Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠٠
٧- انْتِقَالُ الْبَصَرِ
الْمُقَدِّمَةُ
٧) انْتِقَالُ الْبَصَرِ :
وهذا نوعٌ من التصحيف الذي يقع لناسخي المخطوطاتِ كثيرًا إذا
كانتْ هناك كلمةٌ أو عبارةٌ متماثلةٌ في سطرين متواليَيْن، أو سطورٍ
متقاربة، يَعْرِفُ ذلك مَنْ كان ذا صلةٍ بالمخطوطات.
ويقع أحيانًا مِنْ بعضِ الأئمّة عند النقل من الكُتُبِ التي تكونُ فيها
عباراتٌ متماثلة كذلك، ومن أمثلة ذلك:
قولُ ابنِ القَطَّان(١): ((وذكَرَ أيضًا (٢) من طريق التِّرْمِذي(٣)، عن
حَكِيم بن حَكِيم؛ قال: كتَبَ عمر بن الخطاب إلى أبي عُبَيْدة: أنَّ
رسولَ اللهِ وَّه قال: ((اللّهُ ورسولُهُ مَوْلَى مَنْ لا مَوْلَى له، والخالُ وارثُ
مَنْ لا وارثَ له)). كذا وقع هذا الحديثُ في النُّسَخ، وهو خطأ؛
ينقُصُ منه واحدٌ، فإنما يرويه حَكِيم بن حَكِيم، عن أبي أمامة بن سَهْل
بن حُنَيْف؛ قال: كتب عمر بن الخطاب ... وأخاف أنْ يكون إنما
سقَطَ لأبي محمد نفسِهِ؛ بقرينةٍ أذكُرُهَا؛ وذلك أنَّ الحديث هو في
الترمذيِّ هكذا: "عن عبدالرحمن بن الحارث، عن حَكِيمٍ بنِ حَكِيم
ابن عَبَّاد بن حُنَيْف، عن أبي أمامة بن سَهْل بن حُنَيْف؛ قال : كتب
عمر بن الخطاب" .
(١) في "بيان الوهم والإيهام" (٦٢/٢ -٦٤).
(٢) يعني: أبا محمد عبد الحق الإشبيلي في كتابه "الأحكام الوسطى" (٣٣٠/٣).
(٣) أخرجه الترمذي في "جامعه" (٢١٠٣).

١٠١
الْمُقَدِّمَةُ
٧- انْتِقَالُ الْبَصَرِ
هذا نصُّه، فأظُنُّ أنَّ أبا محمَّدٍ ألقى بَصَرَهُ على حَكِيم بن حَكِيمٍ
ابنِ عَبَّادِ بنِ حُنَيْفِ، فكتبه مقتصرًا مِنْ نَسَبِهِ على أبيه، ثم أعاد بَصَرَهُ،
فوقَعَ على حُنَيْفٍ جَدِّ أبي أمامة المتصلِ به ((قال(١): كتَبَ عمر بن
الخَطَّاب)» ....
وقد تحقَّق الظنُّ، وارتفَعَ الاحتمالُ بأنَّه في كتابه الكبير(٢)
هكذا - ومِنْ خَطِّه نقلتُ -: "الترمذي؛ قال: حدَّثنا بُنْدَارٌ، وحدَّثنا
[أبو](٣) أحمد الزُّبَيْري؛ حدَّثنا سُفْيان، عن عبدالرحمن بن الحارث،
عن حَكِيم ابن حَكِيم بن عَبَّاد بن حُنَيْف؛ قال: كتَبَ عمر بن
الخطاب" .
فقد تبيَّن أنَّ سقوطَ أبي أمامة بن سهل بن حُنَيْف إنما هو من
خطئه، ثم اختصَرَهُ هاهنا على الخطأ)). اهـ.
ومِنْ أمثلة انتقالِ البصر أيضًا: ما وقَعَ لابن المُلَقِّن(٤) في تخريج
حديث: ((الصُّلْحُ جائزٌ بين المُسْلِمِينَ))، وهو حديثٌ معروفٌ من رواية
كَثِير بن زَيْد، عن الوليد بن رَبَاحِ، عن أبي هريرة، فقال ابن المُلَفِّن:
((ورواه أحمدُ مِنْ حديث سليمانَ بنِ بلال، عن العلاء، عن أبيه، عن
أبي هريرة مرفوعًا: ((الصُّلْحُ جائزٌ بين المُسْلِمِينَ))، فهذه طرق
(١) أي: المُتَّصِلِ به قولُهُ: ((قال: كتب عمر بن الخطاب ... )) إلخ.
(٢) يعني "الأحكام الكبرى" لعبد الحق الإشبيلي.
(٣) ما بين المعقوفين سقط من "بيان الوهم"، فاستدركناه من " جامع الترمذي".
(٤) في "البدر المنير" (٨٦/٦).

١٠٢
٨- التَّفَرُّدُ
الْمُقَدِّمَةُ
متعاضدة)). اهـ. وتابعه الحافظ ابن حجر(١).
وهذا وَهَمِّ بسببِ انتقالِ البصر؛ لأنَّ الإمامَ أحمد إنما أخرَجَ هذا
الحديثَ(٢) من طريقِ سليمانَ بنِ بلال، عن كَثِير بن زَيْد، عن الوليد
ابن رَبَاح، عن أبي هريرة، ثم أخرَجَ بعده حديثًا آخَرَ مِنْ طريقٍ
سليمانَ بنِ بلال، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي
هريرة: أنَّ النَّبِيَّ نَ ◌ّه قال: ((جُزُّوا الشواربَ، وأَعْفُوا اللِّحَى، وخَالِفُوا
المَجُوسَ))، فانتقَلَ بصَرُ ابنِ المُلَقِّن، فركَب إسنادَ الحديثِ الثاني على
مَتْنِ الحديثِ الأوَّل؛ بسبب روايةِ الإمامِ أحمد للحديثَيْنِ من طريق
شيخه الخُزَاعيِّ، عن سلیمانَ بنِ بلال.
ووقع مثل هذا للشيخ ناصر الدين الألباني(٣) كَتُهُ، فاعتذَرَ عن
ذلك(٤) بعد أن نُبِّهَ عليه.
٨) التَّفَرُّدُ :
وهو مِنْ أَدَقُّ أنواعِ علومِ الحديث، وأصعَبِ أسبابِ العِلَّةِ كَشْفًا؛
ولذا جعلَهُ أهلُ العلم مِنْ أهم القرائن التي يُسْتعان بها على إدراك
العِلَّة؛ قال ابن الصَّلاح(٥): ((ويُستَعَانُ على إدراكها(٦) بتفرُّدِ الرَّاوي،
(١) في "التلخيص الحبير" (١٢٥٩).
(٢) في "المسند" (٣٦٦/٢ رقم ٨٧٨٤).
(٣) في "السلسلة الصحيحة" (٣٠٨).
(٤) في "إرواء الغليل" (٣٦٣/٣)، وفي الطبعة الجديدة من "السلسلة الصحيحة" (٣٠٨).
(٦) أي: العِلَّة.
(٥) في "مقدمته" (٥٠٢/١).

١٠٣
الْمُقَدِّمَةُ
٨- التَّفَرُّدُ
وبمخالفةِ غَيْرِهِ له، مَعَ قرائنَ تَنْضَمُّ إلى ذلك)).
والدليلُ على دِقَّتِهِ وصعوبتِهِ: كثرةُ اختلافِ الأئمَّةِ في تطبيقِهِ،
سواءٌ كان تفرُّدًا مطلقًا، أو مَعَ وجودِ مخالفةٍ.
أمَّا مع وجود المخالفة: فالخلافُ بين الأئمَّة فيه أقلُّ من خِلَافهم
في التفرُّدِ المطلق، لكنَّه ليس مِنْ مقصودنا هنا، وَيَكْفِينا فيه هذا
المثال :
قال عبدالرحمن بن أبي حاتم(١): ((وسألتُ أبي عن حديثٍ رواه
عبدالأعلى(٢)، عن سعيد(٣)، عن قتادة، عن سُلَيْمان اليَشْكُرِي، عن
جابر، عن النَِّّ وَِّ قال: ((تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكَتَّوْا بِكُنْيَتِي)» ؟.
قال أبي: رواه شُعْبة، عن قَتَادة، عن سالم بن أبي الْجَعْد، عن
جابر، عن النَّبِّ ◌َلِهِ.
قلت : أُّهما أشبه ؟
قال : سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَة لحديثِ قتادةَ أحفظُ)).
فهذا يعني ترجيحَ أبي حاتم لرواية سعيد بن أبي عَرُوبة على رواية
شُعْبة، وخالفَهُ في ذلك البخاريُّ ومسلمٌ، فأخرَجَا الحديثَ في
"صحيحيهما "(٤) من طريق شُعْبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي
(٢) هو: ابن عبد الأعلى السَّامي.
(١) في "العلل" (٢٢٥١).
(٣) هو: ابن أبي عروبة.
(٤) "صحيح البخاري" (٣١١٤)، و "صحيح مسلم" (٢١٣٣).

١٠٤
٨- التَّفَرُّدُ
الْمُقَدِّمَةُ
الجَعْد، عن جابر، به.
وما ذهب إليه البخاريُّ ومسلمٌ هو الصوابُ؛ بدليلِ أنهما أخرجاه
أيضًا مِنْ ظُرُقٍ - غَيْرِ طريقِ قتادة - عن سالم بنِ أبي الجَعْد؛ وهذا
يؤكّد أنَّ الحدیثَ حدیثُ سالم.
وقد يخفى التفرُّد مع المخالفة على الإمام وإنْ كان كبيرًا؛ مثلُ
الحديث الذي رواه عبدالله بن نُمَيْر، عن هاشم بن هاشم، عن عائشة
بنت سَعْد، عن سَعْد؛ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهُ: ((مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعٍ
تَمَرَاتٍ عَجْوَةً(١)؛ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٍّ وَلَا سِحْرٌ)).
وخالفَهُ أبو أسامةَ حمَّادُ بنُ أسامة، فرواه عن هاشمٍ بنِ هاشم،
عن عامر بن سَعْد، عن أبيه، عن النَّبِيِّ ◌َله .
وسُئِل الإمامُ الدارقُطْنِيُّ(٢) عن هذا الحديث؟ فقال: ((يرويه هاشم
ابنُ هاشم، واختُلِفَ عنه: فرواه أبو أسامة، عن هاشم بن هاشم،
عن عامر بن سعد، عن سعد، وخالفه ابن نُمَيْر، فرواه عن هاشم،
عن عائشة بنت سعد، عن أبيها، وكلاهما ثِقَّةٌ، ولعلَّ هاشمًا سمعه
منهما، والله أعلم)).
فجوابُ الدار قطنيّ هذا يَدُلُّ على أنه خَفِيَ عليه تفرُّدُ ابن نمير بهذا
الوجه، وأنَّ أبا أسامة قد تُوبِعَ مِنْ عدد مِنَ الرواة؛ ولذا كان جوابُ
(١) العَجْوَةُ: نوع من تمر المدينة. "النهاية" (١٨٨/٣).
(٢) في "العلل" (٦١٠).

١٠٥
الْمُقَدِّمَةُ
٨- التَّفَرُّدُ
أبي زرعة أَسَدَّ منه، فقد سأله ابن أبي حاتم(١) عن رواية عبدالله بن
نمير هذه؟ فقال: ((هكذا قال ابن نُمَيْر! وقال مَرْوانُ بن معاوية وأبو
أسامة وأبو ضَمْرَةً(٢): عن هاشم بن هاشم، عن عامر بن سعد، عن
أبيه، عن النَّبِيّ ◌َِِّ؛ وهو الصحيحُ)).
والحديثُ على هذا الوجه الذي رجَّحه أبو زُرْعة أخرجه البخاريُّ
ومسلمٌ في "صحيحيهما))(٣) مِنْ بعضِ هذه الطرقِ وغَيْرِها .
وأما التفرُّدُ المُطْلَقُ: فهو الذي يكثُرُ اختلافُهُمْ فيه:
ومِنْ أمثلةِ ذلك: ما أخرجَهُ الشيخان(٤)، مِنْ حديثٍ عمرو بن
عاصم؛ حدَّثنا هَمَّام، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طَلْحة، عن أنس
قال: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ نَّ فقال: يا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ حَدًّا،
فَأَقِمْهُ عليَّ، قال: وحضَرَتِ الصلاةُ، فصلَّى مع رسولِ اللهِ وََّ، فلمَّا
قضى الصلاةَ، قال: يا رسولَ الله، إنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فأَقِمْ فيَّ كتابَ
الله؛ قال: ((هل حَضَرْتَ الصلاةَ معنا؟))، قال: نعم؛ قال: ((قد غُفِرَ
لك)».
فهذا الحديثُ صحَّحه البخاريُّ ومسلم كما سبق، وخالفهما
(١) في "العلل" (٢٥٠٥).
(٢) هو: أنس بن عياض.
(٣) انظر " صحيح البخاري " (٥٤٤٥ و ٥٧٦٨ و٥٧٦٩ و٥٧٧٩)، و"صحيح مسلم"
(٢٠٤٧).
(٤) "صحيح البخاري" (٦٨٢٣)، و"صحيح مسلم" (٢٧٦٤).

١٠٦
٨- التَّفَرُّدُ
الْمُقَدِّمَةُ
أبو حاتم الرازيُّ والبَرْدِیجيُّ:
أما أبو حاتم: فحكَى عنه ابنُهُ عبدالرحمن(١) أنه قال: ((هذا
حديثٌ باطلٌ بهذا الإسناد)).
وأما البَرْدِيجيُّ: فنقَلَ عنه ابنُ رجب(٢) أنه قال: ((هذا عندي
حديثٌ مُنْكَرٌ، وهو عندي وَهَمٍّ من عمرو بن عاصم)).
قال ابن رجب(٣) - عَقِبَ ذكره لكلامٍ أبي حاتمٍ والبَرْدِيجي - :
((وهذا الحديثُ مُخَرَّجُ في الصحيحَيْنِ مِنْ هذا الوجه، وخرَّج مسلم (٤)
معناه أيضًا مِنْ حديث أبي أمامة، عن النَّبِيِّ وَّ؛ فهذا شاهدٌ لحديثِ
أنس.
ولعلَّ أبا خاتم والبَرْدِيجيَّ إنما أنكرا الحديثَ؛ لأنَّ عمرو بن
عاصم ليس هو عندهما في مَحَلِّ مَنْ يُحْتَمَلُ تفرُّدُهُ بمثلٍ هذا الإسناد،
والله أعلم)).
ثم نقَلَ ابنُ رجب(٥)، عن يحيى بن سعيد القَطَّان والإمامِ أحمد
بعضَ الأمثلةِ التي تَدُلُّ على مِثْلِ ما ذهب إليه أبو حاتم والبَرْدِيجيُّ،
وقال : ((وهذا الكلامُ يَدُلُّ على أنَّ النَّكَارة عند يحيى القطان لا تزولُ
(١) في "العلل" (١٣٦٤)، ونقله عنه ابن رجب في "شرح علل الترمذي" (٦٥٤/٢).
(٢) في "شرح علل التِّرْمذي" (٦٥٤/٢).
(٣) في الموضع السابق (٦٥٥/٢).
(٤) في "صحيحه" (٢٧٦٥).
(٥) في "شرح علل الترمذي" (٦٥٦/٢ -٦٥٧).

١٠٧
الْمُقَدِّمَةُ
٨- التَّفَرُّدُ
إلا بمعرفة الحديثِ مِنْ وجه آخر، وكلامُ الإمام أحمد قريبٌ من ذلك
... وأمَّا تصرُّف الشيخين والأكثرين فيدُلُّ على خلاف هذا، وأنَّ ما
رواه الثقةُ عن الثقة إلى منتهاه، وليس له عِلَّةٌ، فليس بمنكر)).
وفي هذا دَلَالةٌ على أنَّ الحديثَ الذي يتفرَّدُ به راوٍ من الرواة
الذين لا يُحْتَمَلُ تفرُّدُهُمْ مطلقًا، أو في ذلك الحديثِ بعينِهِ، يُعَدُّ حديثًا
منکرًا .
وليس للحديثِ المنكَرِ تعريفٌ متفقٌ عليه بين الأئمَّة المتقدِّمين ؛
ولذا يقولُ الحافظ ابن رجب (١): ((ولم أقفْ لأحدٍ من المتقدِّمين على
حدِّ المُنْكَرِ من الحديثِ وتعريفِهِ، إلا على ما ذكره أبو بَكْرِ البَرْدِيجي
الحافظ - وكان من أعيان الحفاظِ المبرِّزين في العلل -: أنَّ المنكر:
هو الذي يحدِّث به الرجلُ عن الصحابة، أو عن التابعين عن
الصحابة، لا يُعْرَفُ ذلك الحديثُ - وهو مَثْنُ الحديث - إلا مِنْ
طريقِ الذي رواه؛ فيكونُ منكرًا.
ذكَرَ هذا الكلامَ في سياقٍ ما إذا انفرَدَ شُعْبة، أو سعيدُ بنُ أبي
عَرُوبة، أو هشامُ الدَّسْتَوائي؛ بحديثٍ عن قتادة، عن أنس، عن النَّبِيِّ
﴿4﴾. وهذا كالتصريح بأنَّ كُلَّ ما ينفردُ به ثقةٌ عن ثقة، ولا يُعْرَفُ
المتنُ مِنْ غيرِ ذلك الطريق، فهو مُنْكَرٌ؛ كما قاله الإمامُ أحمد في
حديثٍ عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، عن النَّبِيّ ◌ََِّ: في النَّهْيِ عن
(١) في "شرح علل الترمذي" (٦٥٣/٢ -٦٥٤).

١٠٨
٨- التَّفَرُّدُ
الْمُقَدِّمَةُ
بيعِ الوَلَاء وَهِبَته ....
قال البَرْدِيجي بعد ذلك : فأمَّا أحاديثُ قتادة التي يرويها الشيوخ؛
مثلُ حَمَّادِ بنِ سَلَمة، وهَمَّامٍ، وأَبَانَ، والأوزاعيِّ؛ ننظُرُ في الحديث:
فإنْ كان الحديثُ يُحْفَظُ مِنْ غيرِ طريقهم عن النَّبِيّ ◌َِّ، أو عن أنسٍ
ابنِ مالك من وجه آخر؛ لم يُدْفَعْ، وإنْ كان لا يُعْرَفُ عن أحد، عن
النَّبِيّ ◌َِِّ، ولا مِنْ طريقٍ عن أنس، إلا مِنْ روايةِ هذا الذي ذكَرْتُ
لك؛ کان منکرًا.
وقال أيضًا: إذا روى الثقةُ من طريقٍ صحيح عن رجل من
أَصْحَابِ النَّبِيّ ◌َّهِ حديثًا لا يصابُ إلا عند الرجلِ الواحد؛ لم يَضُرَّهُ
أَلَّا يرويَهُ غيرُهُ إذا كان متنُ الحديثِ معروفًا، ولا يكونُ منكرًا ولا
معلولًا)). اهـ.
ولمسلم بن الحجّاج كلامٌ في مقدمة "صحيحه))(١) يبيِّن مراده
بالحديث المنكر يحسُنُ إيراده هنا :
قال كَّتُهُ: ((وعلامةُ المُنْكَرِ في حديث المحدِّث: إذا ما عَرَضْتَ
روايتَهُ للحديث على روايةٍ غيره مِنْ أهلِ الحفظ والرِّضَا خالَفَتْ روايتُهُ
روايتَهُمْ، أو لم تَكَدْ توافقها، فإذا كان الأغلبُ من حديثِهِ كذلك ؛
كان مهجورَ الحديثِ غيرَ مقبولِهِ، ولا مُسْتَعْمَلِهِ، فمِنْ هذا الضَّرْبِ من
المحدِّثين: عبدُاللهِ بنُ مُحَرَّرٍ، ويحيى بنُ أبي أُنَيْسة، والجَرَّاحُ بنُ
(١) (٧/١).

١٠٩
الْمُقَدِّمَةُ
٨- التَّفَرُّدُ
المِنْهَال أبو العَطُوف، وعبَّادُ بنُ كَثِير، وحُسَيْنُ بنُ عبدالله ابنِ ضُمَيْرة،
وعمرُ بنُ صُهْبان، ومَنْ نحا نَحْوَهُمْ في رواية المنكر من الحديثِ،
فلَسْنا نُعَرِّجُ على حديثهم، ولا نتشاغَلُ به ؛ لأنَّ حُكْمَ أهلِ العلم،
والذي نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبهم في قَبُولِ ما يتفرَّدُ به المحدِّثُ من الحديثِ:
أنْ يكونَ قد شارَكَ الثقاتِ مِنْ أهل العلم والحفظِ في بعض ما رَوَوْا،
وأَمْعَنَ في ذلك على الموافقةِ لهم، فإذا وُجِدَ كذلك، ثم زاد بعد ذلك
شيئًا ليس عند أَصْحَابه ؛ قبلتْ زيادَتُهُ، فأمَّا مَنْ تراه يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ
في جلالتِهِ، وكثرةٍ أَصْحَابِهِ الحفاظِ المتقنين لحديثه وحديثٍ غيره، أو
لِمِثْلِ هشام بن عُرْوة - وحديثُهُمَا عند أهلِ العلم مبسوطٌ مشترَكٌ، قد
نقَلَ أَصْحَابُهُما عنهما حديثَهُمَا على الاتفاقِ منهم في أكثره - فَيَرْوِي
عنهما، أو عن أَحَدِهما، العَدَدَ مِنَ الحديثِ ممَّا لا يعرفُهُ أَحَدٌ مِنْ
أَصْحَابهما، وليس مِمَّنْ قد شاركَهُمْ في الصحيحِ مما عندهم، فغَيْرُ جائزٍ
قبولُ حديثٍ هذا الضَّرْبِ من الناس، والله أعلم)). اهـ.
وقد حكى ابنُ رَجَب(١) كلامَ مسلم هذا، ثم علَّق عليه بقوله:
((فصرَّح بأنَّ الثقةً إذا أمعَنَ في موافقةِ الثقات في حديثهم، ثم تفرَّد
عنهم بحديث ؛ قُبِلَ ما تفرَّد به، وحكاه عن أهلِ العلم. وقد ذكرنا
فيما تقدَّم(٢) قولَ الشافعيِّ في الشاذِّ، وأنه قال: ليس الشَّاذُّ من
(١) في "شرح العلل" (٦٥٨/٢-٦٥٩).
(٢) في "شرح العلل" (٥٨٢/٢)، وانظر قول الشافعي في "آداب الشافعي ومناقبه"
لابن أبي حاتم (ص ٢٣٣ - ٢٣٤)، و"الكفاية" للخطيب البغدادي (٤١٩/١).

١١٠
٨- التَّفَرُّدُ
الْمُقَدِّمَةُ
الحديثِ أنْ يروي الثقةُ مِنَ الحديثِ ما لا يروي غيره، إنما الشَّاذُّ أن
يروي الثقةُ حديثًا يخالفُ الناسَ، وكذا قال أبو بَكْرِ الأثرمُ.
وحكى أبو يَعْلَى الخَلِيلي(١) هذا القولَ عن الشافعيِّ وجماعةٍ من
أهلِ الحجاز، ثم قال: الذي عليه حُفَّاظُ الحديث : أنَّ الشاذَّ ما ليس
له إلا إسنادٌ واحد، يَشِذُّ بذلك شيخٌ؛ ثقةً كان أو غَيْرَ ثقة، فما كان عن
غَيْرِ ثقة فمتروكٌ لا يُقْبَلُ، وما كان عن ثقة، يُتَوَقَّفُ فيه، ولا يُحْتَجُّ به.
وكذلك ذكَرَ الحاكمُ : أنَّ الشَّاذَّ هو الحديثُ الذي ينفردُ به ثقةٌ من
الثقات، وليس له أصلٌ متابعٌ لذلك الثقةِ، ولم يُوقَفْ له على عِلَّة.
ولكنَّ كلامَ الخَلِيلي: في تفرُّد الشيوخِ، والشيوخُ في اصطلاحِ
أهل هذا العلم : عبارةٌ عمَّن دون الأئمَّةِ والحفاظ، وقد يكونُ فيهم
الثقةُ وغيره، فأمَّا ما انفرَدَ به الأئمّةُ والحفاظُ فقد سمَّاه الخليلي :
فَرْدًا، وذكَرَ أنَّ أفرادَ الحفاظِ المشهورين الثقاتِ، أو أفرادَ إمامٍ عن
الحفاظ والأئمّة صحيحٌ متفَقُ عليه، ومثَّله بحديثٍ مالكِ في المِغْفَرِ (٢).
فتلخّص مِنْ هذا: أنَّ النكارةَ لا تزولُ عند يحيى القَطَّانِ، والإمامِ
أحمد، والبَرْدِيجي، وغَيْرِهِمْ من المتقدِّمين إلا بالمتابعةِ، وكذلك
الشذوذُ كما حكاه الحاكم.
(١) في "الإرشاد" (١٧٦/١).
(٢) يعني: ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٨٤٦)، ومسلم (١٣٥٧) من طريق
الإمام مالك، عن ابن شهاب الزُّهْري، عن أنس ◌َُّه: أنَّ النَّبِيَّ نَِّ دَخَلَ مَكَّةَ
وعلى رأسه المِغْفَرُ.

١١١
الْمُقَدِّمَةُ
٨- التَّفَرُّدُ
وأمَّا الشافعيُّ وغيره: فيرَوْنَ أنَّ ما تَفَرَّدَ به ثقةٌ مقبولُ الروايةِ ولم
يخالفْهُ غيرُهُ، فليس بشاذٌّ، وتصرُّفُ الشيخَيْنِ يدُلُّ على مثل هذا المعنى.
وفرَّقَ الخليليُّ بين ما ينفردُ به شيخٌ من الشيوخِ الثقاتِ، وما ينفرِدُ
به إمامٌ أو حافظٌ: فما انفرَدَ به إمامٌ أو حافظٌ؛ قُبِلَ واحتُجَّ به، بخلافٍ
ما تفرَّد به شيخٌ من الشيوخ، وحكى ذلك عن حُفَّاظ الحديث، والله
أعلم)). اهـ كلام ابن رجب.
والإعلالُ بالتفرُّدِ كثيرٌ عند أهلِ العلم بالحديث؛ ولذا نَجِدُ
البخاريَّ، والعُقَيْليَّ، وابنَ عَدِيٍّ كثيرًا ما يُعِلَّونَ الحديثَ بقولهم: ((لا
يتابَعُ عليه))(١) .
وأكثَرُ ما يُعِلُّونَ بالتفرُّد: إذا تفرَّد خفيفُ الضبط عن إمامٍ مُكْثِرٍ
ممَّن يَحْرِصُ أهلُ العلم على جمع حديثه وروايتِهِ؛ كالزُّهْري، وقتادة،
والأعمش، والثَّوْري، وشُعْبة، ومالك، ونحوهم، أو تفرَّدَ بحديثٍ من
أحاديثِ الأحكامِ التي يَخْرِصُ أهلُ العلم على روايتها :
مثال ذلك: قولُ عبدالرحمن بن أبي حاتم (٢): ((وسألتُ أبي عن
(١) انظر على سبيل المثال: "التاريخ الكبير" للبخاري (١١٠/١ رقم٣١٣)، و(٨٦/٢
رقم ١٧٧٩)، و(١٦/٣ رقم٦٧)، و(١٨/٤ رقم ١٨١٧)، و(٧٩/٥)، و(١٩/٦
رقم ١٥٥٣)، و(٢٧/٧ رقم١١٦)، و(٣٧٨/٨ رقم ٣٣٨٩)، و"الضعفاء" للعقيلي
(٣١/١)، و(٣/٢)، و(٣٠/٣)، و(١٢/٤)، و "الكامل" لابن عدي (١٩٣/١)،
و(٧/٢)، و(١٦/٣)، و(٤/٤)، و(٤/٥)، و(١٥/٦)، و(٢٤/٧).
(٢) في "العلل" (٢٤٨).

١١٢
٨- التَّفَرُّدُ
الْمُقَدِّمَةُ
حديثٍ أَوْسِ بنِ ضَمْعَج، عن أبي مسعود، عن النَّبِيّ ◌َّهِ؟
فقال: قد اختَلَفُوا في متنه؛ رواه فِظْرٌ، والأعمش، عن إسماعيل
ابن رجاء، عن أوس بن ضَمْعَج، عن أبي مسعود، عن النَّبِيِّ وَّهِ؛
قال: ((يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً؛
فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ».
ورواه شُعْبة، والمَسْعودي، عن إسماعيلَ بنِ رَجَاء، لم يقولوا :
((أعلمهم بالسُّنَّة)).
قال أبي: كان شُعْبة يقول : إسماعيلُ بنُ رَجَاء كأنَّه شيطان؛ من
حُسْنِ حديثه، وكان يهابُ هذا الحديثَ؛ يقولُ: حُكْمٌ من الأحكامِ
عن رسول الله وَل﴿ لم يشاركُهُ أحدٌ(١).
قال أبي: شُعْبةُ أحفظُ من كُلِّهم.
قال أبو محمد: أَلَيْسَ قد رواه السُّدِّيُّ عن أوس بن ضَمْعَج ؟
قال: إنما رواه الحسَنُ بن يَزِيد الأَصَمُّ، عن السُّدِّيِّ، وهو شيخ،
أين كان الثَّوْري وشُعْبة عن هذا الحديث؟! وأخافُ ألَّ يكونَ
محفوظًا))(٢).
(١) وكان شعبة يقول في هذا الحديث إذا حَدَّث به عن إسماعيل بن رجاء: هو ثُلُثُ
رأس مالي. انظر "الكامل" (٣٢٦/٢).
(٢) هناك أمثلة كثيرة شبيهة بهذا؛ فانظر - على سبيل المثال - "العلل" للخلال
(١١ و١٦ و٣٧ و٧٧ و٨٠و ٩٣ و ١٣٧)، و "العلل " لابن أبي حاتم (٤٨ و١١٧ و٣٩٩
و٦١٧ و٨٨٦ و١٣٩٢/أ و١٨١١ و٢٦٥٤ و٢٦٨٦ و٢٦٩٧ و٢٨١٦).

١١٣
الْمُقَدِّمَةُ
٩- التَّذلِیسُ
٩) التّدْلِيسُ :
وهو إخفاءُ عَيْبٍ في الإسناد، وإيهامُ الناظِرِ فيه بِخُلُوِّ ذلك الإسنادِ
من العَيْب(١) .
والتدليسُ عند أهلِ الحديثِ قسمان:
١ - تدلیسُ إسناد.
٢ - وتدلیسُ شيوخ.
يقول الحافظ ابن حجر(٢): ((والتدليسُ تارَةً في الإسناد، وتارَةً في
الشيوخ.
فالذي في الإسناد: أنْ يَرْوِيَ عمَّن لقيه شيئًا لم يَسْمَعه منه؛
بصيغةٍ مُحْتَمِلة، ويَلْتَحِقُ به مَنْ رآه ولم يجالسه.
ويَلْتَحِقُ بتدليسِ الإسناد: تدليسُ القَطْع، وهو: أن يَحْذِفَ الصيغةَ
ويَقْتَصِرَ على قولِهِ مثلاً: الزُّهْري، عن أنس.
وتدليسُ العَظْف، وهو: أن يُصَرِّحَ بالتحديثِ في شيخٍ له،
ويَعْطِفَ عليه شيخًا آخَرَ له، ولا يكون سَمِعَ ذلك من الثاني.
وتدليسُ التسوية، وهو: أن يصنَعَ ذلك لشيخِهِ، فإنِ اطْلِعَ على أنه
(١) انظر "الكفاية" للخطيب (ص٣٥٧)، و"كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري (٣/
١٠٨)، و"النكت على كتاب ابن الصلاح" لابن حجر (٦١٥/٢)، و"لسان
العرب" لابن منظور (٨٦/٦)، و"تاج العروس" للزَّبيدي (٨٤/١٦).
(٢) في "تعريف أهل التقديس " (ص٦٨-٧١).

A
١١٤
٩- التَّدْلِیسُ
الْمُقَدِّمَةُ
دلَّسه حُكِمَ به، وإنْ لم يُطَلَعْ طَرَقَهُ الاحتمالُ، فَيُقْبَلُ من الثقةِ ما صرَّحَ
فيه بالتحديثِ، ويُتَوَقَّفُ عمَّا عداه ....
وأما تدليسُ الشيوخ، فهو: أنْ يَصِفَ شيخَهُ بما لا يَشْتَهِرُ به؛ من
اسمٍ، أو لَقَبٍ، أو كُنْيةٍ، أو نِسْبةٍ، إيهامًا للتكثيرِ غالبًا، وقد يفعلُ
ذلك لِضَعْفٍ شيخه، وهو خيانةٌ ممَّن تعمَّده(١)، كما إذا وقَعَ ذلك في
تدليسِ الإسنادِ، واللهُ المُسْتَعَان)). اهـ.
وقال مسلمُ بن الحَجَّاجِ (٢): ((وإنما كان تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ منهم سماعَ
رواةِ الحديثِ ممَّن روَى عنهم: إذا كان الراوي ممَّن عُرِفَ بالتدليس
في الحديثِ، وشُهِرَ به، فحينئذٍ يبحثون عن سماعه في روايته،
ويتفقَّدون ذلك منه؛ كي تَنْزَاحَ عنهم عِلَّةُ التدليس)). اهـ.
وللجهابذةِ النُّقَّادِ مِنْ علماءِ الحديثِ معرفةٌ ثاقبةٌ بطرائقِ الرُّوَاةِ في
التدليسِ؛ فإنْ كان الراوي الذي دَلَّسَ مُتَكَلَّمًا فيه، أو روايتُهُ مُضَعَّفَةٌ
بأمرٍ آخَرَ، فالأَمْرُ هَيِّنٌ، وإنْ كان ثقةً استوجَبَ ذلك منهم مزيدَ بحثٍ؛
حتى لا يَغْتَرَّ الناظرُ في الإسنادِ بظاهره، فَيَحْكُمَ بِصِخَته، كما أنه ليس
كلُّ عنعنة مِنْ راوٍ وُصِفَ بالتدليس تُرَدُّ(٣)؛ لأنه يترتَّب على ذلك رَدُّ
(١) لكن وجود الدليل على أن راويًا بعينه تعمَّد ذلك مع قناعته بضعف شيخه متعذّر؛
ولهذا لم يجرح المحدِّثون المدلِّس مطلقًا .
(٢) في مقدمة "صحيحه" (٣٣/١).
(٣) ولهذا جعلوا الرواة الموصوفين بالتدليس على طبقات؛ كما صنع الحافظ ابن حجر
في "طبقات المدلسين"، فمنهم من تقبل عنعنته، ومنهم من تُرَدُّ، ومنهم من اختلف
الأئمة في قبولها وردِّها، ومنهم من ضُعِّف بأمر آخر غير التدليس.
،

١١٥
الْمُقَدِّمَةُ
٩- التّذلِیسُ
كثير من السنن الصحيحة، وهذا يُشْعِرُ بصعوبةِ الحكم على الحديث
بالصحَّة، كما يُشْعِرُ بصعوبةِ الإعلال بالتدليس.
والذي يُهِمُّنَا هنا هو أنَّ الرواةَ الثقاتِ قد يقع منهم التدليسُ،
فَيُحْتاجُ إِلى جِهِْذٍ يَكْشِفُهُ لِتَظْهَرَ عِلَّةُ الإسناد؛ ومِنْ هنا نعلمُ أنَّ مِنْ
أسبابٍ وجودِ العِلَّةِ: وقوعَ التدليس.
فمن أمثلة ذلك:
نـ
قولُ عبدالرحمن بن أبي حاتم (١): وسمعتُ أبي وذكَرَ الحديثَ
الذي رواه إسحاقُ بنُ رَاهُوْيَهْ، عن بَقِيَّة(٢)؛ قال: حذَّثني أبو وَهْب
الأَسَدِي؛ قال: حدَّثنا نافع، عن ابن عمر؛ قال: لا تَحْمَدُوا إسلامَ
امْرِئٍ حَتَّى تَعْرِفُوا عُقْدَةَ رَأْيِهِ.
قال أبي: هذا الحديثُ له عِلَّةٌ قَلَّ مَنْ يَفْهَمُهَا؛ روَى هذا الحديثَ
عبيدُاللهِ بنُ عمرو، عن إسحاقَ بنِ أبي فَرْوَةَ، عن نافع، عن ابن عمر،
عن النَّبِيِّ وَِّ، وعبيدُاللهِ بنُ عَمْرٍو كنيتُهُ: أبو وَهْبٍ، وهو أَسَدِيٌّ؛
فكأنَّ بَقِيَّةَ بنَ الوليد كَنَى عبيدَاللهِ بنَ عمرو، ونسَبَهُ إلى بني أَسَد؛ لكيلا
يُفْطَنَ به، حتى إذا ترَكَ إسحاقَ بنَ أبي فَرْوَة من الوسَطِ لا يُهْتَدَى له،
وكان بَقِيَّةُ مِنْ أفعَلِ الناسِ لهذا، وأمَّا ما قال إسحاقُ في روايتِهِ عن
بَقِيَّة، عن أبي وَهْب: ((حدَّثنا نافع))، فهو وَهَمٌ، غيرَ أنَّ وجهه عندي:
(١) في "العلل" (١٩٥٧).
(٢) هو: ابن الوليد.
ے

١١٦
٩- التَّدْلِیسُ
الْمُقَدِّمَةُ
أنَّ إسحاقَ لعلَّه حفظ عن بَقِيَّةَ هذا الحديثَ، ولَمَّا يَفْطَنْ لِمَا عَمِلَ بَقِيَّةُ
مِنْ تركِهِ إسحاقَ من الوَسَط، وتكنيتِهِ عبيدَاللهِ بنَ عَمْرو، فلم يَفْتَقِدْ لفظَ
بَقِيَّةَ(١) في قوله: ((حدَّثنا نافع))، أو: ((عن نافع)). اهـ.
وقال أيضًا(٢): وسألتُ أبي وأبا زُرْعة عن حديثٍ رواه ابن
جُرَيْج، عن موسى بن عُقْبَة، عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن
أبي هريرة، عن النَّبيّ وَ ◌ِّ قال: ((مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ،
ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ... ))، الحديثَ؟
فقالا : هذا خطأ، رواه وُهَيْبٌ، عن سُهَيْل، عن عَوْن بن عبدالله
موقوف، وهذا أُصَحُ.
قلتُ لأبي: الوَهَمُ مِمَّن هو ؟
قال: يَحْتمِلُ أن يكون الوَهَمُ مِنِ ابنِ جُرَيْج، ويَحْتمِلُ أن يكونَ
مِنْ سُهَيْلٍ، وأخشَى أن يكونَ ابنُ جُرَيْجِ دَلَّسَ هذا الحديثَ عن موسى
ابن عُقْبَة، ولم يَسْمَعْهُ مِنْ موسى، أخَذَهُ مِنْ بعض الضعفاء.
وسمعتُ أبي مَرَّةً أخرى يقول: لا أعلَمُ روى هذا الحديثَ عن
سُهَيْلٍ أحد إلا ما يرويه ابنُ جُرَيْج، عن موسى بن عُقْبَة، ولم يذكُرِ
ابنُ جُرَيْج فيه الخَبَرَ(٣)؛ فأخشى أنْ يكونَ أَخَذَهُ عن إبراهيمَ بنِ أبي
(١) انظر معنى قوله: ((فلم يفتقد ... )) إلخ، في التعليق على المسألة رقم (١٨٧١)
و(٢٣٩٤).
(٢) في "العلل" (٢٠٧٨).
(٣) أي: السماعَ.

١١٧
الْمُقَدِّمَةُ
٩- التَّدْلِیسُ
يحيى؛ إذْ لم يَرْوِهِ أَصْحَابُ سُهَيْل، لا أعلَمُ رُوِيَ هذا الحديثُ عن
النَّبِيِّ وَِّ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ أبي هريرة.
وذكَرَ الدار قطنيُّ(١) هذا الحديثَ وعِلَّتَهُ، ونقَلَ عن الإمام أحمدَ
قولَهُ: ((وأخشَى أنْ يكونَ ابنُ جُرَيْجِ دَلَّسَهُ عن موسى بنِ عُقْبةٍ، أخذَهُ
من بعضٍ الضعفاءِ عنه))، ثم قال الدارقطني: ((والقولُ كما قال
أحمد».
وقال أبو حاتم أيضًا في حديثٍ آخر (٢): ((ويَحْتمِلُ أن يكونَ مِنْ
حديثِ ابنِ جُرَيْج، عن إبراهيمَ بنِ أبي يحيى، عن صَفْوانَ بنِ سُلَيْم؛
لأنَّ ابنَ جُرَيْجِ يُدَلِّسُ عن ابنِ أبي يحيى، عن صَفْوَانَ بنِ سُلَيْم غيرَ
شيء)).
وقال أبو حاتم أيضًا (٣): ((ولا أَظُنُّ الثَّوْريَّ سمعه من قَيْس، أُرَاهُ
مُدَلَّسَ )).
وقال الدارقطني(٤): ((وقيل: إنَّ الثَّوْري لم يسمعْهُ من قيس،
وإنما أخذه عن يزيد أبي خالد، عن قيس، وهو عنده مرسلٌ)).
وقال أبو حاتم أيضًا(٥): ((الزُّهْري لم يسمَعْ من عُرْوة هذا
الحديثَ؛ فلعلَّه دَلَّسَهُ)».
(١) في "العلل" (٢٠١/٨).
(٣) في "العلل" (٢٢٥٥).
(٥) في "العلل" (٩٦٨).
(٢) في "العلل" (١٢٥٩).
(٤) في "العلل" (٢٨/٦).

١١٨
١٠- سُلُوكُ الْجَادَّةِ
الْمُقَدِّمَةُ
وقال أيضًا(١): ((وأَنَا أَخْشَىْ ألَّا يكونَ سَمِعَ هذا الأَعْمَشُ من
مجاهد، إنَّ الأَعْمَشَ قليلُ السماعِ مِنْ مجاهد، وعامَّةُ ما يروي عن
مجاهدٍ مُدَلَّسٌ)).
وفي موضع آخر (٢) سأله ابنُهُ عبدالرحمن عن الأعمش؟ فقال:
((الأعمَشُ ربَّما دَلَّسَ))(٣).
١٠) سُلُوكُ الْجَادَّةِ :
وربَّما عبّر عنه بعضُهُمْ بقوله: (لَزِمَ الطريقَ))، أو («أخَذَ طريقَ
المَجَرَّة))، أو نحوِهَا من التعبيراتِ التي تَدُلُّ على معنَى واحدٍ كما
سيأتي.
ومِنَ المعلومِ: أنَّ هناك بعضَ الأسانيدِ التي يَكْثُرُ دَوَرَانُهَا بسببٍ
كثرةٍ روايةٍ الراوي، وكَثْرَةِ الرُّوَاةِ عنه؛ كأبي هريرة ◌َبه الذي هو أكثَرُ
الصحابةِ روايةً؛ فإنَّ بعضَ تلاميذه أكثَرُوا من الروايةِ عنه، وبعض
تلاميذهم أَكْثَروا من الروايةِ عنهم، وربَّما تلاميذُهُمْ أيضًا، وهكذا.
فكثرةُ تداوُلِ أحدِ هذه الأسانيدِ بصورةٍ واحدةٍ تجعلُهُ إسنادًا
مشهورًا، ويسمَّى عندهم: طريقًا، أو جَادَّة، أو مَجَرَّةً؛ يسهُلُ حفظُهُ
كما يسهُلُ سلوكُ الناسِ للجَاذَّةِ التي يَمْشُونَ عليها .
(١) في "العلل" (٢١١٩).
(٢) في "العلل" (٩).
(٣) انظر أيضًا "العلل" لابن أبي حاتم (١٠٩ و٦٤٥ و١١٠٤ و١٢١٩ و١٨٧١ و٢٠٨٧
و ٢٢٧٥ و ٢٤٦٣ و ٢٤٩٣ و٢٥٧٩).

١١٩
الْمُقَدِّمَةُ
١٠- سُلُوكُ الْجَادّةِ
وربَّما جاء حديثٌ آخَرُ يَشْترِكُ مع هذا الإسنادِ المشهور ((الجادّة))
في بعضٍ رجاله، ويَخْتلِفُ في بعضهم الآخَرِ، فَيَرْوِيهِ بعضُ الرواةِ
فَيَهِمُ، فيذكُرُ الإسنادَ المشهورَ بتمامِهِ بحكم الاشتراكِ في بعضه، فينبِّهُ
العلماءُ على هذا الوَهَم، ويوضِّحون سببه؛ كقولِ البيهقي(١): ((هذا -
عِلْمي(٢) - من الجنس الذي كان الشافعيُّ كَفُ يقول: أَخَذَ طريقَ
المَجَرَّة، فهذا الشيخُ لمَّا رأى أخبارَ ابنِ بُرَيْدة عن أبيه؛ توهّم أنَّ هذا
الخبر هو أيضًا عن أبيه)).
وقال البيهقيُّ(٣) أيضًا: ((قال يونس بن عبدالأعلى: قال لي
الشافعيُّ في هذا الحديثِ: اتبَعَ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنة - في قوله: الزُّهْرِيُّ،
عن عُرْوة، عن عبدالرحمن - المَجَرَّةَ. يريد: لَزِمَ الطريقَ)).
ومثَّل أبو عبدالله الحاكمُ(٤) للجنسِ التاسع مِنْ أجناس العلل
بحديثٍ قال عنه: ((لهذا الحديثِ عِلَّةٌ صحيحةٌ، والمنذرُ بنُ عبدالله
أخَذَ طريقَ المَجَرَّةِ فیه)).
وذكَرَ السُّيُوطِيُّ(٥) هذه الأجناسَ التي ذكرها الحاكمُ، وعرَّفَ
الجنسَ التاسع بقوله: ((التاسع: أنْ تكونَ طريقُهُ معروفةً، يروي أحدُ
رجالها حديثًا مِنْ غير تلك الطريقِ، فيقَعُ مَنْ رواه مِنْ تلك الطريقِ
(٢) لعله يريد: حَسَبَ عِلْمي .
(١) في "سننه" (٤٧٤/٢).
(٣) في "معرفة السنن والآثار" (٤٣٤/٣).
(٤) في "معرفة علوم الحديث" (ص١١٨).
(٥) في "تدريب الراوي" (٢٦١/١).