Indexed OCR Text

Pages 101-120

بابٌ مِيراث المعثق بعضه
وما يتعلق به
( الرقيق من حيث هو) أي : بجميع أنواعه : كالمدبر ، والمكاتب ،
وأم الولد ، والمعلق عتقه على صفة قد تقدم في الموانع أنه :
( لا يرث ) لأنه لو ورث لكان لسيده ، وهو أجنبي .
( ولا يورث) بالإجماع ، لأنه لا مال له فإنه لا يملك ، ومن قال :
يملك بالتمليك، فملك ضعيف غير مستقر يرجع إلى سيده ببيعه، لحديث
( من باع عبداً وله مال فماله للبائع ، إِلا أن يشترطه المبتاع)» فكذلك
بموته .
( لكن المبعض يرت ويورث ، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية )
وهو قول : علي وابن مسعود ، لحديث ابن عباس مرفوعاً (( قال في
العبد يعتق بعضه: يرث ويورث على قدر ما عتق منه )) رواه عبد الله
بن أحمد بإسناده . ولأنه يجب أن يثبت لكل بعض حكمه ، كما لو كان
الآخر مثله . وقال زيد بن ثابت (( لا يرث ولا يورث)) وقال ابن عباس
((هو كالحر في جميع أحكامه: في توريثه، والإرث منه، وغيرهما)).
( وإن حصل بینه وبین سیده مهایاة )فکان یخدم سیده بنسبةملكه،
ويكتسب بنسبة حريته ، أو قاسمه في حياته
( فكل تركته لوارثه ) لأنه لم يبق لسيده معه حق .
( وإلا فبينه) - أي: وارث المبعض -
( وبين سيده بالحصص ) لما تقدم .
- ١٠١ -

باب الولاء
( من أعتق رقيقاً أو بعضه، فسرى إلى الباقي ، أو عتق عليه برحم ،
أو فعل أو عوض أو كتابة أو تدبير أو إبلاد أو وصية ، أو أعتقه في زكاته
أو نذره أو كفارته ، فله عليه الولاء ) بالإجماع ، لقوله ، صلى الله عليه
وسلم، (( الولاء لمن أعتق)) متفق عليه .
( وعلى أولاده) وإِن سفلوا ، لأنه ولي نعمتهم ، وبسببه عتقوا ،
ولأنهم فرعه ، والفرع يتبع أصله ، فأشبه ما لو باشر عتقهم .
( بشرط كونهم من زوجة عتيقة ) المعتقه أو غيره .
( أو امة ) للعتيق ، فإن كانوا من أمة الغير فتبع لأمهم حيث لا شرط
ولا غرور ، وإن كانوا من حرة الأصل فلا ولاء عليهم ، لأنهم يتبعونها
في الحرية ، فتبعوها في عدم الولاء .
( وعلى من له ) أي : العتيق
( أو لهم )- أي : أولاده
( عليه الولاء ) لأنه ولي نعمتهم ، وبسببه عتقوا .
( وإن قال : أعتق عبدك عني مجاناً ) أي : بلا عوض ،
( أو عني ) فقط
( أو عنك ، وعلي ثمنه ) فلا يجب عليه أن يجيبه ، لأنه لا ولاية له
عليه .
- ١٠٢ -
--

( إِن اعتقه ) ولو بعد أن افترقا
(صح ) العتق
( وكان ولاؤه للمعتق عنه ) كما لو قال له : أطعم أو أكس عني .
( ويلزم القائل ثمنه فيما إذا التزم به ) بأن قال: وعلي ثمنه. ولو قال:
أعتقه والثمن علي ، ففعل فالولاء للمعتق ، لأنه لم يعتقه عن غيره ،
فأشبه مالو لم يجعل له جعلاً . قاله في الكافي ، لحديث (( الولاء لمن
أعتق )) .
( وإن قال الكافر : اعتق عبدك المسلم عني ) وعلي ثمنه
( فاعتقه صح ) عتقه ، لأنه إِنما يملكه زمناً يسيراً ، فاغتفر يسير هذا
الضرر ، لتحصيل الحرية للأبد .
( وولاؤه للكافر ) لأن المعتق كالنائب عنه (( ويرث الكافر بالولاء ))
روي عن علي ، رضي الله عنه. واحتج أحمد بقول علي («الولاء شعبة
من الرق)) ولعموم حديث (( الولاء لمن أعتق)).
فصل
( ولا يرث صاحب الولاء إلا عند عدم عصبات النسب ) لأنه فرع على
النسب ، فلا يرث مع وجوده . لا نعلم في ذلك خلافاً ، لما روى سعيد
عن الحسن مرفوعاً ((الميراث للعصبة ، فإن لم يكن عصبة فللمولى))
وعنه (( أن رجلاً أعتق عبداً، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم: ما ترى
في ماله؟ فقال: إِن مات ولم يدع وارثاً فهو لك )) وعن ابن عمر مرفوعاً
- ١٠٣ -

(( الولاء لحمة كلحمة النسب)) رواه الشافعي وابن حبان، ورواه الخلال
من حديث عبد الله بن أبي أوفى . والمشبه دون المشبه به ، وأيضاً
فالنسب أقوى من الولاء ، لأنه يتعلق به المحرمية ، وترك الشهادة ،
وسقوط القصاص ، ولا يتعلق ذلك بالولاء .
(وبعد أن يأخذ أصحاب الفروض فروضهم) لحديث ((ألحقوا الفرائض
بأهلها ، فما بقي فلأولى رجل ذكر )) وعن عبد الله بن شداد ، قال
(( أعتقت ابنة حمزة مولى لها ، فمات وترك ابنة ، وابنة حمزة ، فأعطى
النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ابنته: النصف ، وابنة حمزة: النصف))
رواه النسائي وابن ماجه .
( فعند ذلك يرث المعتق ولو أنثى ) بلا خلاف ، لعموم ما تقدم . وقد
نص النبي ، صلى الله عليه وسلم ، على ذلك في حديث بريرة .
( ثم عصبته الأقرب فالأقرب ) لما روى سعيد بإسناده عن الزهري :
أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال ((المولى أخ في الدين، وولي نعمة
يرثه أولى الناس بالمعتق)) وروى أحمد عن زياد بن أبي مريم ((أن امرأة
أعتقت عبداً لها ، ثم توفيت وتركت ابناً لها وأخاها ، ثم توفي مولاها ،
فأتى أخو المرأة وابنها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في ميراثه ،
فقال ، صلى الله عليه وسلم : ميراثه لابن المرأة . فقال أخو المرأة :
يارسول الله ، لو جر جريرة كانت علي ، ويكون ميراثه لهذا ?! قال :
نعم)) وعن إبراهيم قال ((اختصم علي والزبير في مولى صفية، فقال
علي : مولى عمتي وأنا أعقل عنه ، وقال الزبير : مولى أمي وأنا أرثه
- ١٠٤ -

فقضى عمر على علي بالعقل، وقضى للزبير بالميراث)) رواه سعيد،
واحتج به أحمد .
( وحكم الجد مع الإخوة في الولاء كحكمه في النسب ) نص عليه .
( والولاء لا يباع ولا يوهب ولا يوقف ولا يوصى به ولا يورث )
وهو قول جمهور الصحابة ، ولم يظهر عنهم خلافه ، لحديث ابن عمر
قال (( نهى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن بيع الولاء وهبته))
متفق عليه . وحديث (( الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب))
رواه الخلال. ((ولا يصح أن يأذن لعتيقه فيوالي من شاء)) روي عن
عمر وابنه وعلي وابن عباس وابن مسعود ، لأنه كالنسب . وشذ شريح،
فقال: يورث كما يورث المال . ولنا ما تقدم ، وإجماع الصحابة .
( وإنما يرت به أقرب عصبات المعتق يوم موت العتيق ) قال ابن سيرين:
إذا مات العتيق نظر إلى أقرب الناس : إِلى الذي أعتقه ، فيجعل ميراثه
له . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً ((ميراث الولاء للكبر
من الذكور ، ولا يرث النساء من الولاء ، إلا ولاء من أعتق )) فلو مات
المعتق وخلف ابنين ، ثم ماتا ، وخلف أحدهما ابناً وخلف الآخر تسعة
بنين ، ثم مات العتيق ، كان الولاء ببنهم على عددهم : لكل واحد عشرة،
كالنسب . قال الإِمام أحمد : روي هذا عن : عمر وعثمان وعلي وزيد
بن حارثة وابن مسعود ، وبه قال أكثر أهل العلم .
ولو اشترى أخ وأخته أباهما فعتق عليهما ، ثم ملك قناً فأعتقه ،
ثم مات الأب ، ثم العتيق ، ورثه الابن بالنسب دون أخته بالولاء ، لأن
عصبة المعتق من النسب تقدم على مولى المعتق ، وتسمى : مسألة
- ١٠٥ -

القضاة . يروى عن مالك أنه قال : سألت سبعين قاضياً من قضاة العراق
فأخطأوا فيها . ذكره في الإنصاف .
( لكن يتأتى انتقاله من جهة إلى أخرى ) في مسائل جر الولاء .
( فلو تزوج عبد بمعتقه فولاء من تلده لمن أعتقها ) لأنه سبب الإنعام
عليهم لأنهم صاروا أحراراً بسبب عتق أمهم .
( فإن عتق الأب انجر الولاء لمواليه )لأنه بعتقه صلح للانتساب إليه ،
وعاد وارثاً وولياً ، فعادت النسبة إِليه وإِلى مواليه . وروى عبد الرحمن
عن الزبير (( أنه لما قدم خيبر رأى فتية لعساً ، فأعجبه ظرفهم وحالهم ،
فسأل عنهم ، فقيل له : إِنهم موال لرافع بن خديج ، وأبوهم مملوك
لآل الحرقة ، فاشترى الزبير أباهم فأعتقه ، وقال لأولاده انتسبوا إِلي ،
فإن ولاءكم لي ، فقال رافع بن خديج : الولاء لي ، لأنهم عتقوا بعتقي
أمهم ، فاحتكموا إِلى عثمان : فقضى بالولاء للزبير ، فاجتمعت الصحابة
عليه )) واللعس: سواد في الشفتين تستحسنه العرب . وإِن عتق الجد لم
ينجر الولاء نص عليه ، لأن الأصل بقاء الولاء لمن ثبت له، وإِنما خولف
هذا الأصل في الأب ، لإجماع الصحابة عليه ، فيبقى فيمن عداه على
الأصل . قاله في الكافي .
- ١٠٦ -

كتاب العِق
( وهو من أعظم القرب ) المندوب إِليها إذا اقترنت به النية المعتبرة ،
لأن الله تعالى جعله كفارة للقتل وغيره . وقال ، صلى الله عليه وسلم،
(( من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله تعالى بكل إِرب منها إرباً منه من النار،
حتى إنه ليعتق اليد باليد ، والرجل بالرجل ، والفرج بالفرج)) متفق
عليه . ولما فيه من تخليص الآدمي المعصوم من ضرر الرق ، وملك
نفسه ، ومنافعه ، وتكميل أحكامه ، وتمكينه من التصرف في نفسه ،
ومنافعه على حسب اختياره . وأفضل الرقاب أنفسها عند أهلها، وأغلاها
ثمناً ، نص عليه في رواية الجماعة .
( فيسن عتق رقيق له كسب ) لا تتفاعه به .
( ويكره إن كان لا قوة له ، ولا كسب ) لأنه يتضرر بسقوط نفقته
الواجبة بإعتاقه ، فربما صار كلاً على الناس ، واحتاج إلى المسألة .
( أو يخاف منه الزنى أو الفساد ) فيكره عتقه . وكذا إِن خيف
ردته ، ولحوقه بدار الحرب .
( ويحرم إن علم ذلك منه) لأنه وسيلة الحرام ، وإِن أعتقه مع ذلك
صح العتق ، لصدوره من أهله في محله .
( وهكذا الكتابة ) في الحكم المذكور .
- ١٠٧ -

( ويحصل العتق بالقول، وصريحه لفظ: العتق، والحرية، كيف صرفا)
لأن الشرع ورد بهما ، فوجب اعتبارهما . فمن قال لقنه : أنت حر ،
أو محرر، أو حررتك، أو أنت عتيق ، أو معتق: بفتح التاء، أو أعتقتك،
عتق وإِن لم ينوه . قال أحمد في رجل لقي امرأة في الطريق ، فقال :
تنحي ياحرة ، فإذا هي جاريته ، قال : قد عتقت عليه . وقال في رجل
قال لخدم قيام في وليمة : مروا أنتم أحرار ، وكان فيهم أم ولده لم
يعلم بها ، قال : هذا به عندي تعتق أم ولده .
( غیر امر ، ومضارع ، واسم فاعل ) فمن قال لرقيقه : حرره ، أو
أعتقه ، أو : أحرره ، أو : أو أعتقه ، أو : هذا محرر : بكسر الراء، أو :
معتق : بکسر التاء ، لم یعتق بذلك ، لأنه طلب ، أو وعد ، أو خبر عن
غيره ، وليس واحد منها صالحاً للإنشاء ولا إخباراً عن نفسه فيؤاخذ به.
ويقع العتق من الهازل ، كالطلاق ، لا من نائم ومجنون ومغمى عليه
ومبرسم ، لعدم عقلهم ما يقولون ، وكذا حاك وفقيه يكرره . ولا يقع
إِن نوى بالحرية عفته وكرم خلقه ونحوه ، لأنه نوى بكلامه ما يحتمله.
قالت سبيعة ترثي عبد المطلب :
ويوم على حر كريم الشمائل
ولا تسأما أن تبكيا كل ليلة
( وكنايته مع النية ستة عشر : خليتك ، وأطلقتك ، والحق بأهلك ،
واذهب حيث شئت ، ولا سبيل لي أو لا سلطان ، أو لا ملك ، أو لا رق ،
أو لا خدمة لي عليك ، وفككت رقبتك ، ووهبتك لله ، وأنت لله ، ورفعت
يدي عنك إلى الله ، وأنت مولاي ، أو سائبة ، أو ملكتك نفسك . وتزيد
الأمة بـ : أنت طالق ، أو حرام ) فلا يعتق بذلك حتى ينويه ، لأنه يحتمل
-- ١٠٨ -

العتق وغيره ، أشبه كناية الطلاق فيه . وقال القاضي في قوله : لا رق
لي عليك، ولا ملك لي عليك، وأنت لله : صريح . نص عليه أحمد في:
أنت لله ، لأن معناه : أنت حر لله ، واللفظان الأولان صريحان في نفي
الملك ، والعتق من ضرورته . انتهى .
(ويعتق حمل لم يستثن بعتق أمه ) لأنه يتبعها في البيع والهبة
ففي العتق أولى ، فإن استثني لم يعتق ، وبه قال ابن عمر وأبو هريرة .
قال أحمد : أذهب إلى حديث ابن عمر في العتق ، ولا أذهب إِليه في
البيع، ولحديث (( المسلمون على شروطهم)).
( لا عكسه) أي : لا تعتق الأمة بعتق حملها ، فيصح عتقه دونها ،
نص عليه ، لأن حكمه حكم الإِنسان المنفرد، ولأن الأصل لا يتبع الفرع.
( وإن قال لمن يمكن كونه أباه ) من رقيقه : بأن كان السيد ابن عشرين
سنة مثلاً أو أقل ، والرقيق ابن ثلاثين فأكثر
(أنت أبي، أو قال لمن يمكن كونه ابنه: أنت ابني، عتق) فيهما ، وإِن لم
ينوه ، ولو كان له نسب معروف ، لجواز كونه من وطء شبهة .
( لا إِن لم يمكن ) كونه أباه أو ابنه ، لصغر أو كبر .
( إلا بالنية ) لتحقق كذبه ، كقوله: أعتقتك ، أو : أنت حر منذ ألف
سنة ، لأن محال معلوم كذبه . ولا يصح العتق إلا من جائز التصرف ،
لأنه تبرع في الحياة ، أشبه الهبة .
- ١٠٩ -

٠٠
۔
فصل
( ويحصل بالفعل : فمن مثل برقيقه فجدع أنفه أو أذنه ونحوهما )
كما لو خصاه
( أو خرق أو حرق عضواً منه ، أو أستكرهه على الفاحشة ، أو وطىء
من لا يوطأ مثلها لصغر ، فأفضاها ) أي : خرق مابين سبيليها
(عتق في الجميع) نص عليه ، بلا حكم حاكم ، لحديث عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده (( أن زنباعاً أبا روح وجد غلاماً له مع جاريته ،
فقطع ذكره ، وجدع أنفه ، فأتى العبد النبي ، صلى الله عليه وسلم ،
فذكر له ذلك ، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : ما حملك على ما فعلت؟
قال : فعل كذا كذا ، قال : اذهب فأنت حر )) رواه أحمد وغيره . وروي
(( أن رجلا" أقعد أمة له في مقلى حار ، فأحرق عجزها ، فأعتقها عمر،
رضي الله عنه ، وأوجعه ضرباً)) حكاه أحمد في رواية ابن منصور، وقال:
وكذلك أقول .
( ولا عتق بخدش ، وضرب ، ولعن ) لأنه لا نص فيه ، ولا في معنى
المنصوص عليه ، ولا قياس يقتضيه .
( ويحصل بالملك ، فمن ملك لذي رحم محرم من النسب ) کأبيهوجده
وإن علا، وولده وولد ولده وإن سفل، وأخيه وأخته وولدهما وإِن نزل،
وعمه وعمته وخاله وخالته
- ١١٠ -

( عتق عليه ولو حملاً ) كمن اشترى زوجة ابنه أو أبيه أو أخيه
الحامل ، لحديث الحسن عن سمرة مرفوعاً (( من ملك ذا رحم محرم فهو
حر)) رواه الخمسة وحسنه الترمذي ، وقال : العمل على هذا عند أهل
العلم . وأما حديث (( لا يجزىء ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه
فيعتقه)) رواه مسلم . فيحتمل أنه أراد : فيعتقه بشرائه ، كما يقال :
ضربه فقتله ، والضرب : هو القتل . وسواء ملكه بشراء ، أو هبة ، أو
إرث ، أو غنيمة أو غيرها ، لعموم الخبر . ولا يعتق ابن عمه بملكه ،
لأنه ليس بمحرم ولا يعتق محرم من الرضاع، لأنه لا نص في عتقهم، ولا هم
في معنى المنصوص عليه . وكذا الربيبة ، وأم الزوجة وابنتها . قال
الزهري : جرت السنة بأنه يباع الأخ من الرضاعة ، ومال معتق غير
مكاتب عتق بالأداء لسيده . روي عن ابن مسعود، وأبي أيوب، وأنس.
وروى الأثرم عن ابن مسعود أنه (( قال لغلامه : عمير يا عمير إِني أريد
أن أعتقك عتقاً هنيئاً ، فأخبرني بمالك إني سمعت رسول الله ، صلى الله
عليه وسلم ، يقول : أيما رجل أعتق عبده أو غلامه ، فلم يخبره بماله ،
فماله لسيده)) ولأن العبد وماله كانا للسيد فأزال ملكه عن أحدهما
فبقي في الآخر كما لو باعه . وحديث ابن عمر مرفوعاً (( من أعتق عبداً،
وله مال فالمال للعبد )) رواه أحمد وغيره . قال أحمد : يرويه عبد الله بن
أبي جعفر من أهل مصر ، وهو ضعيف الحديث ، كان صاحب فقه ، فأما
الحديث فليس فيه بالقوي .
( وإِن ملك بعضه عنتق البعض ، والباقي بالسراية إِن كان موسراً ،
ويغرم حصة شريكه ) لفعله سبب العتق اختياراً منه وقصداً إليه فسرى
- ١١١ -

ولزمه الضمان. وإن ملك بعضه بإرث لم يعتق عليه إلا ما ملك، ولو كان
موسراً، لأنه لم يتسبب إلى إِعتاقه ، لحصول ملكه بدون فعله وقصده.
( وكذا حكم كل من أعتق حصته من مشترك ) في أنه يعتق عليه
جميعه بالعتق والسراية إِن كان موسراً ، وإلا عتق منه بقدر ماهو موسر
به ، لحديث ابن عمر مرفوعاً (( من أعتق شركاً له في عبد، فكان له مايبلغ
ثمن العبد ، قوم عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم ، وعتق عليه
العبد وإلا فقد عتق عليه ما عتق)) رواه الجماعة والدارقطني ، وزاد
(( ورق ما بقي))
( فلو أدعى كل من موسرين أن شريكه اعتق نصيبه عتق ، لاعتراف
كل بحريته) وصار كل مدعياً على شريكه بنصيبه من قيمته ، فإن كان
لأحدهما بينة حكم له بها .
( ويحلف كل لصاحبه ) مع عدم البينة ويبرأ، فإن نكل أحدهما قضي
عليه للآخر ، وإِن نكلا جميعاً تساقط حقاهما لتماثلهما .
( وولاؤه لبيت المال ) لأن أحدهما لا يدعيه ، أشبه المال الضائع .
( مالم يعترف أحدهما بعتقه فيثبت له ) ولاؤه
( ويضمن حق شريكه ) أي : قيمة حصته ، لما تقدم .
- ١١٢ -

فصل
( ويصح تعليق العتق بالصفة، كـ : إن فعلت كذا فانت حر ) لأنه عتق
بصفة فيصح كالتدبير .
( وله وقفه ، وكذا بيعه ونحوه ) كهبته والوصية به .
( قبل وجود الصفة ) ثم إن وجدت ، وهو في ملك غير المعلق لم
يعتق ، لحديث (( لا طلاق، ولا عتاق، ولا بيع فيما لا يملك ابن آدم))
ولأنه لا ملك له عليه فلا يقع عليه عتقه ، كما لو نجزه .
( فإن عاد لملكه ) ولو بعد وجودها حال زوال ملكه عنه .
( عادت ) الصفة .
( فمتى وجدت عتق ) لأن التعليق والشرط وجدا في ملكه ، كما
لو لم يتخللها زوال ملك .
( ولا يبطل ) ولو أبطله ما دام ملكه عليه ، لأنها صفة لازمة ألزمها
نفسه ، فلا يملك إبطالها بالقول كالنذر .
( إلا بموته ) فيبطل به التعليق ، لزوال ملكه زوالاً غير قابل للعودة.
( فقوله : إِن دخلت الدار بعد موتي فانت حر ، لفو ) لأنه إِعتاق له
بعد استقرار ملك غيره عليه فلم يعتق ، كما لو نجزه. وكفوله لعبد غيره:
إِن دخلت الدار فأنت حر .
- ١١٣ -
ت (٨)

(ويصح : أنت حر بعد موتي بشهر) ذكره القاضي وابن أبي موسى.
كما لو وصى بإعناقه ، أو بأن تباع سلعته ويتصدق بثمنها .
( فلا يملك الوارث بيعه ) قبل مضي الشهر ، وكسبه قبله للورثة
ككسب أم الولد حياة سيدها .
( ويصح قوله : كل مملوك أملكه فهو حر ، فكل من ملكه عتق )
لإضافته العتق إِلى حال يملك عتقه فيه ، أشبه مالو كان التعليق وهو في
ملكه ، بخلاف : إِن تزوجت فلانة فهي طالق ، لأن العتق مقصود من
الملك ، والنكاح لا يقصد به الطلاق ، وفرق أحمد بأن الطلاق ليس لله
تعالى ، وليس فيه قربة إلى الله .
( و: أول ) فن أملكه ،
( أو : آخر قن أملكه ) حر .
( و: أول ، أو آخر من يطلع من رقيقي حر، فلم يملك ) إِلا واحداً ،
( أو ) لم
( يطلع إلا واحد. عتق ) لأنه ليس من شرط الأول أن يكون له ثان ،
ولا من شرط الآخر أن يكون قبله أول . ولهذا من أسمائه تعالى :
الأول ، الآخر .
( ولو ملك أثنين معاً ، أو طلعا معاً عتق واحد بقرعة ) نص عليه، لوجود
الصفة فيهما . والمعلق إنما أراد عتق واحد فقط، فيعين بالقرعة .
( ومثله الطلاق ) إِذا قال : أول امرأة لي تطلع ونحوه طالق ، فطلع
اثنتان معاً طلق واحدة بقرعة .
- ١١٤ -

فصل
( وإن قال لرقيقه : أنت حر، وعليك ألف عتق في الحال بلا شيء)
لأنه أعتقه بغير شرط ، وجعل عليه عوضاً لم يقبله ، فعتق ولم يلزمه
شيء.
و : أنت حر
( على ألف أو بألف ، لا يعتق حتى يقبل ) لأنه أعتقه على عوض ،
فلا يعتق بدون قبوله . و ( على ) تستعمل للشرط ، والعوض ، كقوله
(عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَا عُلِّمْتَ رُشْداً )(١) وقوله: ( ... عَلى أَنْ تَجْعَلَ
بَيْتَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً) (٢)
( ويلزمه الألف ، و: على أن تخدمني سنة ، يعتق بلا قبول ، وتلزمه
الخدمة) على الأصح .
( ويصح أن يعتقه ، ويستثني خدمته مدة حياته ، أو مدة معلومة)
لقول سفينة (( أعتقتني أم سلمة وشرطت علي أن أخدم النبي ، صلى الله
عليه وسلم ، ما عاش )) رواه أحمد وابن ماجه ، ورواه أبو داود بنحوه.
وللسيد بيع الخدمة المستثناة من العبد أو من غيره . نص عليه في
رواية حرب .
(١) الكهف من الآية / ٦٧ .
(٢) الكهف من الآية / ٨٥ .
- ١١٥ -

( ومن قال : رقيقي حر ، أو زوجتي طالق ، وله متعددة ، ولم ينو
معيناً ، معتق وطلق الكل ، لأنه مفرد مضاف فيعم ) كل رقيق وكل زوجة.
قال أحمد في رواية حرب : لو كان له نسوة ، فقال : امرأته طالق :
أذهب إلى قول ابن عباس (( يقع عليهن الطلاق )) ليس هذا مثل قوله :
إحدى زوجاتي طالق. كقوله تعالى (وَ إِنْ تَعَدّوا نِعْمَةَ اللهِ لا نُحْصوها)(١)
وقوله: ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ ... ) (٢) وحديث
(( صلاة الجماعة تفضل عن صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) وهذا
شامل لكل نعمة ، وكل ليلة ، وكل صلاة .
بَابُ التدبير
( وهو: تعليق العتق بالموت ، كقوله الرقيقه: إِن مت فانت حر بعد موتي)
سمي بذلك لأن الموت دبر الحياة . وأجمعوا على صحة التدبير في
في الجملة، وسنده حديث جابر (( أن رجلاً أعتق مملوكاً عن دير
فاحتاج ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم: من يشتريه مني؟
فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم ، فدفعها إليه ، وقال : أنت
أحوج منه )) متفق عليه .
( ويعتبر كونه ) أي : التدبير .
( ممن تصح وصيته ) فيصح من محجور عليه لسفه ، وفلس ومميز
يعقله .
(١) ابراهيم من الآية / ٣٤.
(٢) البقرة من الآية / ١٨٧ .
- ١١٦ -

( وكونه ) أي: التدبير ، في الصحة والمرض .
( من الثلث ) نص عليه ، لأنه تبرع بعد الموت ، أشبه الوصية .
( وصريحه وكنايته كالعتق ) و : أنت مدبر ، أو : قد دبرتك ، لأن
هذا اللفظ موضوع له ، فكان صريحاً فيه ، كلفظ العتق في الإعتاق .
( ويصح مطلقاً، ك : أنت معبر . ومقيداً، ک: إن مت في عامي هذه أو
مرضي هذا فأنت مدبر ) فيكون ذلك جائزاً على ما قال ، إِن مات على
الصفة التي قالها عتق ، وإلا فلا ، لأنه تعليق على صفة ، فجاز مطلقاً
ومقيداً ، كتعليقه على دخول الدار .
( ومعلقاً ، ك : إذا قدم زيد فأنت معبر) و: إِن شفى الله مريضي فأنت
حر بعد موتي ونحوه . فإِن وجد الشرط في حياة سيده فهو مدبر ، وإِن
لم يوجد حتى مات سيده بطلت الصفة بالموت لأنه يزول به الملك ، ولم
يوجد التدبير لعدم شرطه . قاله في الكافي .
( ومؤقتاً ، ك : أنت مدبر اليوم او سنة ) فيكون مدبراً تلك المدة ،
إِن مات سيده فيها عتق ، وإلا فلا . ويجوز تدبير المكاتب ، لا نعلم فيه
خلافاً . ((ويجوز كتابة المدبر)) رواه الأثرم عن أبي هريرة وابن مسعود.
وعن محمد بن قيس بن الأحنف عن أبيه عن جده (( أنه أعتق غلاماً له
عن دبر وكاتبه ، فأدى بعضاً وبقي بعض ، ومات مولاه فأتوا ابن مسعود،
فقال . ما أخذ فهو له، وما بقي فلا شيء لكم)) رواه البخاري في
تاريخه .
( ويصح بيع المدبر وهبته ) لحديث جابر ، وقد سبق ، ولأنه إِما
وصية أو تعليق على صفة ، وأيهما كان لم يمنع البيع ، وما ذكر أن ابن
- ١١٧ -

عمر روى أن النبي ، صلى الله عليه وسلم، قال (( لا يباع المدبر
ولا يشترى)» فلم يصح . ويحتمل أنه أراد بعد الموت. أو على
الاستحباب، ولا يصح قياسه على أم الولد، (( لأن عتقها بغير اختيار
سيدها ، وليس بتبرع . ويكون من رأس المال .
وباعت عائشة ، رضي الله عنها ، مدبرة لها سحرتها فقد روى
الدارقطني عن عمرة « أن عائشة أصابها مرض ، وإِن بعض بني أخيها
ذكروا شكواها لرجل من الزط (١) يتطبب، وإنه قال لهم: إِنكم لتذكرون
امرأة مسحورة ، سحرتها جارية لها ، في حجر الجارية الآن صبي قد بال
في حجرها . فذكروا ذلك لعائشة فقالت : ادعوا لي فلانة الجارية لها ،
فقالوا : في حجرها فلان صبي لهم قد بال في حجرها ، فقالت : إِيتوني
بها ، فأتيت بها ، فقالت : سحرتيني ؟ قالت : نعم .قالت لمه ؟ قالت :
أردت أن اعتق ، وكانت عائشة اعتقتها عن دبر منها ، فقالت : إِن لله علي
أن لا تعتقي أبداً ، انظروا أسوأ العرب ملكة فبيعوها منه ، واشترت
بثمنها جارية فأعتقتها)). ورواه مالك في الموطأ ، والحاكم وقال :
صحيح . وعنه : لا يباع إلا في الدين ، أو حاجة صاحبه ، لأن النبي ،
صلى الله عليه وسلم ، إِنما باعه لحاجة صاحبه .
( فإن عاد لملكه عاد التدبير ) لأنه علق عتقه بصفة، فإذا باعه أو وهبه،
ثم عاد إليه عادت الصفة .
( ويبطل ) التدبير
( بثلاثة أشياء : )
(١ - بوقفه) لأن الوقف يجب أن يكون مستقراً.
(١) الزط : جنس من السودان الهنود .
- ١١٨ -

(٢ - بقتله لسيده ) لأنه استعجل ما أجل له، فعوقب بنقيض قصده،
كحرمان القاتل الميراث .
(٣ - بإبلاد الأمة) من سيدها ، لأن مقتضى التدبير العتق من الثلث،
والإِيلاد : العتق من رأس المال ، ولو لم يملك غيرها ، فالاستيلاد أقوى،
فيبطل به الأضعف .
( وولد الأمة الذي يولد بعد التعبير كهي ) أي : بمنزلتها ، سواء
كانت حاملاً به حين التدبير ، أو حملت به بعده ، لقول عمر وابنه وجابر
(( ولد المدبرة بمنزلتها)) ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف . ولأن الأم
استحقت الحرية بموت سيدها فتبعها ولدها كأم الولد ، بخلاف التعليق
بصفة في الحياة والوصية ، لأن التدبير آكد من كل منهما .
( وله وطؤها وإن لم يشترطه ) حال تدبيرها ، سواء كان يطؤها
قبل تدبيرها ، أو لا . روي عن ابن عمر ((أنه دبر أمتين له وكان يطؤهما))
قال أحمد : لا أعلم أحداً كره ذلك غير الزهري ، ولعموم قوله تعالى
( ... أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) (١) وقياساً على أم الولد.
( و) له
( وطء بنتها إِن جاز) بأن لم يكن وطىء أمها لتمام ملكه فيها ،
واستحقاقها الحرية لا يزيد على استحقاق أمها .
( ولو أسلم مدبر أو قن أو مكاتب لكافر ألزم بإزالة ملكه عنه )
لئلا يبقى ملك كافر على مسلم مع إِمكان بيعه ، بخلاف أم الولد .
(١) المؤمنون من الآية / ٠٦
- ١١٩ -

( فإن أبى بيع عليه ) أي : باعه الحاكم إزالة لملكه عنه ، لقوله تعالى
(وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (١)
بَابُ الكتابة
تسن كتابة من علم فيه خير ، لقوله تعالى ( فَكَاتِبُوُهُمْ إِنْ عَلِتْ
فِيهِمْ خَيْراً)(٢) يعني: كسباً وأمانة ، في قول أهل التفسير . وقال أحمد:
الخير : صدق وصلاح ووفاء بمال الكتابة . ونحوه قول : إِبراهيم
وعمرو بن دينار وغيرهما . وعنه : أنها واجبة إِذا دعا العبد الذي فيه
خير سيده إِليها، لظاهر الآية. ((ولأن عمر أجبر أنساً على كتابة سيرين))
والأول أظهر. والآية محمولة على الندب، لحديث (( لا يحل مال امرىء
مسلم إِلا عن طيب نفس منه )» وقول عمر يخالفه فعل أنس .
( وهي : بيع السيد رقيقه نفسه بمال ) فلا تصح على خنزير وخمر
( في ذمته ) لا معين .
( مباح) فلا تصح على آنية .
( معلوم ) لأنها بيع
( يصح السلم فيه) فلاتصح بجوهر ونحوه، لئلايفضي إلى التنازع.
( منجم ) أي : مؤجل ، لأن جعله حالاً يفضي إلى العجز عن أدائه ،
وفسخ العقد بذلك ، فيفوت المقصود . قاله في الكافي .
(١) النساء من الآية / ١٤٠.
(٢) النور من الآية / ٣٣.
- ١٢٠ -