Indexed OCR Text
Pages 341-360
- صاحب ابن عيينة - ثقة هو؟ قال: ما أدري، ليس لي به علم. اهـ.
وهذا غريب جداً، فإنه يبعد أن يكون مثل ابن معين يخفى عليه حال
الحميدي، وقد قال ما سبق في رواية الدوري، خاصة وأن سؤالات ابن الجنيد
له كانت بعد المائتين، وقد قدم ابن معين على ابن عيينة وسمع منه، وهذا من
کبار أصحابه، بل إنه كان مفتي مکة في زمانه - کما تقدم -. وقد اشتهر عن
الحميدي(١) - رحمه الله - منابذته لأهل الرأي، وفرحه برد الشافعي. عليهم،
بسبب مخالفتهم لبعض النصوص، والقول في بعض المسائل بآرائهم.
وهذا ليس رأيه وحده، بل جُلُّ أئمة الحديث على ذلك، فكانوا يذمون
الرأي وأهله، إلاَّ ما وافق الدليل، مع اعترافهم لهم بالفقه، والتقدم فيه.
وبسبب موقف الحميدي هذا راح بعض من حقق أحد كتبه من المعاصرين
يُتَقِّب في طيات الكتب والتراجم، علّه يجد ما يغض من مكانة هذا الإِمام، وهو
لا يتورع في سبيل ذلك عن إعطاء ما يجده حجماً مهيلاً يستطيع من خلاله
تحقيق مآربه. فقال في آخر ترجمته له: والذي لا يكتم أن ما انتهى إلينا من
شمائله وسيرته بطريق الرواة ينم عن كونه لا يملك نفسه إذا غضب، وإن جبهه
أحد بما لا يرضاه أقذع في الكلام، وأفحش في الرد عليه.
ثم استشهد على ذلك بما وقع بين محمد(٢) بن عبد الله بن عبد الحكم،
ويوسف البويطي، عندما تنازعا على مجلس الشافعي، فجاء الحميدي فقال:
قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف، وليس أحد من أصحابي
أعلم منه. فقال ابن عبد الحكم: كذبت. فقال له الحميدي: كذبت أنت وأبوك
وأمك.
(١) انظر: آداب الشافعي (ص ٤١)؛ والحلية (٩٦/٩).
(٢) انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٣٠٠، ٣٠١)؛ والسير (٦٠/١٢، ٤٩٨).
٣٤١
قال: ففي هذا ما يدلك على أنه كان قاسي اللسان - عفا الله عنه وغفر
له - .
قلت: مما لا شك فيه أن الحميدي - رحمه الله - قد تجاوز الحد بتكذيبه
لأبيه وأمه، لکن ابن عبد الحکم أظلم، فهو الذي بادر برمیه بالكذب، ولیس
مراد الحميدي تكذيب أبيه وأمه، وإنما مراده المبالغة في الرد عليه، في لحظة
غضب. ثم ذكر قصته مع بشر بن السري، عندما ذكر حديث: ((ناضرة إلى ربها
ناظرة)) فقال: ما أدري ما هذا؟ أيش هذا؟
فوثب به الحميدي، وأهل مكة، وأسمعوه كلاماً شديداً، فاعتذر بعد،
فلم يقبل منه. قال المترجم المشار إليه أعلاه: ومع هذا فلم يقبل الحميدي
منه، بل کان یقول: إنه جهمي لا يحل أن یکتب عنه.
قال: فهذا يعطيك أنه كان إذا تسخط على أحد، أو نقم منه شيئاً لم يكن
ليرضى عنه، ولو تنصل أو اعتذر، ولكن الأئمة لم يتابعوه بل رضوا عن بشر
ووثقوه، وأخرجو له، حتى إن البخاري تلميذ الحميدي أخرج له في
صحيحه. اهـ.
قلت: ولا يخلو هذا الكلام من بعض المغالطات، فإنه ليس الحميدي
وحده الذي لم يقبل اعتذاره، بل قال أحمد بن حنبل(١): وثب به الحميدي
وأهل مكة، وأسمعوه كلاماً شديداً، فاعتذر بعد. فلم يقبل منه، وزهد الناس
فيه بعد، فلما قدمت مكة المرة الثانية كان يجيء إلينا، فلا نكتب عنه، وجعل
يتلطف، فلا نكتب عنه. اهـ. فقد تبين لك أن أهل مكة، والإِمام أحمد،
وغیرهم لم يقبلوا اعتذاره، وليس الحميدي وحده، وهذا منهم على سبيل زجر
كل من تسول له نفسه الدخول في شيء من البدع، ومخالفة السلف الصالح،
وإلَّ فالرجل قد صح رجوعه عن ذلك وتوبته منه. ولم أر أحداً ممن ترجم
(١) تهذيب الكمال (١٢٤/٤).
٣٤٢
للحميدي تعرض لمثل هذا، لأنهم لا يرون مثل ذلك قادحاً فيه. فأقدم هذا المحدث
على هذا العمل المشين ليفتح للرعاع باب القدح في أئمة السنة وعلمائها، فنعوذ بالله
من الخذلان، ونعوذ بالله من عصبية مذهبية أعمت القلوب والأبصار.
المطلب الثامن
مؤلفاته
إن إماماً مثل الحميدي - رحمه الله - من المحتمل أن تكون له المؤلفات
الواسعة في فروع الشريعة، فهو محدث فقيه، لكن للأسف لم يذكر له إلاَّ النزر
اليسير، ولم يصل إلينا إلَّ يسير اليسير، فلعل الإِمام اشتغل بالتعليم والفتوى،
ولم يعر جانب التأليف اهتماماً، أو أن ما ألفه ضاع مع ما ضاع من تراثنا العلمي
العظيم. فمما ذكر لنا من مؤلفاته:
١ - المسند(١).
٢ - التفسير(٢).
٣ - الرد على النعمان(٣).
٤ - كتاب النوادر (٤).
٥ - كتاب الدلائل(٥).
(١) وهو مطبوع متداول، وسيأتي الكلام عليه.
(٢) ذكرهما ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤٠/٨): (في ترجمة محمد بن عمير
أبي بكر الطبري)، وذكر أنه رواهما عن الحميدي. والظاهر أن المردود عليه بهذا
الكتاب هو أبو حنيفة النعمان ابن ثابت - رحمه الله - إمام المذهب الحنفي.
(٣)
نفس المصدر السابق.
(٤) ذكره الحافظ في الفتح (١٤٩/١): (كتاب العلم: باب ما جاء في العلم) وفي
(١٥٥/١) (كتاب العلم: باب ما يذكر في المناولة).
(٥) ذكره إسماعيل باشا - هدية العارفين (٤٣٩/٥) -.
٣٤٣
المطلب التاسع
تلاميذه
بعد وفاة الشافعي - رحمه الله - عاد الحميدي إلى مكة، فتفرغ لنشر
الحديث، والفقه بين الناس، وتصدر الفتيا بمكة، وهي مهبط الأفئدة تهوي إليها
من كل مكان، سيما في موسم الحج. فلا شك أنه قد حمل عنه العلم أمم من
الناس، لكن لم يذكر المزي(١)، وغيره، في تلاميذه إلَّ القليل، وليس ذلك
بالمقياس الصحيح لهم، لأن اهتمام المزي، وغيره بمن روايتهم عنه في الكتب
الستة، فيحتاج جمع تلاميذه إلى تتبع كتب التراجم، وهذا من العسر بمكان.
ولم يسمع منه أحد من مصنفي الكتب الستة، سوى البخاري(٢)، وكان من
شيوخه في الفقه، والحديث(٣)، وروى له في الصحيح خمسة وسبعين
حديثاً(٤). وروى له مسلم في مقدمة صحيحه(٥)، بواسطة سلمة بن شبيب.
وكلها أقوال لسفيان بن عيينة، في الكلام على الرجال.
واعلم أن مسلماً لم يُعْرِض عن الحميدي إلاَّ بسبب طلب العلو، لأنه لم
يسمع منه، وقد سمع من غير واحد ممن يروون عن ابن عيينة، فإذا روى
الحدیث من طريق الحميدي نزل درجة.
وروى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه - في التفسير -
وقد حدث عنه: محمد بن سعد - کاتب الواقدي - ، والإمام أحمد ابن حنبل،
انظر: تهذيب الكمال (٥١٣/١٤)؛ والسير (٦١٦/١٠).
(١)
انظر: تهذيب الكمال (٥١٣/١٤)؛ والتهذيب (٢١٥/٥).
(٢)
(٣)
قاله الحافظ في الفتح (١٥/١).
(٤)
التهذيب (٢١٦/٥).
مقدمة صحيح مسلم (ص ٢٠، ٢١، ٢٣) (في أربعة مواضع ثلاثة منها في الكلام على
(٥)
جابر الجعفي، وواحد في الكلام على عمرو بن عبيد).
٣٤٤
وهما من أقرانه(١). وإليك أسماء من وقفت عليهم من الرواة عن الحميدي:
١ - إبراهيم بن صالح الشيرازي.
٢ - أبو الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري.
٣ - إسماعيل بن عبد الله الأصبهاني، سمويه.
٤ - بشر بن موسى الأسدي۔۔ وقد روى عنه المسند - .
٥ - الحارث بن محمد بن أبي أسامة(٢).
٦ - الربيع بن سليمان المرادي(٣) - صاحب الشافعي - .
٧ - سلمة بن شبيب النيسابوري.
٨ - أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي الإِمام.
٩ - عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم النسائي.
١٠ - محمد بن أحمد القرشي.
١١ - أبو بكر محمد بن إدريس بن عمر المكي، وراق الحميدي.
١٢ - أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الرازي الإِمام.
١٣ - أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، صاحب الصحيح.
١٤ - أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن يوسف السلمي، الترمذي - وقد
روی عنہ المسند _(٤).
١٥ - محمد بن عبد الرحمن الهروي.
١٦ - محمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني، نزيل المغرب.
(١) ذكر ذلك ابن نقطة - التقييد (٤١/٢).
(٢) ذكر الحافظ - في المطالب (مح) (ق ٨٦ أ) - حديثاً من مسند الحارث بن
أبي أسامة، يرويه عن الحميدي.
(٣) انظر: آداب الشافعي (ص ٣٩).
انظر: فتح الباري (١٦٩/٩).
(٤)
٣٤٥
١٧ - محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي.
١٨ - محمد بن علي بن ميمون الرقي.
١٩ - محمد بن يحيى الذهلي.
٢٠ - محمد بن يونس الكديمي.
٢١ - محمد بن يونس النسائي.
٢٢ - هارون بن عبد الله الحمال.
٢٣ - يعقوب بن سفيان الفسوي - صاحب كتاب المعرفة والتاريخ -.
٢٤ - يعقوب بن شيبة السدوسي - صاحب المسند الكبير المعلل - .
٢٥ - يوسف بن موسى القطان.
المطلب العاشر
وفاته
قال ابن سعد (١)، والبخاري(٢)، ويعقوب بن سفيان الفسوي(٣)، وابن
حبان(٤)، وابن عبد البر(٥)، وغيرهم، مات سنة تسع عشرة ومائتين.
زاد ابن سعد، وابن عبد البر: بمکة، في شهر ربيع الأول.
وقال المزي(٦) - بعد أن ذكر قول ابن سعد والبخاري - : وقال غيرهما:
مات سنة عشرين ومائتين.
(١) الطبقات (٥٠٢/٥).
(٢) التاريخ الصغير (٣١٠/٢).
(٣) المعرفة والتاريخ (٢٠٣/١).
(٤) الثقات (٣٤١/٨).
(٥) الانتقاء (ص ١٠٤).
(٦) تهذيب الكمال (٥١٥/١٤).
٣٤٦
وقال الذهبي(١): وقيل: سنة عشرين.
وقال الحافظ(٢): وقيل بعدها - يعني بعد سنة تسع عشرة ومائتين - .
ولم أجد أحداً قال ذلك، ولم يسم المزي، ولا الذهبي، ولا ابن حجر،
من قال ذلك، وأظن أن كلا منهم تابع سابقه.
والراجح لدي سقوط الخلاف في ذلك، وأن وفاته كانت كما قال عصريه
ابن سعد، وتلميذاه: البخاري، والفسوي، ومن تابعهم، ولا عبرة بقول غيرهم
إن وجد، لإِمامتهم في هذا الشأن، وتثبتهم فيه.
000
(١) السير (٦١٨/١٠).
(٢) التقريب (ص ٣٠٣).
٣٤٧
المبحث الثاني
التعريف بمسنده وأهم ما خدم به
وفيه ثمانية مطالب :
المطلب الأول : أهميته.
المطلب الثاني : الانتهاء من تصنيفه وإملائه على الناس.
: رواة المسند عنه.
المطلب الثالث
المطلب الرابع : نسخ المسند وطبعاته.
المطلب الخامس : توثيق نسبته للحُميدي.
المطلب السادس : وصف المسند.
المطلب السابع : زوائده على الكتب الستة، ومسند أحمد.
المطلب الثامن : بعض الملحوظات على مسند الحميدي المطبوع.
٣٤٩
المطلب الأول
أهميته
إن أهمية كل عمل تنبثق في الدرجة الأولى من صاحب ذلك العمل،
وحسبك بشيخ الحرم، ومفتي مكة وفقيهها، مع الإِمامة في الدين، والحفظ
المتين، والإتقان المنعدم النظير.
فلقد كان عَلَماً في نشر السنة، والذب عن حياضها، وقمع البدعة،
ووأدها في مهادها، ولذا أقبل على مجالسه أفذاذ أئمة الحديث، كالبخاري،
ويعقوب بن سفيان الفسوي، وغيرهما، بل قد ذكر أن الإِمام أحمد بن(١) حنبل،
ومحمد بن سعد - کاتب الواقدي - قد رویا عنه.
وقد كان من أخص تلاميذ ابن عيينة، فنهل من علمه، ونقل عنه ما لم
يعلمه غيره، فرصع مسنده بهذه الجواهر الثمينة، فجاء كتاب حديث، وعلل،
وفقه، وتفسیر.
كما أن يُقِيه للكبار - ابن عيينة وغيره - منحه علو الإِسناد، والقرب من
أفضل العباد - {پڼ ـ .
ومما زاد مسنده شرفاً دقة تحريه فيما ينتخب ويختار له من الأحاديث
والآثار، فأغلب أحاديثه في الصحاح والسنن.
(١) انظر: التقييد لابن نقطه (٤١/١).
٣٥١
المطلب الثاني
الانتهاء من تصنيفه وإملائه على الناس
بعد عودته من مصر جلس في ساحات بيت الله الحرام ينشر العلم بين
الناس، فقد جمع الله له الحديث والفقه معاً، فنقل عنه العلماء ما شاء الله من
ذلك. ثم إنه أراد أن يكون بعض ذلك العلم مدوناً في كتاب باسمه ليكون سبباً
في زيادة حسناته في حياته، وبعد موته، لقوله بَّر: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه
عمله إلاّ من ثلاثة: إلاَّ من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو
له)) (١).
فشرع في تنظيم هذا المسند، فلما انتهى من ترتيبه شرع في إملائه على
الناس.
قال يعقوب بن سفيان الفسوي(٢): قدمت مكة في أول شهر رمضان
- يعني: في سنة ست عشرة ومائتين - وسمعت مسند الحميدي، ابتدأ فيه في
شوال. اهـ.
ويعتبر الحميدي من أوائل من صنف المسانيد.
المطلب الثالث
رواة المسند
مما لا شك فيه أن هذا المسند - أو بعضه - قد سمعه الآلاف من طلبة
العلم الذين كانوا يتقفرون العلم في ذلك الزمان، لكن أكثرهم كان يدخل ما
سمعه منه في أثناء مصنفاته، ومجالسه الحديثية، دون الإشارة إلى أنه من مسند
(١) رواه مسلم (١٢٥٥/٣) (ح ١٦٣١)؛ وأبو داود (٣٠٠/٣) (ح ٢٨٨٠)؛ والترمذي
(٦٥١/٣) (ح ١٣٧٦)؛ والنسائي (٢٥١/٦) (ح ٣٦٥١).
(٢) المعرفة والتاريخ (٢٠٠/١).
٣٥٢
الحميدي، لأنهم تلقوه منه سماعاً، فهم يروونه كما سمعوه، ولذا تجد أن كثيراً
مما يرويه البخاري في صحيحه - مثلاً - من طريق الحميدي، هو في مسنده
بحروفه، وهكذا غيره. أما من سمع الكتاب كله ودونه على أنه مصنف
للحميدي فلم يصلنا من ذلك إلاّ رواية بشر بن موسى الأسدي البغدادي(١).
وذكر الحافظ ابن حجر ما يدل على أنه وقف على مسند الحميدي من
رواية غيره، فقد قال(٢): راجعت مسند الحميدي من طريق قاسم بن أصبغ، عن
أبي إسماعيل السلمي عنه. اهـ.
فلعل هذه الرواية، وغيرها، في نسخ لم تكتشف حتى الآن، أو تلفت مع
ما تلف .
المطلب الرابع
نسخ المسند وطبعاته
قام الشيخ المحدث حبيب الرحمن الأعظمي، بالبحث عن نسخ خطية
لهذا المسند کی یقوم بتحقیقه، فعثر على ثلاث نسخ(٣)، هي:
١ - نسخة مكتبة دار العلوم، بمدينة ديوبند بالهند، وقد كتبت هذه
النسخة في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وألف.
٢ - نسخة المكتبة السعيدية، بحيدرآباد بالهند، وقد كتبت هذه النسخة
في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وألف.
(١) انظر: ترجمته في تاريخ بغداد (٨٦/٧)، قال الخطيب: كان ثقة أميناً عاقلاً
رکیناً. اهـ.
(٢) فتح الباري (١٦٩/٩).
(٣) انظر: كلام المحقق على النسخ في المقدمة التي كتبها للمسند (٥٠/١، ٥١)؛ وتاريخ
التراث العربي لسزكين (١٨٩/١/١).
٣٥٣
٣ - نسخة مكتبة الجامعة العثمانية بحيدرآباد بالهند، وقد كتبت هذه
النسخة في سنة تسع وخمسين ومائة وألف، أو قبلها. وعدد أوراقها خمس
وثلاثون ومائة ورقة. فبدأ بتحقيق الكتاب(١)، جاعلاً الأولى - أعني: نسخة
ديوبند - أصلاً، وهي آخر النسخ الثلاث كتابة (٢).
وعندما انتهى من تحقيق بعض الكتاب وتقديمه للطبع أُرسل إليه نسخة
رابعة، وهي:
٤ - نسخة المكتبة الظاهرية(٣)، بدمشق، وهي من كتب الشيخ
أبي الحسن علي بن الحسن بن عروة الحنبلي (٤)، التي وقفها(٥)، وقد انتهى
كاتبها المدعو: أحمد بن البصير المقرىء، من كتابتها في العاشر من شعبان سنة
تسع وثمانين وست مائة(٦). وعدد أوراقها ثمان وعشرون ومائة ورقة وفي كل
(١) وكان ذلك في سنة ثمانين وثلاثمائة وألف، أو قبلها بسنة أو سنتين. انظر: مقدمته
للمسند (٥٠/١، ٧١)؛ و(٥٤٨/٢) (الحاشية).
(٢) وهذا مما يؤاخذ عليه المحقق حفظه الله، خاصة وأنه ذكر في مقدمته (٥١/١) أن نسخة
الجامعة العثمانية - مع قدمها - أصح من النسختين الأخريين. وعذره في ذلك أنه لم
یعثر عليها حتى انتهى من نسخ الكتاب.
(٣) وقد استفاد منها فيما بقي من الكتاب، وما طبع منه ألحق ما استفاده منها في آخر الجزء
الأول، وأدخل ما استطاع إدخاله في أواخر بعض التعليقات. انظر: (٥٢/١) من
المقدمة؛ و (٢/١، ١٠١، ٢٧٠) من الأصل.
(٤) انظر ترجمته في: إنباء الغمر لابن حجر (٣١٩/٨)؛ وشذرات الذهب (٢٢٢/٧) وهو
من أهل الزهد والصلاح والخير، مع اهتمامه بالعلم، مات في ثاني عشر جمادى
الآخرة من سنة سبع وثلاثين وثمانمائة.
(٥) كما هو مكتوب على ظهر الورقة الأولى من النسخة.
(٦) انظر: (ق ١٢٨ أ) من هذه النسخة وهي محفوظة في دار الكتب الظاهرية بدمشق تحت
رقم (٥٤١ حديث) وفي مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود المركزية صورة منها تحت
رقم (٢٩٢٣ ف) وعندي نسخة منها.
٣٥٤
ورقة صفحتان. وفي كل صفحة خمسة عشر سطراً. وفي كل سطر ما بين تسع
إلى ثلاث عشرة كلمة، وهي متقاربة الأسطر. وخطها متوسط ليس بالدقيق ولا
العريض. ويهمل كاتبها بعض النقاط، وبعض النبرات لا يظهر كثيراً. وكتب
العناوين بخط عريض. وعليها بعض التصحيحات، والتعليقات وليست بكثيرة.
وألحق بهوامشها بعض ما سقط، وختمه بعلامة التصحيح (صح). وكتب على
غلاف النسخة: وقفه وسائر كتبه شيخنا الإِمام العلامة الأوحد أبو الحسن
علي بن الحسين بن عروة الحنبلي، تقبل الله منه، فمن بدله بعد ما سمعه فإنما
إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم. اهـ. وتحته ختم دار الكتب الظاهرية
الأهلية بدمشق.
وفي صفحتها الثانية، والأولى التي تليها سرد لمسانيد الصحابة رضي الله
عنهم، المذكورين في المسند.
وفي الصفحة الثانية من الورقة التي تلي الغلاف ترجمة مختصرة للمؤلف،
كتب فوقها: منقول من جامع الأصول لابن الأثير.
وكتب على الورقة الأولى من النسخة اسم المسند ومؤلفه، ثم سند الرواية
لهذا المسند، الذي ينتهي إلى كاتب النسخة التي كتبت منها نسختنا. حيث قال:
سماع لكاتبه ومالكه أبي البركات بن أبي محمد بن أبي أحمد المقرىء. ثم
صورة لسماع ابن عماد، وابن تيمية، ومن معهما.
ثم سماع جماعة على ابن العماد. كتبه أحمد بن عساكر.
وكتب بالجانب الأيسر من الصفحة، باتجاه الأعلى: ابتعته من المحدث
شمس الدين بن محمد ... وكتب أحمد بن عساكر.
وفي الصفحة الثانية من الورقة الأولى ابتدأ بالبسملة، ثم ذكر سند نسخة
الأصل، وابتدأ بذكر أحاديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولم يضع لها
٣٥٥
عنواناً. ثم أعقبها بأحاديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وفي آخر المسند: أصول السنة. وهي من كلام الحميدي، يشرح معتقده
السلفي. وبآخر النسخة سماعات مصورة من نسخة الأصل. وسماعات لنفس
هذه النسخة، بخط أحمد بن يحيى بن علي بن عساكر. وهي بعد السبعمائة،
وأحدها في جامع عمرو بن العاص بمصر.
وفي الصفحتين الأخيرتين سماعات بعضها مصور، وبعضها بخط
أحمد بن عساكر.
٥ - وفي أثناء كتابة هذه الدراسة كنت أبحث في ما وصلت إليه يدي من
الفهارس، وأحاول الاتصال بالمراكز المهتمة بالمخطوطات، وقد منَّ الله عليَّ
بالعثور على نسختين غير ما تقدم.
والأولى منهما من مخطوطات دار الكتب الظاهرية بدمشق، ومنها صورة
بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، برقم (٤٦٦٥ ف). وهي أقدم من كل
النسخ السالفة الذكر، إذ كتبت في سنة ثلاث وستمائة. كتبها أحمد بن
عبد الخالق الدمشقي. وعدد أوراقها اثنتا عشرة ومائتا ورقة وعليها سماعات.
٦ - والثانية: نسخة مكتبة دار العلوم بندوة العلماء بلكنو، ومنها صورة
بالجامعة الإسلامية، برقم (٣٦٠٣ ف). كتبها أحمد أبو الخير بن عثمان ابن
علي المكي. وعدد أوراقها تسعون ورقة، في كل ورقة واحد وعشرون سطراً
ومقاسها: (٢٢ × ١٦,٥ سم) وخطها دقيق وجميل، لكن تصويرها لم يكن
جيداً. وتم نسخها في يوم الأربعاء من شهر ذي الحجة سنة ثلاث عشرة
وثلاثمائة وألف.
وكلاهما - أعني النسختين - رواية بشر بن موسى الأسدي، عن
الحميدي. وليس فيهما ذكر لمسند طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.
٣٥٦
وقد أفادني بهذه المعلومات عنهما أحد الإخوة الثقات المقيمين بالمدينة
المنورة. فجزاه الله خيراً.
* وقد انتهى المحقق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي من التعليق على
مسند الحميدي في شهر صفر سنة ثمانين وثلاثمائة وألف(١).
وقد جاء الكتاب في مجلدين، طبع الأول منهما في شعبان سنة اثنتين
وثمانين وثلاثمائة وألف، وهو من منشورات المجلس العلمي بكراتشي. وطبع
المجلد الثاني في آخر تلك السنة.
المطلب الخامس
توثيق نسبة المسند للحميدي
لا تکاد ترجمة الحمیدي عند کل من ترجم له من المتقدمين، والمتأخرین
تخلو من ذکر مسنده(٢) هذا، بل قد ذكره غير واحد من تلاميذه في أثناء کتبهم،
لمناسبة ما، ومن ذلك قول تلميذه يعقوب بن سفيان الفسوي(٣): قدمت مكة في
أول شهر رمضان، وسمعت مسند الحميدي، ابتدأ فيه في شوال. اهـ.
كما أن أكثر الأحاديث التي رواها البخاري في صحيحه من طريق
الحميدي، هي بحروفها في هذا المسند، عدا ما يقع فيها من اختصار البخاري،
کما هو معروف من منهجه(٤). وكذلك ما رواه غيره عنه.
(١) قاله المحقق. انظر: (٥٤٨/٢).
(٢) انظر: مصادر الترجمة، وأيضاً: كشف الظنون (١٦٨٢/٢)؛ والرسالة المستطرفة
(ص ٦٧).
(٣) المعرفة والتاريخ (٢٠٠/١).
(٤) انظر مثلاً: البخاري (٩/١) (ح ١)؛ وهو في المسند (١٦/١) (ح ٢٨)؛ و (١٤٦/٣)
(ح ١٢٨٠)؛ وهو في المسند (١٤٦/١) (ح ٣٠٦)؛ و(٩/ ٥٠٦) (ح ٥٣٦٢)؛ وهو في
المسند (٢٤/١) (ح ٤٣)، وغيرها كثير.
٣٥٧
وجاء في کتب بعض من تأخر عنه أحاديث من طريق بشر بن موسى،
عنه، ومن ذلك ما رواه ابن نقطة(١) في ترجمته بسنده عن بشر بن موسى عن
الحميدي، بسنده إلى عائشة رضي الله عنها، فذكر حديثاً.
ومما يؤكد - أيضاً - أن الذي بين أيدينا هو مسند الحميدي، اتصال
إسناد بعض النسخ الخطية من مالكها إلى الحميدي، بل إن نسخة دار الكتب
الظاهرية عليها سماعات سجلت بعد كتابة الأصل بسنوات، على علماء أجلاء
معروفين برواية الحديث(٢).
ويتفق ما بين أيدينا من المسند مع ما كان لدى الحافظ ابن حجر، وتلميذه
البوصيري من هذا المسند، وهما يرويان المسند بأسانيدهما التي تلتقي من
بعض طرقها مع ما بين أيدينا في أبي عبد الله محمد بن عماد بن الحسين
(٣)
الحراني(٣) .
وفي بعض طرقها في شيخه أبي الحسن سعد الله بن نصر الدجاجي(٤).
وما ذكره الحافظ ابن حجر من زوائد مسند الحميدي، في كتابه
((المطالب العالية)) وما ذكره تلميذه البوصيري - أيضاً - في كتابه: ((إتحاف
الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة)) - وجدنا ما وقع لنا منها بحروفها في
المسند .
(١) انظر: التقييد لابن نقطة (٤١/٢، ٤٢)، وهذا الحديث بنصه - عدا أحرف يسيره
سقطت من التقييد - في المسند (١/ ١٢٢) (ح ٢٥١).
(٢)
انظر: الورقة الأولى والأخيرة من هذه النسخة.
(٣) انظر: المسند (١/١)، ونسخة الظاهرية (ق١أ)؛ والمعجم المفهْرِس لابن حجر
(ص ١٠٩)؛ ومختصر الإتحاف للبوصيري (١٧١/٣ ب) وما بعدها.
(٤) انظر: ما تقدم، وأيضاً: مقدمة المطالب العالية لابن حجر (ق ١ ب).
٣٥٨
المطلب السادس
وصف المسند
وفيه النقاط التالية :
١ - أجزاء المسند :
جاء مسند الحميدي في أحد عشر جزءاً حديثياً(١)، لكن هذه التجزئة فيما
يبدو ليست من صنع المؤلف لاختلافها من نسخة لأخرى، من حيث بداية الجزء
ونهايته(٢)، بل إن كاتب النسخة الظاهرية أهمل كثيراً من ذلك، فهو لا يذكر إلاَّ
نهاية الجزء، ويذكره في الحاشية، وبعض الأجزاء لم أجده ذكر نهايتها.
٢ - ترتيب المسند :
سلك الحميدي - رحمه الله - مسلك غيره ممن ألف المسانيد، لكنه
امتاز عنهم ببعض الأمور.
(أ) فمن حيث ترتيب المسانيد فقد ابتدأ كغيره بالخلفاء الراشدين على
ترتيبهم المعروف عند أهل السنة والجماعة - أبو بكر، فعمر، فعثمان، فعليّ
رضي الله عنهم أجمعين - ثم ذكر بقية العشرة، لكن مسند طلحة بن عبيد الله
سقط من النسخ التي بين أيدينا، وقد ذكر الحافظ ابن حجر(٣)، والبوصيري(٤)،
حديثين من مسند طلحة، في الزوائد، فلا شك في سقوطه، أو أنه لم يكن في
رواية بشر بن موسى، وهذا فيه بعد، لأن كلا منهما - الحافظ وتلميذه ــ(٥) لم
(١) انظر: الرسالة المستطرفة (ص ٦٧).
(٢) انظر: ما كتبه الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في مقدمته للمسند (٦٩/١).
(٣)
المطالب العالية (ق ٦أ).
(٤) الإتحاف (١٠٣/١ ب)، كتاب الطهارة، باب الوضوء من ألبان الإبل.
(٥) انظر: أسانيد البوصيري في آخر الجزء الثالث من مختصر الإتحاف.
٣٥٩
ينبه على ذلك، ولم يذكرا في أسانيدهما طريقاً لهما غير رواية بشر بن موسى.
ثم ذكر بعدهم بعض من تقدم إسلامهم من الصحابة: فذكر ابن مسعود، ثم
أبا ذر، ثم عامر بن ربيعة، ثم عمار بن يسار، ثم صهيب، ثم بلال، ثم
خباب بن الأرت، رضي الله عنهم.
ثم ذكر أمهات المؤمنين، فبدأ بعائشة، فحفصة، فأم سلمة، فأم حبيبة
بنت أبي سفيان، فزينب بنت جحش، فميمونة بنت الحارث، فجويرية بنت
الحارث، ولم یذکر باقي أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.
ثم ذكر بقية النساء، وقد ذكر فيه خمساً وعشرين امرأة.
ثم ذكر أحاديث رجال الأنصار: فذكر معاذ بن جبل، ثم أُبي بن كعب،
ثم أبا أيوب الأنصاري، وذكر بعدهم خمسة عشر رجلاً من رجال الأنصار.
ثم ذكر من تأخر إسلامهم، وصغار الصحابة، فبدأ ببني عبد المطلب:
العباس فابنه الفضل، فابن عباس - أعني عبد الله -، فعبد الله بن جعفر بن
أبي طالب. فأسامة بن زيد مولى رسول الله وَ لفي، ثم أبا رافع مولى
رسول الله وَر، ثم حكيم بن حزام، ثم جبير بن مطعم، ثم ذكر سبعة ومائة
صحابي.
* عدد الصحابة المذكورين في المسند :
وبهذا يكون قد ذكر في مسنده تسعة وأربعين ومائة رجل، واثنتين وثلاثين
امرأة، من الصحابة رضي الله عنهم.
بينما بلغ عدد المذكورين في مسند أحمد بن حنبل، من الرجال والنساء،
والمبهمين خمسة عشر وتسعمائة(١).
(١) انظر: فهرس الألباني، المطبوع في بداية الجزء الأول من المسند، طبعة المكتب
الإسلامي.
٣٦٠