Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ تراجم الأئمة الثلاثة: البخاري، ومسلم، والدارقطني قال الخطيب في ترجمة(١) الدارقطني: سألت البرقاني: هل كان أبوالحسن يملي عليك العلل من حفظه؟ قال: نعم، وأنا الذي جمعتها وقرأها الناس من نسختي. وحدثنا العتيقي، قال: حضرت مجلس الدارقطني وجاء أبوالحسن البيضاوي برجل غريب، وسأله أن يملي عليه أحاديث فأملى عليه من حفظه مجلسًا تزيد أحاديثه على العشرين متون جميعها: ((نِعْمَ الشَّيءُ الهَدِيَّةُ أَمَامَ الحَاجَةِ))(٢)، فانصرف الرجل ثم جاءه بعد وقد أهدى له شيئًا فقرَّبه إِلَيه (١) في "تاريخ بغداد" (ج١٢ ص ٣٧). (٢) في "فيض القدير" في الكلام على الحديث (( نعم الشيء الهدية أمام الحاجة)) بعد ذكره قصة الدارقطني مع الغريب، قال ابن الجوزي: واعجبًا من الدارقطني كيف روى حديثين ليس فيهما ما يصح ولم يبيِّن !! ثم اندفع في توجيه بطلانها. فتعقبه المؤلف -يعني السيوطي- بقوله: واعجبًا من ابن الجوزي كيف يحكم على رد الأحاديث الثابتة بلا تثبت، فإن الحديث: ((إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه)) ورد من رواية أكثر من عشرة من الصحابة فهو متواتر على رأي من يكتفي في التواتر بعشرة. اهـ ذِكْرُ بعضِ مخرجيه من «كنز العمال» (ج٩ ص ١٥٤): (( إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه)) رواه ابن ماجه، والحكيم، والبيهقي، عن ابن عمر. والحاكم عن جابر بن عبدالله. والطبراني عن ابن عباس. وابن خزيمة، وابن أبي شيبة، وابن عدي، والطبراني، والبيهقي في «الشعب» و"السنن" عن جرير. و(ز) عن أبي هريرة. والطبراني، وابن عدي عن معاذ بن جبل. وابن عدي عن أبي قتادة. وابن عساكر عن عدي بن حاتم وأنس، وعن طوسي بن صابر بن جبر البجلي عن أبيه عن جدّهٍ، وأبو الحسن القطان في الطوالات وابن منده ... إلخ. أما حديث (( نعم الشيء الهدية عند الحاجة)) فموضوع، راجع "السلسلة الضعيفة" للشيخ الألباني حفظه الله رقم (٧٥٤). رمز الزاي. قال: صاحب "الكنز" لم ينبه عليه لمن هو له، والغالب أنه لأبي حامد يحي بن بلال البزاز. ٦٢ مقدمة التحقيق فأملى عليه من حفظه سبعة عشر حديثًا متونُها ((إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَومٍ فَأَكْرِمُوهُ)). ثم قال الذهبي: هنا يخضع للدارقطني ولسعة حفظه الجامع لقوة الحافظة ولقوة الفهم والمعرفة، وإذا شئت أن تَبَيَّن براعة هذا الإمام الفرد فطالع «العلل" له فإنك تندهش ويطول تعجبك. بغض الدارقطني لعلم الكلام: قال السُّلَمي: سمعت الدارقطني يقول: ما شيءٌ أبغضُ من الكلام. براءة الدارقطني مِن وَصْمَةِ التشيُّع: قال ابن طاهر اختلفوا ببغداد فقال قوم: عليٌّ أفضل من عثمانَ خِّها، فتحاكموا إلى الدارقطني، قال: فأمسكتُ، وقلت: الإمساكُ خيرٌ ثم لم أرَ لديني السكوت، وقلت: عثمان أفضل لاتفاق جماعة أصحاب رسول الله على هذا، وهو قول أهل السنة وهو أول عقد يحل من الرفض. وتقدم قول الذهبي: وما أبعده من التشيع. وذكر الحافظ في «لسان الميزان» (ج٦ ص٢٤٩) في ترجمة يحيى بن الحسين ذكر كلام بعضهم في نسبة الدارقطني إلى التشيع فقال الحافظ: هذا لا يثبت عن الدارقطني. وصمة الدارقطني بالتدليس: قال ابن طاهر: للدارقطني مذهب خفي في التدليس يقول فيما لم يسمعه من البغوي: قُرِئَ على أبي القاسم البغوي حدثكم فلان. ٦٣ تراجم الأئمة الثلاثة: البخاري، ومسلم، والدارقطني إمامة الدارقطني في اللغة: قال الحافظ الخطيب في «التاريخ» (ج١٣ ص ٣٥): وحدثني الأزهري أن أبا الحسن لما دخل مصر كان بها شيخٌ علويٌّ من أهل مدينة رسول الله يقال له مسلم بن عبدالله، وكان عنده كتاب «النسب" عن الخضر بن داود عن الزبير بن بَكَّارٍ، وكان مسلمٌ أحد الموصوفين بالفصاحة المطبوعين على العربية، فسأل الناسُ أبا الحسن أن يقرأ عليه كتاب «النسب) ورغبوا في سماعه بقراءته، فأجابهم إلى ذلك، واجتمع في المجلس من كان بمصر من أهل العلم والأدب والفضل، فحرصوا على أن يحفظوا على أبي الحسن لحنةً أو يظفروا منه بسقطة، فلم يقدروا على ذلك، حتى جعل مسلم يعجب ويقول: وعربية أيضًا. عودة إلى "التذكرة" وما فيها من ثناء أهل العلم عليه: قال عبدالغني: أحسن الناس كلامًا عن الحديث ابن المديني في زمانه وموسى بن هارون في وقته، والدارقطني في وقته. وقال الصوري: سمعت رجاء بن محمد يقول: كنّا عند الدارقطني وهو يصلي فقرأ القارئ (نسير بن ذعلوق) فصيَّه (بشيرًا)، فسبح الدارقطني، فقال (بُشير) بضم الباء، فسبَّح الدارقطني، فقال: (يسير)، فتلا الدارقطني ﴿وَتَّ وَالْقَلَمِ﴾ . وحكى حمزة نحوها، وأن القارئ قرأ (عمرو بن سعيد)، فسبح فوقف القارئ فتلا: ﴿ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُلَ﴾. قال الخطيب: حدثني أبونصر بن ماكولا قال: رأيت كأني أسأل عن ٦٤ مقدمة التحقيق حال الدارقطني في الآخرة، فقيل لي: ذاك يُدعَى (الإمام) في الجنة. ثم قال الذهبي: أخذ الدارقطني الحروف عن ابن مجاهد، وتلا على النقاش وابن ثوبان وأحمد بن محمد الدِّيبَاجِيّ، وعلي بن ذاويه القزاز وتصدر في آخر أيامه للإقراء أيضًا. مؤلفاته: من مؤلفاته رحماللهُ، التي اشتهرت عنه ما سطر في دائرة المعارف الإسلامية (ج٩ ص ٩٠، ٨٩)، وعزاها صاحب دائرة المعارف إلى «كشف الظنون" والسيوطي والنووي والخطيب وابن خلكان فمنها: «السنن»، وكتاب «العلل" خمسة أجزاء أملاه من حفظه، «الإلزامات» على الصحيحين، و«الاستدراكات والتتبع»، وكتاب «الأربعين"، وكتاب «الأفراد»، وكتاب «الأمالي"، وكتاب "المستجاد»، وكتاب «الرؤيا" خمسة أجزاء، وكتاب «التصحيف»، وكتاب «المُدَبَّج»، وكتاب «غريب الحديث"، و«الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِف» في أسماء الرجال، وكتاب «الضعفاء"، وكتاب «القراءات". اهـ مختصرًا من «دائرة المعارف الإسلامية". توفي ◌َاللهَ، سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وقد بلغ الثمانين كما في «تاريخ بغداد» (ج١٢ ص ٤٠). ٦٥ النهضة العلمية التي قام بها المحدثون النهضة العلمية التي قام بها المحدثون كان الجو الذي عَاشَ فيها الشيخانِ رحمهما الله جوًّا علميًّا، لأهل العلم مكانة عظيمة في نفوس المجتمع، فهذا الإمام البخاري ◌َاللهُ، لما قدم البصرة نودي في جامع البصرة مرتين بقدومه، فلما كان من الغد حضر المحدثون والحفاظ والفقهاء وَالنَّظَّارَةُ، حتى اجتمع قريب من كذا كذا ألف نفس، فجلس أبوعبدالله للإملاء إلى آخر القصة، كما في «مقدمة الفتح" ص (٤٨٦). وفيها أيضًا ص (٤٨٥): وذكر عن صالح بن محمد جزرة أنه قال: كنت أَسْتَهْلِي البخاري ببغداد، فبلغ مَن حضر المجلس عشرين ألفًا. اهـ وقد ذكر الحافظ في «تهذيب التهذيب" في ترجمة عاصم بن علي شيخ البخاري أن العجلي قال: شهدتُ مجلس عاصم بن علي فحزروا من شهده ذلك اليوم ستين ومائة ألف. اهـ وقال قبله: وقال أبوالحسين بن المنادي: حدَّث -يعني عاصمًا- ببغداد في مسجد الرُّصَافَةِ وكان مجلسه يحزر بأكثر من مائة ألف إنسان. اهـ ■ وقد كان الملوك والأمراء يحبون التقرب منهم، فقد ذكر الحافظ الخطيب في «التاريخ» (ج٢ ص٣٣) أن أمير بخارى - وهو الأمير خالد بن أحمد- طلب من البخاري أن يحمل إليه كتاب "الجامع" و "التاريخ" وغيرهما ليسمع منه، فقال محمد بن إسماعيل لرسوله: أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى ٦٦ مقدمة التحقيق أبواب الناس، فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة فاحضرني في مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من الجلوس صَلى الله ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة؛ لأني لا أكتم العلم لقول النبي ((مَن سُئِل عَن عِلمٍ فَكَتَمَه أَلْجِم بِلِجامٍ مِن نَارٍ)). فكان سبب الوحشة بينهما هذا. اهـ ■ وكان لديهم مِنَ الجدِّ ما لا يستطاع لولا إعانة الله. فهذا الإمام البخاري كان يقوم في الليلة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة ليعلق بعض الفوائد الحديثية كما في «تاريخ بغداد» (ج٢ ص١٣، ١٤). وعلم الحديث في عهد الشيخين كان قد انتهى من حيث الجمع ولم يبق إلا التهذيب، ومِن ثَمَّ قال إسحاق بن راهويه شيخ البخاري ومسلم: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله تَّيَّةٍ. وقال البخاري: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع «الجامع الصحيح". كما في «مقدمة الفتح" ص(٧). وصنيع مسلم رقماللّهُ، في مقدمة «صحيحه" يوحي أن الذي يهم الشيخين رحمهما الله هو جمع جملة من الأحاديث الصحيحة حيث قال حاله، (ج١ ص ٤٥) مع النووي: أما بعد فَإِنَّك يَرحمك الله بتوفيقِ خالِقِكَ ذَكَرْتَ أَنَّكَ هَمْتَ بالفَحصِ عَن تعرُّفِ جُملَةِ الأخبار المأثورة عن رسول الله ◌َُّّ في سنن الدين وأحكامه، وما كان منها في الثواب والعقابِ، والترغيب والترهيب، وغير ذلك من صنوف الأشياءِ بالأسانيد التي بِها نقلت وتداولها أهل العلم فيما بينهم، فأردتَ -أرشدك الله- أن تُوقَفَ على جملتها مؤلَّفة مُحْصَاةً، وسألتني أن ألخصها لك في التأليف بلا تكرار يكثر، فإن ذلك ٦٧ النهضة العلمية التي قام بها المحدثون زعمت مما يشغلك عما له قصدت من التفهم فيها والاستنباط منها، وللذي سألتَ -أكرمكَ الله- حين رجعتُ إلى تدبُّره وما تئول به الحال -إن شاء الله- عاقبةٌ محمودةٌ، ومنفعةٌ موجودة، وظننتُ حين سألتني تجشم ذلك أن لو عُزِمَ عليه وقُضِي لي تَامُه؛ كان أول من يصيبه نفع ذلك إياي خاصة قبل غيري من الناس؛ لأسباب كثيرة يطول بذكرها الوصف؛ إلا أن جملة ذلك أن ضبط القليل من هذا الشأن وإتقانه أيسر على المرء من معالجة الكثير، ولا سيما عند من لا تمييز عنده من العوام إلا بأن يُوقِفَه على التمييز غيرُه؛ فإذا كان الأمر في هذا كما وصفنا فالقصدُ مِنه إلى الصحيح القليل أولى بهم من ازدياد السقيم، وإنما يُرجَى بعض المنفعة في الاستكثار من هذا الشأن وجمع المكررات منه لخاصةٍ مِن الناسِ ممن رُزِقَ فيه بعض التيقُّظ، والمعرفة بأسبابه وعِلَله، فذلك إن شاء الله يهجم بما أوتي من ذلك على الفائدة في الاستكثار من جمعه، فأما عوام الناس -الذين هم بخلاف معاني الخاص من أهل التيقظ والمعرفة- فلا معنى لهم في طلب الكثير وقد عجزوا عن معرفة القليل ... إلى آخر كلامه جَاللهُ .. ٦٨ مقدمة التحقيق إثبات نسبة الكتابين: "الإلزامات" و"التتبع" للحافظ الدارقطني قد مرَّ عدُّهما من جملة مؤلفات الحافظ الدارقطني حَاللهُ، ، وقد نوَّه بِهِما المؤلفون في كتب المصطلح وغيرهم، وقد وصل إلينا نسختان إحداهما نسخة شيخنا محمد الأمين المصري جمالله، مصورة عن نسخة في مكتبة (بتنه خدابخش) شمالي الهند، أفادني بهذا الشيخ محمود الميرة أمين مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة حفظه الله. وهي مكونة من (٤٨) صفحة، والصفحة (٢٠) سطرًا بخط فارسي جيد. والثانية مصورة عن نسخة شيخنا حماد الأنصاري حفظه الله نسخها عن نسخة أبي محمد زين العابدين الآروي البهاري، فرغ الشيخ حماد من نسخها يوم الإثنين (١٣٨٢/٤/١٨هـ) في مكة المكرمة، وقابلها على الأصل المذكور، وانتهت مقابلتها يوم الخميس (١٣٨٢/٦/١١هـ) وهي (٣٦) صفحة وتشتمل الصفحة على ٣٢ سطرًا. وأبو محمد زين العابدين فرغ من تسويد نسخته يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الثانية سنة ١٣٢٢هـ. ووجدتُ نسخة عند الشيخ بديع الدين السندي بمكة، هي ونسخة الشيخ حماد من أصلٍ واحد، وعدد صفحاتها (١١٠) صفحة ١٥ سطرًا. ووصلتني نسخة ثالثة من أخينا ربيع بن هادي الذي يحقق الآن "النكت على ابن الصلاح" بمكة لشهادة الدكتوراة، ولكنها لم تصلني إلا ٦٩ إثبات نسبة الكتابين: "الإلزامات" و"التتبع" للحافظ الدارقطني بعد الفراغ، وقد رجعت إليها عند اختلاف النسختين فلم أجد فيها خلافًا يُذكر. وأنا ذاكر ما عثرتُ عليه من كلام أهل العلم في عزوٍ هذين الكتابين إلى الحافظ الدارقطني، وبعد ذلك أذكر إن شاء الله سند النسختين متكلمً على رجال السند بعون الله تبارك وتعالى. "الإلزامات» المقصود من هذا إثبات نسبة الكتاب للحافظ الدارقطني حَاللهُ، مع ذكر جواب أهل العلم عن هذه الإلزامات. قال النووي ومالله، في "مقدمة شرح صحيح مسلم» (ج١ ص٢٤): فصل: ألزم الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني حقَالله، وغيرُه البخاريَّ ومسلمًا ضِوائها إخراجَ أحاديثَ تركا إخراجها مع أن أسانيدَها أسانيدُ قد أخرجا لرواتها في «صحيحيهما" بها. وذكر الدارقطني وغيرُه أن جماعة من الصحابة والقيم رووا عن رسول الله ◌َّ، ورويت أحاديثهم من وجوه صِحَاحِ لا مطعن في ناقليها، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئًا، فيلزمهما إخراجها على مذهبيهما. وذكرَ البيهقي أنَهما اتفقا على أحاديث من صحيفة همام بن منبِّه، وأن كل واحد منهما انفرد عن الآخر بأحاديث منها مع أن الإسناد واحد. وصنّف الدارقطني وأبوذر الهَرَوِيُّ في هذا النوع الذي ألزموهما. وهذا الإلزام ليس بلازم في الحقيقة؛ فإنَّما لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صحَّ عنهما تصريحهما أنَّهما لم يستوعباه، وإنما قصدا جمع جُمَل ٧٠ مقدمة التحقيق من الصحيح، كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائله، لا أنه يحصر جميع مسائله، لكنهما إذا كان الحديث الذي تركاه أو تركه أحدهما مع صحة إسناده في الظاهر أصلاً في بابه، ولم يخرجا له نظيرًا، ولا ما يقوم مقامه، فالظاهر من حالهما أنَّهما اطلعا فيه على عِلَّةٍ إن كانا روياه، ويحتمل أنَّهما تركاه نسيانًا أو إيثارًا لترك الإطالة، أو رَأْيًا أنَّ غيره مما ذكراه يسدُّ مسدَّه، أو لغير ذلك. اهـ قلت: الظاهر أنَّهما تركاه لخشية الطول، كما جاء في «مقدمة الفتح" عن البخاري، وفي «صحيح مسلم» (ج٤ ص١٢٢) مع النووي. ومن الذين أشاروا إلى كتاب «الإلزامات» أو صرحوا به: ١) الحافظ العراقي في "شرح الألفية" (ج١ ص٤٣). ٢) وزكريا الأنصاري في "شرح الألفية" أيضًا. ٣) والسخاوي في "شرح الألفية" (ج١ ص٣١). ٤) والسيوطي في «تدريب الراوي" ص (٤٧). ٥) ومحمد بن إبراهيم الوزير في «تنقيح الأنظار" (ج١ ص٥١ مع "توضيح الأفكار"). ٦) والكتاني في «الرسالة المستطرفة" ص (٢٣). ٧) والحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب" في ترجمة عروة بن المُضَرِّسِ، وسلمة بن يزيد ضائها. ٨) وذكره الحافظ ابن حجر في «الإصابة" في ترجمة عبدالله بن بدر. ٧١ إثبات نسبة الكتابين: "الإلزامات" و"التتبع" للحافظ الدارقطني ٩) وذكره في "فهرست ابن خير". فهذه النصوص عن هؤلاء الأئمة تدل على شهرة هذا الكتاب، وصحة نسبته إلى الدارقطني. والله أعلم. "التتبع" ممن أثبت هذا الكتاب: ١) الحافظ ابن حجر جمالهُ، في "النكت على ابن الصلاح" ص(٤٥) وَ ص(٧٥، ٧٨). ٢) وابن الصلاح في «علوم الحديث" ص (٢٤). ٣) والصنعاني في "توضيح الأفكار» (ج١ ص١٢٨). ٤) والسخاوي في "فتح المغيث" (ج١ ص٥٢). ٥) والسيوطي في «تدريب الراوي". ٦) وزكريا الأنصاري في "شرح ألفية العراقي". ٧) وحاجي خليفة في «كشف الظنون» (ج١ ص ٥٥٧). هذه بعض النصوص عن أهل العلم في إثبات هذين الكتابين إلى الحافظ الدارقطني، ولا شك أنَّها تطمئن النفس ببعضها فضلاً عن كلها. ٧٢ مقدمة التحقيق موقف الحافظ ابن حجر من كتاب «التتبع" وأجوبته الإجمالية قال ◌َاللّهُ، ص (٣٤٦) من "المقدمة»: الفصلُ الثامنُ في سياقٍ الأحاديثِ التي انتقدها عليه حافظُ عصرِهِ أبو الحسن الدارقطني وغيرُه مِن النُّقَّادِ، وإيرادها حديثًا حديثًا على سياق الكتاب، وسياق ما حضر من الجواب عن ذلك. وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصفٍ أنْ يعلمَ أنَّ هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصلٍ موضوع الكتاب، فإنَّ جميعَها واردٌ من جهة أخرى، وهي ما ادعاه الإمام أبوعمرو بن الصلاح وغيرُه مِن الإجماع على تَلقِّي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحةٍ جميع ما فيه، فإن هذه المواضع مُتَنَازَعٌ في صحتها، فلم يحصل لها من التلقي ما حصل لمعظم الكتاب، وقد تعرض لذلك ابن الصلاح في قوله: إلا مواضع يسيرة انتقدها عليه الدارقطني وغيره، وقال في "مقدمة شرح مسلم" له: ما أخذ عليهما -يعني على البخاري ومسلم- وقدح فيه معتمدٌ من الحفاظِ فهو مستثنى مما ذكرناه، لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول انتهى. وهو احتراز حسن. واختلف كلام الشيخ محي الدين في هذه المواضع فقال في «مقدمة شرح مسلم" ما نصه: فصل، قد استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أَخَلَّا فيها بشرطهما! ونزلت عن درجة ما التزماه، وقد ألف الدارقطني في ذلك، ولأبي مسعود الدمشقي أيضًا عليهما استدراك، ولأبي ٧٣ موقف الحافظ ابن حجر من كتاب "التتبع" وأجوبته الإجمالية علي الغساني في جزء العلل من التقييد استدراك عليهما، وقد أجيب عن ذلك أو أكثره. اهـ وقال في «مقدمة شرح البخاري»: فصل: قد استدرك الدارقطني على البخاري ومسلم أحاديث فطعن في بعضها، وذلك الطعن مبني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جدًّا، مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم، فلا تَغْتَرَّ بذلك. اهـ كلامه. وسيظهر من سياقها والبحث فيها على التفصيل أنَّها ليست كلها كذلك، وقوله في "شرح مسلم": (وقد أجيب عن ذلك أو أكثره)، هو الصواب؛ فإن منها ما الجواب عنه غير منتهض كما سيأتي، ولو لم يكن من ذلك إلا الأحاديث المعلقة التي لم تتصل في كتاب البخاري من وجه آخر، ولا سيما إن كان في بعض الرجال الذين أبرزهم فيه من فيه مقال، كما تقدم تفصيله، فقد قال ابن الصلاح، إن حديث بهز المذكور وأمثاله ليس من شرطه قطعًا، وكذا ما في مسلم من ذلك إلا أن الجواب عما يتعلق بالمعلق سهل؛ لأن موضوع الكتابين إنما هو للمسندات والمعلق ليس بمسند، ولهذا لم يتعرض الدارقطني فيما تتبعه على «الصحيحين" إلى الأحاديث المعلقة التي لم توصل في موضع آخر لعلمه بأنَّها ليست من موضوع الكتاب، وإنما ذكرت استئناسًا واستشهادًا، والله أعلم. إلى أن قال الحافظ حَاللهُ: وبقي الكلام فيما علل من الأحاديث المسندات، وعدة ما اجتمع لنا من ذلك مما ذكر في كتاب البخاري وإن شاركه مسلم في بعضها مائة وعشرة أحاديث، منها ما وافقه مسلم على تخريجه وهو اثنان وثلاثون حديثًا، ومنها ما انفرد بتخريجه وهو ثمانية ٧٤ مقدمة التحقيق وسبعون حديثًا، والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول: لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل؛ فإنَّهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك حتى يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني، ومع ذلك فكان علي بن المديني إذا بلغه ذلك عن البخاري يقول: دعوا قوله فإنه ما رأى مثل نفسه. وكان محمد بن يحيى الذُّهْلِيُّ أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد ذلك منه الشيخان جميعًا، وروى الفربري عن البخاري: ما أدخلت في الصحيح حديثًا إلا بعد أن استخرت الله تعالى وتيقنتُ صحته. وقال مكي بن عبدالله: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة فكل ما أشار أن له علة تركته، فإذا عرف وتقرر أنَّهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة إلا أنَّها غير مؤثرة عندهما فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضًا لتصحيحهما ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرها، فيندفع الاعتراض من حيث الجملة. وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقِدَتْ عليهما تنقسم أقسامًا: ■ القسم الأول منها: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد فإن أخرج صاحبُ الصحيح الطريقَ المزيدة، وعلله الناقد بالطريق الناقصة، فهو تعليلٌ مردودٌ كما صرَّح به الدارقطني فيما سنحكيه عنه في الحديث الخامس والأربعين؛ لأنَّ الراوي إن كان سمعه فالزيادة لا تضرّ لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه ثم لقيه فسمعه منه، وإن كان ٧٥ موقف الحافظ ابن حجر من كتاب "التتبع» وأجوبته الإجمالية لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطع والمنقطع من قسم الضعيف، والضعيف لا يعلُّ الصحيح، وستأتي أمثلة ذلك في الحديث الثاني والثامن وغيرهما، وإن أَخرَجَ صاحبُ الصحيح الطريقَ الناقصة وعلله الناقد بالطريق المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف، فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيًّا أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكًا بيِّنًا، أو صرَّح بالسماع إن كان مدلسًا من طريق أخرى فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرًا فحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ما له متابع أو عاضد أو ما حقَّته قرينة في الجملة تقويه، ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع كما سنوضح ذلك في الكلام على الحديث الرابع والعشرين من هذه الأحاديث وغيره. وربما علَّل بعض النُّقَّادِ أحاديثَ ادعى فيها الانقطاع لكونها غير مسموعةٍ، كما في الأحاديث المروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ الرواية (١) بالإجازة، بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده، وقد أشرنا إلى ذلك في الحديث السادس والثلاثين وغيره. القسم الثاني منها: ما تختلف الرواة فيه بتغيير بعض رجال الإسناد: فالجواب عنه إن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين جميعًا، فأخرجهما المصنف، ولم يقتصر على أحدهما (١) وقد صرح الدارقطني حَاللهُ، أن كتاب عمر إلى أمير الجيش، وكتاب عبدالله بن أبي أوفى إلى عمر بن عبيدالله يدلان على صحة المكاتبة كما سيأتي إن شاء الله في «التتبع». ٧٦ مقدمة التحقيق حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظ والعدد كما في الحديث الثامن والأربعين وغيره، وإن امتنع الجمع بأن يكون المختلفون غير متعادلين بل متقاربين في الحفظ والعدد، فيخرجُ المصنّفُ الطريقَ الراجحةَ، ويُعرِضُ عن الطريق المرجوحة، أو يشير إليها كما في الحديث السابع عشر فالتعليل بجميع ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح؛ إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الطعن فينبغي الإعراض أيضًا عما هذا سبيله، والله أعلم. ■ القسم الثالث منها: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددًا أو أضبط ممن لم يذكرها فهذا لا يؤثر التعليل به إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع، أما إن كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا، اللهم إلا إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته فما كان من هذا القسم فهو مؤثر كما في الحديث الرابع والثلاثين. القسم الرابع منها: ما تفرد به بعض الرواة ممن ضعف من 0 الرواية وليس في هذا الصحيح من هذا القبيل غير حديثين وهما السابع والثلاثون والثالث والأربعون، كما سيأتي الكلام عليهما وتَبيِينُ أن كلًّا منهما قد تُوبِعَ. · القسم الخامس منها: ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله، فمنه ما د يؤثر ذلك الوهم قدحًا ومنه ما لا يؤثر كما سيأتي تفصيله. ■ القسم السادس منها: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن، فهذا أكثره لا يترتبُ عليه قدح لإمكان الجمع في المختلف من ذلك أو ٧٧ موقف الحافظ ابن حجر من كتاب "التتبع" وأجوبته الإجمالية الترجيح، على أن الدارقطني وغيره من أئمة النقد لم يتعرضوا لاستيفاء ذلك من الكتابين كما تعرضوا لذلك في الإسناد، فما لم يتعرضوا له من ذلك حديث جابر في قصة الجمل وحديثه في وفاء دين أبيه، وحديث رافع بن خَدِيج في الْمُخَابَرَةِ، وحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وحديث سهل بن سعد في قصة الواهبة نفسها، وحديث أنس في افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين، وحديث ابن عباس في قصة السائلة عن نذر أمها أو أختها، وغير ذلك مما سنأتي إن شاء الله على بيانه عند شرحه في أما کنه. فهذه جملة أقسام ما انتقده الأئمة على "الصحيح"، وقد حررتها وحققتها وقسمتها وفصلتها لا يظهر منها ما يؤثر في أصل موضوع الكتاب بحمد الله إلا النادر. اهـ ﴾ قال جَاللهُ، ص (٣٨٤): الفصل التاسع في سياقِ أسماءِ مَن طُعِنَ فيه من رجال هذا الكتاب مرتبًا لهم على حروف المعجم. والجواب عن الاعتراضات موضعًا موضعًا، وتمييز من أخرج له منهم في الأصول أو في المتابعات والاستشهادات مفصلاً لذلك جميعه. وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصفٍ أن يعلمَ أن تخريج صاحب الصحيح لأي راوٍ كان مقتضيًا لعدالته عنده، وصحة ضبطه، وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحیح، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعدیل من ذکر فیھما. هذا إذا خرَّج له في الأصول، فأما إن خرَّج له في المتابعات والشواهد ٧٨ مقدمة التحقيق والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم، وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنًا، فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يقبل إلا مُبيَّنَ السببِ مفسرًا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي وفي ضبطه مطلقًا، أو في ضبطه لخبر بعينه؛ لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة، منها ما يقدح، ومنها ما لا يقدح، وقد كان الشيخ أبو الحسن ) المقدسي يقولُ في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح: هذا جَازَ القَنْطَرَة، يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه. قال الشيخ أبوالفتح القشيري في «مختصره»: وهكذا نعتقد وبه نقول، ولا تخرج عنه إلا بحجة ظاهرة، وبيان شافٍ يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك تعديل رواتها. قلت (القائل ابن حجر): فلا يقبل الطعن في أحدهم إلا بقادح واضح؛ لأن أسباب الجرح مختلفة، ومدارها على خمسة أشياء: البدعة أو المخالفة أو الغلط أو جهالة الحال أو دعوى الانقطاع في السند بأن يُدَّعَى في الراوي أنه کان یدلس أو يرسل، فأما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح؛ لأن شرط الصحيح أن يكون راوٍيه معروفًا بالعدالة، فمن زعم أن أحدًا منهم مجهول فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه معروف، ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته؛ لما مَع الُثبت مِن زِيادةِ العلم، ومع ذلك فلا تجد في رجال الصحيح أحدًا ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلًا (١) هو علي بن المفضل من مشايخ الحافظ المنذري. ٧٩ موقف الحافظ ابن حجر من كتاب "التتبع؟ وأجوبته الإجمالية كما سنبينه. وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي، وتارة يقل، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له، إن وجد مرويًّا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط عُلِمَ أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وإن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء. وحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال سيئ الحفظ أو له أوهام أو له مناكير وغير ذلك من العبارات، فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله، إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك. وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة، فإذا روى الضابط والصدوق شيئًا فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددًا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذِّ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرًا، وهذا ليس في الصحيح منه إلا نزر يسير قد بُيِّنَ في الفصل الذي قبله بحمد الله تعالى. وأما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري؛ لما علم من شرطه، ومع ذلك فحكم من ذكر من رجاله بتدليس أو إرسال أن تُسبَّ أحاديثهم الموجودة عنده بالعنعنة، فإن وجد التصريح بالسماع فيها اندفع الاعتراض، وإلا فلا. وأما البدعة، فالموصوف بها إما أن يكون ممن يكفر بها أو يفسق، والمكفر بها لابد أن يكون ذلك التكفير متفقًا عليه من قواعد جميع الأئمة كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الإلهية في علي أو غيره، أو ٨٠ مقدمة التحقيق الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة، أو غير ذلك، وليس في الصحيح من حديث هؤلاء شيء البتة، والمفسق بها كبدع الخوارج والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلو وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين الأصول السنة خلافًا ظاهرًا لكنه مستند إلى تأويل ظاهره سائغ، فقد اختلف أهل السنة في قبول حديث من هذا سبيله، إذا كان معروفًا بالتحرز من الكذب مشهورًا بالسلامة من خوارم المروءة، موصوفًا بالديانة والعبادة، فقيل يقبل مطلقًا، وقيل يردُّ مطلقًا، والثالث التفصيل بين أن يكون داعية أو غير داعية، فيقبل غير الداعية، ويرد حديث الداعية، وهذا المذهب هو الأعدل، وصارت إليه طوائف من الأئمة، وادعى ابن حبان إجماع أهل النقل عليه، لكن في دعوى ذلك نظر، ثم اختلف القائلون بهذا التفصيل، فبعضهم أطلق ذلك، وبعضهم زاده تفصيلاً فقال: إن اشتملت رواية غير الداعية على ما يشيد بدعته ويزينه ويحسنه ظاهرًا، فلا تقبل وإن لم تشتمل فتقبل. وطرد بعضهم هذا التفصيل بعينه في عكسه في حق الداعية فقال: إن اشتملت روايته على ما يرد بدعته قبل، وإلا فلا. وعلى هذا إذا اشتملت رواية المبتدع سواء أكان داعية أم لم يكن على ما لا تَعَلُّقَ له ببدعته أصلاً هل ترد مطلقًا، أو تقبل مطلقًا؟ مال أبوالفتح القشيري إلى تفصيل آخر فيه، فقال: إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه، إخمادًا لبدعته وإطفاء لناره، وإن لم يوافقه أحد ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب واشتهاره بالدين، وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته، وإطفاء بدعته، والله أعلم. اهـ