Indexed OCR Text

Pages 201-220

وقال الذهبي: (وانتهى إليه علو الإِسناد، وازدحم عليه أصحاب
الحديث، وعاش سبعاً وتسعين سنة)(١). اهـ، وقال الحافظ ابن كثير: (كان
حافظاً خيراً حسن التصنيف عدلاً فيما يرويه ضابطاً لما يحدث به)(٢). اهـ.
صنف المسند الكبير، ومعجم الشيوخ، والمفارید، وغيرها.
وتوفي - رحمه الله - سنة (٣٠٧هـ).
٠
(١) السير (١٨٠/٤).
(٢) البداية والنهاية (١٣٠/١١).
٢٠١

المبحث الثاني
مسنده
تقدَّم أن المسند من الكتب الحديثية التي يكون ترتيب الأحاديث فيها بناء
على وحدة الراوي ويكون ترتيب مسانيد الصحابة فيه بحسب أولويات يراها
صاحب المسند ولا ينظر في الغالب إلى صحة الأحاديث أو ضعفها بل يجمع
المصنف كل ما وصله عن الصحابي، والمسانيد مع هذا تتفاوت في الحجم
ومقدار المرويات(١).
ومسند أبي يعلى من جملة المسانيد التي صنفت بهذا الشكل، وهو كبير.
(قال أبو سعد السمعاني: سمعت إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الحافظ
يقول: قرأت المسانید کمسند العدني، ومسند أحمد بن منيع، وهي کالأنهار،
ومسند أبي يعلى كالبحر يكون مجتمع الأنهار)(٢). اهـ.
وحول نسبته له لا يتطرق احتمال الشك أبداً، بل هو من أول ما عرف به،
أبو یعلی - رحمه الله - .
(١) للوقوف على تفصيل وافي حول المسانيد، انظر ما حرره الشيخ فالح الصغير في دراسته
لمسند أبي يعلى (٥٩/١ - ٦٦)، وسيأتي حولها كلاماً موجزاً عند دراسة مسند
العدني.
(٢) انظر: السير (١٤ / ١٨٠).
٢٠٢

المطلب الأول
روايات المسند
لمسند أبي یعلی روايتين:
الأولى: عند أهل أصبهان من طريق أبي بكر محمد بن إبراهيم
المقرىء(١) عنه، وهي الرواية المطولة، ويسميها بعضهم ((المسند الكبير)).
الثانية: من رواية أبي عمرو محمد بن أحمد بن حمدان الحيري(٢)، عنه
وهي مختصرة، ويسميها بعضهم ((المسند الصغير)).
وبالرغم من أن المسند في الرواية الثانية قيل فيه: ((إنه مختصر، وأطلق
عليه المسند الصغير))، إلاَّ أن هذا إنما هو بالنظر إلى الرواية المطولة للمسند،
أما بالنسبة لغيره من المسانيد، فإنه على الرواية المختصرة يعتبر من جملة
المسانيد الكبار.
وهذه الرواية المختصرة هي الموجودة الآن، وقد حظيت بجهودٍ
عدةٍ من التحقيق والتعليق. في حين أن الرواية المطولة ظلت معروفة إلى
عصر الحافظ ابن حجر ووقعت له بإسناده إلى أبي يعلى (٣)، ثم اختفت بعد
ذلك.
انظر: تذكرة الحفاظ (٩٧٣/٣).
(١)
(٢) انظر: السير (٣٥٦/١٦)؛ والأنساب (٣٢٦/٤).
(٣) انظر: ((المعجم المفهرس)) (ص ١١٥)، قال:
(مسند أبي يعلى أيضاً رواية الحافظ أبي بكر محمد بن إبراهيم بن المقري، وهو
أوسع من رواية ابن حمدان: قرأت الكبير منه على أم الحسن بنت المنجا، وأروي
سائره بالإجازة عنها، عن سليمان ابن حمزة، أنا الحافظ ضياء الدين المقدسي
بالمقروء منه، وإجازة ... إلخ). اهـ.
٢٠٣

المطلب الثاني
أهم ما يلحظ في مسند أبي يعلى(١)
* لم يذكر المصنف مقدمة له فيه يبين فيها موضوعه، وطريقة ترتيبه،
ومنهجه الذي یسیر علیه، ودرجة أحاديثه، ونوعها، ووجود المكرر، وغير ذلك
مما يحتاج القارىء إلى معرفته
* لم يختلف مسنده عن كتب المسانيد في منهجها العام، فقد صنف
كتابه على مسانيد الصحابة، بجمع أحاديث كل صحابي ولو اختلفت
موضوعاتها، فیذکر الحدیث مرویاً بسنده، ثم یذکر الذي بعده، وهكذا دون ذكر
لدرجة الحديث أو حكم على أحد الرواة، أو تعليق على المتن، أو غير ذلك.
* لم يلتزم أبو يعلى ترتيباً معيناً للمسانيد كأن يرتبها على حروف
المعجم، أو على السابقة في الإِسلام، أو على القبائل، أو نحو ذلك، فليس له
قاعدة منضبطة في ذلك إذ بدأ بمسند أبي بكر، ثم عمر، ثم علي(٢)، ثم بقية
العشرة ما عدا سعيد ابن زيد، فقد أخره إلى أن ذكر عدة مسانيد، وانتهى الكتاب
بمسند سهل بن سعد .
* لم يلتزم أثناء عرض مسند الصحابي طريقة معينة كأن يرتب على
حروف المعجم أو على حسب الرواة عن الصحابي أو يجمع الحديث الواحد
بطرقه المتعددة، أو غيرها.
(١) رأيت إضافة هذه الملحوظات، ليتبين بعد ذلك مقدار فائدة عمل الحفاظ الهيثمي وابن
حجر والبوصيري، وتطالع هذه الملحوظات مفصلة فيما حرره الشيخ فالح الصغير في
مقدمة تحقيقه للمسند. انظر: (٨٨/١) وما بعدها، فمنه لخصتها، مع إضافة يسيرة
ظهرت لي من خلال عملي.
(٢) ومسند عثمان بن عفان لم يذكر في هذا الكتاب، لأنه لم يكن من رواية أبي عمرو بن
حمدان عن أبي يعلى. وانظر: المصدر السابق.
٢٠٤

وقد يرتب على التابعي في المسانيد الكبار كمسند أنس لكنه ليس منضبطاً
أيضاً.
وقد يأتي بأحاديث في غير مكانها وفي غير مسانيدها إما لغرض
الاستشهاد(١)، أو لا يكون هناك غرض واضح.
* غلب على طريقته ذكر جميع الإِسناد حتى لو كان مكرراً، لكنه
يختصره أحياناً فلا يذكر إلَّ الصحابي فقط أو من قبله، ويشير إلى أنه مكرر في
الذي قبله بواو العطف فيقول مثلاً: وبه عن فلان، أو: عن فلان.
أو يختصره بذكر شيخه ثم يقول: بنحوه أي بنحو الإسناد السابق، لكنه
قلیل.
* الغالب من منهجه ذكر المتن كاملاً ولو كان مكرراً، وقد يختصر بعضه
أو کله أحیاناً لكنه قليل.
* من خصائص مسنده تعدد طرق الحديث، وقد يكرر طرقه فتصل إلى
عشرة وليس بينها اختلاف يذكر، حتى إنه أحياناً لا يختلف إلاَّ شيخه فقط وقد
يكرر الحديث بسنده ومتنه، ولا يذكرها متتابعة في الغالب بل تكون مفرقة في
ثنايا المسند.
* تضمن مسنده إضافة إلى الأحاديث المرفوعة موقوفات، ومراسيل،
وأحاديث منقطعة.
المطلب الثالث
أهم ما خدم به
نظراً لما لمسند أبي يعلى من أهمية كبيرة لا سيما احتوائه على أحاديث
ليست في شيء من الكتب الستة، فقد كثر النقل عنه كما تطالع هذا في كتب
تلاميذه ومنهم ابن عدي في الكامل، ويقدر الأستاذ حسين أسد أن سُبْع صحيح
(١) انظر: مسنده (٣٢٨/٢ _٣٢٩).
٢٠٥

ابن حبان تقريباً جاء من طريق شيخه أبي يعلى، ونقلت عنه المصادر الثانوية
أيضاً كـ ((الترغيب والترهيب)) للمنذري، و((الجامع الصغير)) للسيوطي، و ((كنز
العمال)»، وعدد من كتب الصحابة.
ومع أن ما سبق كان نقولاً جزئية ليست على نظام معين ومنهج واضح في
النقل عنه، أو العزو إليه، إلَّ أنها بكل حال تعطينا صورة واضحة عما لهذا
الكتاب ولمؤلفه من قيمة.
وفي أواخر القرن الثامن: طالعتنا جهود الحفاظ الثلاثة شيوخ مدرسة
الزوائد: الهيثمي، وابن حجر، والبوصيري، وعلى أيديهم أخذت العناية بهذا
المسند منهجاً واضحاً فجردوا زوائده إمّا استقلالاً كما فعل الهيثمي في المقصد
العلي، أو مع غيره كما فعل الهيثمي أيضاً، وابن حجر، والبوصيري.
وإليك بيان ذلك عن طريق عرض ما صنف في زوائده:
١ - المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي:
ألفه الحافظ نور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧هـ)، وهو كتاب مستقل جَرّد فيه
الهيثمي زوائد مسند أبي يعلى على الكتب الستة لما رأى من قيمته، قال في
مقدمته له: ( ... فقد نظرت مسند الإمام أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى
الموصلي - رضي الله عنه - فرأيت فيه فوائد غزيرة، لا يفطن لها كثير من الناس
فعزمت على جمعها على أبواب الفقه لكي يسهل الكشف عنها لنفسي ولمن أراد
ذلك، وسميته («المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي)) ... )(١). اهـ.
ویمکن أن یستنتج من مقدمته:
* أنه استخرج زوائد مسند أبي يعلى على الكتب الستة فقط.
(١) مقدمة ((المقصد)) (٨١/١، ٨٣).
ولم يبدأ بكتاب الطهارة، بل بدأ بكتاب الإِيمان، وثنى بالعلم، وثلث بالطهارة ثم
الصلاة ... ثم ختم بكتاب الورع ثم الزهد، وعدد الكتب (٥٨) كتاباً.
٢٠٦

* أن شرطه في الزوائد، أن يكون مما تفرد به أبو يعلى من حديث
بتمامه. أو شاركهم فيه أو بعضهم وفيه زيادة، فيقول: ((أخرجه فلان خلا قوله
كذا»، أو «لم أره بتمامه عند أحد منهم)) أو نحو هذا القول.
إذا اختصر أبو يعلى الحديث بأن قال: ((فذكره، أو فذكر نحوه)» فإن
الهيثمي يضع قبل ذلك: ((قال)) فتكون: ((قال: فذكره ... )) وما كان من ذلك
لیس فيه، قال: فهو من كلامه هو وليس من كلام أبي يعلى.
* أنه يورد من زوائد أبي يعلى ما رواه البخاري تعليقاً، وما رواه
النسائي في ((الکبری) دون ((الصغرى)).
* أنه وقع له مسند العشرة من المسند الكبير لأبي يعلى فأورد زوائده
وميزها بالحرف (( ك )» قبل الحديث.
* بدأ بكتاب الإِيمان، وختم بكتاب الزهد، وقسم كل كتاب إلى أبواب
ترجم لها وذکر تحت كل باب ما يتعلق به من الأحاديث الزوائد.
* بلغ عدد الأحاديث الزوائد فيه قرابة (ألفين وأربعمائة حديث)(١).
٢ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:
هذا الكتاب هو أول دواوين الزوائد بلا ريب، وفائدته عظيمة، فقد
تقدم (٢) أنه جمع زوائد ستة كتب هي (مسند الإمام أحمد، والبزار،
وأبي يعلى، ومعاجم الطبراني الثلاثة) على الكتب الستة الأصول، مجردة
الأسانيد وقد تقدم التعريف بهذا الكتاب، وأذكر هنا أن زوائد أبي يعلى التي في
((المجمع)) هي للرواية المختصرة أو كما تسمى المسند الصغير، وهو مجرد من
(١) حقق منها (٦١٥) حديث، في رسالة دكتوراه قدمها الشيخ نايف الدعيس في الجامعة
الإسلامية وقد طبعت هذه الرسالة.
(٢) (ص ٧٠).
٢٠٧

الأسانيد ضمنه الهيثمي أحكاماً على الرجال والأحاديث(١)، على ما تقدم في
التعريف به(٢).
٣ - ((المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية)):
مسندة، ومجردة كما تقدم بيان هذا، والرواية المطولة لمسند أبي يعلى
قد وقعت للحافظ كاملة، وتقدم أنه قال بأنه سيستخرج منها ما زاد على نسخة
الهيثمي التي أودع زوائدها على الستة في ((مجمع الزوائد)) فما زاد عنها وعلى
الأصول السبعة، فإنه سيودعه في كتاب المطالب.
٤ - إتحاف السادة الخيرة بزوائد المسانيد العشرة:
مسندة، ومجردة، جرده البوصيري نفسه، وفيه ضمن هذه المسانيد مسند
أبي يعلى، ويلاحظ أنه يورد زوائد من المسند الكبير لأبي يعلى كما يفعل
الحافظ ابن حجر، لكن الحافظ ابن حجر يفترق عنه في ترك بعض ما ذكره
الهيثمي في مجمع الزوائد في حين أن البوصيري - على ما يظهر - ذكرها كلها
ویذکر أيضاً ما كان فيها وإن كان في مسند أحمد.
(١) طبع هذا الكتاب في خمس مجلدات تضمنت عشرة أجزاء، وهي طبعة تحتاج إلى عناية
ودقة، فقدوقعت فيها أخطاء، وسقط وتصحیف، وتحريف.
ومنه نسخة خطية جيدة في مجلدين في المكتبة المحمودية بالمدينة النبوية في جملة
الكتب التي أوقفها الحافظ محمد عابد السندي.
(٢) انظر: (ص ٧٠) من هذه الدراسة.
٢٠٨

المبحث الثالث
زوائد مسند أبي يعلى في كتاب المطالب
المطلب الأول
عددها، ونوعها، ونسبة المقبول والمردود(١)
بلغ إجمالي عدد زوائد أبي يعلى في كتاب ((المطالب)): (١٥٨٠) حديث
فهو أكبر المسانيد العشرة وأكثرها من حيث عدد الزوائد.
وقد بلغ عدد زوائده في الجزء الرابع (٦٣) حديثاً، من أصل (٢٥١)، أي
بنسبة (٢٥٪)، وتكون النسبة الباقية للمسانيد التسعة الأخرى.
- وتميزت زوائده بأن أغلبها مرفوعة، فبلغ عدد الأحاديث المرفوعة
(٥٨) حديثاً، أي بنسبة (٩٢٪) من زوائده، والباقي آثار موقوفة، وليس في هذا
القسم ثلاثیات.
- كما تميزت بأن أغلبها من المقبول المحتج به وهو دائر بين الحسن
والصحة، وأغلبها من قبيل الحسن لغيره، وإليك بيان عددها ونسبتها من عدد
زوائده في القسم المحقق.
(١) الدراسة هنا مقتصرة على الجزء الرابع من الكتاب غالباً.
٢٠٩

بلغ عدد الصحيح لذاته (٧) أحاديث(١)، أي بنسبة (١١٪).
والصحيح لغيره (١٠) أحاديث(٢)، أي بنسبة (١٦٪).
والحسن لغيره (٣٢) حديثاً، أي بنسبة (٥٠,٧٪).
ولم أذكر الحسن لذاته، ولا الضعيف المنجبر: لأني اعتبرت ما آل إليه
الحديث واستقر عليه، لا ما كان عليه، فصار إما صحيحاً لغيره، أو حسناً
لغيره.
وبلغ عدد الضعيف الذي لم يعتضد (٧) أحاديث(٣)، أي بنسبة (١١٪).
والأحاديث شديدة الضعف (٨) أحاديث(٤)، أي بنسبة (١٢,٧٪)،
تقريباً، وهذه قد يكون لها أصل ثابت إلاّ أنها من طريق أبي يعلى شديدة
الضعف .
المطلب الثاني
طريقة الحافظ في سياق زوائد أبي يعلى
لا تختلف عما ذكر في منهج الحافظ العام في سياق المتون والأسانيد،
والشواهد والمتابعات، فإن عامة ما قيل هناك يشمل زوائد أبي يعلى أيضاً.
ويلاحظ أنه ينص أحياناً على زيادة رواية المقرىء فيقول: (وقال أبو بكر
المقري في زيادات مسند أبي يعلى: حدثنا(٥) ... ).
- كما يلاحظ أنه - رحمه الله - يحافظ على الفوائد التي تتضمن حكماً
(١) انظر: ح (٥٢٣، ٥٤٦، ٥٧١، ٥٨١، ٦٦٨، ٦٩٠، ٧٠٠) والأخير متواتر.
انظر: ح (٥٠٣، ٥١٥، ٥٢٤، ٥٥٨، ٥٧٢، ٥٩٩، ٦٢٧، ٦٣٥، ٦٤٤، ٦٦٢).
(٢)
(٣)
انظر: ح (٤٩١، ٥٤٢، ٥٨٨، ٥٩٠، ٥٩٤، ٦١٤، ٦٢٠).
انظر: ح (٤٦٥، ٤٨٨، ٤٩٤، ٥٣٨، ٥٤٠، ٥٥٦، ٥٦٥، ٦٦٣).
(٤)
(٥) انظر على سبيل المثال: (ق ١٩٩: أ).
٢١٠

على الحديث أو بياناً للرفع والوقف، من أبي يعلى، أو من أحد شيوخه
فیذکرها(١).
- وقد يورد الحديث بإسنادين عند أبي يعلى فيسوق الأول، ثم يعطف
الثاني عليه قائلاً، وبه إلى فلان، ثم يسوقه ابتداء من نقطة التغاير، وحدث أن
أحال مرة بهذه الطريقة فكان الأمر ملتبساً بعض الشيء لاتحاد نسبة الأب والابن
ووجودهما في الإِسناد الثاني معاً، في حين وجد الابن فقط في الإِسناد الأول،
فكان الأولى أن يقول وبه إلى فلان، عن أبيه، أو أن يقول وبه إلى فلان ویسمی
الأب(٢).
المطلب الثالث
شرطه في هذه الزوائد ومدى التزامه به
مما نخلص إليه فيما يتعلق باستخراج زوائد مسند أبي يعلى:
* أن الهيثمي - رحمه الله - اقتصر في ((مجمع الزوائد)) على الرواية
المختصرة للمسند فاستخرج زوائدها على الستة.
* أنه لم يقع له من المطولة سوى مسند العشرة، فألحقه في ((المقصد
العلي)) وميزه بالحرف ( ك ).
* أن الحافظ قد وقعت له المطولة كاملة، وجرد زوائدها على
المختصرة، وزوائدها على الكتب الستة ومسند أحمد، فما زاد عن هذا كله
جعله في كتاب المطالب، ومعنى هذا أنه لن يورد ما أورده الهيثمي في
المجمع، ولا المقصد إلاّ ما كان في المقصد من مسند العشرة وليس في
المختصرة .
(١) انظر على سبيل المثال: ح (٢٠٩).
(٢) انظر في هذا: ح (٧٠٨).
٢١١

والملاحظ في منهجهما - رحمهما الله - عند التطبيق هو التوسع وتجاوز
هذا الشرط، وسيكون التركيز هنا على شرط الحافظ، فيتبين ما ذكرته من
التوسع فيما يأتي :
أولاً - حیث الوجود:
* توجد أحاديث في المطالب، والمقصد، والمسند والمجمع:
فتكون في هذه الكتب الأربعة كلها بالطريق نفسه، ويوردها الحافظ مع
تعدد إيراد شيخه الهيثمي لها، ومع وجودها في النسخة المختصرة من المسند،
وعددها (٢٥) من جملة (٦٣) حديثاً.
إلاّ أنه قد يعتذر للحافظ عن ذلك:
- فمثلاً عند تخريجي لرقم (٥٥٩)، وقفت على إسناد للحافظ في هذا
الحديث وذلك في أماليه في تخريج الأذكار، المسمى: ((نتائج الأفكار)» وصرح
فيه أنه وقع له عالياً، فربما أنه أورده لهذا السبب.
- ورقم (٦٦٨): اشتمل سياقه عند أبي يعلى على تنبيه على وهم في
رفع الحديث خلا من هذا التنبيه طريق أحمد بن منيع الذي سبقه، فربما أنه ساقه
لهذا السبب.
- ورقم (٧٠٤): هو في مسند أبي يعلى من طريقين الأول من طريق
شيخه أبي بكر ابن أبي شيبة، وهذا لم يورده الحافظ لأنه ساقه زائداً من مسند
أبي بكر، وأورد الطريق الثاني وفيه زيادة في ((المتن)) هامة، فربما أنه أورده
لوجودها وذلك لاهتمامه بفقه المتون، والحديث موجود في ((المجمع)) إلاَّ أن
هذه الزيادة ليست فيه.
أما الباقي وعدده (٢٢) حديثاً فلم يظهر لي وجه إيراد الحافظ له مع
وجوده في المسند، وكتابَيْ الهيثمي.
٢١٢

* كما توجد أحاديث في المسند، والمجمع، وهو مع هذا يذكرها في
المطالب: بل وربما وجد بعضها في المقصد لكني لم أقف عليه لعدم تتبعي له
في جميع المواضع المحتملة لاسيما وأن الإشكال قائم حتى مع وجودها فيه،
وعددها (١٢).
ثانياً - من حیث عدم ذكرها في بعض الكتب:
* توجد أحاديث في المطالب، والمجمع، ولم أقف عليها في المسند:
فيستشكل هنا إيراد الهيثمي لها في المجمع: وهي:
ح (٤٦١) من مسند عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما -.
ح (٥٧٢) من مسند أبي الدرداء - رضي الله عنه - .
ح (٥٨٩) من مسند سمرة بن جندب - رضي الله عنه - .
ح (٦٤١) من مسند عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنه - .
وربما وجدت أيضاً في المقصد مثل: ح (٥٩٣) من مسند أنس
- رضي الله عنه - .
* كما توجد أحاديث في المطالب، والمسند، ولم أقف عليها في
المجمع وهي (٦٠٩، ٦٩٨).
وهذه ربما أنها مما فات الهيثمي - رحمه الله - ، استدركه الحافظ هنا
في المطالب، مع كونه من الرواية المختصرة.
توجد أحاديث في المسند، والمقصد، ولم أقف عليها في المجمع،
ويذكرها الحافظ في المطالب:
وهي (٤٥٨، ٦٧٢)، والأخير من مسند معاوية بن أبي سفيان
- رضي الله عنه ــ وليس من العشرة.
٢١٣

* وأحاديث في المقصد، ولم أقف عليها في المسند، ولا في المجمع،
ويوردها الحافظ في المطالب:
وهي (٤٧٨، ٦٠٠)، والثاني من مسند عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه - لكن الأول من حديث عمرو بن حريث، ومع ذلك ذكره فربما أن السبب
هو كونه فات الهيثمي في المجمع.
وأخيراً: هناك أحاديث يظهر أنها مما تفردت به النسخة المطولة عن
المختصرة وهي إما أن تكون من مسند یکون کله زائداً کمسند «شهاب بن
المجنون)) - رضي الله عنه - ح (٥٢٤)، وإما أن يكون المسند موجوداً، لكن
الحدیث زائد کحديث البراء ورقمه (٥٣٨).
وبلغ عددها (١٤) حديثاً.
لكنها في الحقيقة لا تقارن من حيث الكثرة، بما توارد هو والهيثمي على
ذكره وعدده على الأقل (٤٩) حديثاً.
۔ مما يدل على أن الحافظ ــ رحمه الله ـ توسع في إيراد زوائد مسند
أبي يعلى، ولم يقتصر على زوائد النسخة المطولة، بل استخرج أحاديث زوائد
موجودة في المختصرة، وفي قليل منها وجدت ما يمكن أن يكون سبباً لذكرها،
أما الباقي فلم يظهر لي وجه ذلك، إلاَّ أن تكون وقعت للحافظ من طريق آخر
ينتهي إلى ابن حمدان لكنه عال، وهذا في الحقيقة لا يعدو أن يكون احتمالاً
وافتراضاً ليس لدينا ما يثبته بطريقة قطعية فالله أعلم.
٢١٤

الفصل الرابع
التعريف بالإمام محمد بن
أبي عمر العدني وبمسنده(١)
ویشمل مبحثين :
المبحث الأول: ترجمة المؤلف:
وفيه أحد عشر مطلباً:
المطلب الأول: لمحة عن الحالة السياسية والاجتماعية،
والعلمية في عصره.
المطلب الثاني: مولد ابن أبي عمر العدني.
المطلب الثالث: اسمه ونسبه ونسبته و کنیته.
المطلب الرابع: نشأته وطلبه للعلم.
المطلب الخامس: رحلته.
المطلب السادس: شيوخه.
المطلب السابع: تلاميذه.
(١) من رسالة الدكتورة أم عبد الله بنت حمود البدراني.
٢١٥

المطلب الثامن: رأي الأئمة فيه، ويشمل:
* ما قيل في زهده وعبادته وصلاحه.
* رأي أئمة الجرح والتعديل فيه.
المطلب التاسع: عقيدته.
المطلب العاشر: وفاته.
المطلب الحادي عشر: آثاره، وتشمل:
* مصنفاته، وما نقله عنه تلاميذه.
* اهتمامه بالسير والفقه والحوادث التاريخية.
المبحث الثاني : مسنده :
وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: نسبته إليه.
المطلب الثاني: اهتمام المحدثين به.
المطلب الثالث: موضوعه.
المطلب الرابع: ترتيبه .
المطلب الخامس: حجمه ومضمونه.
المطلب السادس: طريقته في أداء الأحاديث.
المطلب السابع: اختياره للشيوخ وشرطه في الكتاب.
٢١٦

المبحث الأول
ترجمة المؤلف
المطلب الأول
لمحة عن الحالة السياسية والاجتماعية والعلمية في عصره
ما بين (١٥٠ هـ - ٢٤٣هـ)
١ - الحالة السياسية والاجتماعية:
عاصر الإِمام ابن أبي عمر دولة بني العباس، وكان مولده في أثناء عهد
الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، أي في بداية قيام الدولة العباسية، وفي
عصر فتوتها، وكان مقرها العراق.
عاصر العدني من خلفائها:
* أبا جعفر المنصور = عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن
عباس بن عبد المطلب بن هاشم. تولى الخلافة سنة (١٣٦)، وتوفي سنة
(١٥٨).
* المهدي بن المنصور = محمد بن عبد الله بن محمد بن علي
أبو عبد الله المهدي تولى بعد أبيه المنصور سنة (١٥٨)، وتوفي سنة (١٦٩).
* موسى الهادي بن المهدي، تولى بعد أبيه سنة (١٦٩)، وتوفي سنة
(١٧٠).
٢١٧

* هارون الرشيد بن المهدي، تولى بعد أخيه موسى سنة (١٧٠)، وتوفى
سنة (١٩٣).
* محمد الأمين بن هارون الرشيد، تولى بعد أبيه سنة (١٩٣)، وتوفي
سنة (١٩٨).
عبد الله المأمون بن هارون الرشيد، تولى بعد مقتل أخيه سنة (١٩٨)
وتوفي سنة (٢١٨).
* المعتصم بالله أبو إسحاق بن هارون الرشيد، تولى بعد وفاة أخيه سنة
(٢١٨)، وتوفي سنة (٢٢٧).
* هارون الواثق بن المعتصم، تولى بعد أبيه سنة (٢٢٧)، وتوفي سنة
(٢٣٢).
* المتوكل على الله جعفر بن المعتصم: تولى بعد أخيه سنة (٢٣٢)،
وقتل سنة (٢٤٧).
وفي هذه الحقبة من الزمان كانت البلاد الإسلامية أوسع ما تكون رقعة،
وكثر العمران وبناء المدن، واختلاط العرب بالعجم، كما كثرت الموارد،
وأعطى الجزية عدد كبير ممن لم يؤمن من الكفار، وتميزت هذه الفترة بكثرة
الثورات والفتن على الخلافة: من الكفار والزنادقة في البلاد النائية كفتنة
(أستاذسيس) في بلاد خراسان، في عهد أبي جعفر المنصور(١)، وبابك
الخرمي في أذربيجان وما حولها، في عهد المأمون، ثم المعتصم (٢)، وثارت
الخوارج من الصفرية وغيرهم، ببلاد أفريقية، كما حدثت فتنة عظيمة مؤلمة بين
الأمين وأخيه المأمون، والمتوكل وابنه المنتصر.
(١) انظر: تاريخ الأمم والملوك (١٩/٨)، البداية والنهاية (١٠٦/١٠).
(٢) المصدر السابق (٢٨٢/١٠).
٢١٨

وفي عهد المأمون ظهرت على يده الفتنة العظيمة وهي القول بخلق القرآن
ونادى بها وامتحن الأئمة بسببها، وكان لإِمام أهل السنة أحمد بن حنبل
- رحمه الله - ومن ثبت معه موقف قوي خالد: إذا رفضوا الإِجابة إلى القول
بحدوث القرآن الكريم، وأول ما نادى بها المأمون سنة (٢١٢) في ربيع الأول
منها، وأوذي فيها عدد من الأئمة(١).
- كما تم في عهد المعتصم فتح عمورية المشهور سنة (٢٢٣)(٢) بعد
حرب دارت رحاها بين المسلمين والروم(٣).
٢ - الحالة العلمية :
وبالرغم من كثرة الفتن والاضطرابات في هذه الفترة فقد كانت النهضة
العلمية في نشاط كبير، في كثير من المجالات، ونشطت حركة التأليف
والترجمة، وأنشأ المأمون الرَّصْد على جبل دمشق، وازدهرت صناعة الورق،
وكثر الشعراء والوراقون وصارت لهم أماكن يقصدها من أراد.
وكان التأليف في التفسير، والفقه، واللغة، والأدب، والتاريخ، وغيرها
وشهد القرن الثالث الهجري قمة ما بدأه الصحابة ومن بعدهم للحفاظ على
الحديث النبوي، وذلك من حيث كتابته، ونقده أيضاً، فأُلُّفت الكتب الستة
الأمهات، ومسند أحمد بن حنبل، وقبلها مسند الطيالسي، كما ظهرت مدونات
أخرى في الحديث وألفوا في نقد الرجال، وكثر في هذا العصر اختلاط
(١) انظر: البداية والنهاية (٢٧٢/١٠، ٣٢٠، وما بعدها)، السير (٢٨٣/١٠)، تاريخ الأمم
والملوك (٦٣١/٨).
(٢) البداية والنهاية (٢٨٦/١٠).
(٣) وانظر في بقية الأحداث: تاريخ الأمم والملوك (٧/٨) وما بعدها، البداية والنهاية
(٦١/١٠) فما بعدها.
٢١٩

المسلمين بالعجم من أصحاب الملل والنحل الأخرى، وإن كان بعضهم
دخل في الإسلام فحسن إسلامه، فإن هناك طوائف دخلت في الإِسلام
فراراً من الجزية، وليتمكنوا من الكيد والدس الخفي، وصاحَبَ هذه مبالغة
المأمون في تشجيع حركة الترجمة، فأدى هذا إلى ترجمة فلسفات، وأفكار،
وعقائد منحرفة، من كتب اليونان والفرس، واليهود، والنصارى وغيرهم،
فظهرت مذاهب الاعتزال، والزندقة، والعقائد الفاسدة في أصل الكون،
ومصير الأرواح، والتخبط في مذاهب أهل الكلام في أسماء الله تعالى
وصفاته.
ولم تكن للزنادقة غلبة فكر في بادىء الأمر فقد تتبعهم متقدموا خلفاء بني
العباس إلى عهد هارون الرشيد (١)، وشددوا عليهم النكير وقتلوا منهم من
يخشى خطره وضرره، وهرب الباقي، وكان ممن هربوا بشر بن غياث
المريسي(٢).
ولما كان الخلفاء آنذاك يُقْدِمُون على النَّسَرِّي واتخاذ أمهات الأولاد من
الإِماء من بلاد الفرس، والروم، وغيرهم، حتى أكثروا من ذلك، فحدث أن
آلت الخلافة إلى بعض أولادهن فقَرَّبُوا أعداداً من العجم من الفرس وغيرهم،
وأحلوهم مراكز عالية في الدولة الإسلامية، واتخذوا منهم بطانة لعبت دوراً
كبيراً في تشويه نقاء العقيدة الإسلامية، وتكدير صفائها، ومن أبرز الأمثلة على
ذلك حمل الناس جَبْراً على القول بخلق القرآن الكريم، كما قام الزنادقة
وأتباعهم بوضع الأحاديث على رسول الله الآلات .
وإزاء هذا كان لأئمة السنّة دور واضح في تصحيح العقيدة، ونقد الرجال
(١) من الأمثلة عليه ما ذكره الحافظ ابن كثير، انظر: البداية والنهاية (١٦١/١٠، ٢١٥).
(٢) انظر ترجمته في البداية والنهاية (٢٨١/١٠).
٢٢٠