Indexed OCR Text

Pages 301-320

وعشرين ومائتين فيها وَتَب قوم يوم الجمعة لثلاث ليال بقين من شهر ربيع الأول
في مسجد الرصافة على رجلين من الجهمية فضربوهما وأذلُّوهما، ثم مضوا إلى
مسجد شُعَيْب بن سهل القاضي(١) يريدون مَحْو كتاب كان كتبه على مسجده
يذكر فيه أنّ القرآن مخلوق، فأشرف عليهم خادم لِشُعَيْب، فرماهم بالتُّشَّاب(٢)،
فوثبوا فأَخْرقوا باب شعيب، وانتهب ناس منزله، وأرادوا نفسه، فهرب منهم،
وهو أوّل قاض حُرِق بابه، وانْتُهِب منزله فيما بلغنا، وكان يقول قَوْل جَهْم،
مُبْغِضاً لأهل السنة، مُتَحامِلا عليهم، مُنْتَقِصاً لهم، لا يقبل لأحد منهم صَرْفاً (٣)
ولا عَدْلاً(٤).
فهذا يدلّ على أنّ الحارث كان على مُعتَقَد أهل السنة، كارهاً للجهمية،
رافِضاً القول بِخَلْق القرآن.
المطلب السابع
شُبُوخه
تَلَفَّى الحارث - رحمه الله - العلم، وطَلَب السماع على عدد كبير من
علماء عَصْره، وقد تَنَوّعت علومهم، وتَعدَّدت معارفهم، ومنهم من عُرِفت
مكانتهم وجلالتهم، كلّ ذلك كان له الأثر في تكوين شخصية الحارث، وجَمْعه
لِقَدْر كبير من المعارف والعلوم، يظهر ذلك جليًا إذا أمعنا النظر في شخصيات
(١) هو شعيب بن سهل بن كثير، أبو صالح الرازي، وَلِي قضاء الرصافة، وكان يرى رَأْي
جهم، مات سنة ست وأربعين ومائتين، انظر: تاريخ بغداد (٢٤٣/٩)؛ والميزان
(٢٧٦/٢).
(٢) النُّشَّاب: النَّبْل، واحدته نُشَّابة. المعجم الوسيط (٩٢١/٢).
(٣) قال ابن الأثير في النهاية (٢٤/٣): [الصَّرْف: التوبة، وقيل النافلة. والعَدْل: الفِذْية،
وقیل الفريضة].
(٤) تاريخ بغداد (٢٤٣/٩).
٣٠١

شيوخه، واختصاصاتهم مِمّا يؤكد أنّ الحارث أَوْلى الطلب والسماع على
الشيوخ عناية خاصة، وَاضِعا نصب عينيه، الحرص على التلقّي عن مشايخ في
مختلف العلوم.
وقد جمع الدكتور حسين الباكري في مقدّمة تحقيقه لـ ((بغية الباحث))(١)
شيوخ الحارث، ومِنْ عدد كبير من المصادر والمراجع، فكان عددهم (١٣٩)
شَيْخاً، ولا شك أنهم أكثر من ذلك، ممّا يعطي تصوّرا عن شخصيته العلمية،
التي كان من عوامل إثْرائها تعدّد شيوخه، وتنوع معارفهم.
ومن أشهرهم(٢):
- أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي. المُتوفّى سنة
(٢٢٧هـ).
- إسحاق بن عيسى بن نجيح الطَّبَّاع. تُؤُنِّي سنة (٢١٤هـ).
- الحسن بن موسى الأشْيَب. مات سنة (٢٠٩هـ).
- رَوْح بن عُبَادة القيسي. المُتوفّى سنة (٢٠٥هـ).
- زهير بن حرب بن شداد أبو خيثمة. المُتوفّى سنة (٢٣٤هـ).
- عبد الله بن عون بن أبي عون الهلالي. المُتوفّى سنة (٢٣٢هـ).
- عُبَيْد الله بن موسى العَبْسي. المُتوفّى سنة (٢١٣هـ).
- الفَضْل بن دُكَيْن، أبو نُعَيْم. المُتوفّى سنة (٢١٨هـ).
- القاسم بن سلام، أبو عبيد. المُتوفّى سنة (٢٢٤هـ).
(١) انظر: (٣٠/١ - ٣٧) فثمّ مسرد لشيوخه. ونَظَراً لاسْتِيفائه لهم، لم أر حاجة إلى إعادة
ذِكْرهم هنا، مُكْتَقِيا بهذه الإِشارة، ومُحِيلاً إلى هذا المَوْطن لمن شاء الاستزادة، وقد
ذَكَّرْت عَدَداً مِنْ أَشْهَرِهم.
(٢) ما ذَكَرْته من الشيوخ مُتَرْجم لهم أثناء الرسالة، ولذا لم أذكر لهم مصادر ترجمة مُحِيلاً
الفهرس الأعلام لمعرفة موضع ترجمة كلّ منهم.
٣٠٢

- محمد بن عبد الله بن الزبير، أبو أحمد الزُّبَيْرِي. المُتوفّى سنة
(٢٠٣هـ).
المطلب الثامن
تلامیذه والآخذون عنه
إذا كان الحارث - رحمه الله - قد حرص على إثراء فِكْره، وتکوین
حصيلة علمية غنية، فإنّ من نتائج ذلك أنْ اسْتَقْطب أنظار التلاميذ الذين يَبْحثون
عَمّن يُفِيدهم من الشيوخ، فوجدوا بُغْيَتَهم في الحارث، فتتابعوا في الأخذ عنه،
وقد كان منهم كثير من كبار المُحدِّثين وأعلام الحُفَّاظ الذين تَنَوّعت بلدانهم،
وكانوا ذَوِي مَنْزلة عالية، ومكانة مَرْموقة.
وقد عدّ الدكتور الباكري في مُقدّمته لتحقيق ((بغية الباحث))(١) تلاميذه،
والآخذين عنه، فكان عددهم يَرْبو على المائة، على اختلاف أماكنهم، وتنوّع
بلدانهم، وتفاوت منازلهم، وفيهم من المشاهير المعروفين.
وفيما يلي ترجمة لثلاثة من المعروفين منهم :
١ - الشيخ، الإِمام، الحافظ، العلّامة إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم،
أبو إسحاق البغدادي(٢) الحربي. وُلِد سنة (١٩٨ هـ) (٣). طَلَب العلم وسمع
سُرَيْج بن النعمان، وأبا عبيدة مَعْمر بن المُثنّى، وعبد الله بن صالح العجلي
وغيرهم.
(١) انظر: (٣٨/١ - ٤٤) وعليه فلم أذكرهم هنا، مُحِيلا إلى هذا المَوْطن، واكتفيت
بالترجمة لثلاثة منهم.
(٢) انظر في ترجمته: تاريخ بغداد (٢٨/٦)؛ واللباب (٣٥٥/١)؛ وتذكرة الحفاظ
(٥٨٤/٢)؛ وسِيَر أعلام النبلاء (٣٥٦/١٣)؛ وشَذَرات الذهب (١٩٠/٢).
(٣) السير (٣٥٦/١٣).
٣٠٣

وعنه عبد الله بن أبي داود السجستاني، وأبو بكر أحمد بن
جعفر القَطِيعي، وأحمد بن سلمان النَّجَّاد، وغيرهم. قال الخطيب
البغدادي: كان إماماً في العِلْم، رَأْساً في الزهد، عارفاً بالفقه، بصيراً
بالأحكام، حافظاً للحديث، مُمَيِّزاً لِعِلَلهِ، قيّماً بالأدب، جمّاعة
للّغة(١).
وقال الدارقطني: كان يُقاس بأحمد بن حنبل في زُهْده وعِلْمِه
وَوَرَعه(٢).
وقال الذهبي يصفه: الشيخ، الإِمام، الحافظ، العلامة، شيخ
الإِسلام(٣).
تُوفِّي - رحمه الله - سنة (٢٨٥هـ) (٤).
٢ - الإمام، الحافظ عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس
القرشي مولاهم، البغدادي، المعروف بابن أبي الدنيا (٥). صاحب التصانيف
المتعدّدة .
وُلد سنة ثمان ومائتين(٦). وسمع من عليّ بن الجعد، وخالد بن خداش،
والحارث وخَلْق کثیر.
(١) تاريخ بغداد (٢٨/٦).
(٢)
تذكرة الحفاظ (٥٨٥/٢).
(٣)
السير (٣٥٦/١٣).
(٤) المصدر السابق (٣٧٠/١٣).
(٥) انظر في ترجمته: الجرح والتعديل (١٦٣/٥)؛ وتاريخ بغداد (٨٩/١٠)؛ وتهذيب
الكمال (٢/ ق ٧٣٦)؛ وتذكرة الحفاظ (٦٧٧/٢)؛ والسير (٣٩٧/١٣)؛ وتهذيب
التهذيب (١٢/٦)؛ والتقريب (٣٥٩١:٣٢١).
(٦) السير (٤٠١/١٣).
٣٠٤

وعنه ابن أبي حاتم، وأبو أحمد بن سلمان النجاد، وأبو بكر محمد بن
عبد الله الشافعي وخلق غيرهم کثیر.
طلب العلم، ورحل، وصنّ التصانيف الكثيرة، وعدّ له الذهبي(١) أكثر
من (١٦٠ مصنفاً).
قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي وقال أبي: هو صدوق(٢).
وقال الخطيب: كان يُؤَدِّب غير واحد من أولاد الخُلَفاءِ(٣).
وقال ابن حَجَر: صدوق حافظ (٤).
تُوفِّي رحمه الله سنة (٢٨١هـ) (٥).
٣ - الإِمام، الحافظ قاسم بن أَصْبَغ بن محمد بن يوسف البَيَّاني،
أبو محمد القرطبي المالكي(٦). وُلِد سنة (٢٤٧هـ)(٧).
سمع بقي بن مخلد، ومحمد بن وَضّاح، والحارث وغيرهم. وعنه
حفيده قاسم بن محمد، وعبد الله بن محمد الباجي، وعبد الوارث بن سفيان
وغيرهم.
قال ابن فرحون: كان ثَبْتاً صادقاً بَصِيراً في الحديث والرجال.
(١) المصدر السابق (٤٠١/١٣ - ٤٠٤).
(٢) الجرح والتعديل (١٦٣/٥).
(٣)
تاريخ بغداد (٨٩/١٠).
(٤)
التقریب (٣٥٩١/٣٢١).
(٥) تهذيب التهذيب (١٣/٦).
(٦) انظر في ترجمته: الديباج المذهب (٢٢٢/٢)؛ وتذكرة الحفاظ (٨٥٣/٣)؛ وسِيَر
أعلام النبلاء (٤٧٢/١٥)؛ ولسان الميزان (٤٥٨/٤)؛ وشذرات الذهب (٣٥٧/٢).
(٧) السير (٤٧٣/١٥).
٣٠٥

وقال الذهبي: الحافظ، العلّامة، مُحدِّث الأندلس، صَنّف سُنَناً على
وَضْع سنن أبي داود، وصحيحاً على هيئة صحيح مسلم ... ثم ذَكَر كتبا
أخرى(١).
وقال: انتهى إليه عُلوّ الإِسناد بالأندلس مع الحفظ والإِتقان، وبراعة
العربية، والتقدّم في الفَتْوى والحُرْمة التامة والجلالة(٢).
قال ابن العماد: ثقة انْتَهى إليه التقدّم في الحديث معرفة وحِفْظاً
وعُلوّ إسْناد، رحل سنة (٢٧٤ هـ) فسمع بمكة وبغداد والكوفة، عاش
(٦٣ سنة)(٣). تُوفِّ - رحمه الله - في جُمَادَى الأولى سنة (٣٤٠هـ) (٤).
المطلب التاسع
مُؤَلَّفَاته
لقد شهد العلماء للحارث، بالعلم، ومعرفة الأحاديث، ورواية الأخبار،
فقال عنه الذهبي: ((كان حافظاً عارفاً بالحديث عالي الإِسناد))(٥).
وقال الحافظ ابن حَجَر: ((ثقة راوية للأخبار، كثير الحديث))(٦).
وذلك أنّه - رحمه الله - اهتمّ بالحديث، والتاريخ، وأَوْلى الأخبار عناية
خاصّة حتى أَلَّف كتاباً في ذلك. اسْتَفاد من ذلك الكِتَابِ الأَئِمَّةُ الذين أَلَّفُوا في
(١) السير (٤٧٣/١٥).
(٢) المصدر السابق.
(٣)
شذرات الذهب (٣٥٧/٢).
(٤) السير (٤٧٤/١٥).
(٥) المصدر السابق (٣٨٨/١٣).
(٦) لسان الميزان (١٥٧/٢).
٣٠٦

التاريخ والسِّيَّر كالطبري(١) في ((تاريخ الرسل والملوك)). والتفسير. والخطيب
البغدادي(٢) في ((تاريخ بغداد)) وأبي الفرج الأصبهاني(٣) في كتابه ((الأغاني))
والحاكم(٤) في ((المُسْتَدْرك)) والبيهقي(٥) في سننه، وأبي نُعَيْم(٦) في الحلية ...
(١) هو الإمام محمد بن جَرِير أبو جعفر الطبري، وُلِد سنة (٢٢٤هـ)، وطلب العلم وأكثر
الترحال، ولَقِي نبلاء الرجال، وصَنّف التصانيف البديعة. وتُوفِّي في شوال سنة
(٣١٠ هـ). انظر: تاريخ بغداد (١٦٢/٢)؛ وتهذيب الأسماء واللغات (٧٨/١)؛
والسير (١٤/ ٢٦٧).
(٢) هو الإمام، العلامة أبو بكر أحمد بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي. ولد
سنة (٣٩٢هـ)، طلب العلم وهو صغير، وارتحل في ذلك، وكَتَب الكثير وجمع
وصنّف وصحّح، وعلّل وجَرّح، وعدّل وأرّخ، وصار أحفظ أهل عصره، تُوفِّي سنة
(٤٦٣ هـ). انظر: الأنساب (١٥١/٥)؛ والسير (٢٧٠/١٨)؛ وشذرات الذهب
(٣١١/٣).
(٣) هو أبو الفرج، علي بن الحسين بن محمد القرشي، الأموي، الأصبهاني. ولد سنة
(٢٨٤هـ) وصنف كُتُباً عدّة منها ((الأغاني))، وكان بصيراً بالأنساب وأيّام العرب، إلاّ أنّه
كان شيعياً. مات سنة (٣٥٦هـ). انظر: تاريخ بغداد (٣٩٨/١١)؛ والسير
(١٦/ ٢٠١).
(٤) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حَمْدُويه، الحاكم، العلامة، أبو عبد الله ابن البيّع،
الضَّبيِّ النيسابوري، صاحب التصانيف، ومنها ((المستدرك)) وُلِد سنة (٣٢١هـ) وتُوفِّيَ
سنة (٤٠٥ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٤٧٣/٥)؛ والتقييد (٦٤/١)؛ والسير
(١٧ / ١٦٢).
(٥) هو أبو بكر أحمد بن الحسين بن عليّ بن موسى، الخراساني، مُصَنِّف ((السنن الكبرى))
وغيرها من المُصنَّفات، ولد سنة (٣٨٤هـ)، وتُوفِّي سنة (٤٥٨هـ) انظر: التقييد
(١٤٧/١)؛ والسير (١٦٣/١٨).
(٦) هو أبو نُعَيْم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مِهْران، الإمام،
الحافظ، صاحب المُصنَّفات الواسعة. وُلِد سنة (٣٣٦هـ)، وتُوفِّي سنة (٤٣٠هـ).
انظر: السير (٤٥٣/١٧)؛ ولسان الميزان (٢٠١/١).
٣٠٧

وغيرهم. وعليه فُتِبْت النقول أنّ له كتاباً في التاريخ ... وفيما يلي توضيح
موجز عنه.
كتاب «أخبار الخلفاء))(١).
الحارث كتاب في التاريخ أسماه ((الخلفاء)) أو ((أخبار الخلفاء)) والغالب
أنّه رَتّبه على السنين(٢)، تناول فيه شيئاً من أخبار الأنبياء والصحابة - كأبي بكر
وعمر وعثمان، ومن الأمراء: الحجّاج بن يوسف الثقفي، وبعض ما حصل في
عهد كل منهم من أحداث، وتناول أيضاً معظم الخلفاء العباسيين، وحاشيتهم
ومُقرّبیھم، وُعمّالهم.
كما تناول شيئاً عن بناء بغداد، وتواريخ وَفَيات وأخبار العلماء والقضاة،
والأمراء، والوزراء، والقادة، والكُتَّاب، والأدباء، والشعراء(٣).
وللحارث كتاب آخر وهو («المسند» وسيأتي تفصيل عنه في المبحث الثاني
من هذا الفصل - إن شاء الله تعالى - .
هذا ما تُفِيده النقول عن مؤلفات الحارث، ولا تذكر له شيئاً آخر غير
مذین الکتابین.
(١) انظر: تفاصيل عن كتاب ((التاريخ)) هذا في مقدّمة مُحقّق ((بغية الباحث عن زوائد مسند
الحارث)) ففيه دراسة وافية مُسْتَفِيضة، عن هذا الكتاب، ومحتواه، ومدى إسْتِفادة
الأئِمّة، وعليه فقد اكتفيت هنا بالبيان المُوجز مُحِيلا إلى تلك الدراسة.
(٢) انظر: مقدمة المُحقِّق لـ ((بغية الباحث)) (٦٠/١).
(٣) المصدر السابق (من ص ٤٧ - ص ٦٠).
٣٠٨

المطلب العاشر
وفاته
اختلف في تحديد سنة وفاته على قولين:
الأول: أنّه تُوفِّي ليلة عرفة، ودُفِن ضَخْوة النهار في سنة اثنتين وثمانين
ومائتین. قاله أحمد بن كامل(١).
الثاني: أنّه تُوقِّي سنة تسع وسبعين ومائتين. ذكره أبو العباس النباتي(٢).
قال الحافظ ابن حَجَر (٣): والأول هو الصحيح، فإنّه وُلِد في سنة
ست وثمانين ومائه، وقال أحمد بن كامل صاحبه: عاش ستا وتسعين. اهـ.
رحم الله الإمام الحارث، وغفر له.
00
(١) تاريخ بغداد (٢١٩/٨).
(٢) لسان الميزان (١٥٨/٢).
(٣) المصدر السابق.
٣٠٩

المبحث الثاني
مُسْنَد الحارث بن أبي أسامة
تُثْبِت المصادر أنّ للحارث - رحمه الله - مُسْتَداً، ذكر ذلك أكثر الذين
ترجموا له كابن نقطة (١)، والذهبي(٢)، وابن العِماد(٣)، والسيوطي(٤) بل إنّ
أكبر دليل على ذلك، اسْتخراج الحافظ ابن حَجَر لزوائد مسند الحارث في هذا
الكتاب - أعني المطالب - ومثله البوصيري في («إتحاف الخِيَرَة المَهرة بزوائد
المسانيد العشرة))، والأمر أكبر مِنْ أَنْ يُشَكَّك في إثبات مسند للحارث.
والذي يَظْهر أنّ هذا المسند كبير، يَدُلّك على ذلك أَني تَتَبَّعت زوائده في
كتاب ((المطالب)) فوجدتها تربو على (٦٠٠ نصّ)، وهي في ((بغية الباحث عن
زوائد الحارث)» تزيد على (١١٥٠ نصاً)(٥) .
(١) انظر: التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد (٣١٧/١).
(٢) انظر: تذكرة الحفاظ (٦١٩/٢)؛ والعِبَر في خَبْر مَنْ غَر (٦٨/٢)؛ وسِيَر أعلام النبلاء
(٣٨٨/١٣).
(٣)
انظر: شَذَرات الذهب (١٧٨/٢).
انظر: طبقات الحفاظ (ص ٢٧٢).
(٤)
(٥) سبب هذا التفاوت يُفَسَّر إذا وضعنا في الحسبان أنّ ابن حَجَر ذكر في المطالب الزوائد
على الكتب الستة ومسند أحمد، أمّا الهيثمي فاعْتَبَر الزوائد على الكتب الستة فقط.
٣١٠

وفيما يلي دراسة موجزة(١) عن هذا المسند وفق الأمور التالية:
المطلب الأول
ترتيبه
لم يَسْلك الحارث - رحمه الله - في كتابه هذا ترتيباً مُعَيَّناً، وبذلك وَصَفه
ابن حَجَر فقال: ((مسند الحارث بن أبي أسامة وهو غير مُرَتَّب))(٢).
والحارث لم يسلك فيه الترتيب على الصحابة، بل يأتي إلى بعض شيوخه
كيزيد بن هارون مثلاً، فيذكر له عِدّة أحاديث عن عدد من الصحابة، ثم يُتْبِعه
بشيخ آخر وهكذا ... ويبدو من ذلك أنّ هذه طريقته في المسند(٣).
المطلب الثاني
شرطه في الکتاب
الذي يَظهْر من دراسة أحاديث مسند الحارث في القسم الذي أقوم بتحقيقه
أنّه ليس للحارث شرط في مسنده خرّج الأحاديث بناء عليه، فلم يشترط في
كتابه الصحة، أو الحُسْن، أو الرواية عن الثقات، بل نجده يروي عن الثقات،
والضعفاء، والضعفاء جداً، بل والكذابين كداود بن المُحبَّر.
(١) سَلَكْت طريق الإِيجاز، نَظَراً للدراسة التفصيلية المُسْتَفِيضة التي قام بها الأخ: حسين
أحمد الباكري في مقدّمته لتحقيق كتاب ((بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث)) وهو
كتاب تقدّم به الطالب لنيل درجة العالمية العالمية (الدكتوراه)، من الجامعة الإسلامية
بالمدينة المنورة.
(٢) المعجم المفهرس (ق ٣٩٤).
(٣) نقلا عن مقدّمة مُحقّق ((بغية الباحث)) والذي وَصَف الترتيب بهذا الوصف بناء على
ما وجده من مسند الحارث: وهو الجزء الثاني من ((مسند المشايخ)) وبقية المسند
مفقود. ومِمّن سلك هذا المسلك في الترتيب ابن عبد البَرّ في ترتيبه للتمهيد ...
فتأمّل.
٣١١

ومن خلال القسم الذي أقوم بتحقيقه أَحْصَيْت النصوص التي من مسند
الحارث فكانت (٢٨ نصاً) درجاتها حسب الإحصائية التالية:
حدیث واحد(١).
الصحيح :
أربعة أحاديث(٢).
الحَسَن:
(١٠) أحاديث(٣).
الضعيف :
الضعيف جداً:
(١٢) حديثاً (٤).
الموضوع:
حدیث واحد (٥)
٠
هذا في القسم الذي أقوم بتحقيقه، أَضِف إلى ذلك بقيّة الكتاب فإنّ فيه
ما جاء في فضل العقل، ضمّنه الحارث كتاب العقل الذي وَضَعه داود بن
المُحبَّر.
ومن الدراسة التي قُمْت بها حيث جَمَعْت النصوص التي أخرجها الحارث
في مسنده، وضمّنها ابن حَجَر كتاب ((المطالب)) وجدتها تربو على (٦٠٠ نص)
- كما تقدّم ــ ومنها يَتَبَيّن أنّه أكثر في الرواية عن الضعفاء، والمتروكين،
والكذّابين، كداود بن المُحبَّر وهو كذاب فإنه روى عنه (٤٩ حديثاً)،
ومحمد بن عمر الواقدي وهو متروك، روى عنه (٦١ حديثاً)، وعبد العزيز بن
أبان وهو متروك، روى عنه (٤١ حديثاً)، وعبد الرحيم بن واقد وهو ضعيف،
(١) انظر في القسم المُحقّق: الحديث رقم (٧١٩) [٢].
(٢) انظر من القسم المُحقّق: الحديث رقم (٧٥٢ و ٧٦٢) [٢] و٨٠١ و٨٣٢.
(٣) انظر من القسم المُحقّق: الحديث رقم (٧٣٨) [١] و٨٧١ [٢] و٨٧٤ [٢] و ٩٠٦
و ٩١٦ و ٩٣٨ و ٩٤١ و ٩٤٢ و٩٥٥ و ٩٥٦.
(٤) انظر في القسم المُحقّق: الحديث رقم (٧٥٨ - ٧٧٤ - ٨٠٩ - ٨٢٦ - ٨٢٧ -
٨٤٨ - ٨٦١ - ٨٩١ _ ٨٩٤ _ ٩١٨ - ٩٢٤ _ ٩٣٦).
(٥) رقم (٧١٥) وكرّره حسب الأبواب. انظر: الفهارس.
٣١٢

روى عنه (٢١ حديثاً)، والحسن بن قُتَيْبة وهو متروك، روى عنه (١١ حديثاً)،
والعَبّاس بن الفَضْل وهو ضعيف جداً، روى عنه (١١ حديثاً)، والخليل بن
زکریا وهو متروك، روى عنه (١٨ حديثاً).
وفي مسنده: المرفوع المُتَّصِل، والمرفوع المُنْقَطِع، وكذا الموقوف،
والمقطوع، ولم يتعرّض في مسنده للحكم على الأحاديث، ولم يتعقَّب أسانيدها
بالحكم على رجالها توثيقاً أو تجريحاً، كما يفعل البَزّار.
المطلب الثالث
علوّ أسانيده ونزولها
يُلاحظ أنه حصل للحارث عُلوّ في بعض أسانيده في مسنده فقد استخرج
أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلّد جزءاً(١) جَمَع فيه عوالي مسند الحارث
ومجموع أحاديثه: (٥٣ حديثاً) وهي ثُلاَثِيَّة بالنسبة للحارث.
واسْتَخْرج أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي رباعياته من مسند الحارث
في الأسانيد الرباعيات(٢) وهي من الأحاديث الثلاثية بالنسبة للحارث أيضاً.
المطلب الرابع
موارده
نَظَراً لكثرة شيوخ الحارث، وتَنَوّع علومهم ومعارفهم من ناحية، ولكونه
عاش في القرن الثالث الهجري، وكانت المُصنَّفات في الحديث قد ظهرت من
(١) مخطوط بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تحت رقم (٥٤٤) حديث من
(ق ٨ - ٢٢) وانظر: رواة هذا الجزء في مقدّمة مُحقِّق ((بغية الباحث)) (١٤٤/١).
(٢) مخطوط بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ضمن مجموع رقم (٢٠٠) من
(ق ١٥٨ - ١٩٠)، ومجموع رقم (٢٤٥). وانظر: مقدّمة مُحقِّق بغية الباحث
(١٤٥/١).
٣١٣

ناحية أخرى، فقد تعدّدت موارده، واستقى من عدد كبير منها في مسنده سواء
كان ذلك بروايته عنهم مباشرة، أو بواسطة واحدة أو أكثر على أنّ الحارث
- رحمه الله - لم يُصرِّح بأسماء المُصنَّفات التي اقتبس منها بل يكتفي بسياق
سنده إلى أصحاب تلك المُصنَّفات فيروي الحديث من طريقها(١).
المطلب الخامس
اهْتمام الأئمّة به
اهتمّ المُحدِّثون بمسند الحارث سواء كان ذلك بسماعه وروايته،
أو بالاقتباس منه، أو پانتخاب عواليه وزوائده.
أمّا الاهتمام بسماعه وروايته، فيظهر إذا عَلِمنا تتابع المُحدِّثين في تداوله
وحرصهم على سماعه وروايته.
فقد رواه عن الحارث: أبو بكر بن خلّد(٢)، والقاسم بن أَصْبغ.
ورواه عن أبي بكر بن خلاد:
أبو نعيم الأصبهاني، ورواه عنه: غانم بن أبي نصر (٣)، وعنه: الحافظ
(١) نظراً للدراسة المُتخصّصة التي قام بها الأخ حسين الباكري في مقدّمته لتحقيق ابغية
الباحث)) والتي تكلّم فيها بشرح مستفيض عن موارد الحارث في مسنده حتّى أوصل
أسماء المؤلفين الذين استفاد منهم الحارث في مسنده إلى ما يزيد عن (٤٠) مؤلفاً نظراً
لذلك لم أر حاجة لإعادة ذِكرْ موارده مكتفياً بهذه الإشارة لتلك الدراسة ... والله
الموفق.
(٢) هو أحمد بن يوسف بن أحمد بن خلّد أبو بكر العطار، أصله من نصيبين، وثقّه
أبو نعيم، وقال الخطيب: كان لا يَعْرِف من العلم شيئاً غير أنّ سماعه كان صحيحاً.
تُوفِّيَ سنة (٣٥٩هـ). انظر: تاريخ بغداد (٢٢٠/٥).
(٣) هو غانم بن أبي نصر محمد بن عبد الله بن أيوب الخرقي. تُوفّ سنة (٥١١هـ).
انظر: التقييد لمعرفة الرواة والسنن والمسانيد (٢١٦/٢).
٣١٤

أبو موسى محمد بن عمر الأصبهاني(١) .
ورواه عن أبي نعيم أيضاً: أحمد بن محمد الأصبهاني(٢)، وعثمان بن
أبي بكر السفاقسي(٣)، وأبو عليّ الحدّاد(٤)، ورواه عن أبي عليّ كل من:
حبيب بن إبراهيم(٥)، والخليل بن أبي الرجاء(٦).
ورواه عن القاسم بن أصبغ:
أحمد بن قاسم التميمي التاهرتي (٧)، ورواه عنه: أبو حفص
الزهراوي(٨)، وعن أبي حفص رواه: أبو محمد بن
.
(١) هو الحافظ أبو موسى محمد بن عمر الأصبهاني المديني. أحد الحُفَّاظ المُتْقِنِين. تُوفِّي
سنة (٥٨١هـ). انظر: التقييد لمعرفة الرواة والسنن والمسانيد (٧٨/١).
(٢) هو أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بن مردويه، أبو بكر الأصبهاني. كان ثقة نبيلاً.
تُوفِّي سنة (٤٩٨ هـ). انظر: التقييد (١٩٨/١)؛ وشذرات الذهب (٤٠٨/٣).
هو أبو عمرو عثمان بن أبي بكر حمود السفاقسي المعروف بابن الضابط، مُحدِّث حافظ،
(٣)
واسع الرواية. تُوفِّي سنة (٤٤٤ هـ). انظر: الديباج المذهب لابن فرحون (٨٥/٢).
(٤) هو الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد أبو عليّ الحدّاد، الأصبهاني المقرىء،
كان شيخاً، عالماً، ثقة، صدوقاً، تُوفِّي سنة (٥١٥هـ). انظر: التقييد (٢٨٤/١).
(٥) هو حبيب بن إبراهيم بن عبد الله بن يعقوب الصوفي الأصبهاني، أبو رشيد. انظر:
التقييد (٣٠٩/١).
(٦) هو الخليل بن أبي الرجاء بدر بن ثابت بن روح، أبو سعيد الرّاراني، الأصبهاني، إمام،
حافظ. تُوفِي سنة (٥٩٦هـ). انظر: التقييد (٣٢٠/١)؛ وشذرات الذهب (٣٢٣/٤).
(٧) هو أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن بن محمد التميمي التاهرتي، البزار، أبو الفضل كان
ثقة فاضلاً، تُوفِّي سنة (٣٩٦هـ). انظر: فهرسة ما رواه عن شيوخه من الدواوين لابن
خير الأشبيلي (ص ١٤١).
(٨) هو عمر بن عُبَيْد الله بن يوسف بن عبد الله بن يحيى بن حامد الذهلي يُكنّ بأبي حفص،
ويعرف بالزهراوي، كان رجلاً خيراً، متصاوناً، ثقة، تُوفِّي سنة (٤٥٤هـ). انظر: ((الصلة))
لابن بشکوال (٣٧٩/١)، فهرسة ما رواه عن شيوخه من الدواوين (ص ١٤١).
٣١٥

عتاب(١)، وعن ابن عتاب: الأشبيلي(٢).
وأمّا اهتمام الأئمة بسند الحارث من حيث الاقتباس منه، وانتخاب
عواليه، فيظهر من الإِحصائيات التي أُجْرِيت(٣) والتي من نتائجها كثرة النقول منه
من قبل الأئمة كأبي نعيم، وأبي بكر بن خلاد، والحاكم، والبيهقي،
(١) هو عبد الرحمن بن محمد بن عتاب بن محسن أبو محمد القرطبي. ثقة، إمام، جليل.
تُوفِي سنة (٥٢٠هـ). انظر: ((الصلة)) (٣٣٢/١).
(٢) هو محمد بن خير بن عمر بن خليفة الأشبيلي، أبو بكر، كان مُجوّداً، مُحدِّثاً، متقناً،
أديباً، نحوياً، لغوياً، واسع المعرفة، تُوفِّي سنة (٥٧٥هـ). انظر: فهرسة ما رواه عن
شيوخه (ص ١٤١)؛ وتذكرة الحفاظ (١٣٦٦/٤).
وانظر مزيداً من رواة مسند الحارث في: مقدّمة المُحقِّق لبغية الباحث (١٤٩/١ -
١٦٦). وهذا جدول رواة المسند :
الحارث:
أبو بكر بن خلاد.
لـ أبو نعيم الأصبهاني.
غانم بن أبي نصر - أبو موسى الأصبهاني.
عثمان بن أبي بکر.
أحمد بن محمد الأصبهاني.
أبو علي الحداد:
حبيب بن إبراهيم.
1
خليل بن أبي الرجاء.
القاسم بن أصبغ:
لـ أحمد بن قاسم:
ــ أبو حفص الزهراوي :
محمد بن عتاب.
الأشبيلي.
(٣) انظر: ما كتبه مُحقّق ((بغية الباحث)) (١/ ١٦٧ - ١٩٠).
٣١٦

وأبي بكر الشافعي ... وغيرهم كثير.
وأمّا اهتمام المحدثين باستخراج زوائده فيظهر من صنيع الإِئمة:
الهيثمي(١)، والبوصيري(٢)، وابن حجر(٣).
كلّ ذلك الاهتمام من المُحدثين بمسند الحارث، إنّما يدلّ على أهميته،
وقيمته العلمية ... واللَّه المُعين والموفق.
0
(١) حيث صنّف: ((بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث)) جمع فيه زوائده على الكتب
الستة، وقد قام بتحقيقه كما تقدّم مراراً الأخ حسين الباكري. واعتمدت في كتابة هذه
الدراسة عن المسند - على الله أولاً ثم - على الدراسة التي قام بها المذكور جزاه الله
خيراً، وهي دراسة مستفيضة، لم يُشْبق إليها.
(٢) وذلك في كتابه: ((إتْحاف الخِيَرَة المَهرة بزوائد المسانيد العشرة)).
(٣) في كتابه هذا ـــ ((المطالب)) - الذي أقوم بتحقيق قسم منه.
٣١٧

الفصل السابع
تعريف بالإمام الحميدي وبمسنده(١)
ويحتوي علی مبحثین :
المبحث الأول: التعريف بالحميدي.
المبحث الثاني: التعريف بمسنده وأهم ما خدم به.
(١) من رسالة الشيخ الدكتور ناصر آل عبد الله.
٣١٩