/٥٤ - ٦١/ب، ويرجع خطُّها إلى
القرن التاسع ، لكنها غير تامة ، والذي فيها من أول المسند إلى عنوان الحديث الآتي برقم
٨١: ((عمر بن عبد العزيز عن أبيه)).
وهي نسخة صحيحة استفدت منها الاطمئنان إلى صحة ماصوَّبته من قبل ،
وتصويبَ اليسير الذي كنت توقَّفتُ فيه ، وقد نبهت إلى ماهو ضروري من فوائدها
وزوائدها .
وجاء في أول النسخة تسمية المسند هكذا : ((جزء فيه حديث عمر بن عبد العزيز
- ٣٤ -

رحمه الله عن أصحاب رسول الله صَ لّ ورضي عنهم، وعن غيرهم)) (١) تأليف أبي بكر
محمد بن محمد بن سليمان الواسطي الباغندي وروايته عن شيوخه .
وتحته سلسلة إسناد النسخة من راويها عن الباغندي إلى مالكها أبي الفضل
عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل القلقشندي . ثم كُتب عليها السماع مع تكرار الإسناد وفيه
فوائد فآثرت نقله ، لاشتماله على الإسناد وزيادة ، ونصه :
(( بسم الله الرحمن الرحيم. رب زدني علماً. قرئ على الشيخة الأصيلة المتن (؟) أم
الفضل هاجر ابنة الشيخ المحدث شرف الدين محمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز
القدسي ، وأنا أسمع ،
بإجازتها من الشيخين : الإمام العلامة أبي حفص عمر بن الإمام أبي الحسن علي بن
أحمد الأنصاري الأندلسي الشهير بابن الملقّن ، والمسندِ أبي محمد عبد الله بن الحافظ
علاء الدين مُغْلَطاي بن قَلِيج بن عبد الله البَكْجَري ، إن لم يكن سماعاً على الأول ولا
(؟) حضوراً على الثاني ، قالا:
أخبرنا المقرئ أبو عبد الله محمد بن محمد بن غير ، عرف بابن السراج ،
بحق سماعه على أمة الحق شامية ابنة أبي علي الحسن بن محمد بن محمد البكري في
جمادى الأولى سنة ٦٨٣ ،
بحق سماعها بقراءة والدها على أبي حفص عمر بن محمد بن مُعَمَّر بن طَبَرْزَد الدارَقَزِي
البغدادي في صفر سنة ٦٠٤ ، قال :
أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله الأنصاري البزاز سماعاً
في سنة ٥٣٦ ،
وأبو المواهب أحمد بن محمد بن عبد الملك بن عبد العزيز بن ملوك الوراق ، سماعاً
سنة ٥٣٤ ،
(١) وسماه الحافظ ابن حجر في المواضع التي تقدمت الإشارة إليها ((مسند عمر بن عبد العزيز))
فآثرت تسميته بزيادة ((أمير المؤمنين)) كما جاء في أول الجزء الثاني من تجزئة النسخة
المخطوطة . انظر آخر الحديث الآتي برقم ٤٤ .
- ٣٥ -
.. mm .