Indexed OCR Text
Pages 501-520
- لأنهم أخرجوه من يد مالكه بغير حق ، وحالوا بينه وبينه ، كما لو أتلفوه أو غصبوه ، وشهادة الزور من أكبر الكبائر . ( وإذا علم الحاكم بشاهد زور بإقراره ، أو تبين كذبه يقيناً : عزره ولو تاب ) كمن تاب من حد بعد رفعه لحاكم . ( بما يراه ) من ضرب أو حبس ونحوهما ، ( مالم يخالف نصاً ) كحلق لحية ، أو قطع طرف ، أو أخذ مال ، ( وطيف به في المواضع التي يشتهر فيها ، فيقال : إنا وجدناه شاهد زور فاجتنبوه ) ونحوه . ولا يعزر شاهد بتعارض البينة ، ولا بغلطه في شهادته ، لأن الغلط قد يعرض للصادق العدل . بَابْ الحسّين في الدعاوى ((( البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر))) هذه قطعة من حديث خرجه النووي عن ابن عباس . ويشهد له ما تقدم . وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن البينة على المدعي ، واليمين على المدعى عليه . ( ولا يمين على منكر ادعي عليه بحق لله تعالى: کالحد ) بلا خلاف. قاله في الشرح ، لأنه لو أقر به ، ثم رجع : قبل منه ، وخلي سبيله بلا يمين ، ولأنه يستحب ستره ، والتعريض للمقر به ليرجع . (واو قذفاً. والتعزير، والعبادة، وإخراج الصدقة، والكفارة، والنذر) لأنه حق لله تعالى ، أشبه الحد . وقال أحمد: لا يستحلف الناس على صدقاتهم . وقال أيضا : لم أسمع ممن مضى جواز الأيمان إلا في الأموال خاصة . - ٥٠١ - ( ولا على شاهد أنكر شهادته ، وحاكم أنكر حكمه ) لأن ذلك لا يقضى فيه بالنکول ، فلا فائدة پإیجاب اليمين ، فيه . ( ويحلف المنكر في كل حق آدمي يقصد منه المال: كالديون، والجنايات، والإنلافات) لعموم الخبر ، وهو ظاهر في القصاص، لقوله (( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم )). ( فإن نكل عن اليمين قضي عليه بالحق ) لما تقدم عن عثمان ، رضي الله عنه . ( وإذا حلف على نفي فعل نفسه ، أو نفي دين عليه : حلف على البت ) أي : القطع، لحديث ابن عباس (( أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، استحلف رجلاً ، فقال : قل: والله الذي لا إله إلا هو ماله عندي شيء)) رواه أبو داود . ولأن له طريقاً إلى العلم به ، فلزمه القطع بنفيه . ( وإن حلف على نفي دعوى على غيره : كمورثه ورقيقه وموليه : حلف على نفي العلم ) نص عليه أحمد ، وذكر حديث النسائي عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي، صلى الله عليه وسلم (( لا تضطروا الناس في أيمانهم أن يحلفوا على مالا يعلمون)) وفي حديث الحضرمي (( .. ولكن أحلفه: والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبنيها أبوه )) رواه أبو داود . ولأنه لا يمكنه الإحاطة بفعل غيره ، فلم يكلف ذلك ، بخلاف فعل نفسه . وعنه : اليمين كلها على نفي العلم . وبه قال : الشعبي والنخعي . ذكره في الشرح . (ومن أقام شاهداً بما ادعاه : حلف معه على البت ) فيما يقبل فيه الشاهد واليمين . - ٥٠٢ - ( ومن توجه عليه حلف لجماعة : حلف لكل واحد يميناً ) لأن حق كل منهم غير حق البقية ، وهو منكر للجميع . ( مالم يرضوا بواحدة) فيكتفى بها ، لأن الحق لهم ، وقد رضوا بإسقاطه فسقط . فصل واليمين المشروعة التي يبرأ بها المطلوب هي : اليمين بالله تعالى لقوله عز وجل ( ... فَيُقْسِمَاذِ بِاللهِ إِنِ أَرْتَبْتُمْ لاتَشْتَرِي بِهِ ثَمَنَاً ... )(١) وَقوله: ( فَيُقْسِنِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أُحَقُّ مِنْْ شَهَادَتِهِمَا ) (٢) وَقوله ( .. وَأَفْسَمَوا بِاللهِ جَهْدَ أَنْمَانِهِمْ .. ) (٣) قال بعض المفسرين من أقسم بالله فقد أقسم بالله جهد اليمين (( واستحلف النبي ، صلى الله عليه وسلم، ركانة بن عبد يزيد في الطلاق : والله ما اردت إلا واحدة ؟ فقال : والله ما أردت إلا واحدة)) وقال عثمان لابن عمر (( تحلف بالله لقد بعته وما به داء تعلمه )) . وسواء كان الحالف مسلماً أو كافراً، عدلا" أو فاسقاً ، لأن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لما قال للحضرمي (( فلك يمينه فقال : إِنه رجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه ، قال: ليس لك إلا ذلك)) وقال الأشعث بن قيس ((كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني ، فقدمته إِلى (١) المائدة من الآية / ١٠٦ . (٢) المائدة من الآية / ١٠٧ . (٣) الأنعام من الآية / ١٠٩ . - ٥٠٣ -- النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقال لي: هل لك بينة ؟ قلت: لا ، قال لليهودي احلف ثلاثاً ، قلت : إِذاً يحلف فيذهب بمالي . فأنزل الله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرَوْنَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَنْمَانِمْ ثَمَنّا قَليلاً .... )(١) الى آخر الآية رواه أبو داود . وأين حلف، ومتى حلف أجزأ («وحلف عمر في حكومته لأبي في النخل في مجلس زيد، فلم ينكره أحد)). ( وللحاكم تغليظ اليمين فيما له خطر ، كجناية لا توجب قوداً ، وعتق، ومال کثیر قدر نصاب الزكاة ) لا فیما دون ذلك ، لأنه یسیر . ( فتغليظ يمين المسلم أن يقول : والله الذي لا إله إلا هو ، عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ، الطالب الغالب ، الضار النافع ، الذي يعلم خائنة الأعين ، وما تخفي الصدور ) لحديث ابن عباس السابق . وقال الشافعي : رأيتهم يؤكدون اليمين بالمصحف ، ورأيت ابن مارن قاضي صنعاء يغلظ اليمين به . قال ابن المنذر: لا تترك سنة النبي، صلى الله عليه وسلم ، لفعل ابن مارن ولا غيره . ( ويقول اليهودي : والله الذي أنزل التوراة على موسى، وفلق لهالبحر، وانجاه من فرعون وملئه . ويقول النصراني: والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى ، وجعله يحيي الموتى ، ويبرىء الأكمه والأبرص ) لحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، - يعني: لليهود - (( نشدتكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى : ما تجدون في التوراة على من زنى ؟ )) رواه أبو داود . وتغليظها في الزمان : أن يحلف بعد العصر ، لقوله تعالى (١) آل عمران من الآية / ٧٧ . - ٥٠٤ - ( .. تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ ... ) (١) قال بعض المفسرين: أي: صلاة العصر . ولفعل أبي موسى ، وفي المكان بين الركن والمقام بمكة، لزيادة فضيلته ، وبالقدس عند الصخرة ، لفضيلتها . وفي سنن ابن ماجه مرفوعاً (( هي من الجنة)) وعند المنبر في سائر البلاد ، لما روى مالك والشافعي وأحمد عن جابر مرفوعاً (( من حلف على منبري هذا يميناً آثمة فليتبوء مقعده من النار )) وقيس عليه باقي منابر المساجد . ويحلف الذمي بموضع يعظمه ، قال الشعبي لنصراني : اذهب إلى البيعة. وقال كعب بن سوار في نصراني : اذهبوا به إلى المذبح . ولأنه ثبت التغليظ في أهل الذمة ، فنقيس عليهم غيرهم . قاله في الكافي . ( ومن أبى التغليظ لم يكن ناكلا ) عن اليمين ، لأنه بذل الواجب عليه فوجب الإكتفاء به، لحديث ابن عمر مرفوعاً ((ومن حلف له بالله فليرض)) رواه ابن ماجه . ( وإن رأى الحاكم ترك التغليظ فتركه كان مصيباً) لموافقته مطلق النص . كتاب الإقرار وهو : الاعتراف بالحق . والحكم به واجب ، لقوله ، صلى الله عليه وسلم (( واغديا أنيس إلى امرأة هذا: فإِن اعترفت فارجمها » ((ورجم النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ماعزاً والغامدية والجهنية بإقرارهم)) (١) المائدة من الآية / ١٠٩ . - ٥٠٥ : ولأنه إذا وجب الحكم بالبينة فلأن يجب بالإقرار مع بعده من الريبة أولى . قاله في الكافي . (لا يصح الإقرار إلا من مكلف مختار) لحديث (( رفع القلم عن ثلاثة)» وتقدم . وحديث (( عفي لأمتي عن الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه )) رواه سعيد . ( ولو هازلاً بلفظ أو كتابة ، لا بإشارة ، إلا من اخرس) إذا كانت مفهومة ، لقيامها مقام نطقه ككتابته . ( لكن لو أقر صغير أو قن ، أذن لهما في تجارة في قدر ما اذن لهما فيه: صح) لفك الحجر عنهما فيه ، ولأنه يصح تصرفهما فيه فصح إقرارهما به . ( ومن أكره ليقر بدرهم فأقر بدينار ، أو ليقر تزيد فأقر لعمرو : صح ولزمه ) لأنه غير مكره على ما أقر به . ( وليس الإقرار بإنشاء تمليك ) بل إِخبار بما في نفس الأمر . ( فيصح حتى مع إضافة الملك لنفسه ، كقوله : كنابي هذا لزيد ) لأن الإضافة تكون لأدنى ملابسة ، فلا تنافي الإقرار به . ( ويصح إقرار المريض بمال لغير وارث ) حكاه ابن المنذر إِجماعاً ، لأنه غير متهم في حقه . ( ويكون من رأس المال ) كإقراره في صحته . ( وبأخذ دين من غير وارث) لما تقدم ، ولأن حالة المرض أقرب إِلى الاحتياط لنفسه ، وتحري الصدق : فكان أولى بالقبول ، بخلاف الإقرار لوارث فإِنه متهم فيه . - ٥٠٦ - ( لا إِن أقر لوارث إلا ببينة ) أو إِجازة باقي الورثة ، كالوصية. وقال مالك : يصح إِذا لم يتهم إلا أن يقر لزوجته بمهر مثلها فأقل : فيصح في قول الجميع إِلا الشعبي . ذكره في الشرح . ( والاعتبار بكون من أقر له وارثاً أو لاً حال الإقرار لا الموت ) لأنه قول تعتبر فيه التهمة فاعتبرت حالة وجوده ، كالشهادة . ( عكس الوصية ) فإن الاعتبار فيها بحال الموت - وتقدم - فلو أقر لوارثه ، فلم يمت حتى صار غير وارث : لم يصح ، وإِن أقر لغير وارث، فصار وارثاً قبل الموت : صح إقراره له . نص عليه أحمد ، لأن إقراره لوارث في الأولى ، ولغير وارث في الثانية ، متهم في الأولى غير متهم في الثانية ، فأشبه الشهادة . قاله في الكافي . ( وإن كذب المقر له المقر بطل الإقرار ) بتكذيبه ، ( وكان للمقر أن يتصرف فيما أقر به بما شاء) لأنه مال بيده لا يدعيه غيره ، أشبه اللقطة . والوجه الثاني : يحفظه الإمام حتى يظهر مالكه ، لأنه بإقراره خرج عن ملكه، ولم يدخل في ملك المقر له ، وكل واحد منهما ينكر ملكه، فهو كالمال الضائع . قاله في الكافي . فصل. ( والإقرار لفن غيره إقرار لسيده )لأنه الجهة التي يصح الإقرار لها ، ولأن يد العبد كيد سيده . ( ولمسجد أو مقبرة أو طريق ونحوه ) كثغر وقنطرة ( يصح ، ولو أطلق ) فلم يعين سبباً ، كغلة وقف ونحوه ، لأنه إقرار ممن يصح إقراره ، أشبه مالو عين السبب ، ويكون لمصالحها . - ٥٠٧ - ( ولدار أو بهيمة: لا ) لأن الدار لا تجري عليها صدقة غالباً، بخلاف المسجد ، ولأن البهيمة لا تملك ، ولا لها أهلية الملك . ( إِلا إِن عين السبب) كغصب أو استئجار ـزاد في المغني: لمالكها- وإلا لم يصح. ( ولحمل) آدمية بمال ، وإِن لم يعزه إِلى سبب ، لأنه يجوز أن يملك بوجه صحيح فصح له الإقرار المطلق ، كالطفل ، (فإن ولدميتاً أو لم يكن حمل: بطل) لأنه إقرار لمن لا يصح أن يملك ، وإِن ولدت حياً وميتاً : فالمقر به للحي بلا نزاع . قاله في الإنصاف ، لفوات شرطه في الميت . ( و ) إِن ولدت ( حياً فأكثر : فله بالسوية ) ولو كانا ذكراً وأنثى ، كما لو أقر لرجل وامرأة بمال ، لعدم المزية . ( وإن أقر رجل أو امرأة بزوجية الآخر فسكت ) صح وورثه بالزوجية ، لقيامها بينهما بالإقرار ، ( أو جحده ، ثم صدقه: صح ) الإقرار ، ( وورثه) لحصول الإقرار ، والتصديق . ولا يضر جحده قبل إقراره ، كالمدعى عليه يجحد ، ثم يقر .. ( لا إِن بقي على تكذيبه حتى مات ) المقر : فلا يرثه ، لأنه متهم في تصديقه بعد موته . ٤ - ٥٠٨ - بَأَبُ مَا يَحَصَل به الاقرار وما بغيره ( من أدعي عليه بالف ، فقال : نعم ، أو : صدقت ، او : أنا مقر ، أو : خذها، أو : أنزنها، أو: ١قبضها: فقد أقر ) لأن هذه الألفاظ تدل على تصديق المدعي ، وتنصرف إلى الدعوى ، لوقوعها عقبها ، ( لا إِن قال: أنا أقر ) فليس إقراراً بل وعد . ( أو: لا أنكر) لأنه لا يلزم من عدم الإنكار الإقرار ، لأن بينهما قسماً آخر ، وهو السكوت ، ولأنه يحتمل : لا أنكر بطلان دعواك . ( أو : خذ ) لاحتمال أن يكون مراده خذ الجواب مني (أو : أنزن، أو : افتح كمك ) لاحتمال أن يكون لشيء غير المدعى به ، أو : اتزن من غيري ، أو : افتح كمك للطمع . 1 ( و: بلى ، في جواب : أليس لي عليك كذا؟ إقرار ) بلا خلاف ، لأن نفي النفي إِثبات . ( لا : نعم ، إلا من عامي ) فيكون إِقراراً ، كفوله : عشرة غير درهم - بضم الراء - : يلزمه تسعة ، لأن ذلك لا يعرفه إلا الحذاق من أهل العربية . وفي حديث عمرو بن عبسة (( .. فدخلت عليه، فقلت : يا رسول الله : أتعرفني؟ فقال : نعم أنت الذي لقيتني بمكة ، قال : فقلت : بلى)) قال في شرح مسلم : فيه صحة الجواب ببلى ، وإِن لم - ٥٠٩ - يكن قبلها نفي ، وصحة الإقرار بها ، قال : وهو الصحيح من مذهبنا ، أي : مذهب الشافعية . ( وإن قال : أقض ديني عليك ألفاً، أو : هل لي أو لي عليك ألف ؟ فقال : نعم ) فقد أقر له ، لأن نعم صريحة في تصديقه . ( أو قال : أمهلني يوماً، أو حتى أفتح الصندوق ) فقد أقر ، لأن طلب المهلة يقتضي أن الحق عليه . ( أو قال: له علي ألف إن شاء الله ) فقد أقر له به . نص عليه . ( أو : إلا أن يشاء الله ) فقد أقر له به ، لأنه علق رفع الإقرار على أمر لا يعلمه ، فلا يرتفع. ( أو ) قال : له علي ألف ، لا تلزمني إلا أن يشاء (زيد: فقد أقر) له بالألف ، لما تقدم . ( وإن علق بشرط لم يصح ، سواء قدم الشرط ، ک : إن شاء زید فله علي دينار ) أو : إِن قدم زيد فلعمرو علي كذا ، لأنه لم يثبت على نفسه شيئاً في الحال ، وإِنما علق ثبوته على شرط ، والإقرار إِخبار سابق ، فلا يتعلق بشرط مستقبل ، بخلاف تعليقه على مشيئة الله عز وجل : فإنها تذكر في الكلام تبركاً وتفويضاً إِلى الله تعالى ، كقوله تعالى ( لَتَدْحْلَنَّ أْمَسْجِدَ الْرَامَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ ... )(١) وقد علم الله أنهم سيدخلونه بلا شك . وقال القاضي : يكون إِقراراً صحيحاً ، لأن الحق الثابت في الحال . لا يقف على شرط مستقبل ، فسقط الاستثناء. قاله في الكافي . (١) الفتح من الآية / ٢٧ . - ٥١٠ - ( أو اخره، ک: له علي دينار إن شاء زيد، أو: قدم الحاج ) أو : جاء المطر : فلا يصح الإقرار ، لما بين الإخبار والتعليق على شرط مستقبل من التنافي . ( إلا إذا قال : إذا جاء وقت كذا فله علي دينار : فيلزمه في الحال ) لأنه بدأ بالإِقرار فعمل به ، وقوله : إِذا جاء وقت كذا ، يحتمل أنه أراد المحل : فلا يبطل الإقرار بأمر محتمل . ( فإن فسره بأجل أو وصية : قبل بيمينه ) لأن ذلك لا يعلم إلا منه، ويحتمله لفظه . وقال في الكافي : وإن قال: له علي ألف إِذا جاء رأس الشهر : كان مقراً ، لأنه بدأ بالإقرار ، وبين بالثاني المحل . وإِن قال : إذا جاء رأس الشهر فله علي ألف : فليس بإقرار ، لأنه بدأ بالشرط ، وأخبر أن الوجوب إِنما يوجد عند رأس الشهر ، والإقرار لا يتعلق على شرط . انتهى . ( ومن أدعي عليه بدينار ، فقال : إِن شهد به زيد فهو صادق : لم يكن مقراً) لأن ذلك وعد بتصديقه له في شهادته لا تصديق . بَابُ فيما إذا وصَل بالاقرار مَا يغيره ( إِذا قال : له علي من ثمن خمر ألف : لم يلزمه شيء ) لأنه أقر بثمن خمر ، وقدره بالألف ، وثمن الخمر لا يجب . ( وإن قال ) : له علي ( ألف من ثمن خمر: لزمه ) وكذا إن قال : له علي ألف من ثمن مبيع لم أقبضه ، أو ألف لا تلزمني ، أو من مضاربة ، أو ديعة تلفت ، وشرط - ٥١١ - علي ضمانها ، ونحو ذلك ، لأن ماذكر بعد قوله : علي ألف رفع لجميع ما أقر به فلا يقبل ، كاستثناء الكل . ( ويصح استثناء النصف فأقل) لأنه لغة العرب . قال الله تعالى ( .. فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ ◌َخْسِينَ عاماً. ) (١) قال أبو إسحاق الزجاج : لم يأت الاستثناء إِلا في القليل من الكثير ، فلو قال : مائة إِلا تسعة وتسعين لم يكن متكلماً بالعربية . ( فيلزمه عشرة في ) قوله. ( له علي عشرة إلا ستة ) لبطلان الاستثناء. ( و ) يلزمه ( خمسة في ) قوله ( ليس لك علي عشرة إلا خمسة ) لأنه استثناء النصف ، والاستثناء من النفي إِثبات ( بشرط أن لا يسكت ما يمكنه الكلام فيه ) أو يأتي بكلام أجنبي بين المستثنى منه، والمستثنى، لأنه إذا سكت بينهما، أو فصل بكلام أجنبي: فقد استقر حكم ما أقر به ، فلم يرفع ، بخلاف ما إذا اتصل ، فإِنه كلام واحد . ( وأن يكون من الجنس والنوع ) أي : جنس المستثنى منه ونوعه . ( فله علي هؤلاء العبيد العشرة إلا واحداً ) فاستثناؤه (صحيح ) لوجود شرائطه ، لأنه إِخراج لبعض ما يتناوله اللفظ بموضوعه ، (١) العنكبوت من الآية / ١٤ . - ٥١٢ - (ويلزمه تسعة) ويرجع إليه في تعيين المستثنى ، لأنه أعلم بمراده ، فلو ماتوا أو قتلوا أو غصبوا إلا واحداً ، فقال : هو المستثنى قبل منه ذلك بيمينه . ( وله علي مائة درهم إِلا ديناراً : تلزمه المائة) ولم يصح الاستثناء في إحدى الروايتين . اختارها أبو بكر ، لأنه استثناء من غير الجنس ، وغير الجنس ليس بداخل في الكلام ، وإِنما سمي استثناء تجوزاً ، وإِنما هو استدراك، ولا دخل له في الإقرار ، لأنه إِثبات للمقر به ، فإذا ذكر الاستدراك بعده كان باطلاً . وعنه: يصح . اختارها الخرقي، لأن النقدين كالجنس الواحد، لاجتماعهما في أنهما قيم المتلفات، وأروش الجنايات ، ويعبر بأحدهما عن الآخر ، وتعلم قيمته منه ، فأشبه النوع الواحد بخلاف غيرهما . ( وله هذه الدار إلا هذا البيت قبل ولو كان أكثرها ) أي : الدار ، لأن الإشارة جعلت الإقرار فيما عدا المستثنى فالمقر به معين ، فوجب أن يصح . ( لا إِن قال: إِلا ثلثيها، ونحوه) كـ: إلا ثلاثة أرباعها ، فلا يصح ، لأن المستثنى شائع ، وهو أكثر من النصف . ( وله الدار ثلثاها، أو عارية ، أو هبة: عمل بالثاني ) وهو قوله : ثلثاها ، أو عارية ، أو هبة ، ولا يكون إقراراً ، لأنه رفع بآخر كلامه ما دخل في أوله ، وهو بدل بعض في الأول ، واشتمال فيما بعده ، لأن قوله : له الدار ، يدل على الملك ، والهبة بعض ما يشتمل عليه ، كأنه قال: له ملك الدار هبة، كقوله سبحانه ( يَسْأُونَكَ عَنِْ الشَّهْرِ - ٥١٣ - (٣٣) الْرامِ قِتالِ فيهِ )(١) فهو في معنى الاستثناء في كونه إِخراجاً للبعض ، ويفارقه في جواز إخراج أكثر من النصف . قاله في الكافي . ويصح الاستثناء من الاستثناء لقوله تعالى ( إنّا أرْسِلْنا إِلى قَوْمِ ◌ُجْرِمينَ، إِلَّ آلَلوطِ إنّا لَمُنْجُوُهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ أُمْرَأْنَهُ)(٢) فمن قال عن آخر : له علي سبعة إلا ثلاثة ، إِلا درهماً: لزمه خمسة، لأن الاستثناء إبطال ، والاستثناء منه رجوع إلى موجب الإقرار . فصل (ومن باع أو وهب أو عتق عبداً ، ثم أقر به لغيره لم يقبل) إقراره : لأنه إقرار على غيره . وكذا لو ادعى بعد البيع ونحوه أن المبيع رهن ، أو أم ولد ونحوه مما يمنع صحة التصرف . ( ويغرمه المقر له ) لأنه فوته عليه بتصرفه فيه . ( وإن قال : غصبت هذا العبد من زيد، لا بل من عمرو ) فهو لزيد ، لإقراره له به ، ولا يقبل رجوعه عنه ، لأنه حق آدمي ، ويغرم قيمته لعمرو . ( أو : ملکه لعمرو ، وغصبته من زید : فهو لزید ) لإقراره بالید له ، ( ويغرم قيمته لعمرو) لإقراره له بالملك، ولوجود الحيلولة بالإقرار باليد لزيد . ( وغصبته من زيد ، وملكه لعمرو : فهو لزيد ) لإقراره باليد له ، (١) البقرة من الآية / ٢١٧. (٢) الحجر الآية / ٥٨ / ٥٩ . - ٥١٤ - ( ولا يغرم لعمرو شيئاً ) لأنه إنما شهد له به ، أشبه مالو شهد له بمال بيد غيره . ( ومن خلف ابنين ومائتين ، فادعى شخص مائة دينار على الميت ، فصدقه أحدهما ، وأنكر الآخر : لزم المقر نصفها ) أي : المائة لإقراره بها على أبيه ، ولا يلزمه أكثر من نصف دين أبيه ، لأنه يرث نصف التركة ، ولأنه يقر على نفسه وأخيه فقبل على نفسه دون أخيه ، ( إلا أن يكون ) المقر ( عدلاً ، ويشهد ، ويحلف معه المدعي ، فيأخذها وتكون ) المائة (الباقية بين الابنين ) كما لو شهد بها غير الابن ، وحلف المدعي . باب الاقرار بالجمل وهو : ما احتمل أمرين فأكثر على السواء ، وقيل : مالا يفهم معناه عند إطلاقه ضد المفسر . ( إذا قال : له علي شيء وشيء ، أو: كذا وكذا) صح إقراره ، (وقيل له: فسر) ويلزمه تفسيره . قال في الشرح: بغير خلاف. ( فإن أبى حبس حتى يفسر ) لأنه امتنع من حق عليه فحبس به ، كما لو عينه وامتنع من أدائه . وقال القاضي : إِذا امتنع من البيان قيل للمقر له : فسره أنت ، ثم يسأل المقر ، فإِن صدقه ثبت عليه ، وإِن أبى جعل ناكلاً ، وقضي عليه . قاله في الكافي . ( ويقبل تفسيره باقل متمول ) لأنه شيء وكذا تفسيره بحد قذف ، وحق شفعة ، لأنه حق عليه ، ولا يقبل تفسيره بميتة نجسة ، وخمر - ٥١٥ - وخنزير ، لأنها ليست حقاً عليه ، ولا برد سلام ، وتشميت عاطس ، ونحوه ، لأن ذلك لا يثبت في الذمة ، ولا بغير متمول ، كفشر جوزة ، وحبة بر ونحوهما ، لمخالفته لمقتضى الظاهر ، ولأن إقراره اعتراف بحق عليه ، وهذا لا يثبت في الذمة ، لأنه مما لا يتمول عادة . ( فإن مات قبل التفسير : لم يؤاخذ وارثه بشيء ) ولو خلف تركة ، لاحتمال أن يكون حد قذف . ( و : له علي مال عظيم ، أو خطير ، أو كثير ، أو جليل ، أو نفيس : قبل تفسيره بأقل متمول ) لأنه ما من مال إلا وهو عظيم كثير بالنسبة إلى مادونه ، ويحتمل أنه أراد عظمه عنده ، لقلة ماله ، وفقر نفسه ، ولأنه لا حد له شرعاً ولا لغة ولا عرفاً ، ويختلف الناس فيه : فقد يكون عظيماً عند بعض حقيراً عند غيره . ( وله دراهم كثيرة قبل ) تفسيره ( بثلاثة ) دراهم فأكثر ، لأن الثلاثة أقل الجمع ، وهي اليقين ، فلا يجب مازاد عليها بالاحتمال . ( و: له علي كذا وكذا درهم بالرفع أو بالنصب : لزمه درهم ) أما في الرفع : فلأن تقديره : شيء هو درهم ، فالدرهم : بدل من كذا ، والتكرار للتأكيد لا يقتضي زيادة، كأنه قال: شيء شيء : هو درهم. والتكرار مع الواو بمنزلة قوله : شيئان ، هما : درهم ، لأنه ذكر شيئين، وأبدل منهما درهماً . وأما في النصب : فالدرهم : مميز لما قبله ، فهو مفسر ، والدرهم الواحد يجوز أن يكون تفسيراً لشيئين : كل واحد بعض درهم . اختاره ابن حامد ، والقاضي . واختار التميمي : يلزمه - ٥١٦ - درهمان ، لأنه ذكر جملتين فسرهما بدرهم فيعود التفسير إلى كل واحد منهما . قاله في الكافي . وقال بعض النحاة : هو منصوب على القطع كأنه قطع ما أقر به ، وأقر بدرهم . ( وإن قال : بالجر ، او : وقف عليه : لزمه بعض درهم ، ويفسره ) لأنه في الجر مخفوض بالإِضافة ، فالمعنى : له بعض درهم . وإذا كرر يحتمل أن يكون إِضافة جزء إِلى جزء ، ثم أضاف الجزء الأخير إِلى الدرهم . وفي الوقف يحتمل أنه مجرور ، وسقطت حركته للوقفْ . ( و : له علي ألف ودرهم ، أو ألف ودينار ، أو الف وثوب ، أو ألف إلا ديناراً : كان المبهم ) في هذه الأمثلة ونحوها ( من جنس المعين ) لأن العرب تكتفي بتفسير إحدى الجملتين عن الأخرى ، كقوله تعالى ( وَلَبِثُوا فِي صَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَأَزْدَادُوا تَسْعًاً ) (١) والمراد: تسع سنين فاكتفى بذكره في الأول ولأنه ذكر مبهماً مع مفسر ، ولم يقم الدليل على أنه ليس من جنسه فوجب حمله عليه . وأما الاستثناء فلأن العرب لا تستثني الإثبات إِلا من الجنس ، فمتى علم أحد الطرفين علم الآخر ، كما لو علم المستثنى منه . ويقال : الاستثناء معيار العموم . وأما إِن قال : مائة وخمسون درهماً ، وأحد وعشرون درهماً فالكل دراهم . قال في الشرح : بغير خلاف نعلمه. انتهى، لقوله (تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعَجَةً ... ) (٢) و ( .. أحْدَ () عَشَرَ كَوْكَبًا ) () (١) الكهف الآية / ٢٥ . (٢) ص من الآية / ٢٣ . (٣) يوسف من الآية / ٤ . - ٥١٧ - فصل ( إذا قال : له علي مابين درهم وعشرة : لزمه ثمانية ) لأنها ما بينهما ، وذلك هو مقتضى لفظه . ( ومن درهم إلى عشرة ) لزمه تسعة . ( أو : مابين درهم إلى عشرة : لزمه تسعة) لأنه جعل العشرة غاية ، وهي غير داخلة. قال الله تعالى ( .. ثُمَّ أَتِعُوا الصِّيامَ إِلَى الذَّيْلِ ... )(١) بخلاف ابتداء الغاية : فإنه داخل في معناه . ( و : له ) علي ( درهم ، قبله درهم ، وبعده درهم ، أو : درهم ودرهم ودرهم : لزمه ثلاثة) دراهم ، لأن قوله قبله ، وبعده ألفاظ تجري مجرى العطف ، لأن معناها الضم فكأنه أقر بدرهم ، وضم إِليه الآخرين ، ولأن قبل وبعد يستعملان للتقديم والتأخير في الوجوب ، فيحمل عليه . ( و کذا : درهم درهم درهم ) يلزمه ثلاثة دراهم ، ( فإن أراد التأكيد: فعلى ما اراد ) أي : قبل منه ذلك ، لأنها قابلة للتأكيد ، لعدم العاطف . ( و: له درهم، بل دينار : لزماه ) لأن الإضراب رجوع عما أقر به الآدمي ، ولا يصح فيلزمه كل منهما . (١) البقرة من الآية / ١٨٧ . - ٥١٨ - ( و: له درهم في دينار : لزمه درهم ) لأنه المقربه فقط ، وقوله : في دينار لا يحتمل الحساب ، ويجوز أن يريد : في دينار لي . ( فإن قال : أردت العطف ) أي : درهم ودينار ونحوه ، (أو معنى : مع ) كـ : درهم مع دينار ( لزماه) أي : الدرهم والدينار، كمالو صرح بحرف العطف أو بمع. ( و: له درهم في عشرة: لزمه درهم) لإقراره به ، وجعله العشرة محلاً له ، ولأنه يحتمل : في عشرة لي . ( مالم يخالفه عرف ) بلد المقر ، واستعمالهم ( فيلزمه مقتضاه ) أي : عرفهم واستعمالهم ( أو يريد الحساب ، ولو جاهلاً: فيلزمه عشرة) دراهم، لأنها حاصل الضرب عندهم . ( أو يريد الجمع: فيلزمه أحد عشر) لأنه أقر على نفسه بالأغلظ،: وكثير من العوام يريدون بهذا اللفظ هذا المعنى ، أي : درهم مع عشرة. ( و : له تمر في جراب ، أو سكين في قراب ، أو ثوب في منديل : ليس بإقرار بالثاني ) لأن إقراره لم يتناول الظرف ، فيحتمل أنه أراد : في ظرف لي ، ولأنهما شيئان متغايران لا يتناول الأول منهما الثاني ، ولا يلزم أن يكون الظرف والمظروف لواحد ، والإقرار إِنما يكون مع التحقيق لا مع الاحتمال . ( و: له خاتم فيه فص ، أو سيف بقراب : إقرار بهما ) لأن الفص جزء من الخاتم ، أشبه ما لو قال : ثوب فيه علم . والباء في قوله : بقراب : - ٥١٩ - باء المصاحبة ، فكأنه قال : سيف مع قراب ، بخلاف : تمر في جراب ، فإن الظرف غير المظروف . ( وإقراره بشجرة ليس إقراراً بأرضها ) أن الأصل لا يتبع الفرع ، بخلاف الإقرار بالأرض ، فإنه يشمل غرسها وبناءها ، ( فلا يملك غرس مكانها لو ذهبت ) لأنه غير مالك للأرض . قال في الفروع : ورواية مهنا : هي له بأصلها ، فإن ماتت ، أو سقطت لم يكن له موضعها ، ( ولا أجرة ) على ربها ( مابقيت ) وليس لرب الأرض قلعها ، وثمرتها للمقر له ، والبيع مثله . ( وله علي درهم، أو دينار: يلزمه أحدهما، ويعينه ) ويرجع إليه في تعيينه ، كسائر المجملات . خاتمَِة ( إِذا اتفقا على عقد ) من بيع أو إِجارة أو غيرهما ، وادعى أحدهما فساده نحو : إِنه كان حين العقد صبياً ، أو غير ذلك، ( والآخر صحته) أي : العقد ، ولا بينة ( فقول مدعي الصحة بيمينه ) على المذهب . نص عليه في رواية ابن منصور ، لأن الظاهر وقوع العقود على وجه الصحة دون الفساد . قاله في القواعد . وقال الشيخ تقي الدين : وهكذا يجيء في الإقرار ، وسائر التصرفات إذا اختلفا : هل وقعت بعد البلوغ ، أو قبله ؟ لأن - ٥٢٠ -