Indexed OCR Text
Pages 441-460
( أو: لا يبيع كذا إلا بمائة، فباعه بأكثر) لم يحنث ، لدلالة القرينة ،
(أو : لا يدخل بلد كذا لظلم فيها، فزال ودخلها ) لم يحنث ، تقديماً
للسبب على عموم لفظه . وقال القاضي : يحنث ، وذكر أن أحمد نص
عليه .
(أو : لا يكلم زيداً لشربه الخمر، فكلمه وقد تركه : لم يحنث في الجميع)
لدلالة الحال على أن المراد مادام كذلك ، وقد انقطع ذلك .
فصل
( فإن عدم النية والسبب رجع إلى التعيين ) لأنه أبلغ من دلالة الاسم
على مسماه ، لنفيه الإبهام بالكلية .
( فمن حلف : لا يدخل دار فلان هذه ، فدخلها وقد باعها ، أو : وهي
فضاء . أو : لا كلمت هذا الصبي ، فصار شيخاً فكلمه . أو : لا أكلت هذا
الرطب ، فصار تمرأ ثم اكله : حنث في الجميع ) لأن عين المحلوف عليه
باقية .
فصل
( فإن عدم النية ، والسبب ، والتعيين: رجع إلى ما تناوله الاسم )
لأنه مقتضاه ، ولا صارف عنه .
( وهو ثلاثة : شرعي ، فعرفي ، فلغوي . فاليمين المطلقة تنصرف إلى
الشرعي) لأنه المتبادر للفهم عند الإطلاق ، ولذلك حمل عليه كلام
الشارع حيث لا صارف .
- ٤٤١ -
( وتتناول الصحيح منه ) بخلاف الفاسد فإنه ممنوع منه شرعاً .
. (فمن حلف : لا ینکح ، أو لا يبيع ، أو لا يشتري ، فعقد عقداً فاسداً :
لم يحنث) لقوله تعالى { ... وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ... ) (١) وإِنما أحل الصحيح
منه ، وكذا النكاح .
( لكن لو قيد يمينه بممتنع الصحة، كحلفه : لا يبيع الخمر ) أو الحر ،
( ثم باعه : حنث بصورة ذلك) لتعذر الصحيح ، فتنصرف اليمين
إلى ما كان على صورته .
فصل
( فإن عدم الشرعي فالأيمان مبناها على العرف ) دون الحقيقة ، لأنها
صارت مهجورة ، فيلا يعرفها أكثر الناس .
( فمن حلف : لا يطأ امرأته : حنث بجماعها ) لانصراف اللفظ إليه
عرفاً . ولذلك لو حلف على ترك وطئها كان مؤلياً .
( أو : لا يطأ ، أو يضع قدمه في دار فلان : حنث بدخوله راكباً ، أو
ماشياً حافياً، أو منتعلا) لأن ظاهر الحال أن القصد امتناعه من دخولها.
( أو : لا يدخل بيتاً : حنث بدخول المسجد ، والحمام ، وبيت الشعر)
لقوله تعالى (إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ... ) (٢) الآية وقوله ( في بُيُوتٍ
أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ )(٣) وفي الحديث (( ثم يخرج إلى بيت من بيوت الله))
(١) البقرة من الآية / ٢٧٥ .
(٢) آل عمران من الآية / ٩٦ .
(٣) النور من الآية / ٣٦.
- ٤٤٢ -
وحديث (( بئس البيت الحمام)) رواه أبو داود وغيره . وقال تعالى
(وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلودِ اَلْأَنْعَامِ بُيُوتَاً) (١)
( أو : لا يضرب فلانة فخنقها، أو نتف شعرها، أو عضها : حنث )
لوجود المقصود بالضرب ، وهو التألم .
فصل
( فإن عدم العرف رجع إلى اللغة ، فمن حلف : لا ياكل لحماً حنث
بكل لحم حتى بالمحرم : كالميتة ، والخنزير ) ولحم السباع، وكل مايسمى
لحماً ، لدخوله في مسماه ،
( لا بما لا يسمى لحماً كالشحم ونحوه ) كمخ ، وكبد ، وكلية ،
وكرش ، ونحوها ، لأن إطلاق اسم اللحم لا يتناول شيئاً من ذلك .
وحديث ((أحل لنا ميتتان ودمان)) يدل على أن الكبد والطحال ليسا
بلحم ، إِلا بنية اجتناب الدسم ، فيحنث بذلك، وكذا لو اقتضاه السبب.
( ولا ياكل لبناً، فاكل واو من لبن آدمية : حنث ) لأن الاسم يتناوله
حقيقة وعرفاً . وسواء كان حليباً ، أو رائباً ، مائعاً أو جامداً.
( ولا ياكل رأساً ولا بيضاً : حنث بكل رأس وبيض حتى برأس الجراد
وبيضه ) لدخوله في المسمى .
( ولا يأكل فاكهة: حنث بكل ما يتفكه به، حتى بالطبخ ) لأنه ينضج
ويحلو ويتفكه به ، فيدخل في مسمى الفاكهة .
( لا القثاء والخيار ) لأنهما من الخضر ،
(١) النحل من الآية / ٨٠ .
- ٤٤٣ -
( والزيتون ) لأن المقصود زيته ، ولا يتفكه به .
( والزعرور الأحمر ) بخلاف الأبيض .
( ولا يتغدى فاكل بعد الزوال ، أو لا يتعشى فاكل بعد نصف الليل ،
أو لا يتسحر فاكل قبله : لم يحنث ) حيث لا نية ، لأن الغداء مأخوذ
من الغدوة ، وهي من طلوع الفجر إِلى الزوال . والعشاء من العشي ،
وهو : من الزوال إلى نصف الليل . والسحور من السحر ، وهو: من
نصف الليل إلى طلوع الفجر .
( ولا يأكل من هذه الشجرة : حنث بأكل ثمرتها فقط ) لأنها التي تتبادر
الذهن ، فاختص اليمين بها .
( ولا يأكل من هذه البقرة: حنث بأكل شيء منها، لا من لبنها وولدها)
لأنهما ليسا من أجزائها .
( ولا يشرب من هذا النهر أو البئر ، فاغترف بإناء وشرب : حنث )
لأنهما ليسا آلتا شرب عادة ، بل الشرب منهما عرفاً بالاغتراف باليد أو
الإناء .
( لا إِن حلف: لا يشرب من هذا الإناء، فاغترف منه وشرب ) لأن الإناء
آلة شرب ، فالشرب منه حقيقة: الكرع فيه ، ولم يوجد .
- ٤٤٤ -
٠
فصل
( ومن حلف : لا يدخل دار فلان ، أو لا يركب دابته : حنت بما جعله
لعبده) من دار ودابة ، لأنه ملك سيده ،
( أو آجره أو استأجره) منها لبقاء ملكه للمؤجر ، ولملكه منافع
ما استأجره ،
( لا بما استعاره ) فلان من هذه ، لأنه لا يملك منافعه ، بل الإعارة
إباحة بخلاف الإجارة .
(ولایکلم إنساناً: حنتبكلام كلإنسان) ذكر أو أنثى ، صغير أو كبير ،
لأنه نكرة في سياق النفي فيعم ،
( حتى بقول: اسكت الأنه كلام ، فيدخل فيما حلف على عدمه .
( ولا كلمت فلاناً، فكاتبه أو راسله: حنث) لقوله تعالى ( وَمَا كانَ
لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُاللهُ إِلاَّ وَحْيَا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً .. )(١)
وحديث (( ما بين دفتي المصحف كلام الله)).
( ولا بدأت فلاناً بكلام فتكلما معاً : لم يحنث ) لأنه لم يبدأه به حيث
لم يتقدمه .
( ولا ملك له : لم يحنث بدين ) لاختصاص الملك بالأعيان المالية ،
والدين إِنما يتعين الملك فيما يقبضه منه .
(١) الشورى من الآية / ٥١ .
- ٤٤٥ -
(.ولا مال له، أو لا يملك مالاً: حنث بالدين) لأنه مال تجب فيه
الزكاة ، ويصح التصرف فيه بالإِبراء ، والحوالة ، ونحوهما .
( وليضربن فلاناً بمائة ، فجمعها وضربه بها ضربة واحدة : بر )
لأنه ضربه بالمائة ،
( لا إِن حلف ليضربنه مائة) فجمعها وضربه بها ضربة واحدة ، لأن
ظاهر يمينه أن يضربه مائة ضربة ، ليتكرر ألمه بتكرر الضرب .
( ومن حلف : لا يسكن هذه الدار ، أو ليخرجن ، أو ليرحلن منها :
لزمه الخروج بنفسه وأهله ومتاعه المقصود) لأن الدار يخرج منها صاحبها
كل يوم عادة ، وظاهر حاله : إِرادة خروج غير المعتاد .
١
،
( فإن أقام فوق زمن يمكنه الخروج فيه عادة ، ولم يخرج : حنث .
فإن لم يجد مسكناً ) ينتقل إليه فأقام أياماً في طلب النقلة : لم يحنث ،
لأن إقامته لدفع الضرر لا للسكنى .
( أو ابت زوجته الخروج معه ، ولا يمكنه إجبارها ، فخرج وحده :
لم يحنث ) لوجود مقدوره من النقلة .
( وكذا البلد ) إِذا حلف : ليرحلن ، أو ليخرجن منها ،
( إِلا أنه يبر بخروجه وحده إذا حلف ليخرجن منه ) لأنه صدق عليه
أنه خرج منه، إذاً بخلاف الدار، فإن صاحبها يخرج منها في اليوم مرات،
ولا يبر إذا حلف : ليرحلن من البلد ، بخروجه وحده ، بل بأهله ومتاعه
المقصود كما تقدم .
( ولا يحنث في الجميع بالعود ) إلى الدار والبلد ، لأن يمينه انحلت
بالخروج المحلوف عليه ،
.
-- ٤٤٦ -
( مالم تكن نية أو سبب) يقتضي هجران ما حلف : ليخرجن ، أو
ليرحلن منه : فيحنث بعوده .
( والسفر القصير : سفر یبر به من حلف : ليسافرن . ویحنث به من
حلف : لا يسافر) لدخوله في مسمى السفر . ونقل الأثرم عن أحمد :
أقل من يوم يكون سفراً ، إلا أنه لا تقصر فيه الصلاة .
( وكذا النوم اليسير) يبر به من حلف : لينامن ، ويحنث به من
حلف : لا ينام .
( ومن حلف : لا يستخدم فلاناً ، فخدمه وهو ساكت : حنت )
لأن إقراره على خدمته استخدام له .
( ولا يبات (١) ، أو لا يأكل ببلد كذا، فبات ، أو أكل خارج بنيانه :
لم يحنث ) لعدم وجود المحلوف عليه .
( وفعل الوكيل كالموكل ، فمن حلف : لا يفعل كذا ، فوكل فيه من
يفعله : حنث ) لصحة إِضافة الفعل إلى من فعل عنه ، لقوله تعالى
( وَلا تَخْلِقِوا رُؤُوسَكُمْ)(٢) وقوله ( يُحَلَّقِينَ رُؤُوسَكُمْ)(٢) وإِنما الحالق
غيرهم ، وكذا ( ياهامَانُ أَبْنِ لي صَرْحاً) (٤)
ونحوه . وهذا فيما تدخله النيابة، بخلاف من حلف: ليطأن، أو ليأكلن،
ونحوه : فلا يقوم غيره مقامه فيه .
(١) قال في المصباح: وبات يبات من باب تعب : لغة .
(٢) البقرة من الآية / ١٩٦ .
(٣) الفتح من الآية / ٢٧ .
(٤) غافر من الآية / ٣٦.
- ٤٤٧ -
٠٠
بَابُ النذر
٠٠
( وهو مكروه لا يأتي بخير ، ولا يرد قضاء) لحديث ابن عمر ((نهى
النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عن النذر ، وقال: إنه لا يرد شيئاً )) وفي
لفظ (( لا يأتي بخير، وإِنما يستخرج به من البخيل)) رواه الجماعة
إِلا الترمذي . والنهي : للكراهة ، لا التحريم ، لأن الله تعالى مدح
الموفين به .
( ولا يصح إلا بالقول ) كالنكاح والطلاق
(من مكلف مختار) لحديث (( رفع القلم عن ثلاثة .. )).
( وأنواعه المنعقدة ستة ، أحكامها مختلفة : )
(١ - النذر المطلق ، كقوله: لله علي نذر، فيلزمه كفارة يمين )
في قول الأكثر ، لا نعلم فيه مخالفاً إِلا الشافعي . قاله في الشرح ،
لحديث عقبة بن عامر مرفوعاً ((كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين))
رواه ابن ماجه والترمذي ، وقال حسن صحيح غريب .
( وكذا إن قال: علي نذر إن فعلت كذا، ثم يفعله ) لأنه في معناه .
(٢ - نفر لجاج وغضب، ک: إن كلمتك ، أو : إن لم أعطك ، أو : إِن
كان هذا كذا : فعلي الحج ، أو العتق ، أو صوم سنة ، أو مالي صدقة :
فيخير بين الفعل ، أو كفارة يمين ) لحديث عمران بن حصين : سمعت
۔
- ٤٤٨ -
رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول (( لا نذر في غضب ، وكفارته
کفارة یمین)» رواه سعيد في سننه .
(٣ - نذر مباح . ك : لله علي أن البس ثوبي ، أو أركب دابتي : فيخير
أبضاً) بين فعله وكفارة يمين ، كما لو حلف عليه . وروى أبو داود
وسعيد بن منصور (( أن امرأة قالت : يا رسول الله: إِني نذرت أن أضرب
على رأسك بالدف ، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم : أو في بنذرك)).
(٤ - نفر مكروه : كطلاق، ونحوه : فيسن أن يكفر ولا يفعله )
لأن تركه أولى . وإِن فعله فلا كفارة لعدم الحنث .
(٥ - نذر معصية: كشرب الخمر، وصوم يوم العيد: فيحرم الوفاء به)
لحديث عائشة مرفوعاً (( من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن
يعصي الله فلا يعصه)) رواه الجماعة إلا مسلماً .
( ويكفر ) من لم يفعله كفارة يمين . روي نحوه عن ابن مسعود ،
وابن عباس وعمران بن حصين وسمرة بن جندب . وعن عائشة مرفوعاً
(( لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين)) رواه الخمسة، واحتج به
أحمد . فإن فعل المعصية لم يكفر . نقله مهنا ، ذكره في الفروع .
( ويقضي الصوم ) المنذور في يوم العيد ، أو أيام التشريق بعدها ،
فتصح القربة ، ويلغو التعيين لأنه معصية .
( ٦ - نفر تبرر : كصلاة، وصيام ولو واجبين، واعتكاف ، وصدقة ،
وحج ، وعمرة بقصد التقرب ) غير معلق بشرط ، فيلزم الوفاء به في
قول الأكثر .
( أو يعلق ذلك بشرط حصول نعمة ، أو دفع نقمة ، ك : إِن شفى الله
- ٤٤٩ -
ت (٢٩)
مريضي ، أو سلم مالي فعلي كذا: فهذا يجب الوفاء به ) إذا وجد شرطه .
نص عليه، لحديث عائشة المتقدم . وقال تعالى ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ
لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَصَّدَّفَنَّ .. ) إلى قوله ( .. بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوه)(١)
ومن نذر طاعة ، وما ليس بطاعة : لزمه فعل الطاعة فقط ، لحديث ابن
عباس (( بينما النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يخطب ، إِذ هو برجل قائم ،
فسأل عنه فقالوا : أبو إِسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ،
ولا يتكلم ، ويصوم . فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: مروه، فليجلس
وليستظل، وليتكلم ، وليتم صومه)) رواه البخاري. ويكفر لما ترك
كفارة واحدة، ولو كثر، لأنه نذر واحد ، لقول عقبة بن عامر «نذرت
أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية غير مختمرة ، فسألت النبي ، صلى
الله عليه وسلم ، فقال: إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً. مرها فلتختمر،
ولتركب ، ولتصم ثلاثة أيام)) رواه الخمسة . ومن نذر طاعة ومات قبل
فعلها : فعلها الولي عنه استحباباً على سبيل الصلة . (( أفتى بذلك ابن
عباس في امرأة نذرت أن تمشي إِلى قباء فماتت : أمر أن تمشي ابنتها
عنها)) وقال البخاري في صحيحه ((وأمر ابن عمر امرأة جعلت أمها على
نفسها صلاة بقباء - يعني: ثم ماتت - فقال: صلي عنها )) وروى سعيد
(( أن عائشة اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد ما مات)) وقال أهل
الظاهر : يجب القضاء على الولي ، للأخبار . وإن نذر أن يطوف على
أربع : طاف طوافين . نص عليه ، وقاله ابن عباس .
فائدة : قال الشيخ تقي الدين : النذر للقبور ، أو لأهلها : كالنذر
(١) التوبة من الآية / ٧٧ .
- ٤٥٠ -
لإبراهيم الخليل ، عليه السلام ، والشيخ فلان : نذر معصية لا يجوز
الوفاء به ، وإِن تصدق بما نذره من ذلك على من يستحقه من الفقراء
والصالحين ، كان خيراً له عند الله وأنفع . وقال : من نذر إِسراج بئر،
أو مقبرة ، أو جبل ، أو شجرة ، أو نذر له ، أو لسكانه ، أو المضافين
إِلى ذلك المكان : لم يجز ، ولا يجوز الوفاء به إجماعاً ، ويصرف في
المصالح ، مالم يعرف ربه ، ومن الحسن صرفه في نظيره من المشروع .
وفي لزوم الكفارة خلاف . انتهى .
فصل
( ومن نذر صوم شهر معين : لزمه صومه متتابعاً ) لأن إطلاقه
يقتضي التتابع .
( فإن أفطر لغير عذر: حرم) لعموم حديث (( من نذر أن يطيع الله
فليطه) )) .
( وازمه استئناف الصوم ) لئلا يفوت التتابع ، لأن القضاء يكون
بصفة الأداء فيما يمكن ،
( مع كفارة يمين لفوات المحل ) فيما يصومه بعد الشهر.
( و) إِن افطر
( لعذر: بنى ) على ما صامه، وقضى ما أفطره متتابعاً متصلاً بتمامه،
( ويكفر" لفوات التتابع ) لما تقدم.
( ولو نذر شهراً مطلقاً) أي : غير معين : لزمه التتابع ، لأن إِطلاق
الشهر يقتضيه ، سواء صام شهراً هلالياً ، أو ثلاثين يوماً بالعدد ،
- ٤٥١ -
( أو صوماً متتابعاً غير مقيد بزمن: لزمه التتابع ) وفاء بنذره . وإِن
نذر صوم أيام معدودة بغير شرط التتابع ولا نية : لم يلزمه التتابع .
نص عليه ، لأن الأيام لا دلالة لها على التتابع ، بدليل قوله تعالى
( ... فَدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ... )(١)
( فإن أفطر لغير عذر: لزمه استئنافه ) ليتدارك ما تركه من التتابع
المنذور بلا عذر ،
( بلا كفارة ) لإتيانه بالمنذور على وجهه .
( ولعذر : خبر بين استئنافه، ولا شيء عليه الإتيانه به على وجهه ،
( وبين البناء، ويكفر ) لأنه لم يأت بالمنذور على وجهه .
( ولمن نذر صلاة جالساً أن يصليها قائماً) وظاهره : ولا كفارة ،
لإتيانه بالأفضل : كمن نذر صلاة المسجد الأقصى ، يجزئه في المسجد
الحرام ، ومسجد النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لحديث جابر . رواه
أحمد وأبو داود .
(١) البقرة من الآية / ١٨٥ .
- ٤٥٢ -
كتاب القضاء
الأصل في مشروعيته : الكتاب ، والسنة ، والإجماع .
أما الكتاب: فقوله تعالى ( وَأْنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ... )(١)
وَقُولُه: ( فَلَا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّىُّ يُحَكِّوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ ... )(٢) أذية وقوله: (فَاخْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا
تَنْبِعِ الْهَوِى. ) (٣) الآية
وأما السنة: فقوله ، صلى الله عليه وسلم ((إذا اجتهد الحاكم ،
فأصاب: فله أجران، وإن أخطأ: فله أجر)) متفق عليه . وأجمع
المسلمون على مشروعيته .
( وهو فرض كفاية ) لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه ، ولأن النبي ،
صلى الله عليه وسلم (( حكم بين الناس ، وبعث علياً إلى اليمن للقضاء ،
وحكم الخلفاء الراشدون ، وولوا القضاة في الأمصار » ولأن الظلم
في الطباع ، فيحتاج إلى حاكم ينصف المظلوم : فوجب نصبه . فإن
لم يكن من يصلح للقضاء إلا واحداً : تعين عليه ، فإن امتنع : أجبر عليه ،
لأن الكفاية لا تحصل إلا به . قاله في الكافي .
(١) المائدة من الآية / ٤٩.
(٢) النساء من الآية / ٦٥.
(٣) ص من الآية / ٢٦.
- ٤٥٣ -
وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به ، وأدى الحق فيه . وفيه
خطر كثير ، ووزر كبير لمن لم يؤد الحق فيه . فلذلك كان السلف
يمتنعون منه . قال في الفروع : والواجب اتخاذها ديناً وقربة ، فإنها
من أفضل القربات . وإِنما فسد حال الأكثر لطلب الرئاسة والمال بها ،
ومن فعل ما يمكنه : لم يلزمه ما يعجز عنه . قال في الشرح : وإن وجد
غيره ، كره له طلبه بغير خلاف ، لقوله ، صلى الله عليه وسلم (( لا تسأل
الإمارة ... )) الحديث ، متفق عليه .
( فيجب على الإمام أن ينصب بكل إقليم قاضياً ) لأنه لا يمكنه أن
يباشر الخصومات في جميع البلدان بنفسه ، فوجب أن يترتب في كل
إقليم من يتولى فصل الخصومات بينهم ، لئلا تضيع الحقوق ،
( وان يختار لذلك أفضل من يجد علماً وورعاً ) لأن الإمام ناظر
للمسلمين ، فيجب عليه اختيار الأصلح لهم .
( ویامره بالتقوى ) لأنها رأس الدین ،
( وتحري العدل ) أي : إعطاء الحق لمستحقه من غير ميل ، لأنه
المقصود من القضاء . ويجتهد القاضي في إقامته .
( وتصح ولاية القضاء ، والإمارة منجزة ك : وليتك الآن ، ومعلقة )
بشرط ، نحو قول الإِمام : إِن مات فلان القاضي أو الأمير ، ففلان
عوضه. لحديث (( أميركم زيد، فإن قتل فجعفر ، فإن قتل فعبد الله
ابن رواحة)) رواه البخاري .
( وشرط لصحة التولية : كونها من إمام أو نائبه فيه ) أي : القضاء ،
- ٤٥٤ -
لأنها من المصالح العامة : كعقد الذمة، ولأن الإِمام صاحب الأمر والنهي،
فلا يفتأت عليه في ذلك .
( وأن يعين له ما يوليه فيه الحكم من عمل ) وهو ما يجمع بلاداً
وقرى متفرقة : کمصر ونواحيها ، أو العراق ونواحيه ،
(وبلد) كمكة ، والمدينة ، ليعلم محل ولايته ، فيحكم فيه دون
غيره ((وبعث عمر، رضي الله عنه، في كل مصر قاضياً ووالياً)) ومشافهته
بها إِن كان حاضراً، ومكاتبته بها إِن كان غائباً (( لأنه ، صلى الله عليه
وسلم، كتب لعمرو بن حزم حين بعثه لليمن )) وكتب عمر إِلى أهل
الكوفة (( أما بعد : فإني قد بعثت إِليكم عماراً أميراً، وعبد الله قاضياً،
فاسمعوا لهما وأطيعوا)).
( وألفاظ التولية الصريحة سبعة : وليتك الحكم ، او فلدتكه ،
وفوضت ، أو رددت ، أو جعلت إليك الحكم ، واستحلفتك ، واستنبتك
في الحكم ) فإذا وجد أحدها ، وقبل المولى : انعقدت الولاية ، كالبيع
والنكاح .
( والكنایة ، نحو: اعتمدت ، أو عولت عليك ، او و کلتك ، او اسندت
إليك : لا تنعقد بها إلا بقرينة ، نحو : فاحكم ، أو: فتول ما عولت عليك فيه )
لأن هذه الألفاظ تحتمل التولية وغيرها ، من كونه يأخذ برأيه ، وغير
ذلك ، فلا ينصرف إلى التولية إلا بقرينة تنفي الاحتمال .
- ٤٥٥ -
٤
١٠
فصل
( وتفيد ولاية الحكم العامة ) وهي : التي لم تقيد بحال دون أخرى
( فصل الخصومات ، وأخذ الحق ، ودفعه للمستحق ، والنظر في مال
اليتيم ، والمجنون، والسفیه ) الذين لا ولي لهم ،
( و ) مال
( الغائب ) ما لم یکن له وكيل ،
( والحجر لسفه ، وفلس، والنظر في الأوقاف ) التي في عمله ،
( لتجري على شروطها ) والنظر في مصالح مرق عمله وأفنيته ،
( وتزويج من لا ولي لها ) من النساء، وتصفح حال شهوده وأمنائه ،
ليستبدل بمن ثبت جرحه ، وإقامة إِمامة جمعة وعيد ، مالم يخصا بإمام ،
عملاً بالعادة في ذلك .
( ولا يستفيد الاحتساب على الباعة ، ولا إلزامهم بالشرع ) لأن العادة
لم تجر بتولي القضاة ذلك .
( ولا ينفذ حكمه في غير محل عمله ) إذا ولاه في محل خاص ، فينفذ
حكمه في مقيم به ، وطارىء إليه ، لأنه يصير من أهل ذلك المحل في
كثير من الأحكام . ولا ينفذ في غيره ، لأنه لم يدخل تحت ولا يته .
وله طلب الرزق لنفسه وأمنائه مع الحاجة في قول أكثر أهل العلم . قاله
في الشرح . لما روي عن عمر، رضي الله عنه (( أنه استعمل زيد بن ثابت
- ٤٥٦ -
على القضاء ، وفرض له رزقاً ، ورزق شريحاً في كل شهر مائة درهم»
وروي « أن أبا بكر الصديق لما ولي الخلافة : أخذ الذراع وخرج إلى
السوق ، فقيل له : لا يسعك هذا ، فقال : ما كنت لأدع أهلي يضيعون.
ففرضوا له كل يوم درهمين)) ((وبعث عمر إلى الكوفة عمار بن ياسر
والياً ، وابن مسعود قاضياً ، وعثمان بن حنيف ماسحاً ، وفرض لهم كل
يوم شاة: نصفها لعمار، والنصف الآخر بين عبد الله وعثمان)) (١)
(( وكتب إلى معاذ بن جبل ، وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام ، أن :
انظرا رجالاً من صالحي من قبلكم، فاستعملوهم على القضاء، وارزقوهم،
وأوسعوا عليهم من مال الله تعالى)).
. ولا يجوز له أن يوليه على أن يحكم بمذهب إِمام بعينه . لا نعلم
فيه خلافاً. قاله في الشرح، لقوله تعالى (فَأَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ .. )(٢)
وإنما يظهر الحق بالدليل .
وإِذا ولى الإمام قاضياً ، ثم مات الإمام أو عزل: لم ينعزل القاضي ،
لأن الخلفاء ولوا حكاماً ، فلم ينعزلوا بموتهم . فإن عزله الإمام الذي
ولاه ، أو غيره : انعزل . لأن عمر يولي الولاة ثم يعزلهم . ومن لم
يعزله عزله عثمان بعده إلا القليل . وقال عمر، رضي الله عنه (( لأعزلن
أبا مريم - يعني: عن قضاء البصرة - وأولي رجلاً إذا رآه الفاجر
فرقه . فعزله، وولى كعب بن سوار)) ((وولى علي أبا الأسود ثم عزله،
فقال: لمَ عزلتني، وما خنت وما جنيت ؟! قال : إِني رأيتك يعلو كلامك
على الخصمين
(١) الماسح : الذي ينظر مساحة الأرض.
(٢) سورة ص من الآية / ٢٦.
- ٤٥٧ -
فصل
( ويشترط في القاضي عشر خصال : كونه بالفاً ، عاقلا ) لأن غير
المكلف تحت ولاية غيره ، فلا يكون والياً على غيره .
(ذكراً ) لحديث (( ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) رواه البخاري .
ولأنها ضعيفة الرأي ، ناقصة العقل ، ليست أهلاً لحضور الرجال ،
ومحافل الخصوم .
( حراً ) لأن غيره منقوص برقه ، مشغول بحقوق سيده.
(مسلماً ) لأن الإسلام شرط للعدالة .
(عدلاً) فلا يجوز تولية الفاسق، لقوله تعالى ( يا أيُّها أُلَّذِينَ آمَنُوا
إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِذَبَأْ فَتَبَيَّنُوا .. )(١)
( سميعاً ) ليسمع كلام الخصمين .
( بصيراً ) ليعرف المدعي من المدعى عليه، والمقر من المقر له، والشاهد
من المشهود عليه .
( متكلماً) لينطق بالفصل بين الخصوم .
( مجتهداً ) ذكره ابن حزم إجماعاً، لقوله تعالى ( ... لِتَحْكَمَ بَيْنَ
(١) الحجرات من الآية / ٦ .
- ٤٥٨ -
.. "
النَّاسِ بَمَا أَرَاءَ اللهُ)(١) والمجتهد: العالم بطرق الأحكام، لحديث ((القضاة
ثلاثة ... )) الحديث ، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه .
( ولو ) کان اجتهاده
( في مذهب إمامه للضرورة ) بأن لم يوجد مجتهد مطلق ، فيراعي
ألفاظ إمامه ، ومتأخرها ، ويقلد كبار مذهبه في ذلك ، لأنهم أدرى به .
وقال الشيخ تقي الدين : هذه الشروط تعتبر حسب الإمكان ، ويجب
تولية الأمثل فالأمثل . وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره . فيولى لعدم
أنفع الفاسقين وأقلهما شراً، وأعدل المقلدين ، وأعرفهما بالتقليد . وقال
أيضاً : ويحرم الحكم والفتوى بالهوى إِجماعاً ، وبقول ، أو وجه من
غير نظر في الترجيح إجماعاً . ويجب أن يعمل بموجب اعتقاده فيما له
وعليه إجماعاً . ذكره في الفروع .
( فلو حكم اثنان فأكثر بينهما شخصاً صالحاً للقضاء : نفذ حكمه في
كل ما ينفذ فيه حكم من ولاه الإمام أو نائبه ) لحديث أبي شريح ، وفيه
أنه قال (( يارسول الله: إِن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت
بينهم ، فرضي كلا الفريقين. قال: ما أحسن هذا!)) رواه النسائي.
(( وتحاكم عمر وأبي إلى زيد بن ثابت ، وتحاكم عثمان وطلحة إلى
جبير بن مطعم، ولم يكن أحد منهما قاضياً)).
( ويرفع الخلاف ، فلا يحل لأحد نقضه حيث أصاب الحق ) لأن من
جاز حكمه لزم كفاضي الإمام .
(١) النساء من الآية / ١٠٤.
- ٤٥٩ -
فصْل في آداب القافِى
( ويسن : كون الحاكم قوياً بلا عنف ) لئلا يطمع فيه الظالم
( ليناً بلا ضعف ) لئلا يها به المحق ،
( حليماً ) لئلا يغضب من كلام الخصم فيمنعه الحكم
( متانياً ) لئلا تؤدي عجلته إِلى مالا ينبغي ،
( متغطناً ) متيقظاً لا يؤتى من غفلة ، ولا يخدع لغرة ، ذا ورع
ونزاهة وصدق ،
١٠
( عفيفاً ) لئلا يطمع في ميله باطماعه ،
( بصيراً بأحكام الحكام قبله ) ليسهل عليه الحكم، وتتضح له طريقه.
قال علي ، رضي الله عنه (( لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضياً حتى تكمل
فيه خمس خصال : عفيف ، حليم ، عالم بما كان قبله ، يستشير ذوي
الألباب ، لا يخاف في الله لومة لائم)) وقال عمر بن عبد العزيز: سبع
خلال إِن فات القاضي منها واحدة فهي وصمة : العقل ، والفقه، والورع،
والنزاهة ، والصرامة ، والعلم بالسنن ، والحلم .
( ويجب عليه العدل بين الخصمين في لحظه ، ولفظه ، ومجلسه ،
والدخول عليه ) لحديث أم سلمة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال
((من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه ، وإِشارته ،
ومقعده ، ولا يرفعن صوته على أحد الخصمين مالا يرفعه على الآخر»
- ٤٦٠ -