Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١
حول زيادة الثقة
وهذا أيضًا ظاهرُ كلام الإمام أحمد، قال في رواية صالح: (قد أُنكِرَ على
مالك هذا الحديث، يعني: زيادته ((مِنَ الْمُسْلِمِينَ))، ومالك إذا انفرد بحديث
هو ثقة، وما قال أحد ممن قال بالرأي أثبتُ منه -يعني في الحديث-).
وقال: (قد رواه العمري الصغير والجُمَحِيُّ ومالك).
فَذَكَرَ أحمدُ أن مالكًا يُقبل تفرُّدُه، وعلَّل بزيادته في التثبت على غيره
وبأنه قد توبع على هذه الزيادة ... .
إلى أن قال الحافظ ابن رجب: وقال الإمام أحمدُ في رواية عنه: (كنت
أَتَهِيبُ حديث مالك ((مِنَ الْمُسْلِمِينَ)). يعني حتى وَجَدَهُ من حديث
العُمَرِيَين. قيل له: أفمحفوظ هو عندك ((مِنَ الْمُسْلِمِينَ))؟ قال: نعم.
وهذه الرواية تدل على توقُّفِه في زيادة واحد من الثقات ولو كان مثل
مالك، حتى يُتَابَعَ على تلك الزيادة، وتدل على أن متابعة مثل العمري
لمالك مما يقوي رواية مالك ويزيل عن حديثه الشذوذ والإنكار.
وسيأتي فيما بعد إن شاء الله عن يحيى القطان نحو ذلك أيضًا ....
إلى أن قال ابن رجب ◌َاللّهُ: وقال أحمدُ أيضًا في حديث ابن فضيلٍ عن
الأعمش، عن عَارة بن عُمير، عن أبي عَطِيَّة، عن عائشة في تَلبِيَة النبي
وَلِ وذكر فيها: ((وَالمُلْكُ لَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ)). قال أحمد: (وَهِمَ ابن فضيل
في هذه الزيادة، ولا تعرف هذه عن عائشة إنما تعرف عن ابن عمر). وذكر
أن أبا معاوية روى الحديث عن الأعمش بدونها، وأخرجه البخاري بدونها
أيضًا من طريق الثوري عن الأعمش وقال: تابعه أبو معاوية.
قال الخلال: (أبوعبدالله -يعني الإمام أحمد- لا يَعْبَأُ بمن خَالَفَ
٢٢
مقدمة التحقيق
أبا معاوية في الأعمشِ، إلا أن يَكُونَ الثَّورِيَّ). وذكر أن هذه الزيادة
رواها ابن نُمَيْرٍ وغيره أيضًا عن الأعمش. وكذلك قال أحمد في رواية
الميموني: (حديث أبي هريرة في الاستسعاءِ يروِيهِ ابنُ أبي عَرُوبة، وأما
شعبةُ وهمامٌ فلم يذكراه، ولا أذهبُ إلى الاستسعاء).
فالذي يدل عليه كلام الإمام أحمد في هذا الباب أن زيادة الثقة للفظة
في حديث مِن بَينِ الثقات، إن لم يكن مُبَرّزًا في الحفظ والتثبت على غيره
ممن لم يذكر الزيادة، ولم يتابع عليها؛ فلا يُقبَلُ تفرُّدُه. وإن كان ثقةً مبرِّزًا
في الحفظ على مَن لم يذكرها؛ ففيه عنه روايتان؛ لأنه قال مرة في زيادة
مالك ((مِنَ الُسْلِمِينَ)): كنت أتَهيبه حتى وجدته من حديث العُمَرِيَين. وقال
مرةً: إذا انفرد مالك بحديث هو ثقة، وما قال أحد بالرأي أثبت منه.
وقال في حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر المرفوع: ((مَنْ حَلَفَ
فَقَالَ: إِن شَاءَ اللهُ، فَلَا حَنْثَ عَلَيهِ)) خالفه الناس: عبيدُالله وغيرُه فوقفوه.
إلى أن قال ابن رجب رقماللّهُ، في ص (٣١١): وقد تكرر في هذا الكتاب
ذكر الاختلاف في الوصلِ والإرسالِ والوقفِ والرفع، وكلام أحمد وغيره من
الحُفّاظِ يدور على اعتبارِ الأوثق في ذلك والأحفظ أيضًا. وقد قال أحمد في
حديث أسنده حماد بن سلمة: أي شيء ينفع وغيره يرسله؟! وذكر الحاكم أن
أئمة الحديث على أن القول قول الأكثرين الذين أرسلوا الحديث. وهذا
يخالف تَصُّفَهُ في «المستدرك».
وقد صنَّف في ذلك الحافظ الخطيبُ مصنفًا حسنًا سماه «تمييز المزيد في
متصل الأسانيد" وقسمه قسمين: أحدهما: ما حُكِمَ فيه بصحة ذكر الزيادة
في الإسناد وتركها، الثاني: ما حكم فيه برَدِّ الزيادة وعدم قبولها.
٢٣
حول زيادة الثقة
ثم إن الخطيب تناقض فذكر في كتاب "الكفاية": للناس مذاهب في
اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصلِهِ، كلّها لا تعرف عن أحد من
متقدمي الحُفَّاظِ، إنما هي مأخوذة من كُتُبِ المتكلِّمين، ثم إنه اختار أن
الزيادة من الثقة تقبل مطلقًا كما نَصَرَهُ المتكلمون وكثيرٌ من الفقهاء. وهذا
يخالف تصرّفَه في كتاب «تمييز المزيد»، وقد عاب تصرفه في كتاب ((تمييز
المزيد» بعض محدثي الفقهاء وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب "الكفاية"،
وذكر في "الكفاية" حكايةً عن البخاري أنه سُئِلَ عن حديث أبي إسحاق
في النكاح بلا وليٍّ؟ قال: الزيادة(١) من الثقة مقبولة، وإسرائيل ثقة. وهذه
(١) أقول: هذا الحديث في «المستدرك» (ج٢ ص١٦٩) قال الحاكم ربمالته بعد ذكره من وصله مع
إسرائيل: وقد وصل هذا الحديث عن أبي إسحاق بعد هؤلاء زهير بن معاوية، وأبوعوانة
الوَضَّاح، وقد أجمع أهل النقل على تقدمهما وحفظهما، ثم ذكر بسنده من روايتهما ثم قال: وقد
وصل هذا الحديث عن أبي إسحاق جماعة من أئمة المسلمين غير من ذكرناهم منهم أبو حنيفة
النعمان بن ثابت، ورقبة بن مصقلة العبدي، ومطرف بن طريف الحارثي، وعبدالحميد بن
الحسن الهلالي، وزكريا بن أبي زائدة وغيرهم قد ذكرناهم في الباب.
وقد وصله عن أبي بُرْدَةً غير أبي إسحق ثم ذكره من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبي
بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله بَل: ((لا نكاح إلا بولي)). إلى أن قال الحاكم وقالله:
ومن وصل هذا الحديث عن أبي بردة نفسه أبوحصين عثمان بن عاصم الثقفي ثم ذكره بسنده ثم
قال: فقد استدللنا بالروايات الصحيحة وبأقاويل أئمة هذا العلم على صحة حديث أبي موسى بما
فيه غُنْيَّةٌ لمن تأمله، وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وعبدالله بن عباس، ومعاذ بن جبل،
وعبدالله بن عمر، وأبي ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وعبدالله بن مسعود، وجابر بن
عبدالله، وأبي هريرة، وعمران بن حصين، وعبدالله بن عمرو، والمسور بن مخرمة، وأنس بن
مالك فريقتع وأكثرها صحيحة، وقد صحت الروايات فيه عن أزواج النبي
سلمة، وزينب بنت جحش طرقتين أجمعين. اهـ مختصرًا
وذكر الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" (ج٣ ص١٨٤، ١٨٣) نحو هذا، فعلم بهذا أن
البخاري ◌َاللهُ، صححه؛ لما لإسرائيل من المتابعين، وما للحديث من الطرق الأخرى، والله أعلم.
٢٤
مقدمة التحقيق
الحكاية إن صحت فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث، وإلا فمن تأمل
كتاب «تاريخ البخاري» تبيَّن له قطعًا أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقةٍ في
الإسناد مقبولة.
وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادةَ من الثّقة مقبولة،
ثم يرد في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجِّح الإرسال على
الإسناد، فدلَّ على أن مرادهم زيادة الثقة في تلك المواضع الخاصة، وهي إذا
كان الثقة مبرِّزًا في الحفظ.
وقال الدارقطني في حديث زاد في إسنادِه رجلان ثقتان رجلً، وخالفهما
الثوريُّ فلم يذكره، فقال: لولا أن الثوريَّ خالف لكان القول قول من زاد
فيه؛ لأن زيادة الثقة مقبولة. وهذا تصريحٌ بأنَّه إنما يَقبَلُ زيادةَ الثقة إذا لم
يُخَالِفْهُ من هو أحفظُ منه. اهـ
قلت: وصنيعُ الحافظِ الدارقطني ◌َاللهَ، في "التتبع" يدل على ما قاله ابن
رجب ◌َاللهُ ..
وقال الصنعاني في «توضيح الأفكار» (ج١ ص ٣٣٩): قال
البقاعي: إن ابن الصلاح خَلَطَ هنا طريقةَ المحدثين بطريقةِ الأصوليين؛
فإن للحُذَّاق من المحدثين في هذه المسألة نظرًا لم يحكِهِ، وهو الذي لا
ينبغي أن يُعدلَ عنه، وذلك أنَّهم لا يحكمونَ فيها بحكم مطَّردٍ، وإنما يُدِيرُونَ
ذَلِكَ على القَرَائِنِ. انتهى -يعني كلام البقاعي- ويأتي ما يفيد هذا في كلام
الحافظ ابن حجر وعنه أخذه البقاعي؛ فإنه شيخه، إلا أن عبارته دلت
أن هذا لبعض حذاق المحدثين لا لكلهم كما أفاده أول كلامه.
قال الحافظ: الذي صححه الخطيبُ شَرطُه أن يكون الراوِي عدلاً
٢٥
حول زيادة الثقة
ضابطًا، وأما الفقهاء والأصوليون فيقبلون ذلك مطلقًا وبين الأمرين فرق
كبير، قال: وهاهنا شيء يتعين التنبيهُ عليه، وهو: أنَّهم شرطوا في الصحيح
أَلَّا يكون شاذًّا، وفسروا الشاذ بأنه ما رواه الثقة مخالفًا فيه من هو
أحفظُ(١) منه أو أكثرُ عددًا، ثم قالوا: تُقبَلُ الزّيادةُ مطلقًا، فلو اتفق أن
يكون من أرسل أكثر عددًا أو أضبط حفظًا أو كتابًا على مَن وصل،
أيقبلونه أم لا، وهل يسمونه شاذًّا أو لا بدَّ من الإتيان بالفرق أو
الاعتراف بالتناقض.
والحقّ في هذا أنَّ زيادَةَ الثقةِ لا تُقبَلُ دَائِمًا، ومن أَطلَقَ ذَلِكَ عن
الفقهاء والأصوليين لم يُصبْ، وإنما يقبلون ذلك إذا استووا في الوصفِ ولم
يتعرض بقيتُهم لنفيها لفظًا ولا معنى، وممن صرح بذلك الإمام فخر الدين
وابن الأنباري شارح «البرهان" وغيرهما. قال ابن السمعاني: إذا كان راوي
الناقصةِ لا يغفلُ، وكانت الدواعي متوفرةً على نقلِهَا، أو كانوا جماعة لا
يجوز عليهم أن يغفلوا عن تلك الزيادة، وكان المجلس واحدًا، فالحقُّ ألَّا
تُقْبَلَ رِوَايَةُ رَاوِي الزيادة، هذا الذي ينبغي. اهـ يعني كلام الحافظ.
إلى أن قال الصنعاني ص (٣٤١) بعد ذكره حديث أبي إسحاق عن أبي
بُرْدَةَ عن أبي موسى: ((لَا نِكَاحَ إِلَّ بِوَلِيٍّ))، وقَبولِ البخاري لزيادة إسرائيل
وقد أرسله شعبة وسفيان: قال الحافظ ابن حجر جماله: إن الاستدلال أن
الحكم للواصل دائمًا على العموم ليس من صنيع البخاري، ولكنَّه في هذا
الحديثِ الخاصِّ ليس بِمستقيمٍ؛ لأنَّ البُخارِيّ لم يحكم فيه بالاتصال من
(١) للحافظ ◌َالله، كلام في "النخبة" وشرحها ص(١٣) نحو هذا، وفيه أن الشذوذ مخالفة المقبول لمن
هو أولى منه. وهو أدق في التعبير.
٢٦
مقدمة التحقيق
أجل كَوْنِ الوصل زيادة، إنما حَكَمَ له بالاتصال لمعانٍ أخرى رجَّحت عنده
حُكْمَ الموصولِ، منها: أنَّ يونسَ بن أبي إسحاق وابنَه إسرائيلَ وعيسى
رووه عن أبي إسحاق موصولاً، ولا شك أن آل الرجل أخصُّ به مِن
غيرهم، ووافقهم على ذلك أبوعوانة وشَرِيكٌ النَّخَعِيُّ وزهير بن معاوية،
وتمامُ العَشَرَةِ من أصحاب أبي إسحاق، مع اختلافِ مجالسهم في الأخذ
عنه وسماعهم إياه من لفظه.
وأما رواية من أرسله وهما شعبةُ وسفيان فإنما أخذاه عن أبي إسحاق
في مجلس واحد، فقد رواه الترمذي قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال:
حدثنا أبوداود الطيالسي في «مسنده؟ قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت
سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق: أسمعتَ أبا بُردَةً يقول: قال رسول الله
بَّ: ((لَا نِكَاحَ إِلَّ بِوَلِيٌّ)) فقال أبو إسحاق: نعم. فشعبة وسفيان إنما أخذاه
معًا في مجلس واحد عرضًا كما ترى، ولا يخفى رجحان ما أُخِذَ من لفظ
المحدث في مجالس متعددة على ما أُخذ عنه عَرْضًا في محل واحد، هذا إذا
قلنا حفظ شعبة وسفيان في مقابل عدد الآخرين، مع أن الشافعي يقول:
العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد.
فتبيَّن أن ترجيح البخاري وَصْلَ هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد
أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل، بل بما ظهر من قرائن الترجيح
ويزيد ذلك ظهورًا تقديمه للإرسال في مواضع أُخرى، مثاله:
ما رواه الثوري عن محمد بن أبي بكر بن حزم عن عبدالملك بن أبي
بكر هو ابن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أم سلمة، قالت: إن النبي
قال لها: ((إِن شِئتِ سَبَّعتُ لَكِ)) ورواه مالك عن عبدالله بن أبي بكر بن
٢٧
حول زيادة الثقة
الحارث، أن النبي ◌َّ قال لأم سلمة. قال البخاري في «تاريخه»(١): الصواب
قول مالك مع إرساله. فصوَّب الإرسال هنا لقرينة ظهرت له، وصوّب الوصل
هناك لقرينة ظهرت له؛ فتبيَّن أنه ليس له عمل مطرد في ذلك (٢). اهـ
وقال محمد بن إبراهيم الوزير ◌َّاللهَ، في «تنقيح الأنظار» (ص٣٤٣)
بعد ذكره أقوال أهل العلم في ذلك: قلت: وعندِي أن الحكم في هذا لا
يستمر بل يختلف باختلاف قرائن الأحوال وهو موضع اجتهاد. اهـ
قال الصنعاني: وقد سبق ابن دقيق العيد إلى هذا وجعله للمحدثين،
فإنه قال: مَن حَكَى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض رواية مسند
ومرسل، أو رافع وواقف، أو ناقص وزائد، أنَّ الحكم للزائد، لم يصِب في
هذا الإطلاق؛ فإن ذلك ليس قانونًا مطردًا، وبمراجعةٍ أحكامهم الجزئية
تَعرِفُ صوابَ ما نَقُولُ.
وبهذا جزم الحافظ العلائيّ فقال: كلامُ الأئمة المتقدمين في هذا الفن
كعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل،
والبخاري وأمثالهم يقتضي أنه لا يحكم في هذه المسألة بحكم كلي، بل عملهم
في ذلك دائرٌ على الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في حديث
حديث، قال الحافظ: وهذا العمل الذي حكاه عنهم إنما هو فيما يظهر لهم
فيه الترجيح، وأما ما لا يظهر فيه الترجيح فالظاهر أنه المفروض في أصل
المسألة. اهـ
(١) (ج ١ ص ٤٧، ٤٨).
(٢) ذكر هذا الحافظ في "النكت على ابن الصلاح» (ج١ ص ٢١٠).
٢٨
مقدمة التحقيق
قال ابن الوزير: فإن غلب على الظنِّ وَهمُ الثقة في الرفع والوصل
بمخالفة الأكثرين من الحُفّاظِ الذين سمعوا الحديث معه من شيخه في موقف
واحد، ونحو ذلك من القرائن؛ فإن الرفع والوصل حينئذ مرجوحان، الحكم
وبهما حُكُمٌ بالمرجوح، وهو خلاف المعقول والمنقول، أما المعقول فظاهر(١)،
وأما المنقول فلأنَّ جماعة من الصحابة توقفوا عن قبول خبر الواحد عند
الرِّيبَةِ، وشاع ولم ينكر، كما فعله عمر في حديث فاطمة بنت قيس في أنه
لا نفقة ولا سُكْنَى للمطلقة الَبْتُونَةِ(٣)، وحديث أبي موسى في الأمر
بالاستئذان، إلى أن قال: بل كما فعله رسول الله بَل عند أن أخبره ذو
اليدين أنه قصر صلاته، فإنه أنكر ذلك لأجل سكوت الجماعة واختصاص
ذي اليدين بالخبر. ولهذا قال مثَّهِ: ((أَحَقُّ مَا يَقُولُ ذُو اليَدَينِ؟!)).
وأما إذا رواه ثقتان على سواء أو قريب من السواء فالحكم لمن زاد،
وكذلكَ إذا كان أحدُهما مُثبِتًا والآخر نافيًا مع تساويهما أو تقاربها فالحكم
للمُثبِت، وبين ذلك مراتب في القوة والضعف لا يمكن حصرها بل ينظر
الناظر في كل ما وقع فيه هذا التعارض ويعمل بحسب قوة ظنه. (٣)اهـ
قال الحاكم وَاللّهُ: الثالث من المختلف فيه خبرٌ يرويه ثقة من الثقات
عن إمام من أئمة المسلمين يسنده، ثم يرويه عنه جماعة من الثقات
فيرسلون، وهذا القسم كثير وهو صحيح على مذهب الفقهاء، والقول فيه
(١) قال الصنعاني: فإن العقل يقضي بالعمل بالراجح حيث كان.
(٢) قال الصنعاني: وحققنا أن حديث فاطمة لا يُرَدُّ بما قاله عمر، بل هو معمول به كما أوضحناه
في «سبل السلام" وحواشي "ضوء النهار".
(٣) قال الصنعاني: بتتبعه للمرجحات المعروفة في الأصول.
٢٩
حول زيادة الثقة
عندهم قول من زاد في الإسناد أو المتن إذا كان ثقة. وأما أهلُ الحديث
فالقولُ عندَهم فيه قولُ الجمهورِ الَّذين وَقَفُوه أو أَرسَلُوه؛ لِمَا يُخشى مِن الوَهَم
على الواحد. اهـ "توضيح الأفكار» (ج١ ص٩١).
وقال الحافظ ابن حجر ◌َالَّ، في "شرح النخبة" (ص١٣):
واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل،
ولا يَتَأَنَّى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح ألَّ يكون
شاذًّا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والعجب ممن
أغفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حدِّ الحديث
الصحيح ... ثم ذكر نحو كلامه المتقدم ونحو كلام ابن دقيق العيد.
وقال في «الفتح" أيضًا (ج١٢ ص٣١٢) ط ح: والتحقيق أنَّهما -أي
الشيخان- ليس لهما في تقديم الوصل عملٌ مطَّردٌ، بل هو دائر مع القرينة
مهما ترجَّح بِها اعتمداه، وإلا فكم حديث أعرضا عن تصحيحه للاختلاف
في وصله وإرساله. اهـ
وللسخاوي في "فتح المغيث" (ج١ ص١٦٦) نحو كلام الحافظ
المتقدم في "توضيح الأفكار" و"النخبة".
والسيوطي في «تدريب الراوي" (ص١٣٨) ذكر كلام الحافظ على
حديث أبي إسحاق بصيغة (قيل): وزاد عليه كلامًا حسنًا، وذكر
ص (١٥٧) كلامًا للحافظ وقد تقدم.
ومقصودنا من هذا النقل عن أئمة الحديث أنْ يُعلَمَ أنه لم يَقُل أحد من
المحدثين بقبول زيادة الثقة مطلقًا.
٣٠
مقدمة التحقيق
فهذا النووي ◌َاللّهُ، يُقرُّ الدارقطنيَّ على عدم قبول زيادة سليمان
التيمي ((وإِذَا قَرَأَ فَأَنصِتُوا)) كما سيأتي إن شاء الله، وسليمان ثقة.
وهاهو أيضًا في «التقريب" (ص٣٩٢) مع «تدريب الراوي" يقول في
مثال المزيد في متصل الأسانيد: ما روى ابن المبارك، قال: حدثنا سفيان،
عن عبدالرحمن بن يزيد، حدثني بُشْرُ بن عبيدالله، قال: سمعت أبا
إدريس، قال: سمعت واثلة يقول سمعت: أبا مرثد يقول: سمعت رسول الله
وَّ يقول: ((لَا تَجَلِسُوا عَلَى القُبُورِ))، فذِكْرُ سفيانَ وأبي إدريس زيادةً
وَهَمّ، فالوهم في سفيان ممن دون ابن المبارك؛ لأن ثقات رووه عن ابن
المبارك عن ابن يزيد، ومنهم من صرَّح فيه بالإخبار، وفي أبي إدريس من
ابن المبارك لأن ثقات رووه عن ابن يزيد فلم يذكروا أبا إدريس، ومنهم
من صَّح بسماع بسر من واثلة. اهـ
قال السيوطي: وقد حكم الأئمة على ابن المبارك بالوهم في ذلك كالبخاري
وغيره، وقال أبوحاتم الرازي: وكثيرًا ما يحدِّثُ بسر عن أبي إدريس عن
واثلة. وقد سمع هذا بسر من واثلة نفسه، ثم قال السيوطي: ثم الحديث على
الوجهين عند مسلم والترمذي. اهـ
وعبدالله بن المبارك هو الذي قال فيه الحافظ في «التقريب": ثقة ثبت
فقيةٌ عالم جواد مجاهد اجتمعت فيه خصال الخير.
وهذا ابن الصلاح ◌َالكَ، الذي ذكر قول الخطيب في قبول زيادة
الثقة وأقره، يحكم على حديثٍ لمالِكٍ بأنه منكر قال ص (٧٣) من «علوم
الحديث»: مثال الأول -وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات- رواية مالك
عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمر بن عثمان، عن أسامة بن زيد،
٣١
حول زيادة الثقة
عن رسولِ الله بََّّ قال: ((لا يَرِثُ المُسلِمُ الكَافِرَ، ولا الكافرُ المُسلِمِ))،
فخالفَ مالكٌ غيرَه من الثقات في قوله: عُمر بن عثمان -بضم العين -.
وذكر مسلمٌ صاحب الصحيح في كتاب "التمييز" أن كل من رواه من
أصحاب الزهري قال فيه: عمرو بن عثمان -يعني بفتح العين-، وذكر أن
مالكًا كان يشير بيده إلى دار عُمرَ بن عثمان، كأنه عَلِمَ أنَّهم يخالفونه،
وَعَمْرٌو وعُمَرُ جميعًا ولد عثمان، غير أن هذا الحديث إنما هو عن عَمرو
- بفتح العين-، وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه، والله أعلم. اهـ
ومالك قال الحافظ في «التقريب" في أوصافه: الفقيه إمام دار الهجرة
رأس المتقنين وكبير المتثبتين، حتى قال البخاري: أصحُ الأسانيد كلها:
مالك عن نافع عن ابن عمر. اهـ
هذه بعض النصوص في هذا الموضوع من كتب المصطلح، وأما
كتب العلل فلو تتبع الإعلال بمخالفة الثقة لمن هو أوثق لكان مجلدات.
وأذكر على سبيل المثال أمثلة من كتب العلل لابن أبي حاتم وغيره:
قال ابن أبي حاتم عمالهُ، (ج١ ص٢٢١): سألت أبي وأبا زُرْعَةً
0
عن حديث رواه عبدالرزاق عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن
يسار، عن أبي سعيد، عن النبي ◌ََّّ قال: ((لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إِلَّ لِخَمسةٍ:
رجلٌ اشتَرَاها بَِالِهِ، أو رجلٌ عامِلٌ عليها، أو غَارِمٌ، أو غازٍ في سبيلِ اللهِ
تعالى، أو رجلٌ لَه جَارٌ فيتصدقُ عَلَيهِ فيهدي لَه)) فقالا: هذا خطأ، رواه
صَلى الله
الثوري، عن زيد بن أسلم، قال: حدثني الثبتُ، قال: قال النبي ◌َُّّ وهو
أشبهُ، وقال أبي: فإن قال قائل: الثبت مَن هو؟ أليس هو عطاء بن يسار،
قيل له: لو كان عطاء بن يسار لم يُكَنِّ عنه. قلتُ لأبي زرعة: أليس الثبتُ
٣٢
مقدمة التحقيق
هو عطاء؟ قال: لا، لو كان عطاء ما كان يُكنَّى عنه، وقد رواه ابن عيينة، عن
زيد، عن عطاء، عن النبي ◌َّل مرسل، قال أبي: والثوري أحفظ. اهـ
فأنت ترى أن أبا زرعة وأبا حاتم يرجحان حديث الثوري على حديث
معمرٍ لكونِ الثوري أحفظ، وهكذا الإمام أحمد رمَاللهَه، فإنَّه يعلُّ الطريق
المسندة بالطريق المرسلة كما في «فتح المغيث» (ج١ ص١٣٦).
■ وقال ابن المديني في «العلل" ص (٩١): حديث أبي سلمة، عن
أبي هريرة عن النبي ◌َّل: ((إنَّ الرَّحِمَ شُجْنَةٌ(١) مِن الرَحَمَنِ)) رواه محمد بن
عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وهو عندي خطأٌ لا شك فيه؛ لأن
الزهري رواه عن أبي سلمة، عن أبي رَوَّادٍ الليثي، عن عبدالرحمن بن
عوف، وهو عندي الصواب. اهـ وذلك لرجحان الزهري على محمد بن
عمرو بن علقمة، وعلي بن المديني هو الذي قال فيه الحافظ في "مقدمة
الفتح" (ص٣٤٧): إنَّهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أَقْرَانِهِ
بعلل الحديث. اهـ
■ وقال الحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص١١٤): والجنس
الثالث من علل الحديث: حدثنا أبوعباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا
محمد بن إسحاق الصنعاني، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن
جعفر بن أبي كثير، عن موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بُرْدَةً،
عن أبيه، أن الرسول بَّاللّ قال: ((إِنِي لَأَستغفرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيهِ فِي الْيَومِ
مِائَةَ مَرَّةٍ )).
(١) في "مختار الصحاح" بعد ذكره هذا الحديث أي: الرحم مشتقة من الرحمن، والمعنى أنَّها قرابة من
الله تعالى مشتبكة كاشتباك العروق.
٣٣
حول زيادة الثقة
وقال أبوعبدالله: وهذا إسناد لا ينظر فيه حديثيٌّ إلا علم أنه من شرط
الصحيح، والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا.
حدثنا جعفر محمد بن صالح بن هانئ، قال: حدثني يحيى بن محمد بن
يحيى، قال: حدثنا أبوربيع، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت الْبُنَانِيِّ،
قال: سمعتُ أبا بردة يحدِّث عن الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ -وكانت له صحبة- قال: قال
رسولُ الله ◌ََّةَ ("إِنَّه لَيُغَانُ عَلَى قَلِي فَأَستغفرُ اللهَ في اليومِ مِائَةَ مَرَّةٍ " قال
أبوعبدالله: رواه مسلم بن الحجاج في "الصحيح" عن أبي الربيع، وهو
الصحيح المحفوظ.
ورواه الكوفيون أيضًا مسعر وشعبة وغيرهما عن عمرو بن مُرَّةً عن أبي
بردة هكذا. اهـ
فالحاكم وَاللّهَ يعلُّ روايةَ موسى بن عقبة المدني عن أبي إسحاق عن أبي
بردة الكوفِيَّين؛ بأنَّه جاء عن الكوفيّين عن أبي بردة عن الأغر المزني، ولو
جرى على ما يجري عليه النووي وجماله، لقال: الحديث صحيح عن أبي بردة
عن أبي موسى، وعن أبي بردة عن الأغر. ولكنَّه رجَّح روايةَ الأكثر.
وقال الزيلعي في «نصب الراية» (ج١ ص٣٣٦): فمن الناس من
يقبل زيادَةَ الثّقة مطلقًا، ومنهم من لا يَقبَلُها، والصحيح التفصيل وهو
أنَّها تُقْبَل في موضع دون موضع، فتُقبَلُ إذا كان الراوي الذي رواها ثقة
حافظًا ثبتًا، والذي لم يذكرها مثله أو دُونَه في الثقة - إلى أن قال -: وتقبل
في موضع آخرَ لقرائن تخصها، ومَن حَكَمَ في ذلك حُكْمًا عامًّا فقد غَلِطَ،
بل كل زيادة لها حكمٌ يخصُّها ... إلخ كلامه رَ اللهُ.
وقد جعل الحازمي وجَّهَ في «الاعتبار" ص (١١) من المرجحاتِ
٣٤
مقدمة التحقيق
كثرةَ العدد في أحد الجانبين، ثم ذكر مثالاً على ذلك ثم قال: الوجه الثاني
-يعني من المرجحات- أن يكون أحد الراويَين أتقنَ وأحفظَ، نحو ما إذا
اتفقَ مالك بن أنس وشعيب بن أبي حمزة في الزهري، فإن شعيبًا وإن كان
حافظًا ثقة غير أنه لا يوازي مالكًا في إتقانه وحفظه، ومن اعتبر حديثهما
وجد بينهما بَونًا بعيدًا. اهـ
وذكر الحافظ العراقي كلام الحازمي في «التقييد والإيضاح" ص (٢٨٦)
مقرًّا له.
وبما أنه قد انتهى بنا الكلام في زيادة الثقة فإني أذكر بعض المشاكل
التي واجهتني وكيف توصلت إلى حلها.
٣٥
بعض المشاكل التي واجهتني عند البحث
بعض المشاكل التي واجهتني عند البحث
١) أعظمُ مشكلة أنَّ الحافظَ الدارقطنيَّ جَالَهُ، في «الإلزامات" في بعض
المواضع يذكر السند ولا يذكر المتن، وإليك مثالاً على ذلك:
قال حجماللّهُ: وسيلزم إخراج حديث محمد بن حاطب عن النبي ◌ُُّ ◌ّ من
رواية أبي مالك الأشجعي عنه، وقد رواه عنه أيضًا سِمَاك بن حرب وغير
واحد، منهم ابن عون ويوسف بن سعد وغيرهما. (١) اهـ
فمثل هذا أحتاج إلى الرجوع إلى «تحفة الأشراف" للحافظ الْمِزِّيِّ،
"وذخائر المواريث»، وترجمة ذلك الصحابي في «الإصابة" لعل الحافظ يذكر
الحديث في ترجمته، و«مسند أحمد"، ثم أتحصَّل عليه في الغالب، ورُبَّ
حديث لا أجده إلا بعد مُدَّة فأترك بياضًا، كحديث رافع بن أبي رافع
الطائي، فإني لم أجده بسنده إلا بعد زمان، وجدته في "موضح أوهام الجمع
والتفريق" للحافظ الخطيب (ج٢ ص٩٦).
وهكذا في "التتبع" فيقول الحافظ الدارقطني (٣). وأخرج البخاري حديث
خنساءَ بنت خِدَامٍ وقد كتبناه.
ويقول في موضع آخر (٣)، وأخرجَ مسلمٌ حديث ابنِ وهبٍ، عن أبي
صخر، عن أبي حازم في وصف الجنة ولم يتابع عليه وغيره أثبتُ مِنه.
(١) الحديث رقم (٦) من "الإلزامات".
(٣) برقم (٧٢).
(٢) برقم (٥٧).
٣٦
مقدمة التحقيق
ويقولُ في مسند عمر(١): وقد أخرج البخاري حديث داود بن أبي
الفُرَاتِ، عن ابن بُرَيدَةً، وقد كتبتُ علَّته في موضع آخر.
ويقول أيضًا في مسند عمر(٢): وأخرج مسلم حديث قتادَةً، عن سالم،
عن مَعْدَانَ، وقد كتبت علته أيضًا في موضع آخر. اهـ
فمثل هذه الثلاثة المواضع بحثها سهل على الحفاظ، أما نحن فإننا
محتاجون إلى أن نتصفح مسند ذلك الصحابي حتى نجد ذلك الحديث بذلك
السند المُنْتَقَدِ، أو نرجع إلى الأطراف للحافظ المِزِّيِّ ◌َاللهُ ..
هذا وقد يكون الحديث المنتقد في «صحيح البخاري" في عدة مواضع
بأسانيد مختلفة، فلا يحصل عليه بالسند المنتقد إلى بعد مراجعة طويلة.
وقد يكون الحديث في غير مَظِنَّتِهِ مثل حديث: (( مَن لَم يتغنَّ بِالقُرآنِ
فَلَيْسَ مِنَّا)) فإن مظنتَه فضائل القرآن كما ذكر البخاري حديثًا قريبًا من
معناه في فضائل القرآن وهو حديث: (( مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيءٍ كما أَذِنَ لِنَبِيِّ
حَسَنِ الصَّوتِ يَتَغنَّى بِالقُرآنِ يَجْهَرُ بِهِ)) ولكن حديث: ((مَن لَم يتغنَّ
بالقرآنِ)) ما وجدتُه إلا في كتاب التوحيد بعد اليأس من وجوده، وقد
كنت أظن أن الدارقطني وَهِمَ في استدراكه على البخاري.
٢) ومن المشاكل الأخطاء الواقعة في النسخ، ولكنها بحمد الله يُعرَفُ
الصواب منها بالرجوع إلى سند الحديث المنتقد، وإلى الجواب عنه في
"مقدمة الفتح" و"الفتح" و"شرح النووي)".
٣) ومنها اختلافُ الحُفَّاظِ في تصحيحه وتضعيفه، والبحث عن طرق
(١) برقم (١٢٦).
(٢) برقم (١٢٧).
٣٧
بعض المشاكل التي واجهتني عند البحث
أخرى لترجيحِ الراجح.
٤) بعض التعقيدات بسبب الاختصار، وإيراد كثرة الاختلاف في
«التتبع"؛ فإن بعض المواضع ما أفهمها إلا بعد الرجوع إلى كلامٍ الحفاظ أو
بعد جَمعِ طُرُقِ الحديث.
وعلى كل حال: فقد استفدت بحمد الله من البحث في الكتب ومن
المراجعة مع المشرفين الجليلين الشيخ: محمد الأمين المصري قَالت، والشيخ
السيد محمد الحكيم حفظه الله، فقد بذل المشرف الأول جهده حجماللّهُ.
بتوجيهي، فلما توفي ماله، قام شيخنا السيد محمد الحكيم حفظه الله
بتوجيهي وبيان ما يحتاج إلى زيادة أو اختصار.
فالله أسأل أن يثيبهما وأن يبارك لهما في علمهما، وأن يصلح لهما ذريتهما.
آمین.
٣٨
مقدمة التحقيق
تراجم الأئمة الثلاثة: البخاري، ومسلم، والدارقطني
البخاري:
نسبُه ومولده ومنشؤه ومبدأ طلبه للعلم:
قال الحافظُ في «مقدمة الفتح»: هو أبوعبدالله محمد بن إسماعيل بن
إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه الجُعفِيِّ، ولد يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث
عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة بِبُخَارَى، مات والده
ومحمد صغيرٌ فنشأ في حِجْرِ أمه، ثم حجَّ مع أمه وأخيه أحمد، وكان أَسَنَّ منه
فأقام هو بمكة مجاورًا یطلب العلم ورجع أخوه أحمد إلى بخاری فمات بها.
قال الْفَرَبْرِيُّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورَّاق البخاري يقول: سمعت
البخاري يقول: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكُتَّاب، قلت: وكم أتى
عليك إذ ذاك؟ قال: عشرُ سنين أو أقل، ثم خرجتُ من الكُتَّاب فجعلتُ
أختلف إلى الدَّاخِيِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن
أبي الزبير، عن إبراهيم، فقلتُ: إن أبا الزبير لم يروِ عن إبراهيم.
فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدَخلَ فنظر فيه ثم
رجع، فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزبير وهو ابن عدي، عن
إبراهيم. فأخذ القلم وأصلح كتابه، وقال لي: صدقت.
قال: فقالَ له إنسان: ابنُ كم حين ردَدْتَ عليه؟ فقال: ابن إحدى
عشرة سنة، فلما طعنتُ في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك
٣٩
تراجم الأئمة الثلاثة: البخاري، ومسلم، والدارقطني
ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء يعني أصحاب الرأي.
أشهر مشايخه مع بيان مراتبهم:
قال الحافظ ابن حجر جماله: قد تقدم التنبيه على كثرتهم، وعن محمد
ابن أبي حاتم عنه قال: كتبت عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا
صاحب حدیث.
وقال أيضًا: لم أكتب إلَّ عمَّن قال: الإِيمانُ قولٌ وعَمَلٌ. قال الحافظ
وينحصرون في خمس طبقات:
الطبقةُ الأولى: من حدَّثه عن التابعين، مثل محمد بن عبدالله
الأنصاري حدَّثه عن حُميد، ومثلُ مَكٍّّ بن إبراهيم حدثه عن يزيد بن أبي
عبيد، ومثلُ أبي عاصم النبيل حدثه عن يزيد بن أبي عبيد أيضًا، ومثلُ
عبيدالله بن موسى حدثه عن إسماعيل بن أبي خالد، ومثلُ أبي نعيم حدثه
عن الأعمش، ومثل خلاد بن يحيى حدَّثه عن عيسى بن طَهْمَانَ، ومثلُ
علي بن عَيَّاشٍ وعصام بن خالد حدثاه عن حَرِيزِ بن عثمان، وشيوخ هؤلاء
كلهم من التابعين.
الطبقة الثانية: من كان في عصر هؤلاء ولكن لم يسمع من ثقات
التابعين كَآدَمَ بن أبي إياس، وأبي مسهر عبدالأعلى بن مسهر، وسعيد بن
أبي مريم، وأيوب بن سليمان بن بلال وأمثالهم.
الطبقة الثالثة: هي الوسطى من مشايخه وهم من لم يلقَ التابعين، بل
أخذَ عن كبار تَبَع الأتباع كسليمان بن حرب، وقتيبة بن سعيد، وَنُعَيْمٍ بن
حماد، وعليّ بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمدَ بن حنبل، وإسحاق بن
٤٠
مقدمة التحقيق
راهويه، وأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، وأمثال هؤلاء، وهذه الطبقة قد
شاركه مسلم في الأخذ عنهم.
الطبقة الرابعة: رفقاؤه في الطلب ومن سمع قبله قليلً: كمحمد بن يحيى
الذُّهْلِيِّ، وأبي حاتم الرازي، ومحمد بن عبدالرحيم صاعقة، وعبد بن حُمَيْدٍ،
وأحمد بن النضر، وجماعة من نظرائهم، وإنما يخرج عن هؤلاء ما فاته عن
مشايخه، أو ما لم يجده عند غيرهم.
الطبقة الخامسة: قوم في عداد طلبته في السن والإسناد سمع منهم
للفائدة كعبدالله بن حماد الْآمُلِيِّ، وعبدالله بن أبي العاص الخُوَارِزْمِيِّ،
وحسين بن محمد الْقَبَّانِيّ وغيرهم، وقد روى عنهم أشياء يسيرة.
وعمل في الرواية عنهم بما روى عثمان بن أبي شيبة عن وكيع قال: لا
يكون الرجل عالمًا حتى يحدث عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو
دونه، وعن البخاري أنه قال: لا يكون المحدث كاملاً حتى يكتب عمن
هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه.
أشهر تلاميذه
روى عنه مسلم بن الحجاج في غير «الصحيح"، ومحمد بن عيسى
الترمذي في "الجامع" وأبوزرعة، وأبوحاتم، وإبراهيم الحربي، وابن أبي
الدنيا، وَأَبُوبِشْرِ الدولابي، وابن أبي عاصم، وابن خزيمة، وأبوبكر بن أبي
داود، ومحمد بن صاعد، ومحمد بن يوسف الْفِرَبْرِيُّ راوي "الصحيح)،
وأبوبكر البزار، وصالح بن محمد الملقب بِجَزَرَة، ومحمد بن نصر المروزي،
وأبو القاسم البغوي. اهـ مختصرًا من «تهذيب التهذيب" و"مقدمة الفتح".