Indexed OCR Text
Pages 41-60
لقد شارك الهيثمي شيخه جميع شيوخه : بمصر ، والقاهرة ، والحرمين ، وبيت المقدس ، ودمشق ، وحلب ، وحماة ، وحمص ، وطرابلس ، وغيرها ، وصحبه في رحلاته ، وحجاته ، لأنه احتل من نفسه المكانة التي عجز غيره عن احتلالها ، فـ ((لم يكن الزين يعتمد في شيء من أموره إلاَّ عليه))(١) . لقد اصطفاه من دون طلابه - وفيهم ابن حجر وغيره - وخصه بصحبته ، وزوجه ابنته ، ولم يأمن أحداً كما أمنه ، فكان لا يطمئن إلى أحد اطمئنانه إليه ، ولا یثق بأحد ثقته به . وقد بادله الهيثمي حبًّا بحب ، واخلص له إخلاصاً كان مضرب المثل ، إلى جانب الوفاء والتضحية والاحترام . لقد وجد فيه - في العراقي - الأنموذج الإنساني الذي يتطلع إليه ، والمثل الأعلى الذي يقتدي به فكراً ، وثقافة ، وأخلاقاً ، وسلوكاً ، فكان له الأخ الصادق ، والابن البار ، والصديق الصدوق ، والصاحب الوفي ، والتلميذ المطيع ، والخادم الأمين الذي (( لا يخاطبه إلاَّ بسيدي حتى كان في أمر خدمته كالعبد))(٢) . وقام بخدمته قياماً لا يصبر عليه غيره ، فإن الحافظ ابن حجر وهو تلميذ للعراقي والهيثمي قال: (( ورأيت في خدمته لشيخنا وتأدبه معه ، من غير تكلف لذلك ، ما لم أره لغيره ، ولا أظن أحداً يقوى عليه))(٣). وكانت للهيثمي خصوصية عند العراقي يحسده من أجلها أقرانه ، فهذا ابن حجر وهو واحد منهم يقول متحدثاً عن تلامذة العراقي: (( ومن أخصهم به صهره : شيخنا نور الدين الهيثمي . وهو الذي درَّبه وعلمه كيف التخريج (١) البدر الطالع ١/ ٤٤١ . (٢) الضوء اللامع ٢٠١/٥ . (٣) الضوء اللامع ٢٠٢/٥ . ٤١ والتصنيف ، وهو الذي يعمل له خطب كتبه، ويسميها له)) (١) . وابن حجر زامل الهيثمي بالتلمذة على شيخهما العراقي ، وتتلمذ على الهيثمي ، فهو أقرب الناس إليه ، وأعرف الناس به ، ولكن غيرة التلامذة أمر معروف ، وأقوال الأقران في بعضهم ينبغي التوقف عندها . فالصفات التي وصفه بها تلامذته ، والذين ترجموا له ، هي أنه (( كان هيناً ، ليناً ، خيراً ، ديناً ، محبًّا في أهل الخير ، لا يسأم ولا يضجر من خدمة الشيخ وكتابة الحديث . وكان سليم الفطرة ، كثير الخير ، كثير الاحتمال للأذى خصوصاً من جماعة الشيخ ))(٢) . ((وكان ساكناً ، شديد الإنكار للمنكر))(٣). (( وكان محبًّا للغرباء وأهل الدين والعلم والحديث ، كثير التودد إلى الناس مع العبادة والاقتصاد والتعفف . وكان - يرحمه الله تعالى - من محاسن القاهرة ، ومن أهل الخير ، غالب أوقاته في اشتغال وكتابة ، كثير التلاوة بالليل والتهجد)) (٤). ((وكان عجباً في الدين والتقوى ، والزهد ، والإقبال على العلم والعبادة ، وخدمة الزين ، وعدم مخالطة الناس في شيء من الأمور )»(٥) . ومما تقدم نخلص إلى أننا أمام إنسان ذكي ، صبور ، دؤوب ، مطيع ، وفيّ ، أمين ، ثقة ، مجانب للناس مع حبه لهم ، محب للعلماء (١) إنباء الغمر ١٧٢/٥. (٢) إنباء الغمر ٢٥٧/٥. (٣) الضوء اللامع ٢٠٢/٥. (٤) لحظ الألحاظ ص (٢٤٠). (٥) البدر الطالع ٤٤٢/١، وانظر الضوء اللامع ٢٠١/٥ . ٤٢ والعلم ، لا يدع لحظة من حياته تمر إلاَّ في خدمتهما . حدب عليه شيخ مشايخ عصره فأسمعه جل ما سمع ، وكتب لشيخه معظم ما ألف، وقرأ عليه جل ما صنف حتى صار (( لشدة ممارسته أكثر استحضاراً للمتون من شيخه )» (١) . نقول : لقد حدب عليه شيخ خبر الحياة والأحياء وأفاد من تجربة عاشها . فقد كان العراقي مهتماً بعلم القراءات ، فقال له قاضي القضاة عز الدين بن جماعة : (( إنه علم كثير التعب ، قليل الجدوى ، وأنت متوقد الذهن ، فينبغي صرف الهمة إلى غيره))، وأشار عليه بالاشتغال بعلم الحديث ، فاستجاب الحافظ العراقي ، ولم يبخل ببذل الجهد ، فأصبح (( الإمام الأوحد ، العلامة الحجة ، الحبر الناقد ، عمدة الأنام ، حافظ الإسلام، فريد دهره ووحيد عصره ... ))(٢). إننا إذن أمام طاقة جبارة توفرت لها كل أسباب العطاء : أسباب ذاتية : الذكاء ، والصبر ، والدأب ، والوقت . أسباب خارجية : شيوخ علماء ملؤوا الدنيا وشغلوا الناس ، مع إشراف دائم وتوجيه مستمر من شيخ مشايخ العصر الذي فاق أقرانه علماً ، ونضج تجربة وخبرة لا ينقطع مدة ستة وخمسين عاماً . فما الآثار التي خلفتها هذه العبقرية التي توفرت لها هذه الظروف ؟! يروي الحافظ ابن حجر أن العراقي (( هو الذي دربه ، وعلمه كيفية التخريج والتصنيف ، وهو الذي يعمل له خطب الكتاب))(٣). وأن الهيثمي (( تخرج به في الحديث)) (٤). (١) إنباء الغمر ٥/ ١٧٢ . (٢) لحظ الألحاظ ص (٢٢٠). (٣) إنباء الغمر ١٧٢/٥ . (٤) إنباء الغمر ١٧٢/٥ . ٤٣ وليس من شك عندنا أن العراقي قام مقام الوالد من الهيثمي ، وقد اختصه من دون تلاميذه فأمنه على علمه ، وعلى عرضه ، وبين أولئك التلاميذ من هو أرسخ قدماً ، وأجل شأناً من الهيثمي ، ولذلك فإننا لا نشك أيضاً أن الهيثمي يتمتع بصفات شخصية جذبت إليه العراقي ، وجعلته يؤثره على بقية تلاميذه وفيهم ابن حجر ، ويثق به أكثر من جميع رواده ، ويطمئن إليه أكثر من أخص الناس به : أهله وولده . ويجمع مترجمو الهيثمي - وعن الحافظ ابن حجر نقلوا لأنه أقدم من ترجم له - أن العراقي أشار عليه : أولاً : أن يجمع ما في مسند أحمد من الأحاديث الزائدة على الكتب الست ، وأرشده إلى التصرف بذلك ، وعندما فرغ من تسويده ، راجعه الحافظ العراقي وسماه (( غاية المقصد في زوائد أحمد )) وهو في مجلدين . ثم حبب إليه هذا التخريج فصنع (( كشف الأستار عن زوائد البزار)). وقد حققه الأستاذ الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في أربعة مجلدات ، نشر مؤسسة الرسالة . ثم أتبعه بزوائد مسند أبي يعلى الموصلي ، وسماه ((المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي)) ، وقد حقق الجزء الأول منه الدكتور نايف بن هاشم الدعيس ، وفيه ( ٦١٥ ) حديثاً . وكان عمله الرابع جمع زوائد ((المعجم الكبير)) للطبراني. وسماه (( البدر المنير في زوائد المعجم الكبير )) . وختم ذلك بجمع زوائد المعجمين : الأوسط ، والصغير ، في مصنف واحد سماه (( مجمع البحرين في زوائد المعجمين )) . ثم جمع ما تقدم من أحاديث فحذف أسانيدها ، ورتبها على أبواب الفقه ، وتكلم على كل حديث منها بالصحة والضعف ، جمع ذلك في كتاب واحد سماه ٤٤ ((مجمع الزوائد ، ومنبع الفوائد )» وهو الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه ، أعاننا الله على إتمامه . وبعد أن رسخ قدمه في هذا المضمار الشريف ، جمع زوائد ابن حبان على الصحيحين ، وليس على الكتب الست كما تقدم ، ورتبها على أبواب الفقه أيضاً في كتاب سماه (( موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان)) . وقد حققناه بفضل الله مع الأستاذ عبده علي الكوشك ، ونشرته دار الثقافة العربية . ثم صنع ((بغية الباحث عن زوائد الحارث)). ورتب (( ثقات ابن حبان )) على الحروف ، ورتب (( ثقات العجلي)) كذلك حتى تسهل العودة إليهما والفائدة منهما . كما رتب أحاديث (( الأفراد للدار قطني)) على أبواب الفقه في مجلدين ، ورتَب أيضاً ((الغيلانيات)) و((الخلعيات))، و((فوائد تمام)) على أبواب الفقه أيضاً . وسود ترتيب أحاديث ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم على الأبواب ، وللكنه انتقل إلى رحمة الله تعالى قبل إتمامها ، فبيضها تلميذه الكبير الحافظ ابن حجر ، تغمدهما الله في رحمته . هذه هي مجموعة الآثار التي خلفها هذا الإمام ، وهي - بحق - تفرض على من يطلع عليها أن يعترف بجلالة قدر صانعها ، وبحفظه ، وبقدرته على الترتيب والتبويب ، وبفائق الجهد المبذول فيها من أجل أن ييسر الوصول إلى الإِفادة منها ، رحم الله مصنفها ومرتبها . وهنا يلوح على استحياء سؤال : هل الآثار التي تركها الحافظ الهيثمي - على جلالها ، وعظيم قدرها ، وكبير فائدتها ـ تملأ الإِطار الزمني الذي عاشه هذا الحافظ الجاد ؟ وتكون الركيزة الأساسية التي اعتمد عليها تلامذته ومن ترجموا له ليصفوه بما وصفوه به ؟ لقد عاش الهيثمي - رحمه الله - اثنتين وسبعين عاماً ، أنفق منها ستة وخمسين ٤٥ عاماً في صحبة سيده وشيخه ، حافظ الحفاظ في المشرق والمغرب ، أبي الفضل العراقي . وهو الذي (( كان عجباً في الدين والتقوى ، والزهد، والإقبال على العلم ... وعدم مخالطة الناس)) (١). وهو الذي أصبح (( لشدة ممارسته أكثر استحضاراً للنصوص من شيخه)) (٢). وهو الذي رتبه شيخه وسيده ثالث حفاظ العصر بعده ، قال ابن حجر : (( وسئل - يعني العراقي - عند موته عمن بقي من الحفاظ ، فبدأ بي ، وثنى بولده ، وثلث بالشيخ نور الدين))(٣). وقد أجمل الأقفهسي صفاته فقال: ((كان إماماً ، عالماً ، حافظاً ، زاهداً ، متواضعاً ، متودداً إلى الناس ، ذا عبادة وتقشف وورع)) . نقول : إن رجلاً يدربه شيخه على عمل ، ثم يراجعه له عند الانتهاء منه ويعينه حتى على كتابته ، ويكتب له مقدمته ، ويسميه له ولا يتقن من علوم الحديث إلاّ هذا الذي درَّبه فيه شيخه ، لا يمكن أن يوصف بأنه ثالث حفاظ العصر بعد العراقي . وبأنه حافظ ، وعالم ، وإمام . وإنني لأزعم أن المنافسة هي التي دفعت الحافظ ابن حجر إلى أن يعلل لماذا كان أول حفاظ العصر بعد العراقي بقوله: (( لأن ولده تشاغل بفنون غير الحديث ، والشيخ نور الدين كان يدري منه فيًّاً واحداً))(٤). ويؤكد على ذلك ، ويوضح المراد الحافظ السخاوي بقوله: (( وأما في (١) الضوء اللامع ٢٠١/٥ . (٢) إنباء الغمر ٥/ ١٧٢. (٣) إنباء الغمر ١٧٢/٥ . (٤) إنباء الغمر ١٧٢/٥ . ٤٦ الحديث فالحق ما قاله شيخنا أنه كان يدري منه فنّاً واحداً . يعني الذي دربه فيه شيخهما العراقي ))(١) . وإن عجبي لأشد من أن الحافظ ابن حجر يصرف الأذهان عن حقيقة استقرت فيها بتأويل لم يوفق فيه ، ولا أظن أنه يوافق عليه . يقول: (( وصار الهيثمي لشدة ممارسته أكثر استحضاراً للمتون من شيخه)) هذه هي الحقيقة، والتعليل (( حتى يظن من لا خبرة له أنه أحفظ منه ، وليس الأمر كذلك ، لأن الحفظ المعرفة)) (٢). والإِنصاف أن الهيثمي أكثر استحضاراً للمتون من شيخه العراقي ، ولكن العراقي كان أتقن لفنون الحديث من تلميذه ، وليس في ذلك حط من شأن العراقي حتى يسارع الحافظ إلى حصر الحفظ بأنه المعرفة ، وليس هذا بمسلم له ، والله أعلم . وأعود لأؤكد - وأرجو أن لا يجانبني التوفيق - أن المصنفات التي أغنى الهيثمي المكتبة الإسلامية بها - على جلالة قدرها وعظيم فوائدها - : لا تغطي المساحة الزمنية التي عاشها ، والفترة الخصبة التي أنفقها في صحبة شيخ يحرض كل طاقة فيه على العطاء ، كما أنها لا تؤهله لأن يوصف بالأوصاف التي وصف بها وهو تلميذ لحافظ الدنيا العراقي ، وشيخ لأمير المؤمنين في الحديث ، شيخ الحفاظ ابن حجر العسقلاني . إن تركة الرجل - ولا أمل من تكرار التوكيد على جلالتها وعظيم فوائدها - تعتمد في مجموعها على الترتيب الذي يمكن لرجل عادي أن يقوم به مع الإشراف ، والتوجيه ، ومد يد العون - كما زعم المترجمون له أن العراقي يفعل - فبماذا إذاً استحق شيخنا هذه الأوصاف ؟ (١) الضوء اللامع ٢٠٢/٥. (٢) إنباء الغمر ١٧٢/٥. ٤٧ إنه ثالث حفاظ عصره ، العالم ، الحافظ ، الإمام ، الذي لا يكل ولا يمل من كتابة الحديث وتدوين العلم . فقد سمع ما سمعه العراقي تقريباً ، وسمع ، وكتب ، وقرأ كل ما أنتجه العراقي ، فالجو مهيأ له لأن يتجاوز العراقي نفسه . نعم هناك قدرات شخصية لا يمكن لباحث أن ينكرها ، ولكن أن يكون البون شاسعاً بين شيخ وتلميذه كما هو الحال بين العراقي وصفيه من دون تلاميذه وفيهم ابن حجر ، فهو أمر ليس بمقبول ، مع أن الصفات التي وصف بها ، والظروف العلمية التي عاشها ، ورعاية وإشراف وتوجيه وتدريب حافظ جاد ، بصير خبير ، إن هذا كله لجدير بأن يجعل منه إماماً يملأ الدنيا ويشغل الناس . ولكنني - والحق أقول ــ تعبت في البحث عن المعطيات التي تكون السلم الذي صعد عليه شيخنا حتى استحق هذا الاختيار من شيخ يحسن الاختيارات والمنافسون عليه كثر ، فأمنه على علمه والعلم دين ، وأمنه على عرضه ولا يؤتمن على العرض إلاَّ ذو خلق ودين ، وليس الخلق إلاَّ التطبيق لما جاء في کتاب الله ، وما صح عن رسول الله . بِمَ استحق هذه الألقاب والصفات ، ودون الاتصاف بها خرط القتاد ؟ وللكن كيف أقع عليها وهي غرقى في بحر شهرة العراقي الذي ابتلعها في جملة ما ابتلع . لقد عاش الهيثمي في عصر كان العراقي فيه محط الآمال ، ونهاية ما تتطلع إليه أحلام الرجال . لقد كان كما قال النابغة للنعمان بن المنذر : فَإِنَّكَ شَمْسٌ وَالْمُلُوكُ كَوَاكِبٌ إِذَا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ لقد أخملت شهرة العراقي كل شهرة ، وحالت مظلته دون تفتح براعم لو ٤٨ كانت في غير زمانه ، لعطر الكون شذاها . ولذلك فإن كثيراً من الناس أصبحوا لا يرون الهيثمي إلاَّ من خلال شيخه ، ولا يرون فيه إلاَّ ما دربه عليه سيده ، أو صنعه من أجله . نعم أفاد الهيثمي من شيخه ، وهذا أمر مجمع عليه ، ولكن السؤال الذي يتطلب الإِجابة : هل أفاد العراقي وهو الحافظ العلم من تلميذه وخادمه ، فصاحبه ، فصهره الحافظ الهيثمي ؟ ولكي نجيب على هذا السؤال لا بدَّ أن نقول : لقد ولد الهيثمي لأسرة عاشت في الظل ، على هامش الحياة ، في صحراء استقلت بعيداً عن صخب الحياة وصراع المتصارعين ، لا يزعجها عجيجهم ، ولا يكدها ضجيجهم . وقد مر بظروف مجهولة لأن أسرته ليس لها من الثراء ، أو الوجاهة الاجتماعية شيء حتى يذكرها الذاكرون ، ولم نستطع أن نعرف عنه شيئاً قبل صحبته علم الأعلام ، وحافظ الإسلام الذي عطف عليه ، وأحسن إليه . فالهيثمي إنسان نشأ فقيراً ، والفقر يقصر الخيال ، وللكنه ليس بِسُبَّةٍ تضع من أقدار الرجال ، نعم نشأ فقيراً لا يملك مالاً ، ولكن أسرته التي لا تملك من المال والمكانة الاجتماعية أو العلمية ما يلفت إليها نظر الدارسين والمؤرخين ، عرفت كيف تغرس فيه الإِخلاص ، والتضحية والوفاء ، فقد كبل الإِحسان لسانه ، والإِحسان يستعبد قلوب الأحرار من الرجال ، وجعله الوفاء ، والتضحية ، والاعتراف بالجميل يهجر الكثير مما تميل إليه النفوس وتشرئب إليه الأعناق . فهو لا ينظر إلى شيخه إلاَّ من خلال نسيج سداه التقدير والاحترام ، ولحمته الحياء لأنه رباه ورعاه ، وأرشده وأعانه ثم أمنه على كل ما لم يأتمن غيره عليه من العلم والنسب ، فكان يرى نفسه أنه جزء من شيخه ، وامتداد له . فهو له محب لأن القلوب جبلت على حبّ من أحسن إليها ، وهو له الخادم المطيع ، ٤٩ لأنه وضع القول: (( من علَّمني حرفاً كنت له عبداً)) موضع التنفيذ ، وقد نجح - رحمه الله - في هذين الأمرين أي نجاح !! ولذلك ، فإنني لا أرى للهيثمي من الاستقلال عن شيخه إلاّ بمقدار ما للغصن في الشجرة من الاستقلال عن أمه ، مع ارتباطه الأصيل بها ، واعتماده في كل حياته عليها . وكما أنه من المسلم به أن الغصن يستفيد من الشجرة ، فإنه مما لا شك فيه أيضاً أن الشجرة تستمد من أغصانها ما يفيدها في استمرار حياتها . ولذلك ، فإنني أزعم أن العراقي استفاد من الهيثمي ، وأن الهيثمي شريك للعراقي - بنسبة ما ، لا أستطيع معرفة شيء عنها الآن لقلة المصادر لدي ـ في هذا الميراث العظيم الذي تركه الحافظ العراقي . وكان من المتوقع أن يرى الناس صورة الهيثمي ، ورسوخ قدمه ، واستقلاله عن شيخه وسيده العراقي ، وأن ينثر ما في جعبته ، بعد وفاة العراقي سنة (٨٠٦هـ) ولكن يد المنون اختطفته بعد عام واحد ، فاختاره الله للقائه سنة (٨٠٧هـ) تغمَّده الله وإيانا برحمته وأسكنه وأسكننا فسيح جنته . وهكذا انتهت حياة هذا الحافظ الجليل الذي ورث من بيئته المكانية البساطة والوضوح ، فكان - رحمه الله - مثل الكتاب المفتوح تتجلّى فيه بساطة الصحراء وانكشافها . وورث من البيئة العامة تلك العزلة التي أصابت العرب آنذاك ، وللكنه حولها إلى عزلة إيجابية فقام بالبحث والدرس ، وأسهم إسهاماً مشكوراً بتقديم ما يقوِّم اعوجاج المعوجّين ، ويقف سدّاً أمام انحراف المنحرفين ، وغلوّ الغالين ، وتأويل المبطلين . وورث من أسرته الوفاء والإِخلاص ، والقدرة على التضحية ، والصبر على المكاره ، والصبر عن المشتهيات ، وحبّ العلم وأهله ، والتفاني في حبّهِم ٥٠ وخدمتهم ، فكان المثال الذي يجب أن يحتذى في هذا المجال . وأخيراً ، فإنني ما قدمت الذي قدمت غضًّا من شأن شيخنا الهيثمي ، وإنني قدمت وجهة نظري السابقة لأنني أعتقد أن تركة هذا الحافظ الذي كاد أن يكون جنديًّا مجهولاً - على جلالتها وعظيم فوائدها - ما هي إلاَّ جزء ضئيل مما كنت أرجو أن يخلفه من ميراث عمقاً ، ودقة ، وشمولاً ، وتنوعاً في أكثر من جانب من جوانب معارف العصر الذي عاشه . كما أنني ما ذهبت إلى ما قدمت تقليلاً من شأن المصنفات التي تركها ، وفيها ((مجمع الزوائد ... )) وقد شهد أئمة أعلام ، وحفاظ كبار بجلالة قدرها ، وعظيم فائدتها ، واعترفوا ببالغ الجهد الذي بذله مصنّفها في تصنيفها وترتيبها . وأما أن يظن ظان أنني أغمز جانب الحافظ العراقي ، فإني ألتمس له العذر ، وأرجو منه أن يردد ﴿ إِنَّ بَعْضَ اُلَّنِّ إِثْهٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، فإن العراقي - وكذلك صفيه الهيثمي - لا يقدم على النيل منه إلاَّ من ينكر ظهور الشمس في رابعة النهار . وإذا قصرت عبارتي عن توضيح ما أردت ، وفهم منها غير ما قصدت ، فإنني أعتذر منه ، وأعتقد أن الله تعالى ليس بسائلي عنه ، لأنه تعالى لا يكلف نفساً إلاَّ وسعها . شیوخ الھیثمي - رحمه الله - ما أشبه الشيوخ بواحة الزهر ، وما أشبه التلميذ الذي أراد الله له التوفيق بالنحلة ، ينتقل بين هؤلاء الشيوخ ويعتصر جناهم ، ويفيد من تجاربهم وخبراتهم . إن التلميذ الذي يعب في مناهل الشيوخ الذين رسخت أقدامهم في ميادين العلم ، ونضجت تجاربهم في أسواق الحياة ، واستوت خبراتهم على سوقها يختصر الزمن فيضيف أعماراً إلى عمره ، ويوسع أفقه ، ويعمق معارفه ، ويزين ٥١ بالحلم - إلى جانب العلم - نفسه ، وينقش على صفحتها عميق الحكمة ، فيصبح من الشيوخ علماً وحلماً واتزاناً وحكمة وهو في مقتبل الشباب يلون نفسه بما يعجبه من صفاتهم ، ويدرب نفسه على الرائق الصافي من أساليبهم ، ويعمق أفكاره بالغوص وراء عميق معانيهم ، ويعود نفسه الصبر على البحث والدرس وتقليب الأمر على وجوهه المختلفة قبل أن يبت القول فيه . كيف لا ، والمسألة الواحدة ينجلي غموضها بتعدد وجهات النظر إليها ، ولكثرة تناولها ترسخ واضحة في ذهنه ، وهو بالتالي يستطيع التعرف على عقليات الرجال عمقاً واتساعاً ، وعلى نفسياتهم تفلتاً والتزاماً ، وعلى سلوكهم طبيعة أو تكلفاً . وأما الإنسان الذي لا يملأ دلاءه إلاَّ من نبع واحد ، ويكتفي بشيخ يرد إليه ، ويأوي في كل نازلة تحتاج بحثاً إليه ، فإنه سيكون نسخة ثانية لهذا الشيخ ، بفارق لا يدركه الكثير من الرجال . وهذه الحقائق قد وعاها القوم وعرفوا فوائدها ومضارها ، لذلك كان الواحد منهم يعدد الشيوخ ويكثر منهم ويفخر بكثرتهم ، ومن هنا كانت المعاجم والمشيخات التي يحصي الإنسان فيها شيوخه ، مع حديث أو أكثر مما روى عنهم وتعلم من كل واحد منهم . وما صاحبنا الهيثمي إلاَّ واحد من الذي عددوا الشيوخ ثم حصروا جهدهم في مصاحبة شيخ واحد إعجاباً به واحتراماً له . وقد لزم صاحبنا (( الزينَ العراقي وهو بالغ ، ولم يفارقه سفراً ولا حضراً حتى مات ، بحيث حج معه جميع حجاته ، ورحل معه سائر رحلاته ، ورافقه في جميع مسموعاته : بمصر ، والقاهرة ، والحرمين ، وبيت المقدس ، ودمشق ، وبعْلبك ، وحلب ، وحماة ، وحمص ، وطرابلس . ولم ينفرد عنه الزين بغير ابن البابا ، والتقي السبكي ، وابن شاهد الجيش . ٥٢ كما أن صاحب الترجمة لم ينفرد عنه بغير صحيح مسلم على ابن عبد الهادي ))(١) . نقول : لقد سمع الهيثمي من سيده وشيخه الإمام الأوحد ، العلامة الحجة ، الحبر الناقد ، عمدة الأنام ، حافظ الإسلام ، فريد دهره ، ووحيد عصره ، من فاق بالحفظ والإِتقان في زمانه ، وشهد له بالتفرد في فنه أئمة عصره وأوانه زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (٧٢٥ - ٨٠٦هـ). وسمع معه بمصر والقاهرة : ١ - أحمد بن أبي بكر بن عمر بن يوسف الميدومي . ٢- محمد بن علي القطرواني . ٣- محمد بن إسماعيل بن المملوك . ٤- ابن الأكرم محمد بن عبد الله بن أبي البركات النعماني . ٥- علي بن أحمد بن عبد المحسن . ٦ - محمد بن أبي القاسم الفارقي . ٧- مظفر العطار . ٨- محمد بن محمد الرصدي . ٩ - القاضي فخر الدين بن مسكين . ١٠ - أبا الحرم القلانسي . ١١ - أبو الحسن العرضي محمد بن خليل بن محمد. ١٢ - محمد بن أحمد بن أبي الربيع الدلاصي. (١) الضوء اللامع ٢٠١/٥ . ٥٣ كما سمع معه بدمشق من الشيوخ : ١ - أحمد بن عبد الرحمن المرداوي . ٢- محمد بن إسماعيل الحموي . ٣- محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بركات المعروف بابن الخباز . ٤ - محمد بن موسى الشقراوي . ٥- عبد الله بن محمد بن إبراهيم العطار المعروف بابن قيم الضيائية . ٦- وأبي بكر بن عبد العزيز بن أحمد بن رمضان . ٧- محمد بن محمد بن عبد الغني الحراني . ٨- يحيى بن عبد الله بن مروان الفارقي . ٩ - علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي . وبحلب من الشيوخ : ١ - الإمام جمال الدين إبراهيم بن الشهاب محمود . ٢ - سليمان بن إبراهيم المطوع . ٣- عبد الله بن محمد بن المهندس . وبحماة من جماعة الشيوخ ، منهم : ١ - القاضي عبد الرحيم بن إبراهيم بن البارزي . ٢- عبد الله بن داود بن سليمان السلمي. وبحمص من : ١ - عمر بن أحمد بن عمر النقبي . ٥٤ وبطرابلس من جمع ، منهم : ١- عثمان الاعزازي . ٢ - محمد بن أبي بكر بن عباس الخابوري . وبصفد من : ١ - عمر بن حمزة بن يونس . ٢ - ست الفقهاء ابنة أحمد بن محمد العباسي. وببعلبك من خلق ، منهم : ١- أحمد بن عبد الكريم بن أبي بكر . ٢- عبد القادر بن علي بن السبع . ٣- أحمد بن علي بن الحسن بن عمرون . وبنابلس من عدد ، منهم : ١ - إبراهيم بن عبد الله بن أحمد الزيباوي . ٢ - محمد بن عثمان بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة . وببيت المقدس من جماعة ، منهم : ١ - طاهر بن أحمد . ٢ - قاسم بن سليمان الأذرعي . ٣- إبراهيم الزيباوي . ٤- الحافظ صلاح الدين العلائي . وبالخليل من عدد ، منهم : ١ - خليل بن عيسى المقرىء . ٥٥ وبغزة من جماعة ، منهم : ١ - محمد بن سالم بن عبد الناصر . ٢ - وأخوه سليمان بن سالم بن عبد الناصر. وبالإِسكندرية من جماعة ، منهم : ١ - محمد بن محمد بن أبي الليث . ٢ - ابن البوري : محمد بن أحمد بن عبد الله . وبمكة المكرمة من عدد ، منهم : ١- الإمام خليل المالكي . ٢- الفقيه أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن الحرازي . ٣- أحمد بن علي بن يوسف . وبالمدينة الشريفة من جماعة ، منهم : ١ - عبد الله بن محمد بن أحمد العفيف المطري. وهذا العدد - وهو غيض من فيض - هو الينابيع التي ارتوى منها العراقي ، وصاحبه الهيثمي تغمدهما الله برحمته ، وأسكننا وإياهم جميعاً فسيح جنته . تلامذته لا شك أن كل شيخ محطة هامة من المحطات في طريق بناء شخصية طالب العلم تترك بصماتها جلية جلاءها عميقة عمقها ، واضحة وضوحها على سطح هذه الشخصية التي تسعى إلى التكامل . فإذا ما رسخت علماً ، وطارت شهرتها في الآفاق أصبحت مقصودة بعد أن تكون قاصدة ، وَرُحْلَةً ، بعد أن كانت ترحل إلى الآخرين ، ومؤثرة في بناء ٥٦ الآخرين بعد أن تكون تأثرت بكل شيخ أخذت عنه ، ورضعت لبان المعرفة والخلق منه . والذين أخذوا عن الهيثمي وتتلمذوا عليه وأفادوا منه شيخه وولي نعمته الحافظ العراقي فقد أسمعه وسمع منه ، وأملاه واستملى منه ، وكان يشارك السامعين في السماع منه ، ويستمع معهم بالقراءة عليه أيضاً . وأزعم أنني لا أتجاوز الحق إن قلت : إن أكثر الذين حضروا العراقي ونسبوا علمهم - أو بعضه - إليه ، قد لقوا الهيثمي وأخذوا عنه . ولكن لماذا لم تذكر كتب التراجم العدد الجم الذي عنه أخذ وعليه تتلمذ ؟ نقول : إن السفيانين إمامان عظيمان جليلان ، والأوزاعي علامة الشام ، وغيرهم كثير من أصحاب المذاهب ، لم يقيض لهم الله تلامذة يدونون فقههم مبوباً في كتاب واحد ، ليأتي مَنْ بعدهم عليه شرحاً وتعليقاً ، كما حدث لأصحاب المذاهب المدونة ، فبقي علمهم ضائعاً في بطون الكتب ، وآراؤهم وفقههم موزعاً في أماكن مختلفة من الكتب العديدة في مكتبتنا الإسلامية . فهل يندرج هذا الحكم على الحافظ الهيثمي فيمكن اعتباره واحداً من هؤلاء الأئمة العظام ؟ والحق أن هذا الحكم ليس بمنطبق عليه ، لأن الأئمة الذين ذكرنا - وغيرهم مما لم نذكر كثير - صحيح أن طلابهم لم يجمعوا لهم فقههم وعلمهم في مكان واحد ، وللكنهم لم ينسوهم ، وإنَّما ذكروهم هنا وهناك ، ودونوا آراءهم مما جعل لهم حضوراً واضحاً في كثير من ميادين العلم ، ومرابع الفقه ، ومجالات المعرفة . وليس هذا حال الهيثمي لأنه - رحمه الله - كان شمعة تبدد الظلام ، ولكنها ماذا تفعل والشمس ساطعة . لقد أخملت شهرة العراقي کل مشهور ، وقضت شمس سمعته على كل شمعة ٥٧ أو كادت ، ولا شك في أن الطالب الذي يحضر مجلس شيخين لا بدَّ أن ينسب ما سمعه إلى الأشهر منهما . فالعراقي قد طبقت شهرته الآفاق ، وأصبحت الرحلة إليه ، فهو الإمام الذي قل أن يوجد له نظير ، ومَنْ مِنَ التلاميذ الذين سمعوا منهما - العراقي والهيثمي - لا يرى المفخرة في الانتساب إلى الأول منهما، والأعلم ، والأشهر ، والأحكم ... ؟ فالهيثمي قابع في محراب الزهد ، مضرب عن الشهرة ، منصرف للعبادة والعمل الجاد في الحديث ، مجانب للناس ، يتحمل الكثير من أذاهم حتى لا يدخل في حلبة صراع يمزق ستار الهدوء الذي يستر به نفسه والذي يفضله على كل مرغوب في الحياة . وأما أن الرجل ثقة ، مشهور ، متواضع ، جم المعرفة ، واسع الاطلاع ، فهلذا ينبغي أن لا يشك فيه ، ولولا أنه كذلك وفوق ذلك لما أقر صحبته العراقي ، الذي دربه على كل مفيد ، وجعله الأمين على طهوره ، واعتمد عليه في كل أموره ، وصاهره ، وأفاده واستفاد منه ، وَلَمَا تتلمذ عليه أيضاً أمير المؤمنين بلا منازع الحافظ الأول للحديث بعد العراقي : أحمد بن علي بن محمد العسقلاني ، علم الأئمة الأعلام ، وصاحب المؤلفات العظام ، والذي عطرت شهرته وعلمه الأنام ... ولما تتلمذ عليه أيضاً الحافظ الثاني في عصره ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي ، الإمام العلامة ، الحافظ ، الفريد ، ذو الفضل والذكاء ، والتواضع ، وشرف النفس ، وسلامة الباطن ، ذو الدين المتين ، وحسن الخَلْق والخُلُق ، الذي قيل فيه : قَلَّ أن ترى العيون مثله ... كما تتلمذ عليه : الشهاب البوصيري ، وعبد الرحيم الهيثمي ، وعبد العزيز الهيثمي ، وأحمد الهيثمي ، وعبد الله الهيثمي . ٥٨ أقوال العلماء فيه - قال ابن حجر في السماع الأول المثبت في آخر الجزء الثاني ، وهو ينسب هذا الكتاب إلى مؤلفه: (( تأليف شيخنا الإمام ، العلامة ، المسند ، المحدث ، الحافظ : أبي الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي - أبقاه الله تعالى -... )) . - وقال ابن حجر أيضاً في السماع الثاني المثبت في نهاية الجزء الثالث من هذا الكتاب : ((سمع ... على مؤلفه الشيخ، الإمام، العالم، المفيد ، الحافظ ، المجيد ، بركة الوقت نور الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر ... )) . - وقال ابن حجر في معجمه - نقله عنه السخاوي في (( الضوء اللامع)) ٢٠٢/٥: ((وكان خيراً، ساكناً ليناً ، سليم الفطرة ، شديد الإنكار للمنكر ، كثير الاحتمال لشيخنا وأولاده ، محبًّا للحديث وأهله ... وكان كثير الاستحضار للمتون ، يسرع الجواب بحضرة الشيخ فيعجب الشيخ ذلك ... )) . - وقال ابن حجر في ((إنباء الغمر)) ٢٥٧/٥: ((وكان هيناً، ديناً ، خيراً، محبًّا في أهل الخير ، لا يسأم ولا يضجر من خدمة الشيخ وكتابة الحديث ، سليم الفطرة، كثير الخير والاحتمال للأذى خصوصاً من جماعة الشيخ)). - وقال البرهان الحلبي: (( كان من محاسن القاهرة ، ومن أهل الخير ، غالب نهاره في اشتغال وكتابة ، مع ملازمة خدمة الشيخ في أمر وضوئه وثيابه . ولا يخاطبه إلاَّ بسيِّدي ، حتى كان في أمر خدمته كالعبد ، مع محبته للطلبة والغرباء وأهل الخير ، وكثرة الاستحضار جداً)). - وقال الفاسي: (( كان كثير الحفظ للمتون والآثار، صالحاً خيراً)). ٥٩ - وقال الأقفهسي: ((كان إماماً، عالماً، حافظاً، زاهداً ، متواضعاً ، متودداً إلى الناس ، ذا عبادة وتقشف وورع )) . - وقال السخاوي في ((الضوء اللامع)) ٢٠٢/٥: ((والثناء على دينه، وزهده، وورعه ونحو ذلك كثير جدًّا، بل هو في ذلك كلمة اتفاق)). - وقال الشوكاني في ((البدر الطالع)) ٤٤٢/١: ((وكان عجباً في الدين ، والتقوى ، والزهد ، والإقبال على العلم والعبادة وخدمة الدين ، وعدم مخالطة الناس في شيء من الأمور ، والمحبة للحديث وأهله )). - وقال الأستاذ عمر كحالة في ((معجم المؤلفين)) ٤٥/٧: ((علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي ... محدث ، حافظ ، رافق العراقي في السماع ولازمه .. )) . وقال السيد محمد بن جعفر الكتاني في (( الرسالة المستطرفة)) ص (١٢٩) مثنياً على هذا الكتاب : (( وهو من أنفع كتب الحديث ، بل لم يوجد مثله كتاب ، ولا صنف نظيره في هذا الباب)). ٦٠