Indexed OCR Text
Pages 61-80
خامساً - ابن تَغْري بَرْدي (٨١٣ - ٨٧٤)(١): هو یوسف بن تغري بردي بن عبد الله الحنفي، أبو المحاسن جمال الدین القاهري، الإِمام المؤرّخ. أجازه غير واحد كابن حجر والمقريزي والعيني، وانتهت إليه رياسة هذا الشأن في عصره، واستفاد من الحافظ ابن حجر، لا سيما في اتّصال أسانيد الحوادث التاريخية، وهو ينقل عنه في كتبه ويُثني عليه، ومما قال عنه: ((وهو أوحد من لقيناه)(٢). له تصانيف جليلة نافعة، منها : ١ - المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، طبع منه ستة مجلدات إلى الآن. ٢ - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، وهو مطبوع. ٣ - الدليل الشافي، وهو مختصر للمنهل. سادساً - ابن مزني (٧٨١ - ٨٢٣هـ)(٣): هو ناصر بن أحمد بن يوسف الفزاري، البسكري(٤)، الجزائري، أبو زیان المعروف بابن مزني، مؤرّخ مغربي الأصل. وُلِد ببسكرة، ومرّ بالقاهرة حاجّاً سنة (٨٠٣هـ)، واتّصل بالعلامة ابن خلدون، ولازم ابن حجر. من آثاره (١) ينظر في ترجمته: مقدمة كتاب المنهل الصافي (ص ٦)؛ وشذرات الذهب (٣١٧/٧)؛ والبدر الطالع (٣٥١/٢)؛ والأعلام، للزركلي (٢٢٢/٨). (٢) الجواهر والدُّرَر (ص ٢٥١). (٣) ينظر في ترجمته: إنباء الغُمْر (٤٠٤/٧)؛ والبدر الطالع (٣١٤/٢)؛ والأعلام، للزركلي (٣٤٧/٧). (٤) نسبة إلى بَشْكَرة، وهي مدينة تقع في الجنوب الشرقيّ من الجزائر العاصمة، وتبعد عنها بـ ٤٠٠ كلم أو تزيد قليلاً. وبرز فيها كثير من العلماء على مرّ العصور. معجم البلدان تحقيق: فريد الجندي (١/ ٥٠١). ٦١ الضخمة كتاب في (تاريخ الرواة)، قال عنه الحافظ ابن حجر: ((جمع تاريخاً لو قُدِّر أن يبيضه، لكان مائة مجلد، وكان قد مارس ذلك إلى أن صار أعرف الناس به، فإنه جمع في مسوّداته ما لا يعدّ ولا يدخل تحت الحد، ومات قبل تبییضه، فتفرق شذر مذر))(١). وعَمِيَ قبل وفاته بسنة، وتوفي في شعبان سنة (٨٢٣هـ) بالقاهرة. وكثرة تلاميذ الحافظ ابن حجر - رحمه الله - واختلاف مواطنهم وتعدّد تخصصاتهم خير دليل على قيامه بواجب تبليغ العلم الذي أمر الله به ونبيه الچ - بصفته حاملاً له -، فقام بذلك أحسن قيام وبشتى الوسائل التي كانت في عصره من إقراء وتدريس وإفتاء وخطابة في الجامع الأزهر، وإملاء في مجالس العلم من مساجد ومدارس في مختلف أنحاء البلاد، وفي كثير من التخصّصات والفنون. 00 ٠ (١) البدر الطالع (٣١٤/٢)؛ وإنباء الغُمْر (٤٠٤/٧). ٦٢ المبحث الثامن وفاته بعد عُمر طويل وحياة عامرة بالحركة والنشاط تزيد على تسعة وسبعين عاماً، قضاها الإِمام ابن حجر بين التعلم والتعليم والتأليف، وافاه الأجل وأدركه الموت وذلك في شهر ذي الحجّة سنة (٨٥٢هـ) بعد مرض بدأ به في ذي القعدة، ثم اشتدّ به وأقعده، فتخلف عن صلاة عيد الأضحى، ثم ازدادت شدّته فصار يصلي الفرض جالساً، وانتابه الصرع، وفي ليلة السبت في ٢٨ من ذي الحجة، وبعد العشاء فاضت روحه إلى بارئها. وكانت جنازته مشهودة، لم يكن بعد جنازة ابن تيمية أحفل منها حتى قال السخاوي: ((واجتمع في جنازته من الخلق ما لا يحصيهم إلاّ الله عز وجل، بحيث ما أظن كبير أحد من سائر الناس تخلّف عن شهودها، وقفلت الأسواق والدکاکین). وشُيّع - رحمه الله - في موكب مهيب حضره السلطان وأعيان الناس من القضاة والعلماء والأمراء، وصُلِّي عليه صلاة الغائب أيضاً في بعض البلاد الإسلامیة کمگّة وبيت المقدس ودمشق وغيرها. ٦٣ المبحث التاسع ثناء العلماء عليه لقد أثنى على الحافظ شيوخه ومعاصروه من أقرانه وتلامذته والأئمة الكبار من بعده. / قال السخاوي: ((ولم يخلف بعده في مجموعه مثله، ورثاه غير واحد بما مقامه أجلّ منه - رحمه الله وإيانا -))(١). وفي الثناء عليه يقول شيخه العراقي: ((ولما كان الشيخ العالم الكامل الفاضل المحدّث المفيد المُجيد الحافظ المتقن، الضابط الثقة المأمون شهاب الدين أحمد أبو الفضل ... فجمع الرواة والشيوخ، وميّز بين الناسخ والمنسوخ، وجمع الموافقات والأبدال، وميّز بين الثقات والضعفاء من الرجال، وأفرط بجدّه الحثيث حتى انخرط في سلك أهل الحديث، وحصل في الزمن اليسير على علم غزير))(٢). وأما شيخه ابن جماعة، فيقول ابن حجر في ترجمته: (( ... وكان يودّني كثيراً ويشهد لي في غيبتي بالتقدم، ويتأدّب معي إلى الغاية))(٣). (١) الضوء اللامع (٤٠/٢). (٢) الجواهر (ص ٢١٠) بتصرف. (٣) إنباء الغُمر (٢٤٢/٧)؛ والجواهر (ص ٧٧). ٦٤ ويقول أحد معاصريه في بعض مراسلاته وهو الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي الشافعي (ت ٨٤٢هـ)، يقول: ((إلى مولانا وسيدنا شيخ الإسلام حافظ الأعلام، ناصر السنة، إمام الأئمة، قاضي قضاة الأمة ... ))(١). /ويقول فيه تلميذه التقي بن فهد المكي: (( ... وهو إمام علاّمة حافظ متقن، متين الديانة، حسن الأخلاق، لطيف المحاضرة، حسن التعبير، عديم النظير، لم تَرَ العيون مثله، ولا أرى هو مثل نفسِه))(٢). ٦ /أى ويقول العلّامة المؤرّخ ابن تَغْري بَرْدي: ((كان إماماً عالماً، حافظاً شاعراً أديباً مُصنِّقاً، مليح الشكل منوّر الشيبة، حلو المحاضرة إلى الغاية والنهاية، عذب المذاكرة مع وقار وأبَّهة، وعقل وسكون وحلم وسياسة))(٣). / ويقول الحافظ جلال الدين السيوطي: ((شيخ الإِسلام وإمام الحفّاظ في زمانه، وحافظ الديار المصرية، بل حافظ الدنيا مطلقاً)(٤). ويقول العلّامة المحدّث الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ): ((الحافظ الكبير الشهير، الإِمام المنفرد بمعرفة الحديث وعلله في الأزمنة المتأخرة ... وشهد له بالحفظ والإِتقان القريب والبعيد، والعدو والصديق، حتى صار إطلاق لفظ (الحافظ) عليه كلمة إجماع. ورحل الطلبة إليه من الأقطار، وطارت مؤلفاته في حياته، وانتشرت في البلاد، وتكابت الملوك من قطر إلى قطر في شأنها، وهي كثيرة جداً)(٥). (١) الجواهر (ص ٢٣٥). (٢) نفسه (ص ٢٥٠). وانظر: لحظ الألحاظ (ص ٣٣٦). (٣) نفسه (ص ٢٥١). (٤) طبقات الحفّاظ (ص ٥٥٢). (٥) البدر الطالع (٨٧/١). ٦٥ المبحث العاشر ذكر كثرة مؤلفاته لم يقتصر عمل الحافظ ابن حجر على التدريس والإملاء والإفتاء ونحوها من الوظائف التي كان يتولاها بنفسه، بل تجاوز ذلك إلى التأليف الذي هو من أكبر الأدلّة على مكانة الحافظ العلمية وعمق بحثه، ونضوج فكره ووفور علمه، سواء كان ذلك في مختصراته وتلخيصاته أو نُكَته وتخريجاته، أو ذيوله واستدراكاته أو شروحه وفوائده ... لا يخلو واحد منها من بحث وتحقيق، أو نقد وتمحيص، أو استدراك وإتمام فائدة، حتى قال أبو ذرّ بن البرهان الحلبي: ((وبالجملة ليس له مُؤْلَّف إلَّ وهو فرد في بابه))(١). وقد كثرت مصنّفات الحافظ ابن حجر وتنوّعت موضوعاتها وعلومها وزادت - على ما أحصاه السخاوي(٢) - على ٢٧٠ مصنّفاً، ما بين كبير وصغير ورسالة وحاشية ونكت وتعليقات وديوان شعر، وإن كانت بهذه الكثرة، فإن السمة الغالبة على تأليفه هي الحديث وعلومه، هذا مع الدقة والتحرير والإتقان (١) ابن حجر أمير المؤمنين في الحديث (ص ٣٦٧). وينظر: الجواهر (ص ٢٢٥). (٢) ينظر: الجواهر والذُّرَر المخطوط (ق ١٦١) فما بعد، وإن كان السخاوي أكثر من أحصى مؤلفات ابن حجر، غير أنه لم يستوعب. وينظر: ابن حجر ودراسة مصنفاته لشاكر عبد المنعم (٢٧٤/١) فما بعد، ففيه دراسة وافية لمصنفات الحافظ. ٦٦ الذي لا يكاد يوجد عند كثير من المكثرين والمقلّين على حدّ سواء. ويُعدُّ الحافظ بحق مجدداً في علمي الحديث والرجال على وجه الخصوص، يشهد له بذلك أئمة هذا الشأن من شيوخه وأقرانه وتلامذته. يقول تقي الدين محمد بن فهد المكي: ((ألّف التواليف المفيدة، المليحة الجليلة، السائرة الشاهدة له بكل فضيلة، الدالة على غزارة فوائده والمعربة عن حسن مقاصده، جمع فيها فأوعى، وفاق أقرانه جنساً ونوعاً التي شنّفت بسماعها الأسماع، وانعقد على كمالها لسان الإجماع، ورزق فيها الحظ السامي عن اللّمس، وسارت بها الركبان سير الشمس»(١). ومع هذا كله، فقد نقل السخاوي عن شيخه ابن حجر أنه قال: ((لست راضياً عن شيء من تصانيفي؛ لأني عملتها في ابتداء الأمر، ثم لم يتهيأ من يحرِّرها معي سوى (شرح البخاري)، و (مقدمته)، و (المشتبه)، و (التهذيب)، و (لسان الميزان) )). كما نُقل عنه أنه أثنى على (تغليق التعليق)، مع أنه من أوائل مصنّفاته وعلى (نخبة الفِكر). ثم قال ابن حجر عن باقي تصانيفه: ((وأما سائر المجموعات، فهي كثيرة العدد، واهية العُدد، ضعيفة القوى، ظامئة الروی))! ويعقّب السخاوي على قول شيخه، فيقول: ((ليس ذلك إلاّ لتواضعه وكثرة معارفه المتجدّدة». ويقول المحدّث حبيب الرحمن الأعظمي: ((ولا شكّ أن كلامه هذا مبعثه تحرّیه التجويد والتحرير، وهو يصوّر تواضعه الجمّ، فمصنفاته کلھا تنُّ عن علم واسع وتحقيق نادر، وهي مراجع أساسية في موضوعاتها))(٢). (١) لحظ الألحاظ (ص ٣٣٢)؛ والجواهر (ص ٢٥٠). (٢) نقلاً من مقدمة المطالب العالية المطبوع بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي ص (ز). ٦٧ عدد مصنّفاته : أوصلها السخاوي في (الجواهر والدُّرَر) إلى أزيد من (٢٧٠ مصنفاً)، وعدّ منها السيوطي في (نظم العقيان) (١٩٨ مصنّفاً)، وابن العماد (٧٣ مصنّفاً)، وابن تغري بردي ما يزيد على (٧٠ مصنفاً)، وابن فهد (٢٥ مصنفاً)، وذكر الكتاني في (فهرس الفهارس) زهاء (١٩٥ مصنّفاً)(١). ويُعدُّ كتاب (ابن حجر العسقلاني ودراسة مصنّفاته ومنهجه وموارده في كتابه الإصابة) للدكتور شاكر عبد المنعم، من أحسن الكتب استيعاباً لتصانيف ابن حجر والكلام عنها، وقد سبق الإشارة إليه عند ذكر مصادر ترجمة الحافظ. وأذكر هنا أهم من توسّع في ذكر مصنّفاته - محيلاً الباقي إلى مصادر ترجمته المذكورة في المقدّمة - ، وهي: ١ - ابن حجر العسقلاني مؤرّخاً: وقد ركّز على مصنّفاته التاريخية. ٢ - الجواهر والدُّرَر: مخطوط، منه نسخة مصوّرة بالمكتبة المركزية رقم (٥٠٥ف)، وقد طُبع الجزء الأول منه. ٣ - الحافظ ابن حجر العسقلاني أمير المؤمنين في الحديث: لعبد الستّار الشيخ، وقد تناول مصنّفات الحافظ في أزيد من ١٠٠ صفحة. ٤ - الرسالة المستطرفة: للكتاني. مؤلفاته في الزوائد خاصّة: علم الزوائد هو علم يتناول إفراد الأحاديث الزائدة في مصنَّ رُويت فيه الأحاديث بأسانيد مؤلِّفِه على أحاديث كتب الأصول الستة و (مسند (١) ابن حجر أمير المؤمنين في الحديث (ص ٣٧٥). ٦٨ : ر أحمد)(١) أو بعضها، من حديث بتمامه لا يوجد في الكتب المزيد عليها، أو هو فيها لكن من طريق صحابي آخر، أو من حديث شارك فيه أصحاب الكتب المزيد عليها أو بعضهم، وفيه زيادة مؤثّرة عنده(٢). وذلك مثل زيادةٍ في اللفظ أو السند أو اختلاف في صيغ التحمل، وهذا يخضع لمنهج المُؤَلِّف والطريقة التي اتّعها في تطبيقه. ويُعدّ أبرز من ألّف في هذا الفن ثلاثة أئمة أعلام متعاصرين عاشوا في مِصْرٍ واحد، وهم صاحبنا الحافظ ابن حجر والحافظ نور الدين الهيثمي والإِمام البوصيري. وأذكر ها هنا من باب الفائدة مؤلفات الهيثمي والبوصيري في الزوائد وأُثني بمؤلفات الحافظ ابن حجر بعد ذلك. الحافظ نور الدین الهيثمي (ت ٨٠٧هـ): ١ - (غاية المقصد في زوائد المسند)، جمع فيه زوائد مسند أحمد على الكتب الستة مُرتّباً على الأبواب مع ذكر الأسانيد. وقد قُسِّم رسائل دكتوراه في جامعة أم القرى. ٢ - (كشف الأستار عن زوائد البزّار)، جمع فيه زوائد مسند البزار على الكتب الستة، مُرتّباً على الأبواب مع ذِكْر الأسانيد، وقد طبع بمؤسسة الرسالة (١) جلّ من ألّف في الزوائد ألّف في الزوائد على الكتب الستة فقط، وهي الصحيحان والسنن الأربعة، وإنما أضفت المسند هنا؛ لأن الحافظ ابن حجر ضمّه إلى الكتب الستة عند إفراده لزوائد (البزّار) و (مسند الحارث)، وهو ما قام به في كتابنا هذا الذي أعمل على تحقيق جزء منه، وسأتناول هذه النقطة عند دراسة الكتاب إن شاء الله. (٢) ينظر: مقدّمة مُحقّق كتاب ((المقصد العلي بزوائد مسند أبي يعلى الموصلي)) لنايف الدعيس (ص ٥٩) فما بعد، و((ابن حجر ودراسة مصنفاته)) (٤١٩/١) فما بعد، و ((علم زوائد الحديث)) لخلدون الأحدب (ص ١١). ٦٩ بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، وحقق القسم الأول منه في رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلامية. ٣ - (المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي)، جمع فيه زوائد مسند أبي يعلى من طريق أبي عمرو بن حمدان - وهو الرواية الصغرى المختصرة -، وأضاف إليه من طريق أبي بكر بن المقري - وهي الرواية الكبرى المطوّلة - مسانيد العشرة المبشرين على نفس نمط الكتابين السابقين. وقد طُبع الجزء الأول منه بتحقيق نايف الدعيس بمؤسسة تهامة. ٤ - (البدر المنير في زوائد المعجم الكبير) للطبراني، وهو مخطوط. ٥ - (مجمع البحرين في زوائد المعجمين) الأوسط والصغير على الكتب الستة، وقد رتّبه على الأبواب الفقهية مع ذكر الأسانيد، وقد طُبع في ٩ مجلدات مع الفهارس بتحقیق عبد القدوس محمد نذير بمكتبة الرشد بالریاض سنة ١٤١٣ هـ. ٦ - (موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبّان)، على الصحيحين فقط، وسار في ترتیبه على نسق سابقیه، وقد طُبع. ٧ - (بغية الباحث عن زوائد الحارث) على الكتب الستة، وقد حقّقه حسين أحمد الباكري، وقدّمه إلى الجامعة الإسلامية أطروحة لرسالته الدكتوراه، وطُبع مؤخراً بمركز خدمة السنة بالجامعة المذكورة سنة ١٤١٣هـ. ٨ - (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد)، وهو كتاب عظيم من أهم دواوين السنة، ويُعدّ بحق موسوعة حديثية، جمع فيها الهيثمي زوائد الكتب المتقدم ذكرها - باستثناء مسند الحارث وصحيح ابن حبان-، وحذف أسانيدها، وتكلم عقب كل حديث مُبيِّناً مرتبته، وإن كان أكثر كلامه في الحكم على الحديث يكون عاماً، كقوله (رجاله ثقات)، أو (رجاله رجال الصحيح) ٧٠ ونحوها، ورتّبه على الأبواب، وطُبع طبعة غير محقّقة. ويقوم الآن الأستاذ حسين سليم أسد بالعمل على تحقيقه، وقد أنجز قسماً منه. الحافظ العلامة البوصيري (٧٦٢ - ٨٤٠هـ)(١): هو أحمد بن أبي بكر عبد الرحمن بن إسماعيل بن سليم بن قايماز الكناني، البوصيري الشافعي، نزيل القاهرة، يلقّب بشهاب الدين. لازم العراقي واستفاد منه، وسمع منه ومن الهيثمي، كما لازم ابن حجر وكتب عنه. ومن مؤلفاته في الزوائد: ١ - (مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه) على الكتب الخمسة، وطُبع عدّة طبعات، بعضها سقيم مليء بالأخطاء. ٢ - (إتحاف الخِيَرة المَهرة بزوائد المسانيد العشرة)(٢)، وهو من أهم كتبه وأعظمها، وهو مُوازٍ لعمل ابن حجر في المطالب العالية من حيث المضمون غالباً، وسيأتي الكلام على ذلك عند المقارنة بين عمليهما. والمسانيد التي جمع زوائدها البوصيري، هي: ١ - مسند أبي داود الطيالسي (ت ٢٠٤هـ). ٢ - مسند الحميدي (ت ٢١٩هـ). ٣ - مسند مسدّد (ت ٢٢٨ هـ). ٤ - مسند أبي بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥هـ). ٥ - مسند إسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨هـ). (١) ينظر في ترجمته: معجم ابن فهد (ص ٥٥)؛ وحسن المحاضرة (٣٦٣/١)؛ وإنباء الغُنْر (٤٣١/٨)؛ وشذرات الذهب (٢٣٣/٧). (٢) انظر: مقدمة مُحقق إتحاف الخيرة ... الدكتور سليمان العريني (من ص ٢٠ إلى ص ٥٠)، فقد قام بدراسة قيّمة عن هذا الكتاب، وذكر منهج المؤلّف فيه ومدى التزامه بذلك. ٧١ ٦ - مسند ابن أبي عمر العدني (ت ٢٤٣هـ). ٧ - مسند أحمد بن منيع (ت ٢٤٤هـ). ٨ - مسند عبد بن حميد (ت ٢٤٩ هـ). ٩ - مسند الحارث بن أبي أسامة (ت ٢٨٢هـ). ١٠ - مسند أبي يعلى الموصلي (ت ٣٠٧هـ). ورتّب كتابه هذا على الأبواب، وترتيبه أقرب إلى ترتيب الهيثمي. وذكر الأحاديث بأسانيدها، وتكلم عليها في الغالب. وقد حُقق بعض كتاب إتحاف الخيرة للبوصيري في الجامعة الإِسلامية في أطروحات، بعضها دكتوراه، وأكثرها ماجستير. وقد نوقشت أغلب أجزائه، ويعمل مركز خدمة السنة بالجامعة الإسلامية بالتعاون مع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف على طبعه بتحقيق بعض علماء الحديث، وقد يسّر الله إخراج بعض أجزائه. مؤلفات الحافظ ابن حجر في الزوائد : ١ - (زوائد الأدب المُفرد للبخاري)(١): جرّد فيه زوائد الأدب للبخاري على الكتب الستة، ولعلّه اقتصر هنا على الكتب الستة على غير عادته؛ لصغر حجم (الأدب المفرد) مما لا يُخشى معه الطول. ٢ - (زوائد مسند الحارث بن أبي أسامة) على الكتب الستة ومسند أحمد . ٣ - (زوائد مسند أحمد بن منيع). ٤ - (زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد)، ومنهجه في (١) ابن حجر ودراسة مصنفاته (٤٢٤/١). وينظر: نظم العقيان (ص ٤٧)؛ وفهرس الفهارس والأثبات (٣٣٤/١)؛ وعلم زوائد الحديث للأحدب (ص ٦٠). ٧٢ هذا الكتاب لا يختلف كثيراً عن عمل الهيثمي في (كشف الأستار)؛ لأنّ ابن حجر لخّص كتاب الهيثمي، وذلك بحذف ما كان عند البزّار، وهو في مسند أحمد ومنهجه في هذا الكتاب أنه يذكر كلام البزّار بلفظه، وإلاَّ اختصره إن كان مطولاً، ثم ينقل كلام الهيثمي بقوله: ((قال الشیخ))، ويتعقّبه إن كان في كلامه ما يقتضي ذلك من وهم أو خطأ(١). وقد حقّقه الدكتور عبد الله مراد السلفي في رسالة دكتوراه إلى (کتاب الأطعمة) بإشراف الشيخ حمّاد الأنصاري. وطبع طبعة كاملة في مجلدين بمؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، تحقيق: صبري بن عبد الخالق أبو ذرّ على نسختين خطيتين مصورتين عن المكتبة الاصفية بحيدرآباد الدكن بالهند(٢). ٥ - (زيادات بعض الموطآت على بعض)(٣): إنّ الموطأ له عدّة روايات، وسمعه خلق لا يحصون، ووقع للحافظ منها بالأسانيد المتصلة إلى رواتها : ١ - رواية يحيى بن يحيى الليثي، وهي الرواية التي اشتهرت عند المغاربة وأهل الأندلس. ٢ - رواية أبي مصعب الزبيري. ٣ - روایة یحیی بن عبد الله بن بکیر. ٤ - روایة سوید بن سعید. ٥ - رواية سعيد بن عفير المقري. (١) ينظر بالإضافة إلى ما سبق: مقدمة الدكتور عبد الله المراد لكتاب زوائد البزّار (ص ٨٤). (٢) ينظر: مقدمة المحقّق (السلفي) (ص ٣١). (٣) ابن حجر ودراسة مصنفاته (٤٢٥/١). ٧٣ ٦ - رواية معن بن عيسى. ٧ - رواية محمد بن الحسن الشيباني. وذكر شاكر عبد المنعم أنّ جزءاً منه موجود بالمكتبة الأزهرية ضمن مجموع تحت رقم (١٠٩ مجاميع)(١). ٦ - (زوائد الفردوس): ذكره الكتاني، وقال: ((يقع في مجلد، وسماه (زهر الفردوس)))، كما أن هناك كتاب آخر بعنوان تسديد القوس وكلاهما مخطوطان موجودان. ٧ - (زوائد الكتب الأربعة مما هو صحيح)(٢): جمع فيه زوائد السنن الأربعة على الصحیحین، لكنه لم يتمّ. ٨ - (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية): وستأتي دراسة مفصلة عنه في الفصل التالي - إن شاء الله - . 00 (١) ينظر: مقدمة محقّق زوائد البزار (ص ٣١). (٢) ينظر: نظم العقيان (ص ٥٠)؛ وفهرس الفهارس (٣٣٦/١). ٧٤ الفصل الثاني دراسة عن الكتاب ويشتمل على ستة مباحث: المبحث الأول : تسمية الكتاب، وبيان مدى المطابقة بينها وبین مضمونه إجمالاً . المبحث الثاني : توثيق نسبة الكتاب للمؤلف. المبحث الثالث : موضوع الكتاب. المبحث الرابع : مقارنة عامة بين الهيثمي وابن حجر والبوصيري. المبحث الخامس : منهج المؤلف في الكتاب مع المقارنة بغيره. ٧٥ المبحث الأول تسمیة الکتاب، وبیان مدی المطابقة بينها وبين مضمونه إجمالاً ويشتمل على مطلبين، هما: المطلب الأول: تسمية الكتاب. المطلب الثاني: مطابقة التسمية للمضمون. * * * المطلب الأول تسمية الكتاب الذي يظهر من خلال تتبُّع من ذكر كتابنا هذا أنَّ الصحيح في اسمه هو ((المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية))، هذا هو المعتمد في اسمه، وذلك لعدَّة اعتبارات: ١ - أنّ المؤلّف صرّح بما ذكرناه من اسمه في مقدّمته للكتاب(١). ٢ - أنّ غالب من ترجم للحافظ ابن حجر اتفقوا على هذه التسمية، وفيهم من هم أعرف الناس بالمصنّف ومؤلّفاته، كالسخاوي(٢) وابن فهد (١) انظر: المخطوط - النسخة المحمودية - (١/ ق ١). (٢) الجواهر والدرر (ق ١٦١ : أ). ٧٧ المگّي(١) وغيرهما. وقد تحرّف هذا الاسم في بعض الكتب، فجاء في كشف الظنون (١٧١٤/٢) وشذرات الذهب لابن العماد (٢٧٢/٧): ((المطالب العالية برواية المسانيد الثمانية))، وتصحّف في القلائد الجوهرية (ص ٤٥٩) إلى: ((المطالب الغالية بزوائد المسانيد الثمانية»، وفي الرسالة المستطرفة للكتّانيّ (ص ١٢٨): ((المطالب العليّة في زوائد المسانيد الثمانية))، ولعله تصحيف مطبعي أو من النساخ. ٣ - أنّ نسخ الكتاب التي بين أيدينا اتفقت على هذا العنوان. المطلب الثاني مطابقة التسمية للمضمون إجمالاً جمع كتاب المطالب العالية ثمانية مسانيد فعلاً كما هو مذكور في مقدمته، وهي: ١ - مسند الطيالسيّ. ٢ - مسند الحميديّ. ٣ - مسند مسدّد. ٤ - مسند ابن أبي عمر. ٥ - مسند أحمد بن منيع. ٦ - مسند ابن أبي شيبة. ٧ - مسند الحارث بن أبي أسامة. ٨ - مسند عبد بن حميد. (١) معجم الشيوخ (ص ٧٦). ٧٨ لكنّ الحافظ لم يلتزم بذكر هذه المسانيد فقط، بل زاد عليها مسند أبي يعلى ومسند إسحاق بن راهويه ويرجع السبب في ذلك إلى أنّ الكتابين الأخيرين ليسا كاملين؛ إذ وقع له من الثاني نحو النصف، ووقع له من الأوّل الرواية الكبرى - وهي رواية ابن المقرىء - وهي التي فات الهيثمي إفراد زوائدها، فأراد الحافظ ذكر ما فاته؛ لكون الهيثمي اعتمد في إفراد زوائد أبي يعلى على الرواية الصغرى - وهي رواية أبي عمرو بن حمدان -. وأشار إلى هذا الاعتذار تلميذه ابن فهد المكي في لحظ الألحاظ(١). فلعلّ الحافظ أراد بقوله ((المسانيد الثمانية)) أي ثمانية مسانيد كاملة، وبذلك يتّضح مدى المناسبة بين تسمية الكتاب ومضمونه، علماً بأن الحافظ زاد كتباً أخرى غير التي ذكرت، كمسند البزّار والروياني وكتاب ابن منده في الصحابة وغيرها، لكنه لا يذكرها استقلالاً، وإنما تبعاً، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله . 1 (١) (ص ٣٣٤). ٧٩ المبحث الثاني توثيق نسبة الكتاب للمُؤلّف لا يتطرق أدنى شك إلى أن هذا الكتاب وهو (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية) من تأليف الحافظ ابن حجر العسقلاني، ويدلّ على ذلك عدة أمور، وهي: ٠٠ ١ - ذكر الحافظ له في مؤلفاته كما في كتاب المعجم المفهرس. ٢ - ذكرُ غالب من ترجم للحافظ له في كتبهم كابن فهد المكي في لحظ الألحاظ (ص ٣٣٣)، وابن تغري في المنهل الصافي (٢٦/٢)، والسخاوي في الجواهر والدرر (ق ١٧٦ أ) وفي الضوء اللامع (٣٨/٢)، وتلميذه البقاعي في عنوان الزمان (١/ ق ٥٢)، وابن خليل الدمشقي في جمان الدرر (ق ٧٢ ب)، والسيوطي في طبقات الحفاظ (ص ٥٥٣)، وابن العماد في شذرات الذهب (٢٧١/٧)، والكتّاني في الرسالة المستطرفة (ص ١٢٨)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١٧١٤/٢)، وعبد الحي الكتائب في فهرس الفهارس (٣٣٤/١)، وإسماعيل باشا البغدادي في هدية العارفين (١٣٠/٥)، وغيرهم. ٣ - النقول منه والعزو إليه مع تسميته ونسبته له، ووجود هذه النقول فيه، وممن نقل عنه البوصيري في كتابه (إتحاف الخيرة)، وقد صرّح بالنقل أحياناً(١)، وأحياناً لا يصرّح(٢). (١) ينظر: إتحاف الخيرة (١١٣٥/١) و(١٧١/٣) و (١٠٧/٣ ب). (٢) ينظر: إتحاف الخيرة (١٥/١أ) و(١٦٩/١). ٨٠