Indexed OCR Text

Pages 1-20

تأليف
الَحَافِظِ أَنِ مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّحْمِنِ بْن أَنْحَابِرِ
مُحَدِيْن إِدْرِيسَ الحَنْظِ الرَّزيّ
٢٤٠١ - ٥٣٢٧)
تحقيق
فَرَيْقِ مِنَ السَّاحِتِينَ
بإشراف وعناية
د / سَعْدِبْ عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيِّد
و
د/خَالِدِ بْن عَبْدِ الرَّحْنِ الجُرَيْسِيّ
بإشراف وحكاية
د/ سَعْدِبْ عَيْدِ اللهِالْحُمَيّد
و
د/ خَالِ بُوْ عِبَلِالرَّحْنِ الجُرْسِيّ
تأليف
عَبْدِ الرَّحْنِ بْن أَنِ سَائِ الرَّازِيّ
فَرَينِ مِنَ الَاِحِينَ
تحفين

تأليف
الْحَافِظِ أَبِ مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّحْمِنِ بْن أَبِحَاتٍِ
مُحَدِبْن إِدْرِيسَ الْحَظَلِ الَّازِيّ
(٢٤٠ - ٣٢٧ هـ)
تحقيق
فَيْقٍ مِنَالْبِنَّاحِتِينَ
بإشراف وَعناية
د/ سَعْدِبْنِ عَبْدِ اللّهِ الحُمَيّد
و
د/خَالِدِ بْن عَبْدِ الرَّمن الجُرْسِيّ
المجَلّد الأول

◌ِلهُالرّحمنِالرَّحْيَمِ
بِشْـ

كِتَابَةِ الشَلِ

٤ خالد بن عبدالرحمن الجريسي، ١٤٢٦هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
ابن أبي حاتم، عبدالرحمن محمد
كتاب العلل./ عبدالرحمن محمد ابن أبي حاتم؛ خالد بن عبدالرحمن
الجریسي .- الریاض، ١٤٢٦هـ
٦٥٦ ص: ١٧×٢٤ سم
ردمك: ٢ - ٣٨٧ - ٤٧ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
٠ - ٣٨٨ - ٤٧ - ٩٩٦٠ (ج ١)
أ- الجريسي، خالد بن عبدالرحمن (محقق)
١- الحدیث - علل
ب، العنوان
١٤٢٦/٦١٧
ديوي ٢٣١,٣
رقم الإيداع : ٦١٧ / ١٤٢٦
ردمك: ٢ - ٣٨٧ - ٤٧ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
٠ - ٣٨٨ - ٤٧ - ٩٩٦٠ (ج ١)
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
محرم ١٤٢٧ هـ
(شباط) فبراير ٢٠٠٦م

مُقَدِّمَةُ تَحْقِيقِ "كِتَابِ الْعِلَلِ " ◌ِابْنِ أَبِي حَاتِم
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرّحِيمِ
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ النُّلُمَتِ وَالنُّورِّ
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
والحمدُ لله الذي لا يُؤَدَّى شُكْرُ نِعْمة من نِعَمه إلا بنعمةٍ منه تُوجِبُ
على مؤدِّي ماضي نِعَمِهِ بأدائها : نعمةً حادثةً یجبُ علیه شکرُهُ بها!
ولا يَبْلُغُ الواصفون كُنْهَ عظمته. الذي هو كما وَصَفَ نفسَهُ،
وفوق ما يصفه به خلقُهُ.
نَحْمَدُهُ سبحانه حمدًا كما ينبغي لِكَرَم وجهه وعِزِّ جلاله، ونستعينُهُ
استعانةَ مَنْ لا حول له ولا قوةَ إلا به، ونستهديه بهداه الذي لا يَضِلُّ
مَنْ أَنعَمَ به عليه، ونستغفرُهُ لِمَا أَزْلَفْنَا وأَخَّرْنَا استغفارَ مَنْ يُقِرُّ
بعبوديته، ويعلمُ أنه لا يغفر ذنبَهُ ولا يُنَجِّيهِ منه إلا هو.
ونَشْهَدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمَّدًا
عبدُهُ ورسوله، بعثَهُ اللهُ على حينٍ فَتْرةٍ من الرسلِ، فكان خِيرَتَهُ
المصطفَى لوحيه، المنتَخَبَ لرسالته، المُفضَّلَ على جميع خلقِه:
بفتحٍ رحمتِهِ وختمٍ نبوتِهِ، وأعمِّ ما أُرْسِلَ به مُرْسَلٌ قبله، المرفوعَ
ذِكْرُهُ مع ذِكْرِهِ في الأُولى، والشافعَ المشفَّعَ في الأخرى، أفضلَ
خلقِهِ نَفْسًا، وأجمعَهُمْ لكلِّ خُلُقٍ رَضِيَهُ في دينٍ ودنيا، وخيرَهم
نسبًا ودارًا .

٦
مُقَدِّمَةُ تَحْقِيقِ "كِتَابِ الْعِلَلِ" ◌ِابْنِ أَبِي حَاتِم
فصلَّى الله على نبيِّنا كلَّما ذكره الذاكرون، وغفَلَ عن ذِكْره
الغافلون، وصلَّى عليه في الأوَّلين والآخِرِين، أفضلَ وأكثَرَ وأزكى
ما صلَّى على أحدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وزكّانا - وإياكم - بالصلاةِ عليه أفضلَ
ما زَّى أحدًا من أمته بصلاتِهِ عليه، وجزاه اللهُ عنا أفضَلَ ما جزى
مُرْسَلاً عَمَّنْ أُرْسِلَ إليه، فلم تُمْسٍ بنا نعمةٌ ظهرَتْ ولا بطنَتْ، نلنا بها
حَظًّا في دينٍ ودنيا، أو دُفِعَ بها عنا مكروهٌ فيهما أو في واحدٍ منهما -
إلا ومحمَّدٌ صلى الله عليه سَبَبُهَا، القائدُ إلى خَيْرِها، والهادي إلى
رُشْدِها (١).
أما بعد:
فإنَّ عِلْمَ عِلَلِ الحديثِ مِنْ أَجَلِّ العلومِ(٢) التي لم تَتَهَيَّأُ معرفتُهَا
إلا لنَزْرٍ يَسِيرٍ مِنْ أهلِ العلمِ؛ وقد صُنِّفَتْ فيه مصنَّفاتٌ عديدةٌ(٣)، من
أَهَمِّهَا "كِتَابُ الْعِلَلِّ" لأبي محمَّدٍ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي حاتمِ الرازيِّ
(ت٣٢٧هـ)، الذي جَمَعَ فيه كلامَ أبيه وأبي زُرْعَةَ في تعليلٍ
الأحاديثِ، معَ زيادةِ كلامِ بعضِ الأئمَّةِ الآخَرِينَ - على قِلَّتِهِ - وربَّما
أَدْلَى هو بِدَلْوِهِ في الكلامِ في هذه العِلَلِ أحيانًا .
وقد طُبِعَ هذا الكتابُ أَوَّلَ مَرَّةٍ سنةَ (١٣٤٣هـ) بتحقيقِ الأستاذِ
مُحِبِّ الدِّينِ الخَطِيبِ كَُّهُ؛ في المطبعةِ السَّلَفيَّةِ التي كان أنشأَهَا،
(١) من مقدمة الإمام الشافعي لكتاب "الرسالة" بتصرف.
(٢) انظر مبحث "أهمية علم علل الحديث" الآتي (ص١١).
(٣) انظر مبحث "المصنفات في علل الحديث" الآتي (ص٣١).

٧
مُقَدِّمَةُ تَحْقِيقِ "كِتَابِ الْعِلَلِ" ◌ِابْنِ أَبِي حَاتِم
مُعْتَمِدًا في تحقيقِه على نُسْخَتَيْنِ، لكنَّ إحداهما منقولةٌ عن الأخرى
كما سيأتي بيانُهُ(١)، وفيهما أسقاطٌ وتصحيفاتٌ، لكنَّهُ وَفَّى بإثباتِ
النَّصِّ على حَسَبِ استطاعتِهِ.
ثم عَمَدَ الأخُ نَشْأَتُ بنُ كمالِ الْمِصْرِيُّ، فحَقَّقَ الكتابَ اعتمادًا
على النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ الأخرى، وطُبِعَ الكتابُ بتحقيقِهِ في (٤) مجلَّداتٍ،
غيرَ أنَّه وقَعَ في أخطاءٍ نَبَّهَ عليها الأخُ محمَّدُ بنُ صالحِ الدباسِيُّ الذي
قام بتحقيقِ الكتابِ وإخراجِهِ في (٣) مجلَّدات، على وجهٍ أَفْضَلَ مِنْ
سابقَيْهِ؛ فجزى اللهُ الجميعَ خيرَ الجزاءِ.
وقد مَنَّ اللهُ تعالى عَلَيْنَا بالفَرَاغِ مِنْ تحقيقِ هذا الكتابِ، الذي
ابتدأُنَا العمَلَ فيه قبل أكثرَ من خمس سنين، وما كنا نتوقّع أننا سنلاقي
ما لاقيناه من عَنَتٍ ومَشَقَّةٍ في إخراجه على وجهٍ نرجو أن يكونَ
الأقرَبَ إلى الصوابِ إنْ شاء الله تعالى.
وكانت الرغبةُ في أولِ الأَمْرِ متجهةً إلى إخراجِهِ اعتمادًا على
نسخةٍ مكتبة أحمد الثالث وحدها؛ دون تخريج أو تعليقٍ إلا على
ما لابُدَّ منه، لكنْ واجهَنَا كثيرٌ من الإشكالاتِ التي تَطَلِّبَتِ الرجوعَ إلى
نُسَخ أخرى، فجمعنا ما وَقَفْنَا عليه منها، ومع هذا كلِّه لم يَزَلْ في
الكتابِ مواضعُ أخرى مُشْكِلَةٌ، فرأينا ضرورةَ تقصِّي المراجعِ التي
تأخذُ عن ابن أبي حاتم بطريق الرواية أو النقل، كما رأينا ضرورةً
(١) (ص٣٢٣ وما بعدها) من هذه المقدمة.

٨
مُقَدِّمَةُ تَحْقِيقِ "كِتَابِ الْعِلَلِ " ◌ِابْنِ أَبِي حَاتِم
تخريج الرواياتِ والطرقِ لإتمام العمل، فساعَدَنَا هذان الأمران كثيرًا
على إزالةِ كثيرٍ من تلك الإشكالاتِ كما سيأتي تفصيلُهُ في خُطَّةِ العملِ
إن شاء الله.
وقد قدَّمنا للكتاب بمقدمةٍ تناولنا فيها ما يلي :
١ - أهميَّة عِلْمِ عِلَلِ الحديث، والمصنَّفات فيه، وتعريف العِلَّة
في اللغة والاصطلاح، وذِكْر أسباب العلة.وكنا نرغب في ذكر قرائن
الترجيح والتعليل وأجناس العلة، لكن رأينا الاكتفاء برسالة أخينا
الدكتور عادل الزُّرَقي في ((قرائن العلة))(١)، وبما ذكره أبو عبدالله
الحاكم في (معرفة علوم الحديث)) (ص١١٣-١١٨) عن أجناس العلَّة،
ولخّصه وهذَّبِه السُّيُوطي في ((تدريب الراوي)) (٤٢٢/١-٤٢٧). وبلَغَنَا
أن الأخ أبا سفيان مصطفى باحوا جَمَع ذلك وزاد عليه في بحث
بعنوان "العِلة وأجناسها عند المحدِّثين " لم يُطْبَعْ بعدُ؛ أجزل الله
الأجر والثواب للجميع.
٢ - دراسة مُطَوَّلة للمُصَنِّف عبدالرحمن بن أبي حاتم تَُّهُ.
٣ - ترجمة موجزة لأبي حاتم، وأبي زرعة، رحمة الله عليهما.
٤ - التعريف بـ " كتابِ العِلَلِ" لابن أبي حاتم، وفيه:
أ) تمهيدٌ يتضمَّنُ أَهَمِّيَّةَ الكتابِ، وبَعْضَ مميِّزاتِهِ، ومَنْهَجَ مصنِّفِهِ فيه.
(١) وهو بحث بعنوان "قواعد العلل، وقرائن الترجيح"، طبع بدار المحدِّث، سنة
١٤٢٥ هـ، الرياض - السعودية.

مُقَدِّمَةُ تَحْقِيقِ "كِتَابِ الْعِلَلِ " ◌ِابْنِ أَبِي حَاتِم
ب) رواياتُ الكتاب.
جـ) ترجمة لرواة الكتاب.
د) وصف النُّسَخِ الخَطَّةِ المعتمدة.
هـ) تحقيق اسم الكتابِ، وصِحَّةِ نِسْبَتِهِ إلى مصنِّفِهِ.
و) خُطَّة العَمَلِ ومنهجنا في تحقيق الكتاب، مع بعضٍ التنبيهات.
ز) نماذج من النُّسَخِ الخَطْيَّةِ للكتاب.
وها هو الكتابُ بين يدَيْكَ - أخي القارئ الكريم - لك غُنْمُهُ،
وعلينا غُرْمُهُ، ولا نستطيعُ أنْ نَصِفَ لك ما بُذِلَ فيه من جُهْد، نسألُ
اللهَ تعالى أَلَّا يَخْرِمنا أَجْرَهُ، وحسبنا أنَّا بَذَلْنَا وُسْعَنَا ولا نَذَّعي
الكمال، فإنْ أصبنا فَمِنَ الله، وإنْ أخطأنا فَمِنْ أنفسنا ومِنَ الشيطان،
مع دعائنا لِمَنْ أتحفَنَا بشيءٍ من الملحوظاتِ حتى نَتَلَافاها ونَتَدَارَكَهَا
في طبعةٍ لاحقة إنْ شاء الله.
ولا يفوتنا في الختام أنْ نَتقدَّمَ بالشُّكْرِ الجزيلِ لفضيلة الدكتور
الشيخ محمد بن تُرْكي التُّرْكي الذي أَتْحَفنا ببعضٍ النسخ الخطية
لهذا الكتاب.
والشُّكْرُ موصولٌ للمحرِّك الإداري للعمل الشيخ أبي أسامة محمد
ابن سالم بن علي بن جابر؛ على بَذْلِ وُسْعِهِ وطاقتِهِ، وحُنْكِتِهِ في
الإدارة على وجه ظهرت ثماره بحمد الله.

١٠
مُقَدِّمَةُ تَحْقِيقِ "كِتَابِ الْعِلَلِ " ◌ِابْنِ أَبِي حَاتِم
كما نشكُرُ فَرِيقَ التحقيقِ في هذا الكتابِ الذين لولا تيسيرُ الله
سبحانه، ثم تضافُرُ جهودهم؛ لَمَا أمكَنَ إنجازُ هذا العمل الضخم، مع
هذه الصعوبات، وهم الإخوة الأساتذة :
١) د. حيدر بن عيدروس علي أحمد.
٢) عيسى بن كُوكُوني صُوك.
(٣) عبد العزيز بن عبد الله الضاحي.
٤) حسني بن أحمد بن حَسَانين الجُهَني.
٥) حسام بن محمد القَطَّان.
٦) علي بن أحمد بن عبد الباقي الخُولي.
٧) أيمن بن أحمد ذو الغِنى.
٨) محمد بن خالد الوَبَارنه.
٩) محمد بن رجب بن محمد الخُولي.
كما نَشْكُرُ كلَّا من مُنَضِّد الكتاب الأستاذ يسري بن حسين
محمد سعد، وفريق المقابلة: الأستاذ إبراهيم بن عبد الجليل
رضوان، والأستاذ حسان بن عبد الكريم العثمان.
وآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ
د / سعد بن عبدالله بن عبدالعزيز الحميّد ود / خالد بن عبدالرحمن بن علي الجريسي

١١
الْمُقَدِّمَةُ
أَهَمِّيَّةُ عِلْمٍ عِلَلِ الحَدِيثِ
أَهَمِّيَّةُ عِلْمٍ عِلَلِ الحَدِيثِ
لقد مَنَّ اللهُ على الأُمَّةِ المحمَّديةِ أنْ جعلها خيرَ الأمم، ودينَها
خاتَمَ الأديانِ وأكملَهَا، ونبيَّها خاتَمَ الأنبياءِ وأفضلَهم. وتكفَّل اللهُ
لهذه الأُمَّةِ بِحِفْظِ وَحْيها من التحريف والتبديل؛ فقال سبحانه:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ، لَخَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، والذِّكْرُ هنا
يَعُمُّ الكتابَ والسُّنَّة؛ لأنَّ السنَّةَ وحيٍّ منزَّلٌ من الله سبحانه؛ قال
[النّجْم: ٣]، وهي المبيِّنة للقرآن،
تعالى: ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْهَوَىَّ﴾
وسمَّاها الله ذكرًا؛ قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ
مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، فلا يمكن العملُ
بالقرآن بمَعْزِل عن السنة؛ كعدد الصَّلوات في اليوم والليلة، وعدد
ركعات الصَّلاة، وصفة أدائها، وهكذا الزكاة، والحَجُّ، والصَّوم،
وغير ذلك، وهذا الذي جَعَلَ مكحولًا كَفُ يقول: القرآنُ أُحوَجُ إلى
السُّنَّة من السنَّة إلى القُرآن(١).
وقال يحيى بن أبي كثير: السُّنَّة قاضيةٌ على الكتاب، وليس
الكتابُ بقاضٍ على السنَّةُ(٢).
(١) أخرجه سعيد بن منصور - كما في "تفسير القرطبي" (٣٩/١) - والمروزي في
"السنة" (١٠٤)، والخطيب في "الكفاية" (ص١٤)، والهروي في "ذم الكلام"
(٢١٤). ومن طريق سعيد بن منصور أخرجه ابن شاهين في "السنة" (٤٨)،
والهروي في الموضع السابق.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور - كما في الموضع السابق من "تفسير القرطبي" -
والدارمي في "سننه" (٥٨٧)، والخطيب في الموضع السابق (٣٩/١)، =
إن هو الأوضى
يوصى

١٢
أَهَمِيَُّ عِلْمِ عِلَلِ الحَدِيثِ
الْمُقَدِّمَةُ
وقال الفَضْل بن زياد: سمعتُ أحمدَ بن حنبل وسُئل عن هذا
الحديث الذي رُوي: أنَّ السُّنَّةَ قاضيةٌ على الكتاب؟ فقال: ما أجسُرُ على
هذا أنْ أقولَهُ، ولكنَّ السنَّةَ تفسِّر الكتاب، وتعرِّفُ الكتابَ وتبيِّنْه(١).
وقال حَسَّان بن عَطيَّة: كان جبريلُ عَّهُ يَنْزِلُ على رسول اللهِ وَّه
بالسُّنَّة كما ينزل عليه بالقرآن، يعلِّمه إياها كما يعلّمه القرآن(٢).
وقال إسماعيل بن عُبَيدالله: ينبغي لنا أن نَحْفَظَ حديثَ رسول الله
وَ﴿ كما نحفَظُ القرآنَ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧](٣).
وهذا هو الذي فهمه الصحابيُّ الجليلُ عبدالله بن مسعود رهـ
حين قال: ((لَعَنَ اللهُ الواشمَاتِ والمُسْتَوْشِمَاتِ، والنَّامِصَاتِ
والمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفلِّجَاتِ للحُسْنِ، المُغيِّراتِ خَلْقَ اللهِ))، فبلغ ذلك
امرأةً من بني أَسَدٍ يقال لها: أُمُ يعقوب، وكانتْ تَقْرَأُ القرآنَ، فأتتْهُ
فقالت: ما حديثٌ بلغني عنك؛ أنك لعنتَ الواشمات والمُسْتَوشمات،
= والمروزي في "السنة" (١٠٣)، والهروي في "ذم الكلام" (٢١١). ومن طريق
سعيد بن منصور أخرجه ابن شاهين في "السنة" (٤٨)، والهروي في الموضع
السابق.
(١) أخرجه الخطيب في "الكفاية" (ص١٥)، والهروي في "ذم الكلام" (٢١٣)، وابن
أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (٢٥٢/١).
(٢) أخرجه الدارمي (٥٨٨)، والمروزي في "السنة " (١٠٢)، والخطيب في "الكفاية"
(ص١٢ و١٥)، والهروي في "ذم الكلام" (٢١٦).
(٣) أخرجه الخطيب في "الكفاية" (ص١٢)، والهروي في "ذم الكلام" (٢١٧).

١٣
الْمُقَدِّمَةُ
أَهَمِّيَّةُ عِلْمٍ عِلَلِ الحَدِيثِ
والمُتَنمِّصات، والمُتَفلِّجات للحُسْن، المغيِّراتِ خَلْقَ الله ؟ فقال
عبدالله: وما لي لا ألعَنُ مَنْ لَعَنَ رسولُ اللهِ وَّرَ، وهو في كتاب الله؟!
فقالت المرأة: لقد قرأتُ ما بين لَوْحَي المصحفِ فما وجدتُّهُ، فقال:
لئنْ كنتِ قرأتِيهِ لقد وجَدتِيهِ (١)؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنْكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]. فقالتِ المرأةُ: فإني
أرى شيئًا مِنْ هذا على امرأتِكَ الآنَ، قال: اذهبي فانظُري، فدخلَتْ
على امرأةٍ عبدالله، فلم تَرَ شيئًا، فجاءتْ إليه فقالتْ: ما رأيتُ شيئًا،
فقال: أَمَا لو كان ذلك لم نُجامِعْها(٢) .
وكما أنَّ اللهَ سبحانه ابتَلَى آدَمَ وذريَّتَهُ بالإهباطِ إلى الأرض،
وبِمَكْرِ الشيطانِ وكَيْدِهِ لهم لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعه ممَّن يَعْصيه، وهو القادر
سبحانه على أن يجعلَهُمْ كلَّهم عاملين بطاعته؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ
شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَدهَا وَلَكِنْ حَقَّ اٌلْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجدة: ١٣]؛ فإنه كذلك ابتلى الأمَّةَ
المحمَّديةَ بطريقةِ نقل السُّنَّة النبوية وروايتها، فمِنَ المعلوم أنَّ السُّنَّة لم
(١) كذا في الصحيحين، بإشباع كسرة تاء المخاطبة، وهي لغةٌ حكاها الخليل
الفراهيدي. انظر التعليق على المسألة رقم (١٢٤٣) من هذا الكتاب.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٤٨٨٦)، ومسلم (٢١٢٥). وقوله: ((لم نجامعها))
هذا لفظُ مسلم. واختلفت روايات البخاري، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح"
(٦٣١/٨): (( قوله: ما جامعتُهَا، يَحْتمل أن يكون المراد بالجماع: الوَظْءَ، أو
الاجتماعَ، وهو أبلغ، ويؤيِّده قوله في رواية الكُشْمَيْهَني: مَا جامَعَتْنَا،
وللإسماعيلي: ما جامعَتْنِي )). اهـ.

١٤
أَهَمِّيَّةُ عِلْمِ عِلَلِ الحَدِيثِ
الْمُقَدِّمَةُ
تُدَوَّنْ في عصر النبوَّة والخلفاءِ الراشدين كما دُوِّن القرآن؛ لأسبابٍ
يطولُ ذِكْرُها (١)؛ من أهمِّها: طولُ الفترة التي يلزمُهُمْ فيها تدوينُ كُلِّ
ما يَصْدُرُ عنهِ وَّهِ مِنْ أقوالٍ، وأفعال، وتقريرات، وهي ثلاثٌ
وعشرون سنة، مع قِلَّةِ الكَتَبة، ونُدْرَةِ أدواتِ الكتابة، على نحوٍ يَصْعُبُ
معه - بل يستحيلُ - كتابةُ كُلِّ ما يَصْدُرُ عنه وَ لِّ طيلةَ هذه الفترة على
أكتافِ الإبل، والألواح، وعُسُبِ النخل، والحجارةِ؛ فهذه هي
الأدواتُ التي كانوا يَكْتُبون عليها، أما الجُلود فنادرةٌ، وأما الوَرَقُ
فمعدومٌ.
وكما أنَّ الصِّراعَ بين الشيطان وبني آدم قائمٌ منذ أنْ أُهْبِطَ آدَمُ إلى
الأرض، فالصِّراعُ كذلك موجودٌ بين علماء الحديث وأعداء السُّنَّة،
وقد تمخَّض هذا الصِّراع عن تلك الجُهُود التي بذلها العلماءُ لحمايةِ
جَنَابِ السُّنَّة، وذَبِّ الكذبِ عنها والدَّخيلِ عليها، وتتمثَّلُ في أمور
عديدة، من أهمِّها: نَشْأَةُ الإسناد، وعِلْمُ الجرح والتعديل والكلامُ في
الرواةِ جَرْحًا وتعديلاً، ومعرفةُ التاريخ الذي يَسْتبِينُ به صدقُ الرواةِ
وكذبُهم، واتصالُ الأسانيدِ وانقطاعُهَا، وعِلْمُ مصطلح الحديث،
والمصنَّفاتُ في صحيح السُّنَّة وضعيفها، وغير ذلك كثير؛ ومن أشهره:
معرفةُ عِلَلِ الحديثِ الذي هو موضوعُ كتابنا هذا.
(١) تجدها مبسوطة عند الخطيب البغدادي في كتابه "تقييد العلم"، وعند محمد عجاج
الخطيب في كتابه "السنة قبل التدوين"، وغيرهما.

١٥
الْمُقَدِّمَةُ
أَهَمِيَّةُ عِلْمٍ عِلَلِ الحَدِيثِ
ومع أنَّ مدارَ معرفةِ الصحيح من السَّقيم من الحديثِ: على
الإسناد الذي قالوا عنه: إنه مِنَ الدِّين(١)، والنظرُ في الإسنادِ يكونُ في
اتصالِهِ وثِقَةِ رجاله؛ إلا أنَّ المحدِّثين وضعوا نُصْبَ أعينهم أمرًا آخَرَ،
وهو أنَّ الثقةَ قد يَهِمُ، وربَّما دَخَلَ في دِينِ الله ما ليس منه بسببٍ
أوهامِ الثقاتِ الذين يُظَنُّ بهم الظَّنُّ الحسن؛ فَمِنْ هنا نشأ عِلْمُ عِلَلٍ
الحديث الذي يُعْنَى أولَ ما يُعْنَى بأوهامِ الثقات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية(٢): ((والمقصودُ هنا أنَّ تَعَدُّدَ الظُّرُق -
مع عدمِ التشاعرِ أو الاتفاقِ في العادة - يُوجِبُ العلمَ بمضمون
المنقول، لكنَّ هذا يُنتفَعُ به كثيرًا في عِلْم أحوال الناقلين، وفى مثل
هذا يُنتفَعُ برواية المجهول، والسيِّئ الحفظ، وبالحديثِ المُرْسَل،
ونحوِ ذلك. ولهذا كان أهلُ العلم يَكْتُبون مثلَ هذه الأحاديث
ويقولون: إنه يَصْلُحُ للشواهدِ والاعتبارِ ما لا يَصْلُحُ لغيره؛ قال
أحمد: قد أكتُبُ حديثَ الرجلِ لأعتبرَهُ ....
وكما أنهم يَسْتَشهدونَ ويَعْتبرونَ بحديثِ الذي فيه سوءُ حفظ،
فإنهم أيضًا يضعِّفون مِنْ حديثِ الثقة الصدوقِ الضابطِ أشياءَ تبيَّن لهم
أنه غَلِطَ فيها، بأمورٍ يستدلُّون بها، ويسمُّون هذا: ((عِلْمَ عِلَلٍ
(١) جاء في "صحيح مسلم" (١٥/١) عن عبدالله بن المبارك تخلفُ أنه قال: ((الإسنادُ من
الدين، ولولا الإسنادُ لقال من شاء ما شاء)).
(٢) في "مجموع الفتاوى" (٣٥٢/١٣-٣٥٣). وانظر: "مقدمة أصول التفسير"
(ص٦٨ - ٧٤).
أ
İ
أ

١٦
أَهَمِّيَّةُ عِلْمِ عِلَلِ الحَدِيثِ
الْمُقَدِّمَةُ
الحديث))، وهو مِنْ أشرفِ علومهم، بحيثُ يكونُ الحديثُ قد رواه ثقةٌ
ضابطٌ وغَلِطَ فيه، وغَلَطُهُ فيه عُرِفَ إما بسببٍ ظاهرٍ [أو خفيٍّ] (١)؛ كما
عَرَفُوا أنَّ النبيَّ وَِّ تزوَّج ميمونةَ وهو حلال، وأنه صلَّى في البيت
ركعتين، وجعلوا روايةَ ابنِ عباس- لتزوُّجِها حرامًا، ولكونِهِ لم يُصَلِّ-
مما وقَعَ فيه الغَلَطْ ....
والناسُ في هذا الباب طرفانٍ: طَرَفٌ مِنْ أهلِ الكلامِ ونحوهم
ممَّن هو بعيدٌ عن معرفةِ الحديثِ وأهله، لا يُميِّز بين الصحيحِ
والضعيف، فيَشُكُّ في صحةِ أحاديثَ، أو في القَطْعِ بها، مع كونها
معلومةً مقطوعًا بها عند أهلِ العِلْم به. وطَرَفٌ ممن يدَّعي اتباعَ
الحديثِ والعَمَلَ به؛ كلَّما وجَدَ لفظًا في حديثٍ قد رواه ثقةٌ، أو رأى
حديثًا بإسنادٍ ظاهرُهُ الصحةُ، يريدُ أن يَجْعَلَ ذلك مِنْ جنسٍ ما جزَمَ
أهلُ العلم بصحّته، حتى إذا عارَضَ الصحيحَ المعروفَ، أَخَذَ يتكلَّفُ
له التأويلاتِ الباردةَ، أو يجعلُهُ دليلاً له في مسائلِ العلم، مع أنَّ أهلَ
العلم بالحديثِ يَعْرِفون أنَّ مثلَ هذا غَلَطٌ)). اهـ.
وقال ابن القيِّم(٢)- في كلامه على حديث: ((قَضى باليَمِينِ مع
الشَّاهد)»، والرَّدِّ على من أعلَّه -: ((وهذه العللُ وأمثالها تَعَنُّتُ لا تُثْرَكُ
لها الأحاديثُ الثابتةُ، ولو تُرِكَتِ السننُ بمثلها لَوُجِدَ السبيلُ إلى تَرْكِ
(١) ما بين المعقوفين سقط من "مجموع الفتاوى" و"مقدمة أصول التفسير"، فأثبتناه
من "توجيه النظر" للشيخ طاهر الجزائري (٣٢٨/١)؛ لنقله هذا النَّصَّ عنه.
(٢) في "تهذيب السنن" (٢٥/١٠).

١٧
الْمُقَدِّمَةُ
أَهَمِّيَّةُ عِلْمِ عِلَلِ الحَدِيثِ
عامَّةِ الأحاديثِ الصحيحةِ الثابتة بمثلِ هذه الخَيَالات. وهذه الطريقُ
في مقابلها طريقُ الأصوليين وأكثرِ الفقهاء: أنهم لا يَلْتَفتون إلى علَّةٍ
للحديثِ إذا سَلِمَتْ طريقٌ من الطرق منها، فإذا وَصَله ثقةٌ أو رَفَعه لا
يبالون بخلافٍ مَنْ خالفه ولو كَثُروا. والصوابُ في ذلك: طريقةُ أئمة
هذا الشأن، العالمين به وبِعِلَلِهِ؛ وهو النَّظَرُ والتَّمَهُّر في العلل، والنظر
في الواقفين والرافعين، والمُرْسِلين والواصلين: أنهم أَكْثَرُ، وأوثقُ،
وأَخَصُّ بالشيخ، وأعرَفُ بحديثه،،، إلى غيرِ ذلك من الأمور التي
يَجْزِمون معها بالعِلَّةِ المؤثِّرة في موضع، وبانتفائها في موضعٍ آخَرَ؛
لا يرتضون طريقَ هؤلاء، ولا طريقَ هؤلاء)).
وقال أبو شَامَةَ المَقْدِسي(١): ((وأئمةُ الحديثِ هم المعتبرون القُدْوةُ
في فنِّهم؛ فوجَبَ الرجوعُ إليهم في ذلك، وعَرْضُ آراءِ الفقهاءِ على
السننِ والآثارِ الصَّحيحة؛ فما ساعَدَهُ الأَثَرُ فهو المعتبَرُ، وإلا فلا نُبْطِلُ
الخَبَرَ بالرأي، ولا نضَعِّفه إنْ كان على خلافِ وُجُوهِ الضَّعْفِ من علل
الحديثِ المعروفةِ عند أهله، أو بإجماع الكافَّةِ على خلافه؛ فقد يَظْهَرُ
ضَعْفُ الحديثِ وقد يخفى. وأقربُ ما يُؤْمَرُ به في ذلك: أنك إذا
رأيتَ حديثًا خارجًا عن دواوينِ الإسلام - كالموظّأ، ومسند أحمد،
والصَّحيحَيْنِ، وسنن أبي داود، والترمذي، والنَّسَائي، ونحوها مما
تقدَّم ذكرُه ومما لم نذكُرْهُ - فانظُرْ فيه: فإنْ كان له نظيرٌ في الصحاح
(١) في "مختصر المؤمل" (ص٥٥).

١٨
أَهَمِّيَّةُ عِلْمِ عِلَلِ الحَدِيثِ
الْمُقَدِّمَةُ
والحسان قَرُبَ أَمْرُهُ، وإنْ رأيتَهُ يُبَايِنُ الأصولَ وارتَبْتَ به فتأمَّلْ رجالَ
إسناده، واعتبِرْ أحوالَهُمْ مِنَ الكُتُبِ المصنَّفَة في ذلك. وأصعبُ
الأحوال: أن يكونَ رجالُ الإسنادِ كلَّهم ثقات، ويكونَ متنُ الحدیثِ
موضوعًا عليهم، أو مقلوبًا، أو قد جرى فيه تدليسٌ، ولا يَعْرِفُ هذا
إلا الثُّقَّادُ من علماء الحديث؛ فإنْ كنتَ مِنْ أهله فَبِهِ، وإلا فاسألْ عنه
أهلَهُ».
وقال ابن رجب (١): «أَمَّا أهلُ العلم والمعرفة، والسُّنَّةِ والجماعة،
فإنَّما يَذْكُرون عِلَلَ الحديثِ نصيحةً لِلدِّين، وحفظًا لسنَّة النبيِّ بَّ،
وصيانةً لها، وتمييزًا مما يَدْخُلُ على رواتها من الغَلَطِ والسَّهْوِ
والوَهَم، ولا يوجبُ ذلك عندهم طَعْنًا في غير الأحاديث المُعَلَّة، بل
تَقْوَى بذلك الأحاديثُ السليمةُ عندهم؛ لبراءتها من العلل، وسلامتها
من الآفات، فهؤلاءِ هم العارفونَ بِسُنَّةِ رسول الله حَقًّا، وهم النقّاد
الجهابذةُ الذين ينتقدون انتقادَ الصيرفيِّ الحاذقِ للنَّقْدِ البَهْرَجَ(٢) من
الخالص، وانتقادَ الجوهريِّ الحاذق للجوهر مما دُلِّسَ به)).
وذكر ابن رجب أيضًا(٣) روايةَ أبي إسحاقَ، عن الأسود، عن
عائشة؛ قالت: كانَ النبيُّ وَّهِ ينام وهو جُنُبٌ، ولا يَمَسُ ماءً، ثم قال:
(١) في "شرح علل الترمذي" (٨٩٤/٢).
(٢) البَهْرَجُ - ويقال: النَّبَهْرَج -: هو الرديءُ من الشيء، وكلُّ رديء من الدراهم
وغيرها: بَهْرَج. انظر "لسان العرب" (٢١٧/٢ و٣٧٣).
(٣) في "فتح الباري" (٣٦٢/١-٣٦٣).

١٩
الْمُقَدِّمَةُ
أَهَمِيَّةُ عِلْمِ عِلَلِ الحَدِيثِ
((وهذا الحديثُ مما اتفَقَ أئمةُ الحديث مِن السَّلَفِ على إنكارِهِ
على أبي إسحاق ... وقال أحمدُ بن صالح المِصْريُّ الحافظ: لا يَحِلُّ
أن يُروى هذا الحديثُ؛ يعني: أنَّهُ خطأٌ مقطوعٌ بهِ، فلا تحلُّ روايته
مِنْ دونِ بيانٍ علَّته. وأما الفقهاءُ المتأخِّرون، فكثيرٌ مِنْهُم نظَرَ إلى ثقة
رجاله، فظنَّ صِحَّتَهُ، وهؤلاءٍ يظنُّون أنَّ كلَّ حديث رواه ثقةٌ فهو
صحيحٌ، ولا يتفطَّنون لدقائق علم علل الحديث. ووافقَهم طائفةٌ من
المحدِّثين المتأخِّرين؛ كالطَّحَاويِّ، والحاكم، والبيهقي)). اهـ.
وفي هذا دَلَالةٌ على أهميَّةِ عِلْم العلل الذي يقولُ عنه عبدالرحمن
ابن مَهْدي: ((لَأَنْ أَعْرِفَ عِلَّةَ حديثٍ هو عندي، أَحَبُّ إليَّ من أن
أكتبَ عشرين حديثًا ليس عندي))(١).
وقال محمد بن عبدالله بن نُمَيْر: قال عبدالرحمن بن مَهْدي:
((معرفةُ الحديثِ إلهامٌ)). قال ابن نُمَيْرِ: ((وصَدَقَ! لو قلتَ له: مِنْ أينَ
قلتَ؟ لم يكنْ له جوابٌ))(*).
وقال أبو حاتم الرازي: قال عبدالرحمن بن مَهْدي: «إنكارُنا
الحديثَ عند الجھَّالِ كِهَانةٌ))(*).
وقال نُعَيم بن حمَّاد: قلت لعبدالرحمن بن مَهْدي: كيف تَعْرِفُ
صحيحَ الحديثِ مِنْ خطئه؟ قال: ((كما يَعْرِفُ الطبيبُ المجنونَ))(٢).
(١) انظر مقدمة المصنف لهذا الكتاب "العلل" (ص٣-٤).
(*) المرجع السابق.
(٢) "دلائل النبوة" للبيهقي (٣١/١).