Indexed OCR Text

Pages 41-60

٣ - حَفِظ بعد ذلك الكتب المختصرة في مبادىء العلوم مثل ((العُمْدَة
في الأحكام)) للمقدسي، ومختصر ابن الحَاجِب في علم الأصول، وألفِيَّة
العراقيّ، وكتاب ((الحاوي)) الصغير لأبيه.
٤ - في سنة ٧٨٥هـ جاور بمكة وسمع بها: ((صحيح البخاري)) على
العفيف النشاوري(١).
٥ - واجتهد في طلب العلم فاهْتَمَّ بالأدب والتاريخ وهو لا يزال في
المكتب ..
وبلغ به الحرص على تحصيل العلم مَبْلغاً جعله يَسْتَأْجِر أحياناً بعض
الكتب(٢) ويطلب إِعَارَتَها له.
كلُّ هذا وغَيْرِه كثير ممّا يدلّ على نَهَم هذا الغلام، وحبّه للعلم، لِمَا
رزقه الله مِنْ سرعةٍ في الحفظ، وشِدَّة في الذكاء ... إلاَّ أنّ ذلك ما لبث أنْ
تناقص ورجع إلى الوراء، فأصابه فتور عن التحصيل. وتعزو المصادر سبب
هذا الفتور إلى عدم وجود من يحثّه على الاشتغال بالعلم بعد موت وَصِيِّه
الخَرُّوبِيّ سنة (٧٨٧هـ) إلى أنْ اسْتَكْمَل سبع عشرة سنة وذلك في سنة
(٧٩٠هـ) (٣).
وفي أثناء هذا الفتور حُبِّب إليه النظر في التاريخ والأدبيَّات، ففاق في
(١) هو أبو محمد عفيف الدين عبد الله بن محمَّد بن محمَّد بن سليمان، النشاوري المكِّي.
أصله من نَيْسَابور، ولد سنة (٧٠٥هـ)، قال الحافظ ابن حجر: هو أوّل شيخ سمعتُ
عليه الحديث.
توفي سنة (٧٩٠هـ). انظر: الدُّرَر الكامنة (٣٠٠/٢، ٣٠١)؛ وإنْباء الغُمْرِ (٣٠٠/٢)؛
والجواهر والدرر (ق ١٨: أ).
(٢) الجواهر والثُّرَر (ق ١٨: أ).
(٣) انظر: جُمَان الدُّرَر (ق ٤: ب).
٤١

فنونهما، حتى كان لا يسمع شعراً إلاَّ استحضر مِنْ أين أخذه(١).
إلاَّ أنَّ هذا الفتور ما لبث أنْ فارقه، فقد استمرَّ عليه حتى عام (٧٩٦هـ)
حينئذٍ أَقْبَل على العلم بِكُلِّيَّتِهِ، وحرص على الطلب وخاصَّة في عِلْم الحديث،
وهذه بداية ما يمكن الإِطلاق عليه :
المرحلة الثالثة: فَأَقْبل - رحمه الله - على العلم، وعزم على التحصيل،
وصمَّم على المُضِيِّ الجادِّ في الطَّلب(٢)، واشتغل بعلم الحديث من جانب،
إضافة إلى اهتمامه السابق بعلم التاريخ، مِمَّا أعانه على معرفة الرجال في أسْرع
مُدَّة.
ومِن وَقْتِها وهو جادٌّ في الدَّرْس والتحصيل، ومُلاَزَمَة الشيوخ، والرحلة
في الطلب، والإِكثار مِنْ ذلك ... وهذا ما سَتَطْرُق بابه في السطور التالية.
أهم العوامل التي ساعدت الحافظ في نبوغه:
ولَعَلَّ مِمَّا أعان الشيخ - رحمه الله - على سُرْعة التحصيل وكثرة الإِنتاج:
ما منحه الله - عزَّ وجلَّ - مِنْ أسباب كثيرة تتجلَّى في هذه الأمور الثلاثة:
((١ - سرعة القراءة الحَسَنَةِ: فقد قرأ ((سُننَ ابن مَاجَه)) في أربعة
مجالس، وقرأ (السنن الكبرى)) للنَّسَائِي في عَشْرة مجالس، وكذا ((صحيح
البخاري)) انتهى منه في مجالس أربعة(٣) ... وغير ذلك كثير.
٢ - سرعة الكتابة: فقد كتب بخطّه ((التقييد)) لابن نُقْطَّة في خمسة
أيّام(٤)، وكان يَكْتب من ((صحيح البخاري)) جُزْءاً من ثلاثين في
(١) معجم الشيوخ (ص ٧١).
الجواهر والذُّرَر (ق ١٨: أ)؛ وجُمَان الذُّرَر (ق ٤: ب).
(٢)
(٣)
جُمَان الدُّرَر (ق ١٠ : ب).
الجواهر والدُّرَرِ (ق ٢٩: أ)؛ وجُمَان الذُّرَر (ق ١١: ب).
(٤)
٤٢

اليوم(١).
٣ - ذكاؤه وقابليّتُه على الانْتِقاء، مِمَّا سهّل عليه كثيراً من الأمور وهو
يُقَتِّش في مصنَّفات الحديث المُذْهِلَةِ(٢)).
ومن العوامل التي ساعدت على نبوغه واستفادته منها:
٤ - ما آتاه الله من ذكاء وسرعة في البديهة، والفهم، والقراءة،
والكتابة، مما جعله يستوعب قدراً كبيراً من المسموعات، ويُدَوِّنها في مدة
قصيرة.
٥ - ثم ما تحلى به من الصبر والعزم، والهمة العالية، وإلاّ فقد تعرض
لمخاطر كبيرة في رحلاته ممثلة في الغرق، والعطش، وقطع الطريق، وغيرها،
فكان الحافظ ممن ينطبق عليه قول المتنبي:
تعبت في مرادها الأجسام
وإذا كانت النفوس كباراً
وكان يكتب وهو في المركب براً وبحراً.
٦ - (ومنها الرفاق الذين كانوا غاية في الديانة والتواضع، والاعتناء
بالبيان، والاهتمام بفنونه، والبعد عن التَّوَغُّل في الغل والحسد والكتمان،
وتكرر ذكر ما يقتضي الامتنان، فذا يعين رفيقه نوبة بالقراءة، ومرة بالكتابة،
وأخرى بالعارية، ووقتاً بالمذاكرة، ومرة بالتنبيه على ما السلامة منه مختصة
وكتاب ((التقييد لمعرفة الرُّوَاة والسُّنَن والمسانيد)) لأبي بكر محمَّد بن عبد الغني الشهير
بِابْنِ نُقْطَة المتوفّى سنة (٦٢٩هـ). انظر في ترجمته: وَفَيَات الأَعْيَان (١/ ٢٥٠)؛
والوافي بالوَفَيَّات (٢٦٧/٣). وكتابه هذا جَمَع فيه رُوَاة الكتب السنّة وغيرها من السُّنَّن
والمسانيد، كما صرَّح بذلك في مقدّمته للكتاب (٢/١).
(١) الجواهر والدُّرَر (ق ٢٩:أ).
وقد طبع الكتاب عِدَّة طبعات منها: طبعة دار الحديث/ بيروت، عام ١٤٠٧ هـ.
(٢) انظر: ابن حجر ودراسة مصنفاته (١٣٧/١).
٤٣

بالمعصومين، والآخر يفعل مع رفيقه أيضاً كذلك، ويُجَمِّل كل واحد منهم
الآخر بقلمه ولسانه، ويوجه ما ظاهره القبيح من قول أو فعل بالتوجيه المرضي
حتى يصرفه عما يخالفه، ويُثني من تأخرت وفاته على صاحبه الثناء الجميل،
ولتلبسهم بذلك كانت لهم جلالة ووجاهة، وفيهم كثرة.
فأين هؤلاء ممن إذا کتب له رفيقه تجاه خطه: صوابه كذا، وقال له في
حال قراءته: سقط عليك كذا، وكتب له على بعض ما يطالعه من خطه على
جاري عادة المستفيدين بعضهم من بعض؛ يُضْمِر ذلك في نفسه إلى أن ينتقم بما
يكون قصاصاً عن جناية بل ويهجوه نظماً ونثراً). اهـ. ملخصاً(١).
٧ - (ومنها كونه لم يَتَوَدَّد في غضون هذه المدة لأحد من رؤساء
الشام، بل لم يكن حينئذ يجتمع بأحد من الرؤساء مطلقاً مع احتياجهم إلى
مجالسته، واغتباطهم برؤيته. بل كانت همته المطالعة، والقراءة، والسماع،
والعبادة، والتصنيف، والإفادة، بحيث لم يكن يُخلي لحظة من أوقاته عن شيء
من ذلك حتى في حال أكله، وتوجهه، وهو سالك کما حکی بعض رفقته الذین
كانوا معه في رحلته، وإذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه)(٢).
وحوادث وأمثلة هذا كثيرة من حیاته - رحمه الله - .
(١) الجواهر والدُّرَر (١٠٩/١).
(٢) المصدر السابق (١١٠/١).
٤٤

المبحث الرابع
رحلاته
الرحلة في طلب تحصيل العلوم الشرعية من الأعمال الصالحة، وخاصّة
الرحلة في طلب الحديث، وقد ألّف بعض الأئمة في فضلها وآدابها تآليف
جامعة(١).
وللرحلة في طلب العلم فوائد كثيرة تنعكس على شخصية العَالِم وتُعطينا
صورة عن مدى اطلاع العَالِم وتمكنه.
وإمامنا الحافظ قد أخذ من ذلك بالحظ الوافر، فشدَّ الرحال وتنقّل في
البلدان، وبذل في ذلك المال متحملاً للمشاق والمتاعب والأهوال.
فرحل أولاً إلى مكة سنة (٧٨٤هـ) مع وصيه الخروبي للحج والمجاورة
فسمع على الشيخ عفيف الدين النشاوري أغلب البخاري(٢) وعاد سنة
(٧٨٦هـ).
وفي سنة (٧٩٣هـ) رجل إلى قوص وغيرها من بلاد الصعيد فلقي فيها
جماعة من العلماء.
(١) ألّف في ذلك الخطيب البغدادي كتاباً سمّاه (الرحلة في طلب الحديث)، وهو كتاب
قيّم طُبع مراراً بتحقيق العِثْر.
(٢) الجواهر والدُّرَر (٦٣/١).
٤٥

وفي سنة (٧٩٧هـ) رحل إلى الإِسكندرية وبقي بها عدة أشهر.
ثم رحل إلى اليمن وذلك سنة (٧٩٩هـ)، وتجوّل في مدنها كتعز وعدن
والمُهجم ووادي الخطيب وغيرها، وأخذ عن أعيانها الكثير.
ولما سمع به صاحب اليمن الملك الأشرف إسماعيل بن عباس، دعاه
ليلتقي به، فأحسن إليه وأكرمه، ورجع ابن حجر من اليمن إلى مكة سنة
(٨٠٠هـ)، وحجّ حجّة الإسلام(١).
وفي سنة (٨٠٢هـ) خرج إلى الشام للأخذ عن من بها من الشيوخ
والمحدثين والمسندين، حيث ظلّ مقيماً بها مائة يوم، وقد اتّسعت معارفه كثيراً
بما أخذه عن العلماء بها، واستفاد من العلماء الذين صافهم في طريقه إلى
الشام، ومن هذه المدن: نابلس وغزّة والرملة وبيت المقدس والخليل
وسرياقوس وغيرها(٢). وقد حصل له في هذه المدّة - مع قضاء أشغاله ــ ما
بين قراءة وسماع ومطالعة من الكتب المجلدات أو الأجزاء ما لم يحصل له في
رحلة أخرى.
وعاد ابن حجر إلى اليمن للمرّة الثانية سنة (٨٠٦ هـ) - حيث جاور
بمكة بعض تلك السنة -، فلقي بها أيضاً بعض من التقى معهم في رحلته
الأولى.
وفي هذه المرّة انصدع المركب الذي كان فيه الإِمام، فغرق جميع ما معه
من الأمتعة والنقد والكتب، ثم يسّر الله إنقاذ أكثرها بعد أن دفع ابن حجر مالاً
كثيراً للذين استخرجوها(٣).
(١) الجواهر والدُّرَر (ص ٨٩).
. (٢) المصدر السابق (ص ٨٩ - ٩٠).
(٣) الجواهر والدُّرَر (ص ٩٢ - ٩٣)؛ وابن حجر مؤرّخاً (ص ٤١ - ٤٣).
٤٦
۔۔

ورحل ابن حجر إلى الحجاز أكثر من مرّة للحجّ والمجاورة وطلب العلم،
فلقي بمكة وبمنى والمدينة النبوية جمعا من العلماء والمسندين، وذلك سنة
(٨٢٤ هـ)(١).
وفي سنة (٨٣٦هـ) سافر إلى حلب ومنها إلى دمشق، وفي طريقه مرّ
بحمص وحماة وسمع فيهما من بعض الشعراء وأهل الحديث.
وممن سمع منه بحلب الشيخ الإِمام برهان الدين سِبْط ابن العَجْمي. وقد
حصل في رحلته هذه على فوائد ودُرر سجّلها في تذكرته التي سماها (جلب
حلب) في نحو أربعة أجزاء حديثية(٢).
كما حدّث هناك وأقرأ وعقد المجالس، وهكذا شهدت حياة هذا الإِمام
رحلات كثيرة في طول البلاد وعرضها(٣)، فأخذ عن أعيانها وسمع منهم
وأسمعهم، واستفاد منهم وأفادهم.
(١) المصدر نفسه (ص ٩٥ - ٩٧).
(٢) المصدر نفسه (ص ١١٧).
(٣) ذکر السخاوي في الجواهر جميع البلاد التي سافر إليها ابن حجر ورتبها على حروف
المعجم (ص ١٣٠)، فلتنظر هناك.
٤٧

:.
المبحث الخامس
أعماله في القضاء
إنما تعرضت لهذه النقطة الأمور، منها:
١ - بعد اطلاعي على شيء من سيرته علمت أن القضاء قد أخذ قدراً
غير قليل من عمره فلا ينبغي إغفاله.
٢ - ما تعرض له من أجل القضاء من المحن والابتلاء.
٣ - عاب بعضهم عليه دخوله في القضاء، فعلى الباحث دفع هذه
الشبهة .
٤ - إذا علمنا أنه جمع بين القضاء والتدريس والتأليف، فلم يهمل جانباً
على حساب جانب آخر، فإبراز ذلك كان منقبة أخرى للحافظ ابن حجر.
وبعد هذا أقول: إن القضاء في عهد ابن حجر كان وظيفة عالية لا تسند
إلَّ إلى قلة من العلماء البارزين المشهود لهم بالأمانة والورع فابن حجر كان
ممن يشار إليه بالبنان لعلمه وشهرته، ولذلك طُلب منه الدخول في سلك
القضاء .
وكان رحمه الله مصمماً على عدم الدخول في القضاء حتى إنه لم يوافق
الصدر المناوي لما عرض عليه النيابة عنه(١).
وفوّض إليه الملك المؤيّد القضاء بالمملكة الشامية مراراً فأبى وأصرّ على
(١) الضوء اللامع (٣٨/٢).
٤٨

الامتناع(١) ثم ألحّ عليه القاضي جلال الدين البلقيني(٢) وكان بينهما مزيد
اختصاص حتى ناب عنه، وجرّ ذلك إلى النيابة عن غيره(٣).
فلما كان في المحرم سنة سبع وعشرين فوض إليه القضاء بالقاهرة وما
يتبعها فباشر ذلك بعفة ونزاهة فلما كان في ذي القعدة من السنة صرف نفسه ثم
في أول رجب من سنة ثمان وعشرين أُعيد للقضاء، واستمر إلى صفر من سنة
ثلاث وثلاثين فصرف(٤)، ولا زال كذلك إلى أن أخلص في الإقلاع عنه عقب
صرفه في جمادي الثانية سنة اثنتين وخمسين بعد زيادة مدة قضائه على إحدى
وعشرين سنة، وزهد في القضاء زهداً تاماً لكثرة ما توالى عليه من المحن بسببه
وصرّح بأنه لم تبق في بدنه شعرة تقبل اسمه(٥) .
أما ما يتعلق بولده بدر الدين فكان والده حريصاً على تعليمه وتهذيبه
فحفظ القرآن وصلّى بالناس وأسمعه الحديث على كبار المحدثين، وبلغ من
حرصه أن صنف كتابه (بلوغ المرام) لأجله، واشتغل بأمر القضاء والأوقاف
مساعداً لوالده، وولي في حياة أبيه عدة وظائف، منها الإِمامة بجامع
طولون (٦).
(١) لحظ الألحاظ (ص ٣٣٠).
(٢) جلال الدين البلقيني هو عبد الرحمن بن عمر بن رسلان بن نصير البلقيني تفقه على
أبيه، ولم يأخذ عن غيره كان مفرطاً في الذكاء قوي الحفظ قال ابن حجر: إنه كان من
عجائب الدنيا في سرعة الفهم توفي سنة (٨٢٤هـ). إنباء الغمر (٤٤٠/٧)؛ والضوء
اللامع (١٠٦/٤)؛ والنجوم الزاهرة (١٤/ ٢٣٧).
(٣) انظر: الذيل على رفع الإصر (ص ٨٠)؛ والمنهل الصّافي (٢٠/٢).
(٤) لحظ الألحاظ (ص ٣٣٠). وانظر: تفاصيل العزل والإعادة في المنهل الصافي
(٢١/٢)؛ ومعجم الشيوخ لابن فهد (ص ٧٣)؛ وحسن المحاضرة (١٧٤/٢)؛ وابن
حجر ودراسة مصنفاته (٢٣٦/١).
(٥) الضوء اللامع (٣٨/٢). وانظر: ابن حجر ودراسة مصنفاته (٢٣٥/١).
(٦) انظر: ابن حجر ودراسة مصنفاته (١٠٧/١، ١٠٨).
٤٩

وقد عاب بعض العلماء عليه دخوله في القضاء وكان الأولى والأرفع له
درجة عند الله وعند المسلمين أن يتنزه عنه ويشتغل بدله بالتأليف ... إلخ.
وقد كفاني مؤونة الردّ المعلِّقُ على لحظ الألحاظ حيث قال:
كأن المصنف يريد أن يجعل جميع العلماء من المجاورين بالحرمين
الشريفين مثله غير ناظرٍ إلى ما يترتب على ذلك من اختلال مصالح المسلمين
بتوسيد الأمور إلى غير أهلها، وابن حجر قد نفع المسلمين بقبوله القضاء مدة
طويلة، ولم يمنعه ذلك من نشر العلم وكثرة التأليف. وتلامذته المبرزون
وتصانيفه الممتعة شهود عدل على ذلك(١).
قلت: إن القضاء إذا دخل فيه الإِنسان، وعنده علم، وحكم بين الناس
بشرع الله كان هذا من أفضل ما يتقرب به إلى الله.
وإن كثيراً ممن يتنزه عن القضاء ينظر إلى الوعيد الذي ورد فيه ولا ينظر
إلى العواقب التي تترتب على ما لو تخلى عن القضاء من كان عنده أهلية لأن به
تستقيم مصالح العباد والمسلمون يدفعون اليوم الثمن غالياً بسبب تفريطهم في
هذا الجانب المهم.
وكان من أثر ذلك أن أتى إلى القضاء أحمد بن أبي دواد وأمثاله، فوثّقوا
علاقتهم مع الأمراء حتى دسّوا عليهم مذهبهم في خلق القرآن واقتنع به الأمراء
وأجبروا الناس على الاعتقاد بذلك، وحصل من الفتنة ما لا يتصور، وإلى يومنا
هذا تعاني كثير من الدول الإسلامية مشاكل لا تحدّ بحدود بسبب التحكيم بغير
شرع الله، والله المستعان.
000
(١) هامش لحظ الألحاظ (ص ٣٣١، ٣٣٢).
٠
٥٠

المبحث السادس
أهم شيوخه
ذكرنا فيما سبق أن من أهم أسباب نبوغ هذا الإِمام وسعة اطلاعه هو ما
اجتمع له من الشيوخ الذين يشار إليهم ما لم يجتمع لغيره، وكان كل واحد منهم
رأساً في الفن الذي اشتهر به.
وهؤلاء الشيوخ منهم من كان في بلده، ومنهم من كان في بلد آخر كان
اجتماعه بهم نتيجة الرحلات العلمية التي قام بها. وقد ذكر عددهم الحافظ في
كتابه (المجمع المؤسّس)، فزاد عددهم على (٦٤٠ نفساً)(١)، مُرتَّبين على
حروف المعجم وقسمهم فیه علی قسمین:
القسم الأول: من حمل عنهم على طريق الرّواية.
والثاني: من أخذ عنهم على طريق الدراية، وأضاف إلى الثاني من أخذ
عنه شيئاً بالمذاكرة من الأقران ونحوهم (٢).
وقسّمهم السخاوي إلى ثلاثة أقسام :
الأول: من سمع منه الحديث ولو حديثاً واحداً.
الثاني: من أجازوا له.
(١) ابن حجر ودراسة مصنفاته (١٤٤/١).
(٢) المجمع المؤسس (٧٦/١).
٥١

الثالث: من أخذ عنه مذاكرة أو إنشاداً أو سمع خطبته أو تصنيفه (١).
فذكر في القسم الأول ما يزيد على (٢٣٠) نفساً.
وفي القسم الثاني ذكر ما يزيد على (٢٢٠) نفساً.
وفي القسم الثالث ذكر ما يزيد على (١٨٠) نفساً، ثم قال: فجملة
الأقسام الثلاثة ستمائة وأربعة وأربعون نفساً(٢).
وقد حظي - رحمه الله - بالتتلمذ على كبار أئمة عصره؛ قال
الشوكاني - رحمه الله -: ((أدرك من الشيوخ جماعة كل واحد رأسٌ في فنه
الذي اشتهر به، فالتنوخي في معرفة القراءات، والعراقي في الحديث، والبلقيني
في سعة الحفظ وكثرة الاطلاع، وابن الملقن في كثرة التصانيف، والمجد
صاحب القاموس في حفظ اللغة، والعزبن جماعة في تفننه في علوم
کثیرة. اهـ.
وقال الحافظ في ترجمة شيخه ابن الملقن: ((وهؤلاء الثلاثة (العراقي
والبلقيني وابن الملقن) كانوا أعجوبة هذا العصر على رأس القرن، الأول في
معرفة الحديث وفنونه، والثاني في التوسع في معرفة مذهب الشافعي، والثالث:
في کثرة التصانيف. اهـ.
وسأقتصر في هذه العُجالة على بعض شيوخه الذين كان لهم الأثر الواضح
في تكوين شخصية ابن حجر العلمية:
(١) الجواهر والدُّرَر (ق ٤٣: ب)، والمطبوع (١٣٤/١)، وابن حجر ودراسة مصنفاته
(١٤٤/١).
(٢) انظر: الجواهر والدُّرَر (ق ٤٣ - ٥٣).
٥٢

أولاً - الحافظ العراقي (٧٢٥ - ٨٠٦هـ)(١):
هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، العراقي الأصل، أبو الفضل
الكردي، صاحب التصانيف المفيدة المشهورة. ويُعدّ من أبرز شيوخ ابن حجر
وأهمهم في علوم الحديث، وهو أبرز شخصية تأثر بها. والعراقي - رحمه
الله - من أئمة هذا الشأن ونقّاده الذي شهد له بالتفرد في فنه أئمة عصره
وأوانه(٢).
لازمه ابن حجر مدّة طويلة (من ٧٩٦هـ إلى ٨٠٦هـ)، وقرأ وسمع عليه
الكثير من الكتب والأجزاء والعوالي والأمالي ونحوها مما لا يتسع ذكره ها
هنا(٣).
ثانياً - البُلْقِيني (٧٢٤ - ٨٠٥هـ) (٤):
هو عمر بن رَسْلان بن نُصيْر بن صالح البُلقيني، أبو حفص المصري
الشافعي، الشيخ الفقيه المحدّث، وهو من أبرز شيوخ ابن حجر في الفقه، وکان
أعجوبة في عصره في التوسع في معرفة مذهب الشافعي خاصة، والمذاهب
(١) ينظر في ترجمته: إنباء الغُمر (١٧٠/٥)؛ ولحظ الألحاظ (ص ٢٢٠)؛ وطبقات
الحفّاظ للسيوطي (ص ٥٤٣)، وينظر كذلك: الدراسة التي كتبها الدكتور عبد الكريم
الخضير في مقدّمة تحقيقه لشرح ((ألفية العراقي)) للسخاوي (فتح المغيث) في رسالته
التي أعدّها لنيل درجة الدكتوراه في السنّة وعلومها. وقد استغرق ذلك مجلّدة كاملة.
ولشيخنا الدكتور/ أحمد سعيد دراسة وافية عن العراقيّ في رسالته العلميّة لنيل درجة
الدكتوراه.
(٢) لحظ الألحاظ (ص ٢٢٠).
(٣) ينظر: الجواهر والدُّرَر (ص ١٩١ - ٢٠٣)، وأعتذر في هذه العجالة عن الاختصار
المقصود، وإلاّ، فالعراقي قد أفرد ببحث مستقل أشرنا إليه قبل قليل.
(٤) ينظر في ترجمته: إنباء الغُمر (١٠٧/٥ - ١٠٩)؛ وطبقات الحفّاظ للسيوطي
(ص ٥٤٢)؛ والبدر الطالع (١ / ٥٠٦).
٥٣

الأربعة عامة، واستفاد منه فقهاء المذاهب الأربعة. أجاز له من دمشق الحافظان
الذهبي والمزي، كما أجاز له ابن الخبّاز وابن نباتة، وآخرون.
قال ابن حجر: ((لازمت الشيخ مدّة، وقرأت عليه عدّة أجزاء حديثية،
وسمعت عليه أشياء، وحضرت دروسه الفقهية، وقرأت عليه من الكتب
(الروضة)، ومن كلامه في حواشيها، و(دلائل النبوة) للبيهقي، وقرأت عليه
(المسلسل بالأوّلية))). كما قرأ عليه جزءاً من (الحلية)، وسمع عليه الكثير من
صحيح البخاري وصحيح مسلم، والكثير من سنن أبي داود ومختصر
المُزني(١).
ثالثاً - ابن المُلَقّن (٧٢٣ - ٨٠٤هـ) (٢):
هو أبو علي عُمر بن علي بن أحمد بن محمد الأنصاري المعروف بابن
المُلقُّن، وبابن النحوي؛ لأن أباه كان عالماً بالنحو. الأندلسي الأصل ثمّ
المصريّ، الشافعيّ، صاحب التصانيف المفيدة.
وقد اجتمع ابن المُلقِّن بجماعة من الأئمة في عصره كالتاج السبكي
والحافظ العلائي، فأثنوا عليه ونوّهوا به، كما وصفه تلميذه الحافظ الناقد ابن
ناصر الدين الدمشقي بالحفظ والإتقان.
واستفاد الحافظ ابن حجر منه في كثرة تصانيفه وتنوعها وطريقته فيها، وما
يحرّره من فوائد خاصة في تخريجه المعروف (البدر المنير)، وهو موسوعة
عظيمة تدل على سعة اطلاع هذا الإِمام وتبحّره، وقد لخّص ابن حجر هذا
الكتاب في (التلخيص الحبير).
(١) الجواهر والدُّرَر (ص ٦٩ - ٧٠)؛ وتغليق التعليق (١١٥/١).
(٢) يُنظر ترجمته في: إنباء الغُمر (٤١/٥ - ٤٦)؛ وطبقات الحفّاظ (ص ٥٤٢)؛ ولحظ
الألحاظ (ص ١٩٧).
٥٤

رابعاً - ابن جَمَاعة (٧٤٩ - ٨١٩هـ) (١):
هو محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جَمَاعة،
أبو عبد الله الكنانيّ، الحموي الأصل، المصري، الشافعي، المحقّق المُتقن
الأصولي المتكلم ... شيخ الديار المصرية في العلوم العقلية.
أخذ عن البلقيني في الحاوي وغيره، وأجاز له خلق من الشاميين
والمصريين بعناية الحافظ العراقي، واشتغل بالعلوم من صغره، ومال لفنون
المعقول فأتقنها.
قال السخاوي: ((لم يرزق ملكة في الاختصار، ولا سعادة في حسن
التصنيف إلى أن قال: بلى كان أعجوبة في حسن التقرير))(٢).
ولازمه الحافظ ابن حجر مدّة طويلة (من ٧٩٠ إلى ٨١٩هـ)، حيث
لازمه في غالب العلوم التي كان يقرئها. وقد أخذ عنه في الأصول
(شرح منهاج البيضاوي) و (جمع الجوامع) وشرحه لابن جماعة نفسه،
وغيرها.
قال عنه ابن حجر: ((لازمته من سنة تسعين إلى أن مات، وكان يودّني
كثيراً، ويشهد لي في غيبتي بالتقدم، ويتأدّب معي إلى الغاية مع مبالغتي في
تعظيمه، حتى كنت لا أسمّيه في غيبته إلاَّ إمام الأئمة))(٣).
(١) يُنظر ترجمته في: إنباء الغُمر (٢٤٠/٧)؛ وشذرات الذهب (١٣٩/٧)؛ والبدر الطالع
(١٤٧/٢).
(٢) الضوء اللامع، للسخاوي (١٧٢/٧)، وانظر: إنباء الغمر (٢٤١/٧).
(٣) إنباء الغُمْر (٢٤٢/٧).
٥٥

خامساً - الفيروزابادي (٧٢٩ - ٨١٧هـ) (١):
هو محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر بن أبي بكر الشيرازي
الفيروزابادي، اللغوي الشافعي، إمام عصره في اللغة.
كان كثير الكتب، حتى إنه قال: ((اشتريت كتباً بخمسين ألف مثقال
ذهب)). ومن مروياته الكتب الستة (وسنن البيهقي)، و (مسند أحمد)،
و (صحيح ابن حبّان)، و (مصنّ ابن أبي شيبة) وغيرها.
وأما معرفته باللغة واطلاعه على نوادرها، فأمر مستفيض. لقيه الحافظ
بزَبِيد في رحلته لليمن كما تقدم، وقرأ عليه ثمانين حديثاً من العوالي، وتناول
منه النصف الثاني من القاموس وأذن له في روايته عنه، وقرظ له تغليق التعليق.
وله تصانيف كثيرة جليلة في شتّى الفنون، ومن أهمها وأشهرها (القاموس
المحيط) الذي لم يُؤْلَّف في بابه مثله، وهو بحق جدير بالعناية والنظر.
سادساً - الهيثمي (٧٣٥ - ٨٠٧هـ)(٢):
هو الحافظ أبو الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر الهيثمي،
المصري، الشافعي نور الدين، الإِمام الزاهد، صاحب التصانيف الكثيرة.
صحب العراقي وهو صغير، فسمع معه من ابتداء طلبه على جماعة من
شيوخه، ثم رحل مع العراقي جميع رحلاته، ورافقه في جميع مسموعاته بمصر
والقاهرة والحرمين وبيت المقدس وبعلبك وحمص وحماة وحلب وطرابلس
وغيرها. وتزوج بنت العراقي، وتخرّج به في الحديث، وقرأ عليه أكثر
مصنفاته، و کتب عنه جمیع مجالس إملائه.
(١) يُنظر في ترجمته: إنباء الغُمر (١٥٩/٧)؛ والبدر الطالع (٢/ ٢٨٠)؛ وشذرات الذهب
(١٢٦/٧)؛ والجواهر والدُّرَر (ص ٨٠ - ٨٧).
(٢) يُنظر في ترجمته: إنباء الغُمر (٢٥٦/٥)؛ ولحظ الألحاظ (ص ٢٣٩)؛ وطبقات
الحفّاظ (ص ٥٤٥)؛ وشذرات الذهب (٧/ ٧٠)؛ والبدر الطالع (١/ ٤٤١).
٥٦

وكان كثير المحفوظات لمتون الأحاديث واستحضارها، حتى كأنّها بين
يديه، ويُعدّ الهيثمي الرائد في فن الزوائد، وله في ذلك مصنّفات جليلة،
أعظمها: كتاب (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) و (غاية المقصد في زوائد مسند
الإِمام أحمد)، وكان تأليفه بإشارة من شيخه العراقي، و (بغية الباحث عن زوائد
مسند الحارث)، و (موارد الظمآن في زوائد ابن حبّان) على الصحيحين،
وغيرها.
وقرأ الحافظ عليه قريناً للعراقي ومنفرداً، وقرأ عليه انفراداً نحو النصف
من (مجمع الزوائد)، ونحو الربع من (زوائد مسند أحمد)، و (مسند جابر) من
(مسند أحمد)، وغير ذلك.
وقد تتبع ابن حجر أوهامه في (مجمع الزوائد)، فلما بلغه أنّ ذلك شقّ
عليه، تر که رعاية له.
٥٧

المبحث السابع
أبرز تلاميذه
ليس غريباً أن يعلو ذكره ويرتفع قدره، ويشتهر في الآفاق بين الخاصة
والعامة، وتسير بكتبه وتصانيفه الركبان، وليس غريباً أن يكون محطّ أنظار طلبة
العلم وقد جاب البلاد الإسلامية دهراً طويلاً، وحصل له من المسموعات
والإِجازات والقراءات ما لم يحصل لكثير من أقرانه.
هذا بالإضافة إلى الأخلاق النبيلة التي كان عليها الحافظ ابن حجر، فكان
محباً لطلابه يبشّ في وجوههم، ويحسن إليهم ويقضي حوائجهم، وقد نوّه
بذلك غير واحد من تلاميذه وأقرانه(١).
ولقد سرد السخاوي في (الجواهر والدرر) أسماء جماعة من الذين أخذوا
عنه رواية ودراسة، وأوصل عددهم إلى خمسمائة شخص، وسأذكر أبرزهم على
وجه الإيجاز:
أولاً - الحافظ السخاوي (٨٣١ - ٩٠٢ هـ) (٢):
هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، شمس الدين السخاوي
الجواهر والدُّرَر (ص ٢٢٦ - ٢٢٧).
(١)
٢٢) . .
٧٠١
(٢) ينظر في ترجمته: البدر الطالع (١٨٤/٢)؛ وشذرات الذهب (١٥/٨)؛ ونظم العقيان
للسيوطي (ص ١٥٢) وقد شنّع عليه وبخسه حقّه لما بينهما من منافسة.
٥٨
٠

الأصل، القاهري المولد، الشافعي المذهب، وهو من كبار العلماء المؤرّخین،
والأئمة المتقنين. لازم الحافظ ابن حجر ملازمة طويلة، وأخذ عنه أكثر
تصانيفه، وقدّمه الحافظ، وأذن له وهو بحقّ أنجب تلامذة ابن حجر.
ومن مصنفاته البديعة (فتح المغيث) في شرح ألفية الحديث للعراقي
و (المقاصد الحسنة)، و (الضوء اللامع لأهل القرن التاسع)، و (الجواهر
والدُّرَر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر)، وغيرها.
ثانياً - برهان الدين البِقَاعي (٨٠٩ - ٨٨٥هـ)(١):
هو الإِمام إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّباط - بضم الراء المهملة وتخفيف
الموحّدة - بن علي البقاعي، الشافعي، الحافظ المفسّر، المؤرّخ الأديب. قال
الشوكاني(٢): (( ... وبرع في جميع العلوم وفاق الآفاق، لا كما قال
السخاوي: إنه ما بلغ رتبة العلماء، بل قصارى أمره إدراجه في الفضلاء ... ))،
ثم قال: ((وتصانيفه شاهدة بخلاف ما قاله(٣) ... ومن أمعن النظر في كتاب
المترجم له في التفسير الذي جعله في المناسبة بين الآي والسور (٤)، عَلِمَ أنه من
أوعية العلم المفرطين في الذكاء، الجامعين بين علمي المعقول والمنقول.
وكثيراً ما يشكل عليّ شيء في الكتاب العزيز، فأرجع إلى مطولات التفاسير
ومختصراتها، فلا أجد ما يفيد في الغالب)).
وله تصانيف كثيرة من أجلّها الكتاب الذي أشار إليه الشوكاني آنفاً،
وكتاب (عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران)، وغيرهما.
(١) ينظر في ترجمته: نظم العقيان (ص ٢٤)؛ والبدر الطالع (١٩/١)؛ وشذرات الذهب
(٣٣٩/٧).
(٢) البدر الطالع (١/ ٢٠).
(٣) يعني السخاوي.
(٤) يشير إلى كتاب البقاعي العظيم: ((نظم الدُّرر في تناسب الآي والسور))، وهو مطبوع.
٥٩

ثالثاً - التقي ابن فهد المكي (٧٨٧ - ٨٧١هـ) (١):
هو محمد بن محمد بن فهد المكي، الشافعي، أبو الفضل الهاشمي. برع
في الحديث، وأكثر من المسموع والشيوخ، وجدّ واجتهد، وعرف العالي
والنازل، وشارك في فنون الأثر، وصار المعوّل عليه في هذا الشأن ببلاد الحجاز
قاطبة(٢).
لقي الحافظ ابن حجر بمكة وسمع منه (المسلسل بالأولية) وشيئاً من
ترجمة البخاري، وجزءاً في الحج، ونخبة الفكر، وتخريج الأربعين النووية
وغيرها. ومن أشهر مصنفاته (لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفّاظ)، وقد ترجم
فيه للحافظ ابن حجر.
رابعاً - قاسم بن قُطْلُوبُغا (٨٠٢ - ٨٧٩هـ) (٣):
هو قاسم بن قطلوبُغا زين الدين، أبو العدل، الحنفي، ولد بالقاهرة
ونشأ بها وحفظ القرآن الكريم، ثم أخذ في الجد حتی شاع ذكره وذاع صيته،
وقد عُرف - رحمه الله - بالذكاء وقوّة الحافظة، وخلّف وراءه تصانيف نافعة،
منها:
١ - تاج التراجم فيمن صنّف من علماء الحنفية، وقد طبع بدار البشائر.
٢ - رجال شرح معاني الآثار للطحاوي.
وتوفي - رحمه الله - بالقاهرة.
(١) ينظر في ترجمته: لحظ الألحاظ (ص ٣٧٧)؛ والبدر الطالع (٢٥٩/٢)؛ ونظم العقيان
(ص ١٧٠)؛ وطبقات الحفّاظ (ص ٥٤٩).
(٢) ابن حجر أمير المؤمنين في الحديث (ص ٣٠٩).
(٣) ينظر في ترجمته: شذرات الذهب (٣٢٦/٧)؛ والضوء اللامع (١٨٤/٦)؛ والبدر
الطالع (٤٥/٢).
٦٠