Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢٠ ١٠- سُلُوكُ الْجَادَّةِ الْمُقَدِّمَةُ - بناءً على الجادّة - في الوَهَمِ)). ويوضِّح هذا ويبيِّنه: أنَّ أبا صالح ذكوانَ السَّمَّانَ من المُكْثِرِين جِدًّا عن أبي هريرة، وروايةُ ابنِهِ سُهَيْلِ بنِ أبي صالح، عنه، عن أبي هريرة بلغَتْ في "تحفة الأشراف" فقط (٢١٨) حديثًا (١)، فهذا الإسنادُ جادّةٌ معروفةٌ يخطئ فيه الرواةُ كثيرًا؛ كما حصَلَ من محمَّد بن سليمان الأَصْبَهانيِّ حين روى عن سُهَيْلٍ بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ◌َّهِ: أنه كان يصلّي في اليوم والليلةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعةً. فقد سأل عبدالرحمن بن أبي حاتم (٢) أباه عن هذا الحديث ؟ فقال: ((كنتُ مُعْجَبًا بهذا الحديث، وكنتُ أُرَى أنه غريبٌ، حتى رأيتُ: سُهَيْلٌ، عن أبي إسحاق، عن المسيّب، عن عمرو بن أَوْس، عن عَنْبَسَة، عن أم حَبِيبة، عن النَّبيّ نَّهَ، فَعَلِمْتُ أنَّ ذاك(٣) لَزِمَ الطريقَ)) . وقال ابن عدي(٤): ((وهذا أخطَأَ فيه ابنُ الأصبهاني حيثُ قال: عن سُهَيْل، عن أبيه، عن أبي هريرة، وكان هذا الطريقُ أسهَلَ عليه))؛ يعني أسهَلَ عليه في الحفظِ والرواية. (١) هي في "تحفة الأشراف" (ج٩ من ص٣٩٤ إلى ص٤٢٦ من الحديث رقم ١٢٥٨٥ إلى ١٢٨٠٣). (٢) في "العلل" (٢٨٨). (٤) في "الكامل" (٢٢٩/٦). (٣) يعني: الأصبهاني. ١٢١ الْمُقَدِّمَةُ ١٠- سُلُوكُ الْجَادَّةِ ولهذا يرجّح العلماءُ ما كان خارجًا عن الجادّة؛ لأنه قرينةٌ على حفظ الراوي؛ يقولُ السخاويُّ(١): ((فسلوكُ غَيْرِ الجَادَّةِ دَالٌّ على مزيدٍ التحقّظ؛ كما أشار إليه النَّسَائِيُّ)). وقال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ (٢): ((الذي يَجْرِي على طريقةِ أهلِ الحديث: أنَّ روايةَ عبدالعزيز شاذَّةٌ؛ لأنَّه سلَكَ الجادَّةَ، ومَنْ عَدَلَ عنها دَلَّ على مزيدٍ حفظه)). وفي مثال آخر: روى أبو عَتَّبٍ سهلُ بن حَمَّاد، عن عبدالله بن المثنَّى، عن ثُمَامة بن عبد الله بن أَنَس، عن جَدِّهِ أنسٍ ◌َُه، عن النَّبِيِّ وَلِّ قال: ((إذا وقَعَ الذَّبَابُ في شَرَابٍ أَحَدِكُمْ ... )) إلخ، وهذا إسنادٌ معروفٌ، وجادَّةٌ مطروقة، وخالفَهُ حمَّاد بن سَلَمة، فرواه عن ثُمَامة، عن أبي هريرة ظُه؛ وهذا غير الجادّة. فسأل عبدالرحمن بن أبي حاتم(٣) أباه عن هذا الحديث؟ فأجاب بقوله: ((هذا أشبه: عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ بَّهِ، ولَزِمَ أبو عَتَّابٍ الطريقَ، فقال: عن عبدالله، عن ثُمَامة، عن أنس)) (٤). وقال الحافظ ابن حجر(٥) في حديثٍ اختَلَفَ فيه حمَّادُ بنُ سلمة (١) في "فتح المغيث" (١٧٤/١). (٢) في "فتح الباري" (٢٦٩/٣ -٢٧٠). (٣) في "العلل" (٤٦). (٤) انظر أمثلة أخرى أيضًا في "العلل" لابن أبي حاتم (٥٨٢ و١٢٨٦ و١٨٢٣ و٢١٦٢ و ٢٢٣٧ و٢٢٩٦). (٥) في "النكت على ابن الصلاح" (٧١٤/٢). ١٢٢ ١١- التَّلْقِينُ الْمُقَدِّمَةُ مع باقي الرواة عن عِكْرمة: ((لكنْ لمَّا فُتِشَتِ الطرقُ؛ تبيَّن أنَّ ◌ِكْرمةَ سمعه ممَّن هو أصغَرُ منه، وهو الزُّهْري، والزُّهْريُّ لم يسمعْهُ من ابن عمر ﴿يًّا، إنما سمعه من سالم، فوضَحَ أنَّ رواية حماد بن سلمة مُدَلَّسَةٌ أو مُسَوَّاةٌ، ورجَعَ هذا الإسنادُ الذي كان يمكنُ الاعتضادُ به إلى الإسنادِ الأوَّل الذي حُكِمَ عليه بالوَهَمِ، وكان سَبَبُ حكمهم عليه بالوَهَمِ: كَوْنَ سالمٍ أو مَنْ دونه سلَكَ الجادَّةَ». وقال في موضع آخر (١): «فروايةُ الدَّرَاوَرْدي لا تنافي روايةَ ابن أبي ذِئْب؛ لأنَّها قَصُرَتْ عنها؛ فدَلَّ على أنه لم يَضْبِطْ إسناده، فأرسلَهُ، وروايةُ عبدالله بن رَجَاء إنْ كانتْ محفوظةً فقد سلك الجادّةَ في أحاديثِ المَقْبُرِيِّ))(٢). ١١) التَّلْقِينُ: والتَّلْقِينُ - في اللغة -: التَّفْهِيمُ، وفي العُرْف: إلقاءُ كلام إلى الآخَرِينَ في الحديث؛ إمَّا إسنادًا أو متنًا، والمبادرةُ إلى التحديثِ بذلك ولو مَرَّةً. والتلقينُ: أَنْ يُلَقَّنَ الْمُحَدِّثُ الشيءَ، فيحدِّثَ به مِنْ غيرِ أنْ يَعْلَمَ أنه مِنْ حديثه، فلا يُقْبَلُ؛ لدلالتِهِ على مجازفتِهِ، وعَدَمِ تثبّتُه، وسقوطِ الوثوقِ بالمتَّصِفِ به(٣). (١) في "هدي الساري" (ص٣٥٣). (٢) انظر أمثلة أخرى أيضًا في "فتح الباري" (٣٨٤/٩ و٦٣٢)، و(٩٦/١٠ -٩٧ و١٤٦ و٣٦٤ و٤٤٤)، و(٩٩/١١)، و"النكت على ابن الصلاح" (٦١٠/٢-٦١١و٦٦١). (٣) انظر "توضيح الأفكار" للصنعاني (١٥٥/٢). ١٢٣ الْمُقَدِّمَةُ ١١- التَّلْقِينُ قال ابن حزم(١): ((ومَنْ صَحَّ أنه قَبِلَ التلقينَ ولو مرةً، سَقَطَ حديثُهُ كلُّه؛ لأنَّه لم يتفقَّهْ في دينِ الله ◌َ، ولا حَفِظَ ما سَمِعَ، وقد قال علَّلها: ((نضَّرَ اللهُ امْرَأَ سَمِعَ منَّا حديثًا، حَفِظَهُ حتَّى بلَّغْه غيرَهُ))؛ فإنما أمر عليّا بِقَبُولِ تبليغ الحافظ. والتلقينُ هو: أن يقولَ له القائلُ: حدَّثَكَ فلانٌ بكذا، ويُسَمِّيَ له مَنْ شاء مِنْ غيرِ أَنْ يَسْمَعه منه، فيقول: نعم، فهذا لا يخلو مِنْ أحد وجهين - ولا بُدَّ من أحدهما ضرورةً -: إمَّا أن يكونَ فاسقًا يحدِّثُ بما لم يَسْمَعْ، أو يكونَ مِنَ الغَقْلة بحيث يكونُ الذاهلَ العَقْلِ، المدخولَ الذُّهْنِ، ومِثْلُ هذا لا يُلْتَفَتُّ له؛ لأنه لیس مِنْ ذوي الألباب)). اهـ. ولقبولِ التلقينٍ أسبابٌ عِدَّةٌ، منها: ضَعْفُ الراوي، وعَدَمُ مبالاتِهِ بالرواية، والغَفْلةُ، وإحسانُ الظنِّ بمن يُلَقِّنُهُ، والاعتمادُ في الحفظ على الكتاب، ثم التحديثُ مِنْ غيره؛ إمَّا لكونِهِ فَقَدَ بَصَره، فيحدِّثُ مِنْ حفظه ظَنَّا منه أنه حافظٌ لحديثه، أو لفقدِهِ الكتابَ، أو لكونِهِ لم يَصْطَحِبْ كتابَهُ معه في بعضٍ الأماكنِ التي حدَّث فيها، أو التساهلِهِ في التحدیثِ مِنْ غیر کتابه مع قدرتِهِ علیه، أو نحو ذلك. والذي يهمنا هنا: بيانُ هذا السببِ الذي يُوقِعُ العِلَلَ الخَفِيَّةَ في بعضِ الأحاديث؛ بسببٍ قبولِ بعضِ الثقاتِ الحفاظِ للتلقين، ولم يَكْتُرْ منهم ذلك، ولا عُرِفُوا به حتى يكونَ عِلَّةً ظاهرة. (١) في "إحكام الأحكام" (١٣٢/١). ١٢٤ ١١- التَّلْقِينُ الْمُقَدِّمَةُ مثال ذلك : حديثٌ رواه يحيى بن بُكَيْر، عن اللَّيْث بن سَعْد، عن عبدالله بن عُبَيْدالله بن أبي مُلَيْكة، عن عُبَيْدالله بن أبي نَهِيك، عن سَعِيد بن أبي سَعِيد، عن النَّبيّ نَّهِ أنه قال: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ)»، ورواه أبو الوليد هشامُ بنُ عبدالمَلِكِ الطَّيَالِسِيُّ وغَيْرُهُ عن اللَّيْثِ، فَجَعَلَهُ عن سَعْد بن أبي وَقَّاص، بدَلَ سعيد بن أبي سعيد. فسأل عبدالرحمن بن أبي حاتم (١) أبا زرعة عن هذا الاختلاف ؟ فقال: ((في كتابِ اللَّيْثِ في أصله : سَعِيدُ بنُ أبي سَعِيد، ولكنْ لُقِنَ بالعراقِ : عن سَعْد)). وهذا يعني: أنَّ اللَّيْثَ لمَّا رحَلَ إلى العراق لم يكُنْ معه كتابٌ، فَلُقِّنَ هذا فتلقَّنه، وليس مِنْ عادته، فهو: ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ كما قال ابن حَجَرٍ في "التقريب"(٢). وسأل ابنُ أبي حاتم أيضًا (٣) أباه عن حديثٍ رواه محمَّد بن أبي عمر العَدَنِي، عن بِشْر بن السَّرِيِّ، عن حَمَّاد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أنس، عن النَّبيِّ وَّرِ أنه كان يدعو: ((اللَّهُمَّ، لَا سَهْلَ إِلَّا مَا جَعَلْتَ سَهْلاً، وَأَنْتَ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الْحَزْنَ سَهْلاً)) ؟ فذكَرَ أبو حاتم أنَّ عبدالله بن مَسْلَمة القَعْنَبِيَّ حدَّثهم به عن حَمَّاد، (١) في "العلل" (٥٣٨). (٣) في " العلل" (٢٠٧٤). (٢) (٥٦٨٤). ١٢٥ الْمُقَدِّمَةُ ١١- التَّلْقِينُ عن ثابت: أنَّ النَّبِيَّ وََّ، هكذا مرسلًا، ليس فيه ذِكْرٌ لأنسِ رَُّه، ثم قال أبو حاتم: ((وبَلَغني أنَّ جَعْفَرَ بنَ عبدالواحد لَقَّنَ القَعْنَبِيَّ عن أنس، ثم أُخْبِرَ بذلك، فدعا علیه)). وذكَرَ أبو زرعة الرازيُّ حكايةَ جعفر مع القَعْنبي هذه مع اختلاف يسير، فقد سأله البَرْذَعي(١) عن حديثٍ من رواية جعفر بن عبدالواحد هذا، فاستنكَرَهُ! وقال: ((ما أخوفَني أن تكونَ دعوةُ الشيخِ الصالحِ أدركته!)) قال البَرْذَعي: قلتُ: أيُّ شيخ؟ ((قال: القَعْنَبي؛ بلغني أنه دعا عليه، فقال: اللَّهُمَّ افضَحْهُ، لا أحسَبُ ما بُلِيَ به إلا بدعوةِ الشيخ))، قلتُ: كيف دعا عليه؟ قال: (( بلغني أنه أدخَلَ عليه(٢) حديثًا أحسَبُهُ عن ثابت؛ جعَلَهُ عن أنس، فلمَّا فارقه رجَعَ الشيخُ إلى أصله فلم يَجِدْهُ، فاتهمَهُ، فدعا عليه )). فعبدُ اللهِ بنُ مَسْلَمة القَعْنبيُّ ثقةٌ عابدٌ، وكان ابنُ مَعِين وابنُ المَدِينيِّ لا يقدِّمان عليه في "الموطأ" أحدًا كما في "التقريب"(٣)، ولم يكنْ من عادتِهِ قَبُولُ الثَّلْقين؛ فالظاهرُ أنه وَثِقَ بجعفر بن عبدالواحد، وصادَفَ ذلك غَفْلَةً منه، فَقَبِله، أو أنْ تكونَ الحادثة وقعَتْ كما ذكَرَ أبو زرعة: ((أنه أدخَلَ عليه حديثًا))، والإدخالُ يكونُ بغير عِلْم الراوي. (١) في "سؤالاته لأبي زرعة" (٥٧٤/١)، ومن طريقه رواه الخطيب في "تاريخه" (٧) ١٧٤) . (٢) سيأتي ذكر الفرق بين التلقين والإدخال في السبب التالي. (٣) (٣٦٢٠). ١٢٦ ١٢ - الإِدْخَالُ عَلَى الشُّيُوخ الْمُقَدِّمَةُ وقد يكون قبولُ الثقة للتلقين بسبب عُلُوِّ مَنْزِلةِ الذي لقَّنه، وإمامتِهِ، واشتهارِهِ بالحفظ، فيهابُ مخالفتَهُ، فيجاريه في خَطَئه، ويثَّهم نفسَهُ؛ كما حصَلَ من أبي عَوَانة وضَّاح بن عبدالله مع شُعْبة؛ وذلك أنَّ شُعْبة كان يخطئ في اسم خالد بن عَلْقمة، ويسمِّيه: مالك بن عُرْفُطَة. فوجَدَ الأئمَّةُ أنَّ أبا عَوَانة روى عن مالك بن عُرْفُطَة، عن عَبْدِ خَيْرٍ، عن عائشة: أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ نهى عن الدُّبَّاء والْحَنْتَم والْمُزَقَّت، وهذا يعني تصويبَ ما قال شُعْبة؛ لأنه توبع. فسأل ابنُ أبي حاتم (١) أباه عن ذلك ؟ فأجاب بقوله: ((كان شُعْبَةُ يُخْطِئُ في اسم خالد بن عَلْقَمَة، وكان أبو عَوَانَة يقول: خالدُ بنُ عَلْقَمَة، فقال شُعْبة: لم يكنْ بخالدِ بنِ عَلْقَمَة؛ وإنما كان: مالكَ بنَ عُرْفُطَة، فلقَّتَه الخطَأَ، وترَكَ الصوابَ، وتَلَقَّنَ ما قال شُعْبة، لم يَجْسُرْ أن يخالفه)). ١٢) الإِدْخَالُ عَلَى الشُّهُوخِ: وهو قريبٌ من سابقه ((التلقين))، ويَخْتلِفُ عنه في كون التلقين بِعِلْمِ الْمُلَقَّنِ، وأمَّا الإدخالُ فيكون بغير علم الراوي الذي أُدْخِلَ عليه الحديث - غالبًا - كما أنَّ التلقينَ يكونُ مشافهةً، وأمَّا الإدخالُ فيكونُ في الكتاب، وربَّما كان الأمرُ قريبًا بعضُهُ من بعض بحيث يلتبسُ هل هو تلقينٌ أو إدخال؛ كما في حكاية عبدالله بن مَسْلَمة القَعْنَبي مع (١) في "العلل" (١٥٦٣)، وانظر رقم (١٥٧٨). ١٢٧ الْمُقَدِّمَةُ ١٢- الإِدْخَالُ عَلَى النُُّوخِ جعفر بن عبدالواحد التي تقدَّم ذِكْرها في السبب السابق، فأبو حاتم يذكُرُ أنَّ جعفرًا لقَّن القعنبيَّ، وأبو زرعة يذكر أنه أدخَلَ عليه. وكثيرًا ما يَلْجَأُ أهلُ العلم بالحديثِ إلى إعلالِ الحديث بهذا السبب - على سبيلِ الظنِّ - إذا لم يَظْهَرْ لهم سببُ وقوع العِلَّةِ في الحديث. فقد ذكر ابن أبي حاتم(١) أَنَّ أباه أَعَلَّ حديثًا فقال: ((هذا حديثٌ باطِلٌ، وسعيدٌ ضعيفُ الحديثِ، أخافُ أنْ يكونَ أُدْخِلَ له)). وذكر ابنُ حِبَّان(٢) حديثًا من رواية عبدالعزيز بن معاوية بن عبدالعزيز العُنْبي القُرَشي، ثم قال: ((هذا حديثٌ مُنْكَرٌ لا أصلَ له، ولعلَّه ◌ُدْخِلَ عليه، فحدَّث به)). وروى ابنُ الجَوْزي حديثًا في "الموضوعات)"(٣) بسنده إلى عبدالرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأَعْرَج، عن أبي هريرة، وجزَمَ بِوَضْعه، ولم يَجْزِمْ بالمثَّهم به، فقال: ((هذا حديثٌ لا يَشُكُّ عاقلٌ في وضعه ... وكان مع الذي رواه نوعُ تغفُّلِ، ولا أحسَبُ ذلك إلا في المتأخِّرين، وإنْ كان يحيى بن مَعِين قد قال في ابن أبي الزناد: ليس بشيء، ولا يُحْتَجُّ بحديثه ... فَلَعَلَّ بعضَ أهلِ الهوى قد أدخَلَهُ في حديثه)». (١) في المرجع السابق (٢٣٥٢). (٣) (١١٤/٢). (٢) في "الثقات" (٣٩٧/٨). ١٢٨ ١٢ - الإِدْخَالُ عَلَى الشُّيُوخِ الْمُقَدِّمَةُ وذكَرَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ (١) كلامَ ابنِ الجَوْزي هذا، ثم قال: ((قلتُ: وقد تقدَّم في ترجمةِ النَّجَّادِ أنه عَمِيَ بِأَخَرَةٍ، وأنَّ الخطيب جوَّز أن يكونَ أُدْخِلَ عليه شيءٌ، وهذا التجويزُ مُحْتَمَلٌ في حق العِشَارِيِّ أيضًا، وهو في حق ابن أبي الزناد بعيدٌ)). وقال الذَّهَبي(٢) في ترجمة أبي الفوارس بن الصابوني أحمد بن محمد بن السِّنْدي المِصْري: ((صدوقٌ إنْ شاء الله، إلا أنِّي رأيتُهُ قد تفرَّد بحديثٍ باطلٍ عن محمَّد بن حَمَّاد الطُّهْراني، كأنه أُدْخِلَ عليه)). وربَّما أُدْخِلَ على الراوي نسخةٌ بأكملها؛ كما قال ابن حِبَّان(٣) في ترجمة عُبَيْد بن كَثِير بن عبدالواحد التَّمَّار: ((رَوَىُ عن الحَسَن بن الفُرَات، وعن ابنه زياد بن الحَسَن، عن أَبَانَ بنِ تَغْلِب نسخةً مقلوبةً ... أُدْخِلَتْ عليه، فحدَّث بها، ولم يَرْجِعْ حيثُ بُيِّنَ له، فاستَحَقَّ تَرْكَ الاحتجاجِ به)). ويَعْذِرُ أهلُ الحديثِ ذلك الراويَ الذي أُدْخِلَتْ عليه الأحاديثُ، فلا يُتَّهَمُ بوضعها، مع كَوْنهم يَحْكُمون عليه بما يناسبُ حالَهُ مِنَ الغَفْلة ونحوها . فقد ترجَمَ الذهبيُّ(٤) لأبي القاسم هارون بن أحمد القَطَّان فقال: (١) في "لسان الميزان" (٧/ ٣٧٧ - أبو غدة). (٢) في "ميزان الاعتدال" (٢٩٧/١). (٣) في "المجروحين" (١٧٦/٢). (٤) في "ميزان الاعتدال" (٥٩/٧). ١٢٩ الْمُقَدِّمَةُ ١٢- الإِدْخَالُ عَلَى النُّيُوخِ (روى حديثًا باطلاً؛ كأنه - المسكين - أُدْخِلَ عليه، ولا يَشْعُرُ)). وهذا الحديثُ ذَكَره الخطيب البغدادي(١) فقال: ((لا يثبُتُ هذا الحديث، ورجالُ إسنادِهِ كلُّهم ثقات، ولعلَّه شُبِّهَ لهذا الشيخ القَطَّان، أو أُدْخِلَ عليه)). وذكَرَ سِبْطُ ابنِ العَجَميِّ هارونَ القَطَّان هذا في "الكشف الحثيث، عَمَّن رُمِيَ بوضع الحديث »(٢)، وبيَّن أنه ينبغي أن يُعْذَرَ فلا يُدْرَجَ في المتَّهمين بالوضع، فقال: ((فعلى أنه أُدْخِلَ عليه، فلا يُذْكَرُ مع هؤلاءِ، إلا أنه لا يُحْتَجُّ به؛ لأنه مُغَفَّلٌ)). وقال أيضًا (٣) عن راوٍ آخَرَ: ((وقد لا يُكْتَبُ معهم؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ أُدْخِلَ عليه، والله أعلم)). وتَخْتِلِفُ مواقفُ الرواةِ الذين أُدْخِلَ عليهم، مِنَ الأحاديثِ التي أُدْخِلَتْ عليهم، وممَّن أدخَلَها؛ فبعضُهُمْ يَرْجِعُ عن تلك الأحاديث، ويَتْرُكُهَا، ويغضَبُ على مَنْ فعَلَ ذلك، فهؤلاءِ لا يؤثِّر فيهم ذلك الفعل. ويَضْعُفُ بعضُهُمْ عن ذلك، فيسقُطُ حديثهم. فمِمَّن عُرِفَ عنه حُسْنُ التصرُّف: أبو الفضلِ عبدالله بن أحمد الطُّوسي المعروفُ بخطيبِ المَوْصِل، فقد حَكَى الحافظُ الذهبي(٤) عن (١) في "تاريخ بغداد" (٣٥/١٤). (٣) في المرجع السابق (٤٨٠). (٤) في "تاريخ الإسلام" (٣٢٤/٣٩). (٢) (٨١١). ١٣٠ ١٢- الإِدْخَالُ عَلَى الشُّيُوخِ الْمُقَدِّمَةُ ابن الدَّبِيثي أنه قال: سمعتُ تَمِيمَ بنَ البَنْدَنِيجي يقول: أبو الفضل خطيبُ المَوْصِلِ ثقةٌ صحيحُ السماعِ، أدخَلَ عليه محمَّدُ بنُ عبدالخالق في حديثِهِ أشياءَ لم يَسْمَعها، وكان قد دخَلَ عليه ولاطَفَهُ بأجزاء ذكَرَ أنه نَقَلَ سماعَهُ فيها مِنْ مِثْلِ طِرَادٍ، والنِّعَالِيِّ، وابنِ البَطِرِ، وهؤلاءِ قد سَمِعَ منهم أبو الفَضْل، فَقَبِلَهَا منه وحدَّث بها اعتمادًا على نقل محمد له، وإحسانِ الظَّنِّ به، فلمَّا عَلِمَ كذبَ محمَّد، طُلِبَتْ أصولُ الأجزاء التي حَمَلَها إليه، فلم تُوجَدْ، واشتهَرَ أمرُهُ، فلم يعبأِ الناسُ بِنَقْله، وتَرَكَ خطيبُ الموصلِ كُلَّ ما شَكَّ فيه، وحَذَّر مِنْ روايةِ ما شَكَّ فيه. قال الذهبي: ((قلتُ: وبعد ذلك جمَعَ خطيبُ المَوْصِلِ مشيختَهُ المشهورةَ، وخرَّجها من أصوله)). وذكر الخَلِيلِي(١) عن ابن عدي: أنَّ رجلاً حدَّث عند زكريا بن يحيى الساجي بحديثَيْنِ عن أحمدَ بنِ عبدالرحمن ابنِ أخي عبدالله بن وَهْب، عن عمِّه عبدالله بن وَهْب، عن الإمام مالك، عن الزُّهْري، فقال ابن عدي : هذان الحديثان مِنْ حديثٍ ابن وَهْب، عن يونس، عن الزُّهْري، لا عن مالك، فأخَذَ الساجي كتابَهُ، فتأمَّلْ، وقال لابنِ عدي: هذا كما قلتَ، وقال للرَّجُل: ممَّن أَخَذْتَ هذا؟ فأحال على بعض أهلِ البَصْرة، فقال الساجي: عَلَيَّ بصاحبِ الشُّرطة حتى أُسَوِّدَ وجه هذا! فكلَّموه وتشفَّعوا، حتى عفا عنه، ثم مزَّقَ الكتابَ. (١) في "الإرشاد" (٤٠٨/١). ١٣١ الْمُقَدِّمَةُ ١٢ - الإِدْخَالُ عَلَى الشُّيُوخ قال الذهبي(١): ((وللساجي مصنَّفٌ جليلٌ في عللِ الحديثِ يَدُلُّ على تبُّره وحِفْظه، ولم تبلغنا أخبارُهُ كما في النَّفْس، وقد هَمَّ بمن أَدْخَلَ عليه ... ))، ثم ذكر هذه الحكاية. ومن أجودِ ما ذُكِرَ في هذا: دفاعُ بعضِ الأئمَّةِ عن شيوخهم؛ كما في قصَّة الدارقطنيٌّ مع شيخه دَعْلَج بن أحمد السِّجِسْتاني ومَنْ أدخَلَ عليه بعضَ الأحاديث. فقد ذكَّرَ أبو عبدالله الحاكم (٢) أنه سأل شيخَهُ الدارقطنيَّ عن عليٍّ ابن الحسن - ويقال: ابن الحسين - بن جعفر الرُّصَافي، المعروفِ بابن العَطَّار؟ فذكَرَ مِنْ إدخاله على الشيوخ شيئًا فوق الوَصْف؛ فإنه أَشْهَدَ عليه، واتخَذَ محضرًا بأحاديثَ أَدْخَلَهَا على دَعْلَج بن أحمد. وممَّن أُدْخِلَتْ عليه أحاديثُ أَفْسَدَتْ حديثَهُ بسبب عدمٍ معرفته بها، أو بسببٍ عَجْزه، أو تساهُلِهِ عن تركها والبراءةِ منها: قيسُ بنُ الرَّبِيع، وأبو صالح كاتبُ اللَّيْث، وسفيانُ بنُ وَكِيع بن الجَرَّاح: أما قيسُ بنُ الربيع: فإنه ابتُلِيَ بابنٍ له أدخَلَ عليه ما ليس مِنْ حديثِهِ وهو لا يَعْلَمُ، فأفسَدَ حديثَهُ. قال جعفر بن أَبَانَ الحافظُ : ((سألتُ ابن نُمَيْرٍ عن قيس بن الرَّبِيع؟ (١) في "سير أعلام النبلاء" (١٩٩/١٤). (٢) في "سؤالاته للدارقطني" (٢٥٤)، وعنه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٣٨٥/١١ رقم ٦٢٥٨)، وانظر "لسان الميزان" (٢١٤/٤ رقم ٥٦٤). ١٣٢ ١٢ - الإِذْخَالُ عَلَى النُّيُوخِ الْمُقَدِّمَةُ فقال: كان له ابنٌّ، وهو آفَتُهُ؛ نظَرَ أَصْحَابُ الحديثِ في كتبه، فأنكروا حديثَهُ، وظَنُّوا أنَّ ابنه قد غيَّرها))(١). وقال عَمَّن: ((كنتُ أَسْمَعُ الناسَ يَذْكُرون قيسًا، فلم أَدْرِ ما عِلَّته، فلمَّا قَدِمْنَا الكوفةَ أتيناه، فجَلَسْنَا إليه، فجعَلَ ابنُهُ يلقٌّنه ويقولُ له: حُصَيْن، فيقول: حُصَيْن، فيقول رجل آخر: ومُغِيرة، فيقول: ومُغِيرة، فيقول آخر: والشَّيْباني، فيقول: والشَّيْباني))(٢). وروى البخاريُ(٣) عن أبي داود الطَّيَالسي أنه قال: ((إنما أُتِيَ قِيسٌ مِنْ قِبَلِ ابنه؛ كان ابنُهُ يأخُذُ حديثَ الناسِ، فَيُدْخِلُهَا في فُرَجِ كتابٍ قيس، ولا يعرفُ الشیخُ ذلك)). وذكَّرَ الإمامُ أحمدُ بنُ حَنْبل قيسًا هذا فقال: ((كان له ابنٌ يأخُذُ حديثَ مِسْعَر وسُفْيان الثَّوْري والمتقدِّمين، فيُدْخِلُهَا في حديثٍ أبيه وهو لا یعلم»(٤). وقال عليُّ بن المَدِيني: ((إنما أَهلكَهُ ابنٌّ له قلَبَ عليه أشياء من حديثه))(٥). وقال ابن حِبَّان(٦): ((قد سَبَرْتُ أخبارَ قيس بن الرَّبِيع من رواية (١) "المجروحين" لابن حبان (٢١٩/٢)، و "تاريخ بغداد" (٤٦٠/١٢). (٢) "المجروحين " لابن حبان (٢١٩/٢). (٣) في "التاريخ الأوسط" (١٢٨/٢ رقم ١٢٩٣). (٤) "الكامل" لابن عدي (٣٩/٦). (٦) في "المجروحين" (٢١٨/٢-٢١٩). (٥) "تاريخ بغداد" (٤٦٠/١٢). ١٣٣ الْمُقَدِّمَةُ ١٢ - الإِدْخَالُ عَلَى الشُّيُوخِ القدماء والمتأخّرين وتتبَّعتها، فرأيتُهُ صدوقًا مأمونًا حيثُ كان شابًّا، فلمَّا كَبِرَ ساء حفظه، وامتُحِنَ بابنٍ سُوءٍ، فكان يُدْخِلُ عليه الحديثَ، فيجيبُ فيه ثقةً منه بابنه، فلمَّا غلَبَ المناكيرُ علی صحیحِ حدیثِهِ ولم يتميَّز؛ استَحَقَّ مجانبتَهُ عند الاحتجاج، فكلُّ مَنْ مَدَحه مِنْ أئمتنا وحَثَّ عليه؛ كان ذلك منهم لَمَّا نَظَروا إلى الأشياءِ المستقيمةِ التي حدَّث بها عن سَمَاعه، وكلُّ مَنْ وهَّاه منهم، فكان ذلك لِمَا عَلِمُوا ممَّا في حديثه من المناكيرِ التي أدخَلَ عليه ابنُهُ وغيرُهُ)). اهـ. وأما أبو صالح عبدالله بن صالح كاتب اللَّيْث: فلخّص حالَهُ ابنُ حِبَّان بقوله (١): ((منكرُ الحديثِ جِدًّا، يروي عن الأثباتِ مالا يُشْبِهُ حديثَ الثقات، وعنده المناكيرُ الكثيرةُ عن أقوام مشاهيرَ أئمةٍ، وكان في نفسِهِ صدوقًا يكتُبُ لِلَّيْثِ بنِ سَعْدِ الحِسَابَ، وكان كاتبَهُ على الغَلَّات، وإنما وقع المناكيرُ في حديثِهِ مِنْ قِبَلِ جارٍ له رَجُلٍ سُوءٍ؛ سمعتُ ابنَ خُزَيْمة يقول: كان له جارٌ بينه وبينه عداوةٌ، فكان يَضَعُ الحديثَ على شيخ عبدالله بنِ صالح، ويكتُبُ في قِرْطاسٍ بِخَطِّ يُشْبِهُ خَطَّ عبدالله بن صالح، ويَطْرَحُ في داره في وَسَطِ كتبه، فيجدُهُ عبدالله، فيحدِّث به، فيتوهّمُ أنه خظُه وسماعُهُ، فمِنْ ناحيتِهِ وقَعَ المناكيرُ في أخباره)). وسأل البرذعي(٢) أبا زُرْعة عن عُثْمان بن صالح؟ فقال: لم يكنْ (١) في "المجروحين" (٤٠/٢). (٢) في "سؤالاته" (٤١٧/١-٤١٨). ١٣٤ ١٢ - الإِدْخَالُ عَلَى النُّيُوخ الْمُقَدِّمَةُ عندي عثمانُ ممَّن يَكْذِب، ولكنَّه كان يكتُبُ الحديثَ مع خالد بن إسحاق بن نَجِيح، وكان خالدٌ إذا سَمِعُوا من الشيخ أَمْلَى عليهم ما لم يَسْمَعوا، فَبُلُوا به، وقد بُلِيَ به أبو صالحِ أيضًا في حديثٍ زُهْرة بن مَعْبَد، عن سعيد بن المسيّب، عن جابر، ليس له أصلٌ، وإنما هو عن خالدِ بنِ إسحاقَ بنِ نَجِیح)). وذكَّرَ ابنُ أبي حاتم(١) أنَّ أباه ذكَرَ حديثًا، فقال: ((وروى هذا الحديثَ كاتبُ اللَّيْث، عن عطاء، عن نافع، عن ابن عمر، وهو مما أُدْخِلَ على أبي صالح)). وروى أبو عبدالله الحاكمُ(٢) عن أحمَدَ بنِ محمَّد التُّسْتَرِيِّ أنه قال: سألتُ أبا زُرْعة الرازيَّ عن حديثِ زُهْرةَ بنِ مَعْبَدٍ، عن سعيد بن المسيّب، عن جابر، عن النَّبِيِّ وََّ في الفضائل؟ فقال: ((هذا حديثٌ باطلٌ، كان خالدُ بنُ إسحاق بن نَجِيح [المِصْريُّ](٣) وَضَعه ودَّسه في كتاب اللَّيْث(٤)، وكان خالد بن إسحاق بن نَجِيح هذا يضعُ في كتب الشيوخِ ما لم يَسْمَعوا، ويدلِّس لهم ... )). قال الحاكم: ((فأقول: رَضِيَ اللهُ عن أبي زرعة؛ لقد شَفَى في عِلَّةِ هذا الحديث، وبيَّن ما خفي علينا، فكلُّ ما أتى أبو صالحٍ كان من (١) في "العلل" (٢٣٤٦). (٢) كما في "تاريخ دمشق" (١٨٦/٢٩). (٣) في الأصل: ((البصري)). (٤) كذا في الأصل، والحديث ليس من رواية الليث، فلعل صواب العبارة: ((في كتاب کاتب اللیث )). ١٣٥ الْمُقَدِّمَةُ ١٢ - الإِدْخَالُ عَلَى النُّيُوخ أجلِ هذا الحديث، فإذا وضعَهُ غيرُهُ، وكَتَبَهُ في كتاب اللَّيْث(١)؛ كان المُذْنِبُ فيه غيرَ أبي صالح)). وأما سُفْيانُ بن وَكِيعٍ: فقد ابتُلِيَ بورَّاقٍ له أدخَلَ في كتبِهِ أحاديثَ مناكيرَ، ونصحَهُ أبو حاتم الرازيُ وابنُ خُزَيْمة، وبيَّن له أبو حاتم كيف يميِّز ما أُدْخِلَ عليه، فلم يأخُذْ بِنُصْحه، فسقَطَتْ رواياتُهُ. قال عبدالرحمن بن أبي حاتم(٢): سمعتُ أبى يقول: ((جاءني جماعةٌ من مَشْيَخة الكوفة، فقالوا: بَلَغَنا أنَّك تَخْتَلِفُ إلى مشايخِ الكوفة تكتُبُ عنهم، وتركْتَ سفيانَ بنَ وكيع، أَمَا كُنْتَ ترعى له في أبيه؟! فقلتُ لهم: إنى أُوْجِبُ له، وأُحِبُّ أن تَجْرِيَ أمورُهُ على السِّتْر، وله وَرَّاقٌ قد أفسَدَ حديثَهُ، قالوا: فنحنُ نقولُ له أن يُبْعِدَ الوَرَّاقَ عن نفسه، فوعدتُّهُمْ أن أَجِيئَهُ، فأتيتُهُ مع جماعة من أهل الحديث، وقلتُ له: إنَّ حَقَّكَ واجبٌ علينا في شيخك وفي نَفْسِك، فلو صُنْتَ نفسك، وكنتَ تَقْتصرُ على كُتُبِ أبيك، لكانتِ الرِّحْلةُ إليك في ذلك، فكيف وقد سَمِعْتَ ؟! فقال: ما الذي يُنْقَمُ عليَّ ؟ فقلتُ: قد أدخَلَ ورَّاقُكَ في حديثِكَ ما ليس مِنْ حديثك، فقال: فكيفَ السبيلُ في ذلك؟ قلتُ: ترمى بالمُخَرَّجات، وتقتصرُ على الأصول، ولا تقرأُ إلا مِنْ أصولك، وتُنَجِّ هذا الوَرَّاقَ عن نفسك، وتدعو بابنِ كَرَامة، وتُوَلِّيه أصولك؛ فإنه يُوثَقُ به، فقال: مقبولٌ منك، وبلغني أنَّ ورَّاقه (١) انظر التعليق السابق. (٢) في "الجرح والتعديل" (٢٣١/٤). ١٣٦ ١٢ - الإِدْخَالُ عَلَى الشُّيُوخِ الْمُقَدِّمَةُ كان قد أدخلوه بيتًا يَتَسَمَّعُ علينا الحديثَ، فما فعل(١) شيئًا مِمَّا قاله، فبطَلَ الشيخُ، وكان يحدِّث بتلك الأحاديثِ التي قد أُدْخِلَتْ بين حديثه، وقد سُرِقَ مِنْ حدیثِ المحدِّثين)). وقال الحاكم أبو عبدالله(٢): سمعتُ أبا عبدالله محمَّد بن يعقوب الحافظَ يقول: سمعتُ محمَّد بن إسحاق - يعني: ابن خُزَيْمة - وقيل له: لِمَ رَوَيْتَ عن أحمدَ بنِ عبدالرحمن بن وَهْب وتركْتَ سفيانَ بنَ وَكِيع؟ فقال: ((لأنَّ أحمدَ بنَ عبدالرحمن لمَّا أَنْكَروا عليه تلك الأحاديثَ رجَعَ عنها عن آخرها، إلا حديثَ مالكِ، عن الزُّهْري، عن أنس: ((إِذَا حَضَرَ العَشَاءُ ... ))، فإنَّه ذكَرَ أنه وجَدَهُ في دُرْجِ من كُتُب عَمِّه في قِرْطاس، وأمَّا سُفْيَان بن وكيع: فإنَّ ورَّاقه أدخَلَ عليه أحاديثَ، فرواها، وكلَّمناه، فلم يَرْجِعْ عنها، فاستخَرْتُ اللهَ، وتركْتُ الرواية عنه)). وذكر ابن حِبَّان سُفْيانَ بنَ وكيع هذا في "المجروحين"(٣) وقال: ((وكان شيخًا فاضلاً صدوقًا، إلا أنه ابتُلِيَ بورَّاقِ سُوءٍ كان يُدْخِلُ عليه الحديثَ، وكان يثق به فيجيبُ فيما يُقْرَأُ عليه، وقيل له بعد ذلك في أشياء منها، فلم يَرْجِعْ، فمن أجلِ إصرارِهِ على ما قيل له استَحَقَّ التركَ، وكان ابنُ خُزَيْمة يروي عنه، وسمعتُهُ يقول: ثنا بعضُ مَنْ (١) يعني: سفيان بن وكيع. (٢) كما في "تهذيب الكمال" (٣٨٨/١-٣٨٩). (٣) (٣٥٩/١). ١٣٧ الْمُقَدِّمَةُ ١٢- الإِدْخَالُ عَلَى الشُّيُوخ أمسكنا عَنْ ذِكْره، وهو من الضَّرْبِ الذي ذكرتُهُ مرارًا: أنْ لو خَرَّ من السماءِ فَتَخْطَفُهُ الطيرُ أَحَبُّ إليه مِنْ أن يَكْذِبَ على رسولِ اللهِ وَّه ولكنَّهم أفسدوه). وذكّرَ في "الثقات)"(١) راويًا اسمه: موسى بن عيسى، وأنه يروي عن زائدةً، عن سُفْيان الثَّوْري، عن محمَّد بن المُنْكَدِر، عن جابر، عن النَّبيّ وَّه قال: ((لا يَدْخُلُ مَّةَ سَافِكُ دَم))، وذكَرَ أنه رواه عنه سفيان بن وكيع، ثم قال: ((وهذا مما أُدْخِلَ على سفيان بن وكيع)). وتظهر براعةُ أئمَّةِ الحديثِ في كشفهمُ الأحاديثَ التي أُدْخِلَتْ في أحاديثِ الثقات، وقُدْرَتِهِمْ على تمييزها مِنْ صحيحِ حديثهم؛ كما جاء في سؤالِ عبدالرحمن بن أبي حاتم(٢) لأبيه عن حديثٍ رواه أبو عَقِيل ابنُ حاجبٍ، عن عبدالرزّاق، عن سعيد بن قماذين، عن عثمان بن أبي سليمان، عن سعيد بن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن عبدالله بن حُبْشِيٍّ؛ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ نَّهِ يقول: ((لَا تَظْرُقُوا الطَّيْرَ فِي أَوْكَارِهَا؛ فَإِنَّ اللَّيْلَ أَمَانٌ لَهَا))؟ فقال أبو حاتم: ((إنَّ هذا الحديثَ ممَّا أُدْخِلَ على عبدالرزّاق؛ وهو حديثٌ موضوع)). ومِنْ أكثرِ الأحاديثِ إشكالاً عند علماء الحديث: حديثٌ رواه (١) (٩ /١٦٠). (٢) في "العلل" (١٦٢٧). ١٣٨ ١٢ - الإِدْخَالُ عَلَى الشُّيُوخِ الْمُقَدِّمَةُ قُتَيْبة بن سَعِيد، عن اللَّيْث بن سَعْد، عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيب، عن أبي الطُّفَيْل عامر بن واثلة، عن معاذ بن جَبَل ◌َُّه: أنَّ النَّبِيَّ وََّ كان في غَزْوة تَبُوكَ إذا ارتحَلَ قبل أن تَزِيغَ الشمسُ أخَّر الظهرَ حتى يَجْمَعَهَا إلى العصر، فيُصَلِّيهما جميعًا، وإذا ارتحَلَ بعد زَيْغِ الشمسِ صلَّى الظهر والعصرَ جميعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحَلَ قبل المَغْرِبِ أَخَّر المغربَ حتى يُصَلِّيَهَا مع العشاء، وإذا ارتحَلَ بعد المَغْرِبِ عجّل العشاء، فصلاها مع المغرب(١) . وحكَمَ عليه أبو عيسى التِّرْمِذيُّ(٢) بأنه حديثٌ غريب، وقال: ((تفرَّد به قُتَيْبةُ، لا نَعْرِفُ أحدًا رواه عن الليثِ غيرَهُ ... والمعروفُ عند أهل العلم حديثُ معاذ؛ من حديث أبي الزبير، عن أبي الطُّفَيْل، عن معاذ: أنَّ النَّبِيَّ وَهِ جَمَعَ في غَزْوة تَبُوكَ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء))(٣). وسأل عبدالرحمن بن أبي حاتم (٤) أباه عن هذا الحديث؟ فقال: ((لا أعرفُهُ من حديثٍ يزيد، والذي عندي أنه دخَلَ له حديثٌ في حديث))، وصوَّب ما صوَّبه الترمذيُّ. (١) أخرجه أبو داود (١٢٢٠)، والترمذي (٥٥٣)، وغيرهما. (٢) في الموضع السابق. (٣) أخرجه مسلم في "صحيحه" (٧٠٦) من هذا الوجه الذي ذكره الترمذي، وأخرجه أبو داود (١٢٠٨) من طريق الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، به. (٤) في "العلل" (٢٤٥). ١٣٩ الْمُقَدِّمَةُ ١٣ - اخْتِصَارُ الْحَدِيثِ، وَالرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى وقال أبو عبدالله الحاكم(١): ((نظرنا، فإذا الحديثُ موضوعٌ! وقُتَيْبةُ ابن سَعِيد ثقةٌ مأمون ... ))، ثم ساق بسنده عن محمَّد بن إسماعيل البخاري أنه قال: ((قلتُ لقتيبة بن سعيد: مع مَنْ كتبْتَ عن الليثِ بنِ سَعْد حديثَ يزيدَ بنِ أبي حَبِيب، عن أبي الظُّفَيْل؟ فقال: كتبتُهُ مع خالد المدايني. قال البخاري: وكان خالدٌ المداينيُّ يُدْخِلُ الأحاديثَ على الشيوخ))(٢). وسأل عبدالرحمن بن أبي حاتم أباه(٣) عن حديثٍ رواه محمد بن أبي عمر العَدَنِي، عن بِشْر بن السَّرِيِّ، عن حَمَّاد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أنس، عن النَّبِيّ وَلِّ أنه كان يدعو: ((اللَّهُمَّ لَا سَهْلَ إِلَّ مَا جَعَلْتَ سَهْلاً، وَأَنْتَ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الْحَزْنَ سَهْلاً))؟ فصوَّب أبو حاتم إرساله، وذكَرَ أنَّ بِشْرَ بن السَّرِيِّ ثَبْتُ، ثم قال: ((فَيْتَهُ أَلَّا يكونَ أُدْخِلَ على ابن أبي عمر)). ١٣) اخْتِصَارُ الْحَدِيثِ، وَالرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى: كثيرًا ما تقع العِلَّةُ في الحديثِ بسببِ اختصارِ بعضِ الرواةِ للحديثِ، أو روايتِهِ بالمعنى، على نَحْوٍ يُغَيِّرُ معنى الحديث، فيُظَنُّ أنه حديثٌ آخَرُ، كما حصَلَ من شُعْبَةِ كَُّ حين روى عن سُهَيْل بن أبي (١) في "معرفة علوم الحديث" (ص ١٢٠). (٢) انظر "سنن البيهقي" (١٦٣/٣). (٣) في "العلل" (٢٠٧٤).