Indexed OCR Text

Pages 261-280

بإحسان. وعن ابن عمر قال ((إِذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق ،
ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق . يعني: المؤلي)) رواه البخاري . قال :
ويذكر ذلك عن : عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة ، واثني عشر رجلاً
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن سليمان بن يسار قال
(( أدركتُ بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، كلهم
يوقفون المؤلي )) رواه الشافعي والدارقطني .
( فإن امتنع من ذلك طلق عليه الحاكم ) لقيامه مقام الممتنع ، ولأنه
حق تدخله النيابة كفضاء دينه .
٠
- ٢٦١ -

كتاب الطّهار
قال ابن المنذر . أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن
صريح الظهار أن يقول : أنتِ علي كظهر أمي . وهو محرم، لقوله تعالى
( ... وَإِنْهُمْ لَيَقُولُونَ مَنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً ... ) الآيات(٣) ((نزلت في
خويلة بنت مالك بن ثعلبة ، حين ظاهر منها ابن عمها أوس بن الصامت
فجاءت تشكوه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتجادله فيه ،
ويقول : اتقي الله، فإنه ابن عمك، فما برحت حتى نزل القرآن)) رواه
أبو داود وصححه .
( وهو : أن يشبه امرأته ، أو عضواً منها بمن تحرم عليه من رجل أو
امرأة، أو بعضو منه . فمن قال لزوجته : أنت ، أو : يدك علي كظهر ، أو :
كيد أمي ) أو : كظهر أختي ، أو عمتي ، أو خالتي ، ونحوها ممن تحرم
عليه على التأبيد صار مظاهراً في قول أكثرهم ، لأنهن محرمات بالقرابة
فأشبهن الأم .
( أو : تظهر ، أو يد زيد ) أو أبي أو أخي .
( أو : أنت علي كفلانة الأجنبية، أو أنت علي حرام، أو قال : الحل علي
حرام ، أو ما أحل الله لي ) حرام .
(صار مظاهراً ) روي ذلك عن عثمان وابن عباس ، لأن هذه الألفاظ
(٣) المجادلة من الآية / ٢ .
- ٢٦٢ -

صريحة في الظهار لا تحتمل غيره . وعنه : كناية يحتاج إلى نية . وعنه :
يمين روي عن أبي بكر وعمر وابن مسعود . وفي المتفق عليه عن ابن
عباس، قال (( إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها)) وقال
(لَقَدْ كانَ لَسَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ... )(١) ذكره في الشرح
وقال في الكافي : الثالثة أنه يرجع فيه إِلى نيته : إِن نوى اليمين كان
يميناً ، لأن ذلك يروى عن أبي بكر وعمر وعائشة، رضي الله عنهم .
( وإن قال: أنت علي كامي، أو مثل أمي وأطلق ) فلم ينو ظهاراً
ولا غيره
( فظهار ) نص عليه ، لأنه المتبادر منه هذه الألفاظ .
( وإن نوى في الكرامة ونحوها ) كالمحبة ،
( فلا ) يكون مظاهراً بل يدين ، ويقبل حكماً لاحتماله ، وهو أعلم
بمراده .
( وأنت أمي ، أو مثل أمي ) ليس بظهار إِلا مع نية أو قرينة ، لأنه
في غير التحريم أظهر ، فاحتمال هذه الصور لغير الظهار أكثر من احتمال
الصور التي قبلها له ، وكثرة الاحتمالات توجب اشتراط النية .
( أو : علي الظهار ، أو : يلزمني ، ليس بظهار إلا مع نية أو قرينة )
دالة عليه : كأن يقولها حال خصومة أو غضب ، لأنه يصير كناية فيه ،
والقرينة تقوم مقام النية ، ولأن لفظه يحتمله ، وقد نواه به .
( وأنت علي كالميتة أو الدم ، أو الخنزير يقع ما نواه من طلاق ، أو
ظهار ، أو يمين ) لأن لفظه يحتمله .
(١) الأحزاب من الآية / ١ ٢.
- ٢٦٣ -

( فإن لم ينو شيئاً فظهار ) كفوله : أنت علي حرام . وعنه : يمين .
وقال في المغني : أكثر الفقهاء على أن التحريم إِذا لم ينو به الظهار ليس
بظهار ، وهو قول : مالك وأبي حنيفة والشافعي . ووجه ذلك الآية
المذكورة ، ولأن التحريم يتنوع : منه ما هو بظهار ، وبطلاق ، وبحيض،
وبإحرام ، وصيام، فلا يكون التحريم صريحاً في واحد منها، ولا ينصرف
إِليه بغير نية ، كما لا ينصرف إلى تحريم الطلاق . انتهى . وإِن قالت
لزوجها : نظير ما يصير به مظاهراً منها فليس بظهار ، لقوله تعالى
( ... أُلَّذِينَ يُظَاهِرِ ونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ .. ) (١) فخصهم بذلك. وعليها كفارته
قياساً على الزوج . وروى الأثرم بإسناده عن عائشة بنت طلحة أنها
قالت (( إِن تزوجت مصعب بن الزبير فهو علي كظهر أبي . فسألت أهل
المدينة ، فرأوا أن عليها الكفارة)) ((وروى سعيد أنها استفتت أصحاب
رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهم يومئذ كثير فأمروها أن تعتق
رقبة وتتزوجه ، فتزوجته وأعتقت عبداً)) وليس لها ابتداء القبلة
والاستمتاع قبل التكفير ، وعليها التمكين لزوجها من وطئها قبل التكفير
لأنه حق للزوج ، فلا تمنعه كسائر حقوقه .
(١) المجادلة من الآية / ٢ .
- ٢٦٤ -

فصل
( ويصح الظهار من كل من يصح طلاقه ) مسلماً كان أو كافراً حراً
كان أو عبداً ، كبيراً أو مميزاً يعقله ، لأنه تحريم كالطلاق فجرى مجراه.
( منجزاً ، أو معلقاً أو محلوفاً به ) كالطلاق .
( فإِن نجزه لأجنبية ) بأن قال لها : أنت علي كظهر أمي ،
( أو علقه بتزويجها ) بأن قال: إِن تزوجتك فأنت علي كظهرأمي، أو
قال : النساء علي كظهر أمي ،
( أو قال لها: أنت علي حرام ونوى أبداً: صح ظهاراً ) (( لقول عمر ،
رضي الله عنه ، في رجل قال : إِن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي ، ثم
تزوجها ، قال: عليه كفارة الظهار)) رواه أحمد . ولأنها يمين مكفرة
فصح عقدها قبل النكاح ، كاليمين بالله تعالى . والآية خرجت مخرج
الغالب .
( لا إِن أطلق ) فقال لأجنبية : أنت علي حرام ، ولم ينو أبداً ،
( أو نوى إذاً) أي : أنها حرام عليه إذاً ، لأنه صادق في حرمتها عليه
قبل عقد النكاح ويقبل منه دعوى ذلك حكماً ، لأنه الظاهر .
( ويصح الظهار ) مطلقاً غير مؤقت ويصح
( مؤقتاً ك : أنت علي كظهر أمي شهر رمضان، فإن وطىء فيه فمظاهر)
عليه كفارته ، .
- ٢٦٥ -

( وإلا فلا ) أي : فيزول حكم الظهار بمضيه ، لحديث سلمة بن
صخر ، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وفيه (( ظاهرت من
امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان ، وأخبر النبي ، صلى الله عليه وسلم ،
أنه أصاب فيه ، فأمره بالكفارة)) ولم ينكر تقييده بخلاف الطلاق ، فإنه
يزيل الملك ، وهذا يوقع تحريماً يرفعه التكفير ، أشبه الإِيلاء .
( وإذا صح الظهار حرم على المظاهر الوطء ودواعيه قبل التكفير )
لقوله تعالى ( ... فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلٍ أَنْ يَتَماسًا ... )(١) وقوله ( ... فَصِيامُ
شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَسًا ... ) (٢) وقوله، صلى الله عليه وسلم
(( .. فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به )) رواه أهل السنن ، وصححه
الترمذي . ولأن ما حرم الوطء من القول حرم دواعيه، كالطلاق
والإحرام .
( فإن وطىء ثبتت الكفارة في ذمته ) لقوله تعالى ( ... ثمَّ يَعُوُدُونَ
لِمَا قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ... )(١) الآية والعود: الوطء. نص عليه.
ولا يجب أكثر من كفارة ، لأنه صلى الله عليه وسلم ، لم يأمر سلمة بن
صخر بأكثر منها .
( ولو مجنوناً ) بأن ظاهر ، ثم جن فوطىء، لوجود العود .
( ثم لا يطا حتى يكفر ) للخبر السابق ، ولبقاء التحريم .
( وإن مات أحدهما قبل الوطء فلا كفارة ) لأنه لم يوجد الحنث ،
ويرثها كما بعد التكفير .
(١) المجادلة من الآية / ٣ .
(٢) المجادلة من الآية / ٤ .
- ٢٦٦ -

فصل
( والكفارة فيه على الترتيب : عتق رقبة مؤمنة ) كسائر الكفارات ،
لقوله تعالى (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ .. ) (١) نص على
المؤمنة في كفارة القتل ، وقسنا عليها سائر الكفارات ، لأنها في معناها
حملاً للمطلق على المقيد .
( سالمة من العيوب المضرة في العمل ) ضرراً بيناً ، لأن المقصود تمليك
العبد منفعته ، وتمكينه من التصرف لنفسه ، ولا يحصل هذا مع العيب
المذكور ، كعمى وشلل يد ، أو رجل أو قطع إِحداهما ، ونحوها ، لأنه
لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع .
( ولا يجزىء عتق الأخرس الأصم ) لأنه ناقص بفقد حاستين تنقص
قيمته بنقصها نقصاً كثيراً ، وكذا أخرس لا تفهم إِشارته .
( ولا الجنين ) لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا بعد .
( فإن لم يجد ) رقبة ، ولا مالا يشتريها به فاضلاً عن حاجته ،
لنفقته وكسوته ومسكنه ، ومالا بد له منه من مؤنة عياله ونحوه :
( صام شهرين متتابعين ) للآية ، والحديث .
( ويلزمه تبييت النية من الليل) وتعيينها لجهة الكفارة ، لحديث
(( وإنما لكل امرئ ما نوى)).
(١) البقرة من الآية / ٩٢.
-- ٢٦٧ -

( فإن لم يستطع الصوم ، الكبر، أو مرض لا يرجى برؤه ، أطعم ستين
مسكيناً ) للآية (( ولأمره، صلى الله عليه وسلم، سلمة بن صخر بالإطعام
حين أخبره بشدة شبقه وشهوته بقوله : وهل أصبت ما أصبت إِلا من
الصيام!)) ((وأمر صلى الله عليه وسلم ، أوس بن الصامت بالإطعام
حين قالت امرأته: إِنه شيخ كبير ما به من صيام )) وقيس عليهما ما في
معناهما .
(لكل مسكين مدة بر) لأنه قول : زيد وابن عباس وابن عمر وأبي
هريرة، رضي الله عنهم . قاله في الكافي .
(ونصف صاع من غيره) لما روى أحمد عن أبي يزيد المدني قال
(( جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير ، فقال رسول الله ،
صلى الله عليه وسلم ، للمظاهر : أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مدبر))
قال في الكافي : وهذا نص ، ولأنها كفارة تشتمل على صيام وإِطعام ،
فكان منها لكل فقير من التمر نصف صاع ، كفدية الأذى . انتهى .
( ولا يجزىء الخبز ) لخروجه عن الكيل والادخار ، أشبه الهريسة.
وعنه : يجزئه ، للآية ، لأن مخرج الخبز قد أطعمهم ، فعليها يعتبر أن
يكون من مدبر فصاعداً .
( ولا غير ما يجزىء في الفطرة ) لأن الكفارة وجبت طهرة للمكفر
عنه ، كما أن الفطرة طهرة للصائم فاستويا في الحكم . فإن عدمت
الأصناف الخمسة أجزأ ما يقتات من حب وثمر ، قياساً على الفطرة ،
ولقوله تعالى ( ... مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمونَ أَهْلِيكُمْ) (١)
(١) المائدة من الآية / ٨٨.
- ٢٦٨ -

٠٠٠
( ولا يجزىء العتق والصوم والإطعام إلا بالنية) لحديث ((إنما الأعمال
بالنيات )) ولأنه يختلف وجهه ، فيقع تبرعاً ونذراً وكفارة ، فلا يصرفه
إِلى الكفارة إِلا النية ، ومحلها في العتق والإطعام معه ، أو قبله بيسير .
كتاب اللّعان
( إذا رمی الزوج زوجته بالزنی فعلیه حد القذف ) إِن کانت محصنة،
(أو التعزير) إِن كانت غير محصنة . ويأتي تعريف الإحصان في
القذف .
( إِلا أن يقيم البينة ) عليها به ، أو تصديقه ، فلا حد ، كما لو كان
المقذوف غيرها .
( أو يلاعن) والأصل فيه قوله تعالى (وَأُلَّذِينَ يَرْمُونَ اْمُحْصَناتِ
ثُمَّ كَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَاءَ فَأَجْلُدُوُهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً)(١) الآية. ثم قال
( وَ أَّذِينَ يَرْمُوُنَ أَزْوَاجَهُمْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ فَشَهَادَةُ
أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ كِنَ الصَّادِقِينَ)(٢) الآيات . فدلت الآية
الأولى على وجوب الحد ، إلا أن يسقط بأربعة شهداء . والثانية : على
أن لعانه يقوم مقام الشهداء في إسقاط الحد . وعن ابن عباس ((أن
هلال بن أمية قذف امرأته ، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : البينة ،
وإلا حد في ظهرك . فقال هلال : والذي بعثك بالحق إِني لصادق ،
(١) النور من الآية / ٤.
(٢) النور من الآية / ٦ .
- ٢٦٩ -

ولينزلن الله في أمري ما يبرىء ظهري من الحد . فنزلت ( وَأْلذينَ يَرْمُونَ
أَزْوَاجَهُمْ ... ) (١) رواه البخاري.
( وصفة اللعان أن يقول الزوج أربع مرات: أشهد بالله إني لمن الصادقين
فيما رميتها به من الزنى ، ويشير إليها ) إِن كانت حاضرة ، ومع غيبتها
يسميها ، أو ينسبها بما تميز به .
( ثم يزيد في الخامسة : وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين . ثم
تقول الزوجة أربعاً : أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى ،
ثم تزيد في الخامسة : وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين )
للآيات والأحاديث .
(ويسن تلاعنهما قياماً) لما في حديث ابن عباس ((أن هلالاً جاء
فشهد ، ثم قامت فشهدت)) .
( بحضرة جماعة ) لأن ابن عباس ، وابن عمر وسهلاً حضروه ، مع
حداثة سنهم، فدل على أنه حضره جمع كثير، لأن الصبيان إِنما يحضرون
المجالس تبعاً للرجال . ولذلك قال سهل ((فتلاعنا ، وأنا مع الناس عند
النبي، صلى الله عليه وسلم)) رواه الجماعة ، إِلا الترمذي .
( وأن لا ينقصوا عن أربعة) رجال ، لأن الزوجة ربما أقرت فشهدوا
عليها .
(وأن يأمر الحاكم من يضع يده على فم الزوج والزوجة عند الخامسة
ويقول : أنق الله . فإنها الموجبة ، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة )
لأن عذاب الدنيا ينقطع ، وعذاب الآخرة دائم . وكون الخامسة هي
(١) النور من الآية / ٦ .
- ٢٧٠ -

الموجبة ، أي : لللعنة ، أو الغضب على من كذب منهما لالتزامه ذلك .
والسر في ذلك التخويف ، ليتوب الكاذب منهما ويرتدع . وعن ابن
عباس (( أن هلال بن أمية قذف امرأته ، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : أرسلوا إِليها ، فجاءت ، فتلا عليهما آية اللعان ، وذكرهما
وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا ، فقال هلال : والله
لقد صدقت عليها ، فقالت : كذب . فقال النبي صلى الله عليه وسلم
لاعنوا بينهما فقيل لهلال : اشهد ، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن
الصادقين . فلما كانت الخامسة ، قيل يا هلال : اتق الله فإِن عذاب الدنيا
أهون من عذاب الآخرة ، وإِن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب .
فقال: والله لا يعذبني الله عليها ، كما لم يجلدني عليها . فشهد الخامسة
أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين . ثم قيل لها : اشهدي ، فشهدت
أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين . فلما كانت الخامسة قيل لها : اتقي
الله ، فإِن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، وإِن هذه الموجبة
التي توجب عليك العذاب ، فتلكأت ساعة ، ثم قالت : والله لا أفضح
قومي ، فشهدت الخامسة : أن غضب الله عليها إِن كان من الصادقين .
ففرق رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم بينهما ، وقضى : أن لا نفقة
لها ولا سكنى، من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ، ولا متوفى عنها ))
رواه أحمد وأبو داود . وروى الجوزجاني عن ابن عباس في خبر
المتلاعنين (( ثم أمر به ، فأمسك على فيه ووعظه إِلى أن قال : ثم أمربها
فأمسك على فمها ، ووعظها ... الحديث)) وشرط حضور الحاكم أو
نائبه ، وأن يأتي به بعد إِلقائه عليه ، وكمال لفظاته : الخمس ، والترتيب
-- ٢٧١ - .

على ما ورد به الشرع ، والإِتيان بصورة الألفاظ الواردة ، والإشارة من
كل واحد إلى صاحبه إِن كان حاضراً ، أو تسميته إِن كان غائباً . فإِن
فقد شيء من ذلك لم يصح اللعان لمخالفته للنص .
فصل
( وشروط اللعان ثلاثة : )
(١ - كونه بين زوجين مكلفين) لقوله تعالى (وَأُلّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُم .. )(١)
فلا لعان بقذف أمة ، ولا حد . وأما اعتبار التكليف ، فلأن
قذف غير المكلف لا يوجب حداً ، واللعان إِنما وجب لإسقاط الحد .
(٢ - أن يتقدمه قذفها بالزنى ) ولو في دبر ، لأنه قذف يجب به
الحد . ولا فرق بين الأعمى والبصير نص عليه، لعموم الآية.
(٣ - أن تكذبه ) الزوجة في قذفها
( ويستمر تكذيبها إلى انقضاء اللعان ) لأن اللعان إِنما ينتظم بتكذيبها،
فإِن صدقته ، أو عفت عن الطلب بحد القذف ، أو سكتت فلم تقر ولم
تنكر لحقه النسب ، ولا لعان ، لأن الحق لها ، فلا يستوفى من غير
طلبها وإِن كان بينهما نسب يريد نفيه ، فله أن يلاعن ، لأنه محتاج إليه ،
وهو حق له ، فلا يسقط برضاها .
( ويثبت بتمام تلاعنهما أربعة أحكام : )
(١ - سقوط الحد أو التعزير) الذي أوجبه القذف عنها وعنه .
ولو قذفها برجل سماه سقط حكم قذفه بلعانه ، لأن هلال بن أمية قذف
(١) النور من الآية / ٦ .
- ٢٧٢ -

زوجته بشريك بن سخما ، ولم يذكره في لعانه ، ولم يحده النبي صلى
الله عليه وسلم ، لشريك ولا عزره له ، ولأن اللعان بينة في أحد الطرفين
فكان بينة في الآخرة كالشهادة .
(٢ - الفرقة ولو بلا فعل حاكم) لأنه معنى يقتضي التحريم المؤبد
فلم يقف على تفريق الحاكم ، كالرضاع وتفريقٌ النبي صلى الله عليه
وسلم ، بينهما بمعنى : أنه أعلمهما بحصول الفرقة باللعان . وعنه :
لا تحصل الفرقة حتى يفرق الحاكم بينهما ، لقول ابن عباس في حديثه
(( ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بينهما )) وفي حديث عويمز
(( أنه قذف امرأته ، فتلاعنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال عويمر:
كذبت عليها يا رسول الله إِن أمسكتها . فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره النبي
صلى الله عليه وسلم )) متفق عليه . فدل على أن الفرقة لم تحصل بمجرد
اللعان . قدمه في الكافي .
(٣ - التحريم المؤبد) لقول سهل بن سعد (( مضت السنة في
المتلاعنين أن يفرق بينهما ، ثم لا يجتمعا أبداً)) رواه الجوزجاني . وقال
عمر ، رضي الله عنه ((المتلاعنان يفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً)) رواه
سعيد ، وعن علي وابن مسعود نحوه .
(٤ - انتفاء الولد، ويعتبر لنفيه ذكره صريحاً ، ك : أشهد بالله لقد
زنت، وما هذا ولدي ) وظاهر كلام أبي بكر صحة نفي الحمل في لعانه
لظاهر حديث هلال بن أمية ، فإِنه لا عنها قبل الوضع ، بدليل أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال ((انظروها فإن جاءت به كذا وكذا ... ))
الحديث . ونفي عنه الولد قال ابن عبد البر : الآثار على هذا كثيرة ،
وأوردها ، ولم ينقل ملاعنة بعد وضعه وشرط لنفيه أن لا يتقدمه إقرار
ت (١٨)
- ٢٧٣ -

به أو بتَوْءَ مه، أو تهنئة به ، فيسكت ، أو يؤمّن على الدعاء أو يؤخر
النفي بلا عذر لأنه خيار لدفع ضرر ، فكان على الفور كخيار الشفعة .
فصْر فيما يلحق من النسب
(إذا انت زوجة الرجل بولد بعد نصف سنة ) وهي أقل الحمل لما
روي (( أن عثمان أتى بامرأة ولدت لدون ستة أشهر ، فشاور القوم في
رجمها، فقال ابن عباس أنزل الله تعالى ( ... وَخْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثونَ
شَهْراً ... )(١) وَأَنزل (وَفِصالُهُ في عامَيْنِ)(٣) فالفصال في عامين ، والحمل
ستة أشهر. وذكر أن عبدالملك بن مروان ولدلستة أشهر. وأكثرها أربعسنين،
لماروى الوليد بن مسلم ((قلت لمالك بن أنس حديث عائشة لا تزيد المرأة على
السنتين في الحمل ، قال مالك سبحان الله، من يقول هذا ?! هذه جارتنا
امرأة محمد بن عجلان ، تحمل أربع سنين )) وقال أحمد : نساء بني
عجلان ، يحملن أربع سنين .
( منذ أمكن اجتماعه بها ، ولو مع غيبته فوق أربع سنين ) قال في
الفروع والمبدع : ولعل المراد : ويخفى سيره .
( حتى ولو كان ابن عشر ) سنين
(لحقه نسبه) لحديث ((الولد للفراش، وللعاهر الحجر)) متفق
عليه . وحديث ((واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع))
رواه أبو داود . وأمره بالتفريق بينهم في المضاجع دليل على إِمكان
(١) الأحقاف من الآية / ١٥ .
(٢) لقمان من الآية / ١٤ .
- ٢٧٤ -

الوطء وهو سبب الولادة . وقد روي أن عمرو بن العاص وابنه لم يكن
بينهما إلا اثنا عشر عاماً .
( ومع هذا لا يحكم ببلوغه ) إِن شك فيه ، لأن الأصل عدمه وإِنم
الحقنا به الولد احتياطاً للنسب .
( ولا يلزمه كل المهر) إِن لم يثبت الدخول أو الخلوة ، لأن الأصل
براءته منه .
( ولا يثبت به عدة ولا رجعة ) لعدم ثبوت موجبهما .
( وإن أتت به لدون نصف سنة منذ تزوجها) وعاش، أو لأكثر من
أربع سنين منذ أبانها
( أو علم أنه لم يجتمع بها ، كما لو تزوجها بحضرة جماعة ، ثم أبانها
في المجلس ، أو مات : لم يلحقه نسبه ) للعلم بأنه ليس منه لعدم إِمكانه .
فصل
( ومن ثبت) أنه وطىء أمته في الفرج أو دونه .
( أو أقر أنه وطأ أمته في الفرج أو دونه ، ثم ولدت لنصف سنة )
فأكثر
( لحقه ) نسب ما ولدته ، لأنها صارت فراشاً له بوطئه ((ولأن
سعداً نازع عبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة ، فقال عبد بن زمعة : هو
أخي ، وابن وليدة أبي ، ولد على فراشه ، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم : هو لك يا عبد بن زمعة . الولد للفراش وللعاهر الحجر)) متفق
عليه . فإِن ادعى أنه كان يعزل عنها ، لم ينتف عنه الولد بذلك ، لاحتمال
- ٢٧٥ -

أن يكون أنزل ولم يحس به ، ولأنه يكون من الريح . وقال عمر رضي
الله عنه (( ما بال رجال يطؤون ولائدهم ثم يعزلون ، لا تأتيني وليدة
يعترف سيدها أنه أَلمّ بها إِلا ألحقت به ولدها ، فاعزلوا بعد ذلك أو
أنزلوا)) رواه الشافعي في مسنده .
( ومن أعتق أو باع من أقر بوطئها ، فولدت لدون نصف سنة ، لحقه )
نسب ما ولدته للعلم بأنها كانت حاملاً به قبل العتق أو البيع ، حين
كانت فراشاً له .
( والبيع باطل ) لأنها أم ولد ، والعتق صحيح .
( ولنصف سنة فأكثر لحق المشتري ) إِن كانت مستبرأة ، لأنهولد
أمة المشتري ولا تقبل دعوى غيره له بدون إِقراره .
:
(ويتبع الولد أباه في النسب) إجماعاً لقوله تعالى ( ... أُدْعُوُمْ
لِآَ بائِهِمْ ... )(١) ما لم ينفه بلعان.
( وأمه في الحرية ) فولد حرة حر وإِن كان من رقيق ، لأنه جزء من
أمه .
( وكذا ) يتبعها.
( في الرق ) فولد أمة قن لمالك أمه ، ولو كان من حر .
( إلا مع شرط ) زوج أمة حرية أولادها فهم أحرار ، لحديث
(( المسلمون عند شروطهم )) .
( أو غرور ) بأن شرطها أو لنها حرة ، فبانت أمة ، فولدها حر ،
وإِن كان أبوه رقيقاً ويفديه .
(ويتبع في الدين خيرهما) فولد المسلم من كتابية : مسلم . وولد
(١) الأحزاب من الآية / ٥ .
.
- ٢٧٦ -

كتابيّ من مجوسية: كتابي . لكن لا تحل ذبيحته ، ولا يحل لمسلم نكاحه
لو كان أنثى .
( وفي النجاسة، وتحريم النكاح ، والذكاة ، والأكل أخبثهما ).
فالبغل من الحمار الأهلي محرم نجس تبعاً للحمار ، وما تولد بين هر ، .
وشاة محرم الأكل تغليباً لجانب الحظر .
- ٢٧٧ -

كِتاب العدة
وأجمعوا على وجوبها للكتاب والسنة في الجملة .
( وهي : تربص من فارقت زوجها بوفاة أو حياة ) بطلاق ، أو خلج ،
أو فسخ .
( والمفارقة بالوفاة تعتد مطلقاً ) كبيراً كان الزوج أو صغيراً ، يمكنه
الوطء أولا كبيرة كانت الزوجة أو صغيرة ، لعموم قوله تعالى (وَأُلَّذِينَ
يُتَوَقَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّْنَ بِأَنْفُسِمِنْ أَرْبَعَةَأَشْهُرٍ وَعَشْراً.)(١)
( فإن كانت حاملاً من الميت ، فعدتها : حتى تضع كل الحمل )
لقوله :. الى (. وَ أُوَلاَتُ اَلْأَ حْمَالٍ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حْلَهُنَّ.)(٢) ((وأجمعوا
على ذلك إِلا ابن عباس ، فإِنه قال: تعتد بأقصى الأجلين)). ذكره في
الشرح . وإِنما تنقضي العدة بوضع ما تصير به أمة" أمّ ولد، وهو ما تبين
فيه خلق إِنسان . قال ابن المنذر : أجمعوا على أن عدة المرأة تنقضي
بالسقط إذا علم أنه ولد . ذكره في الشرح .
(وإن لم تكن حاملاً ، فإن كانت حرة فعدتها: أربعة أشهر، وعشر
ليال بايامها ) لأن النهار تبع الليل ، الآية ، ولقوله صلى الله عليه وسلم
(( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ،
(١) البقرة من الآية / ٢٣٤.
(٢) الطلاق من الآية / ٤.
- ٢٧٨ -

إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً)) متفق عليه . ولا يعتبر الحيض في
عدة الوفاة في قول عامة أهل العلم .
( وعدة الأمة نصفها ) شهران وخمس ليال، في قول عامة أهل العلم،
الإجماع الصحابة على تنصيف عدة الأمة في الطلاق ، فكذا عدة الوفاة .
وإِذا مات زوج الرجعية استأنفت عدة الوفاة . حكاه ابن المنذر إِجماعاً
لأنها زوجته، ويلحقها طلاقه وإِيلاؤه ، ولا تنتقل البائن لأنها أجنبية منه.
( والمفارقة في الحياة ) بطلاق أو غيره قبل المسيس
(لا تعتد) بالإِجماع لقوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمَ
اْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَقْتُ هُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَتُّوهُنَّ فَمَالَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ
عِدَّةٍ تَمْتَدُّونَها ... )(١) الآية
( إِلا إِن خلا بها ) ولو لم يمسها فتجب العدة بالخلوة ، لما روى أحمد
بإسناده عن زرارة بن أوفى قال (( قضى الخلفاء الراشدون أن من أغلق
باباً ، أو أرخى حجاباً ، فقد وجب المهر، ووجبت العدة)).
( أو وطئها وكان ممن يطأ مثله ، ويوطأ مثلها، وهو : ابن عشر ،
وبنت تسع) فعليها العدة بالإِجماع، لقوله تعالى (وَأْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَ بَّصْنَ
بِأَنْفُسِهِنَّثَلاثَةَ فُرُوٍ )(٣) ولأنه مظنة لاشتغال الرحم بالحمل، فتجب العدة
لاستبرائه . فإن وطىء ابن دون عشر ، أو وطئت بنت دون تسع ، فلا
عدة لذلك الوطء ، لتيقن براءة الرحم من الحمل .
( وعدتها إِن كانت حاملا بوضع الحمل ) كله ، الآية السابقة . وعن
(١) الأحزاب من الآية / ٤٩.
(٢) البقرة من الآية / ٢٢٨.
- ٢٧٩ -

أبي بن كعب (( قلت: يا رسول الله وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن
حملهن : للمطلقة ثلاثاً ، أو للمتوفى عنها ؟ فقال : هي للمطلقة ثلاثاً ،
وللمتوفى عنها)) رواه أحمد، والدارقطني. وعن الزبير بن العوام («أنها
كانت عنده أم كلثوم بنت عقبة ، فقالت لي وهي حامل : طيّب نفسي
بتطليقة . فطلقها تطليقة . ثم خرج إلى الصلاة ، فرجع وقد وضعت .
فقال : مالها خدعتني ، خدعها الله ?? ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ،
فقال : سبق الكتاب أجله ، اخطبها إِلى نفسها )) رواه ابن ماجه .
( وإن لم تكن حاملاً ، فإن كانت تحيض فعدتها : ثلاث حيض إن كانت
حرة) أو مبعضة بغير خلاف بين أهل العلم ، لقوله تعالى ( واْمُطَلَّقَاتُ
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفْسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ... )(١) الآية. والقرء الحيض . روي
عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس ، رضي الله عنهم . وبه قال
الحسن ومجاهد، وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي ، لأنه
المعهود في لسان الشرع ، كحديث (( تدع الصلاة أيام أقرائها)) رواه
أبو داود . وحديث ((إِذا أتى قرؤكِ فلا تصلي، وإِذا مرّ قرؤكٍ فتطهري
ثم صلي ما بين القرء إِلى القرء)) رواه النسائي . ولم يعهد في لسانه
استعمال القرء بمعنى : الطهر ، وإِن كان في اللغة مشتركاً بين الحيض
والطهر. وقالت عائشة، رضي الله عنها (( أمرت بريرة أن تعتد بثلاث
حيض )) رواه ابن ماجه .
( وحيضتان إن كانت امة) لحديث ابن عمر مرفوعاً (( طلاق الأمة:
طلقتان ، وقرؤها : حيضتان)) رواه أبو داود . ولأنه قول: عمر وابنه ،
(١) البقرة من الآية / ٢٢٨.
- ٢٨٠ -