Indexed OCR Text

Pages 401-420

(٢ - ان يكون معيناً) فلا تصح إن قال : ضارب بما في أحد هذين
الكيسين للجهالة ، كالبيع .
(معلوماً ) فلا تصح بصبرة دراهم أو دنانير ، إذ لابد من الرجوع
الى رأس المال عند الفسخ، ليعلم الربح، ولا يمكن ذلك مع الجهل .
( ولا یعتبر قبضہ بالمجلس ) فتصح ، وإن کان بید ربه ، لأن مورد
العقد العمل .
( ولا القبول ) فتكفي مباشرته للعمل ويكون قبولاً لها كالوكالة .
وقال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه أنه لا يجوز أن يجعل الرجل
ديناً له على رجل مضاربة. انتهى. وإن أخرج مالاً ليعمل فيه وآخر ،
والربح بينهما صح نص عليه .
(٣ - أن يشترط للعامل جزء معلوم من الربح) مشاعاً ، كنصفه أو
ربعه أو ثمنه أو ثلثه أو سدسه « لأنه النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عامل
أهل خيبر بشطر ما يخرج منها )، والمضاربة في معناها . فإن شرطا
لأحدهما في الشركة والمضاربة دراهم معلومة ، أو ربح أحد الثوبين لم
يصح . قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه على إبطال القراض إذا
جعل أحدهما ، أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة .
( فإن فقد شرط فهي فاسدة ، ويكون للعامل أجرة مثله ) نص عليه.
كالأجارة الفاسدة ، لأنه بذل منافعه بعوض لم يسلم له ، والتصرف
صحیح ، لأنه یاذن رب المال .
( وما حصل من خسارة ) فعلى المالك ، لأن كل عقد لا ضمان في
صحيحه ، لا ضمان في فأسده .
- ٤٠١ -

( أو ربح فللمالك ) لأنه نماء ماله . وإن شرط عليه ما فيه غرض
صحيح فخالف ضمن (( لأن حكيم بن حزام كان يشترط على الرجل إذا
أعطاه مالاً مقارضة ، يضرب له به : أن لا تجعل مالي في كبد رطبة ،
ولا تحمله في بحر ، ولا تنزل به في بطن مسيل ، فإن فعلت شيئاً من
ذلك فقد ضمنت مالي)) رواه الدارقطني .
( وليس للعامل شراء من يعتق على رب المال ) لقرابة أو تعليق أو إقرار
بحريته إلا بإذنه ، لأن عليه فيه ضرراً، والمقصود من المضاربة الربح ،
وهو منتف هنا .
( فإن فعل ) صح الشراء ، لأنه مال متقوم قابل للعقود فصح
شراؤه کغيره ، و :
( عتق ) على رب المال ، لتعلق حقوق العقد به ، وولاؤه له .
( وضمن ) العامل
( ثمنه ) الذي اشتراه به لتفريطه
( ولو لم يعلم) لأن الإتلاف الموجب للضمان يستوي فيه العلم
والجهل ، وقال أبو بكر : إِن لم يعلم لم یضمن ، لأنه معذور ، کما لو
اشترى معيباً لم يعلم عيبه .
( ولا نفقة للعامل ) لأنه دخل على العمل بجزء مسمى فلا يستحق
غيره كالمساقي .
(إلا بشرط ) نص عليه . كالوكيل، وقال الشيخ تقي الدين وابن
القيم : أو عادة ، فإذا شرط نفقته فله ذلك ، لقوله صلى الله عليه وسلم
((المؤمنون على شروطهم )) ويستحب تقديرها لأنه أبعد من الغرر .
- ٤٠٢ -

( فإن شرحت مطلقة ) جاز لأن لها عرفاً تنصرف إليه .
( واختلفا فله نفقة مثله عرفة من طعام وكسوة) لأن إطلاقها يقتضي
جميع ما هو من ضروراته المعتادة . قال الإِمام أحمد : ينفق على ما كان
ينفق غير متعد للنفقة ولا مضر بالمال .
( ويملك العامل حصته من الربح بظهوره فيل القسمة كالمالك )
قال أبو الخطاب : رواية واحدة. كما في المساقاة والمزارعة، لأن الشرط
صحيح فيثبت مقتضاه ، وهو أن يكون له جزء من الربح ، فإذا وجد
وجب أن يملكه بحكم الشرط ، ولأنه يملك المطالبة بقسمته فملكه
كالمشترك، ولو لم يعمل المضارب ، إلا أنه صرف الذهب بورق فارتفع
الصرف استحقه . نص عليه .
( لا الأخذ منه) أي : الربح .
( إلا بإذن ) رب المال . لا نعلم فيه خلافاً . قاله في الشرح ، لأن
نصيبه مشاع فلا يقاسم نفسه ، ولأن ملكه له غير مستقر لأنه وقاية
لرأس المال .
( وحيث فسخت والمال عرض فرضي ربه بأخذه ) أي : مال المضاربة
على صفته التي هو عليها .
( قوّمه، ودفع للعامل حصته ) من الربح الذي ظهر بتقويمه، وملك
ما قابل حصة العامل من الربح ، لأنه أسقط عن العامل البيع فلا يجبر
على بيع ماله بلا حظ للعامل فيه .
( وإن لم يرض ) رب المال بعد فسخها بأخذ العرض .
:
- ٤٠٣ -

( فعلى العامل بيعه وقبض ثمنه) لأن عليه رد المال ناضاً (١) كما
أخذه على صفته .
( والعامل امين ) لأنه يتصرف في المال بإذن ربه ، ولا يختص بنفعه
أشبه الوكيل .
( يصدق بيمينه في قدر رأس المال ) لأنه منكر الزائد ، والأصل
عدمه .
( وفي الربح وعدمه ، وفي الهلاك والخسران ) إن لم تكن بينة لأن
ذلك مقتضى تأمينه .
( حتى ولو أقر بالربح ) ثم ادعى تلفاً أو خسارة بعد الربح قبل قوله
لأنه أمين ، ولا يقبل قوله إن ادعى غلطاً أو كذباً أو نسياناً، لأنه مقر بحق
لآدمي ، فلم يقبل رجوعه كالمقر بدين .
( ويقبل قول المالك في قدر ما شرط للعامل) بعد ربح مال المضاربة .
نص عليه ، لأنه ينكر الزائد . فإِن أقاما بينتين ، قدمت بينة العامل .
فصل
( الثالث : شركة الوجوه وهي : أن يشترك اثنان لا مال لهما في ربح
ما يشتريان من الناس في ذممهما ) بجاههما وثقة التجار بهما من غير أن
یکون لهما رأس مال . قال أحمد : في رجلين اشتريا بغير رؤوس أموال
(أ) الناض من المتاع: ما تحول ورقاً أو عيناً. قال الأصمعي: اسم
الدراهم والدنانير عند أهل الحجاز الناض والنض ، وإنما يسمونه ناضاً
إذا تحول عيناً بعد ماكان متاعاً ، وفي حديث عمر رضي الله عنه: كان يأخذ
الزكاة من ناض المال . هو ماكان ذهباً أو فضة عيناً أو ورقاً .
- ٤٠٤ -

فهو جائز . وبه قال الثوري وابن المنذر ، وسواء عين أحدهما لصاحبه
ما يشتريه ، أو قال : ما اشتريت من شيء فهو بيننا. نص عليه.
( ويكون الملك والربح كما شرطا) من تساووتفاضل، لحديث (المؤمنون
عند شروطهم)) ولأن أحدهما قد يكون أوثق عند التجار وأبصر بالتجارة
من الآخر ، فكان على ما شرطا كشركة العنان .
(والخسارة على قدر الملك ) فمن له فيه الثلثان فعليه ثلثا الوضيعة
ومن له الثلث عليه ثلثها ، سواء كان الربح بينهما كذلك أو لا ، لأن
الوضيعة نقص رأس المال ، وهو مختص بملاكه ، فيوزع بينهم على قدر
الحصص . ومبناها على الوكالة والكفالة ، وحكمها فيما يجوز لكل
منهما ، أو يمنع منه كشركة العنان .
( الرابع : شركة الأبدان . وهي : أن يشتركا فيما يتملكان بأبدانهما من
المباح: كالاحتشاش، والاحتطاب ، والاصطياد ) والمعدن، والتلصص على
دار الحرب ، وسلب من يقتلانه بها ، فهذا جائز . نص عليه ، لقول ابن
مسعود (( اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر فلم أجىء أنا وعمار بشيء،
وجاء سعد بأسيرين)) رواه أبو داود والأثرم ، واحتج به أحمد ، وقال :
أشرك بينهم النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك في غروة بدر ،
وكانت غنائمها لمن أخذها قبل أن يشرك الله بينهم ، ولهذا نقل أن النبي،
صلى الله عليه وسلم ، قال ((من أخذ شيئاً فهو له)) وإِنما جعلها الله لنبيه
بعد أن غنموا واختلفوا فيها ، فأنزل الله تعالى (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْالِ .. )(١)
( أو يشتركا فيما يتقبلان في ذممهما من العمل ) فإن عمل أحدهما
(١) الأنفال من الآية / ١ .
- ٤٠٥ -

دون صاحبه فالكسب بينهما على ماشرطا . قال أحمد : هذا بمنزلة
حديث عمار وسعد وابن مسعود . والحاصل من مباح تملكاه ، أو
أحدهما ، أو من أجرة عمل تقبلاه ، أو أحدهما كما شرطا من تساو أو
تفاضل ، لأن الربح مستحق بالعمل ويجوز تفاضلهما فيه .
( الخامس : شركة المفاوضة . وهي : ان یفوض کل إلی صاحبه شراء
وبيعا في الذمة ومضاربة وتوكيلا ومسافرة بالمال وارتهاناً ) وهي جائزة
لأنها لا تخرج عن أضرب الشركة التي تقدمت ، فإن أدخلا فيها كسباً
نادراً ، كوجدان لقطة ، أو ركاز ، أو ما يحصل لهما من ميراث ، أو
ما يلزم أحدهما من ضمان غصب ، أو أرش جناية ، أو ضمان عارية ،
أو لزوم مهر بوطء ، فهي فاسدة ، لأنه عقد لم يرد الشرع بمثله ، ولما
فيه من كثرة الغرر ، لأنه قد يلزم فيه مالا يقدر الشريك عليه ، ولأنه
يدخل فيه اكتساب غير معتاد ، وحصول ذلك وهم لا يتعلق به حكم .
( ويصح دفع دابة أو عبد لمن يعمل به بجزء من أجرته ) معلوماً .
نص عليه ، لأنها عين تنمي (١) بالعمل عليها ، فجاز العقد عليها ببعض
نمائها ، كالشجر في المساقاة . ونقل عنه أبو داود فيمن يعطي فرسه علىّ
نصف الغنيمة : أرجو أن لا يكون به بأس ، وبه قال الأوزاعي .
( ومثله خياطة ثوب ونسج غزل وحصاد زرع ورضاع قن واستيفاء
مال بجزء مشاع منه) قال في الشرح : قال أحمد لا بأس بالثوب يدفع
بالثلث أو الربع ، قيل : يعطيه بالثلث أو الربع ودرهم أو درهمين ، قال :
أكرهه لأنه لا يعرفه. وإذا لم يكن معه شيء نراه جائزاً، (( لأن النبي ،
(١) نمى ينمي: زاد وكثر. قال في اللسان: وربما قالوا: ينمو نمواً.
- ٤٠٦ -

صلى الله عليه وسلم، أعطى خيبر على الشطر)). انتهى. ولا يعارضه
حديث الدارقطني أنه ، صلى الله عليه وسلم ، نهى عن عسب الفحل ،
وعن قفيز الطحان)» لحمله على قفيز من المطحون، فلا يدرى الباقي بعده،
فتكون المنفعة مجهولة .
( وبيع متاع بجزء من ربحه) كمن أعطى فرسه على النصف من
الغنيمة ، بخلاف ما لو قال: بع عبدي والثمن بيننا ، أو : آجره والأجرة
بيننا ، فإنه لا يصح . والثمن أو الأجرة لربه ، وللآخر أجرة مثله .
( ويصح دفع دابة أو نحل أو نحوهما لمن يقوم بهما مدة معلومة
بجزء منهما ) معلوماً . قال البخاري في صحيحه ، وقال معمر : لا بأس
أن تكون الماشية على الثلث أو الربع إلى أجل مسمى .
( والنماء ملك لهما ) أي : للدافع والمدفوع إليه على حسب ملكيهما،
لأنه نماؤه .
( لا إن كان بجزء من النماء كالدر والنسل والصوف والعسل )
فلا يصح لحصول نمائه بغير عمل .
( وللعامل أجرة مثله) لأنه بذل منافعه بعوض لم يسلم له . وعنه :
يصح. اختاره الشيخ تقي الدين.
- ٤٠٧ -

باب المساقاة
( وهي: دفع شجر لمن يقوم بمصالحه بجزء من ثمره، بشرط كون الشجر
معلوماً) (١) للمالك والعامل برؤية أو وصف ، فلو ساقاه على بستان
غير معين ولا موصوف ، أو على أحد هذين الحائطين لم يصح ، لأنها
معاوضة يختلف الغرض فيها باختلاف الأعيان ، فلم تجز على غير معلوم
کالبيع .
( وان یکون له ثمر یۇکل ) من نخل وغيره ، لحديث ابن عمر « عامل
النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو
زرع)) متفق عليه . وهذا عام في كل ثمر .
( وان يشرط للعامل جزء مشاع معلوم من ثمره ) كالمضاربة ، فلو
شرطا في المساقاة الكل لأحدهما ، أو آصعا معلومة ، أو ثمرة شجرة
معينة لم تصح ، قال في الشرح : تجوز المساقاة في كل شجر له ثمر
مأكول ببعض ثمرته . هذا قول الخلفاء الراشدين . وقال أيضا: وتصح
على البعل كالسقي . لا نعلم فيه مخالفاً ، لأن الحاجة تدعو إلى المعاملة
فيه ، كدعائها إلى المعاملة في غيره . انتهى . وأما حديث ابن عمر (( كنا
نخابر أربعين سنة حتى حدثنا رافع بن خديج : أن رسول الله ، صلى الله
(١) في هامش الأصل ما يلي :
هي عقد جائز من الطرفين ، قياساً على المضاربة ، وقيل : عقد لازم ،
وعليه العمل دفعاً للضرر . انتهى
- ٤٠٨ -

عليه وسلم، نهى عن المخابرة)) فمحمول على رجوعه عن معاملاتفاسدة،
فسرها رافع . قال في الشرح قلنا: لا يجوز حمل حديث رافع ، ولا حديث
ابن عمر على ذلك ، لأنه صلى الله عليه وسلم ، لم يزل يعامل أهل خيبر ،
والخلفاء على ذلك بعده ، ثم من بعدهم ، ولو صح خبر رافع لحمل على
ما يوافق السنة . فروى البخاري فيه : كنا نكري الأرض بالناحية منها .
وفسر بغير هذا من أنواع الفساد ، وهو مضطرب جداً . قال أحمد :
يروى عن رافع في هذا ضروب . كأنه يريد أن اختلاف الروايات عنه
توهن حديثه ، وأنكره زيد بن ثابت وغيره عليه ، ولم يقبلوا حديثه ،
وحملوه على أنه غلط في روايته . انتهى باختصار .
( والمزارعة: دفع الأرض والحب لمن يزرعه ويقوم بمصالحه ) قال في
الشرح: وتجوز المزارعة بجزء معلوم للعامل في قول أكثر أهل العلم .
( بشرط کون البذر معلوماً جنسه و قدره ولو لم يوكل) وعلمه برؤية
أو صفة لا يختلف معها كشجر في مساقاة ، وإِن قال : ما زرعتها من
شيء فلي نصفه صح ، لحديث خبير .
( وكونه من رب الأرض) نص عليه ، واختاره عامة الأصحاب ،
قياساً على المساقاة والمضاربة . وعنه: لا يشترط فيجوز أن يخرجه
العامل في قول عمر ، وابن مسعود، وغيرهما ، ونص عليه في رواية
مهنا ، وصححه في المغني ، والشرح، واختاره أبو محمد الجوزي ،
والشيخ تقي الدين ، وابن القيم ، وصاحب الفائق . قال في الإنصاف :
وعليه عمل الناس ، لأن الأصل المعول عليه في المزارعة قصة خيبر ، ولم
يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، أن البذر على المسلمين ، وفي بعض
- ٤٠٩ -

ألفاظ الحديث ما يدل على أنه جعل البذر عليهم . قال ابن عمر ((دفع
رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، نخل خيبر وأرضها إليهم على أن
يعملوها من أموالهم )) رواه مسلم . وعن عمر رضي الله عنه ( أنه كان
يعامل الناس على إِن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر ، وإِن جاءوا
بالبذر فلهم كذا )) علقه البخاري .
( وأن يشرط للعامل جزء مشاع معلوم منه ) لما تقدم ، قال في الشرح:
ولا يجوز أن يجعل له فضل دراهم زائداً على ماله من الثمرة . بغير
خلاف ، وقال : وكذا لو شرط لأحدهما زرع ناحية معينة ، أو ما على
الجداول منفرداً ، أو مع نصيبه ، فهو فاسد إجماعاً ، لصحة الخبر بالنهي
عنه . انتهى.
( ويصح كون الأرض والبذر والبقر من واحد، والعمل من آخر )
قياساً على المضاربة ، لأنه عقد على العمل في مال ببعض نمائه فأشبه
المضاربة ، وكالمزارعة على الزرع الموجود الذي ينمي بالعمل فيصح ،
لأنه إذا جاز في المعدوم مع كثرة الغرر ، فعلى الموجود مع قلته أولى .
قال في الشرح : وتجوز إِجارة الأرض بالذهب ، والفضة ، والعروض
غير المطعوم ، في قول عامة أهل العلم ، لقول رافع (( أما بالذهب والفضة
فلا بأس )) ولمسلم (( أما بشيء معلوم مضمون فلا بأس )) انتهى . وقال
ابن عباس (( إن أمثل ما أنتم صانعون أن تستأجروا الأرض البيضاء من
السنة إلى السنة)) رواه البخاري تعليقاً .
وأما إجارتها بطعام فثلاثة أقسام :
أحدها : إِجارتها بطعام معلوم غير الخارج منها . فأجازه الأكثر ،
- ٤١٠ -

ومنع منه مالك، وعن أحمد: ربما تهيبته، لما في حديث رافع ((لا يكريها
بطعام مسمی » رواه أبو داود .
والثاني : بطعام معلوم من جنس ما يخرج منها . ففيه روايتان .
الثالث : إِجارتها بجزء مشاع مما يخرج منها . فالمنصوص جوازه .
قاله في الشرح .
والمساقاة والمزارعة عقد جائز لقوله صلى الله عليه وسلم
((نقركم على ذلك ما شئنا)) رواه مسلم . فلو كانت لازمة لقدر مدتها ،
وقيل عقد لازم . قال في الشرح: وهو قول أكثر الفقهاء . انتهى.
لأنه عقد معاوضة ، فكان لازماً . اختاره الشيخ تقي الدين ، لحديث
((المؤمنون على شروطهم)) فعلى هذا يفتقر إلى تقدير مدتها كالإجارة .
( فإن فقد شرط فالمساقاة والمزارعة فاسدة والثمر والزرع لربه )
لأنه نماء ملكه .
( وللعامل أجرة مثله ) لأنه بذل منافعة بعوض لم يسلم له .
( ولا شيء له إن فسخ أو هرب قبل ظهور الثمرة) لإسقاط حقه
برضاه ، كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح .
( وإن فسخ بعد ظهورها فالثمرة بينهما على ماشرطا ، وعلى العامل
تمام العمل) كما يلزم المضارب بيع العروض إذا فسخت المضاربة بعد
ظهور الربح .
( مما فيه نمو أو صلاح للثمرة) والزرع من السقي بالماء وإصلاح
طرقه ، والحرث وآلته وبقره، وقطع الشوك والحشيش المضر واليابس
من الشجرة ، والحفظ والتشميس ، وإصلاح موضعه ، ونحو ذلك .
- ٤١١ -

وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل ، كسد الحيطان ، وإنشاء الأنهار ،
وحفر بئر الماء ونحوه .
( والجذاذ (١) عليهما بقدر حصتيهما) نص عليه ، لأنه إنما يكون
بعد تكامل الثمر وانقضاء المعاملة ، أشبه نقله إلى المنزل . وعنه: الحصاد
واللمقاط والجذاذ على العامل ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ((دفع
خيبر إلى يهود على أن يعملوها من أموالهم)) وهذا من العمل مما
لا تستغني عنه الثمرة ، أشبه التشميس . قاله في الكافي .
( ويتبعان العرف في الكلف السلطانية ) فما عرف أخذه من رب المال
فعليه ، ومن العامل فعليه .
(مالم يكن شرط فيتبع) أي : يعمل به . قال الشيخ تقي الدين :
وما طلب من قرية من وظائف سلطانية ونحوها ، فعلى قدر الأموال .
وإن وضعت على الزرع فعلى ربه ، أو على العقار فعلى ربه ، مالم
يشترطه على مستأجر، وإن وضع مطلقاً رجع إلى العادة . انتهى.
(١) الجذاذ: جيمه مثلثة ، وهو : القطع.
- ٤١٢ -

باب الإجَارة
وهي : بيع المنافع . جائزة بالكتاب والسنة والإجماع ، قاه الله
تعالى ( فَإِنْ أَرْضَّمْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجورَهُنَّ)(١) وقال تعالى ( قَالَتْ
إِحْدَاهُما يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُ الْأَمينِ) الآية(٣)
وقال تعالى (قالَ لَوْ شِئْتَ لَأَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً)(٣) ولا بن ماجة مرفوعاً (( أن
موسى عليه السلام، آجر نفسه ثماني حجج أو عشراً على عفة فرجه، وطعام
بطنه)) وفي الصحيح (( أن النبي، صلى الله عليه وسلم ، استأجر رجلاً
من بني الديل هادياً خرّيتاً)) (١) وفيه ((ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة:
رجل أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حراً فأكل ثمنه ، ورجل استأجر
أجيراً فاستوفى منه ولم يؤته أجرته)) وقال ابن المنذر : اتفق على
إجارتها كل من نحفظ قوله من علماء الأمة ، والحاجة داعية إليها ، لأن
أكثر المنافع بالصنائع . وتنعقد بلفظ الإجارة والكري وما في معناهما.
(شروطها ثلاثة: ١ - معرفة المنفعة ) لأنها المعقود عليها ، فاشترط
العلم بها كالبيع ، مثل بناء حائط يذكر طوله وعرضه ، وسكنی دار
(١) الطلاق من الآية / ٦.
(٢) القصص من الآية / ٢٧ .
(٣) الكهف من الآية / ٧٧ .
(٤) الخريت : الماهر الذي يهتدي لآخرأت المفاوز، وهي : طرقها الخفية
ومضايقها .
- ٤١٣ -

شهراً، وخدمة آدمي سنة ، لأنها معلومة بالعرف فلا تحتاج لضبط .
قال الإمام أحمد : أجير المشاهرة يشهد الأعياد والجمعة ، وإن لم
يشترط، قيل له : يتطوع بالركعتين؟. قال: مالم يضر بصاحبه . وقال
ابن المبارك : يصلي الأجير ركعتين من السنة ، وقال ابن المنذر : ليس
له منعه منهما. قاله في الشرح . وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ
عنه أن إجارة المنازل والدواب جائزة .
(٢ - معرفة الأجرة) قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً . ولأنه
عوض في عقد معاوضة ، فاعتبر علمه كالثمن . وعن أبي سعيد مرفوعاً
( نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره )) رواه أحمد.
(٣ - كون النفع مباحاً) فلا تجوز على المنافع المحرمة، كالغناء،
والزمر والنياحة ، ولا إِجارة داره لتجعل كنيسة ، أو بيت نار ، أو يبيع
فيها الخمر ونحوه ، لأنه محرم . فلم تجز الإجارة لفعله كإجارة الأمة
للزنا ، وكون النفع .
(يستوفى دون الأجزاء) فلا يجوز عقد الإجارة على ما تذهب
أجزاؤه بالانتفاع به ، كالمطعوم والمشروب والشمع ليشعله والصابون
ليغسل به ، لأن الإجارة عقد على المنافع فلا تجوز لاستيفاء العين .
ولا يصح إجارة ديك ليوقظه للصلاة . نص عليه ، لأنه غير مقدورعليه.
( فتصح إجارة كل ما أمكن الانتفاع به مع بقاء عينه ) كالدور
والحوانيت والدواب .
( إذا قدرت منفعته بالعمل كركوب الدابة لمحل معين ) لأنها منفعة
مقصودة .
- ٤١٤ -

( أو قدرت بالأمد وإن طال حيث كان يغلب على الظن بقاء العين )
إلى انقضاء مدة الإجارة . هذا قول عامة أهل العلم . قاله في الشرح،
لقوله تعالى ( ... عَلَى أَنْ تَأْجُرِّفِي ثَمَانِيٍّ ◌ِحِجَجٍ ... ) الآية(١)
فصل
( والإجارة ضربان : )
( الأول : على عين. فإن كانت موصوفة اشترط فيها استقصاء
صفات السلم ) لاختلاف الأغراض باختلاف الصفات ، ولأن ذلك
أقطع للنزاع وأبعد من الغرر . فإن لم توصف أدى إلى التنازع .
( وكيفة السير من هملاج (٢) وغيره) لأن سيرهما يختلف .
( لا الذكورة والأنوثة والنوع ) كالفرس عربياً أو برذوناً ، والجمل
بختياً (٣) أو من العراب، لأن التفاوت بينهما يسير. وقال القاضي: يفتقر
إلى معرفته لتفاوتهما .
( وإن كانت معينة أشترط معرفتها ) أي : العين المؤجرة كالمبيع ،.
لاختلاف الغرض باختلاف العين وصفاتها .
( والقدرة على تسليمها ) فلا تصح إجارة الآبق ولا المغصوب من
غير غاصبه، أو قادر على أخذه ولا يجوز إِجارة المسلم للذمي لخدمته .
(١) القصص من الآية / ٢٦ .
(٢) الهملجة ، فارسي معرب . والهملجة والهملاج: حسن سير الدابة
في سرعة .
(٣) البرذون : هو التركي من الخيل: والبختي: واحد البخاتي، وهي:
الإبل الخراسانية .
- ٤١٥ -

نص عليه ، لتضمنها حبس المسلم عند الكافر وإذلاله ، أشبه بيع المسلم
للكافر ، وإن كان في عمل شيء جاز بغير خلاف . قاله في الشرح ،
لحديث علي (( أنه آجر نفسه من يهودي ، يستقي له كل دلو بتمرة ،
وجاء به إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فأكل منه )) رواه أحمد وابن
ماجة بمعناه .
( وكون المؤجر يملك نفعها ) فلو آجره مالا يملكه بغير إذن مالكه
لم يصح كبيعه .
( وصحة بيعها ) بخلاف كلب وخنزير ونحوهما .
( سوى حر) فتصح إجارته لما تقدم ، ولأن منافعه مملوكة تضمن
بالغصب ، أشبهت مناقع القن .
(ووقف ) أي : موقوف ، لأن منافعه مملوكة للموقوف عليه .
( وأم ولد) لأن منافعها مملوكة لسيدها ، فيصح أن يؤجرها ، وإنما
يحرم بيعها .
( واشتمالها على النفع المقصود منها، فلا تصح في زمنة لحمل ،
وسبخة لزرع ) لأن الإجارة عقد على المنفعة ، ولا يمكن تسليمها من
هذه العين .
( الثاني : على منفعة في الذمة . فيشترط ضبطها بما لا يختلف ،
كخياطة ثوب بصفة كذا، أو بناء حائط يذكر طوله وعرضه وسمکه وآثنه )
وحمل شيء يذكر جنسه وقدره ، وأن الحمل لمحل معين لما تقدم .
(وأن لا يجمع بين تقدير المدة والعمل: كيخيطه في يوم) لأنه قد يفرغ
منه قبل انقضاء اليوم، فإن استعمل في بقيته فقد زاد على المعقود عليه ،
- ٤١٦ -

وإن لم يعمل فقد تر که في بعض زمنه ، فيكون غرراً يمكن التحرز منه.
( وكون العمل لا يشترط أن يكون فاعله مسلماً فلا تصح الإجارة لآذان،
وإقامة ، وتعليم قرآن، وفقه، وحديث ، ونيابة في حج ، وقضاء ولا يقع
إلا قربة لفاعله، ويحرم أخذ الأجرة عليه ) لقوله صلى الله عليه وسلم ،
لعمثان بن أبي العاص ((واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)) رواه
أبو داود، والترمذي، وحسنه. وعن أبي بن كعب قال ((علمت
رجلاً القرآن فأهدى لي قوساً فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم
فقال: إِن أخذتها أخذت قوساً من نار فرددتها )) رواه ابن ماجة . وكره
إسحاق تعليم القرآن بأجرة . قال عبد الله بن شقيق : هذه الرغفان
الذي يأخذها المعلمون من السحت . وعنه: يصح، وأجازه مالك ،
والشافعي، لقوله صلى الله عليه وسلم (( أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب
الله)) رواه البخاري . فأباح أخذ الجعل عليه ، فكذا الأجرة ، فإن أعطي
من غير شرط جاز. قال الإمام أحمد : لا يطلب ، ولا يشارط ، فإن
أعطي شيئاً أخذه . وقال : أكره أجرة المعلم إذا شرطه، وأما مالا يختص
فاعله أن يكون من أهل الغربة كتعليم الخط ، والحساب، وبناء المساجد،
فيجوز أخذ الأجرة عليه . فأما مالا يتعدى نفعه من العبادات المحضة ،
كالصيام ، والصلاة فلا يجوز أخذ الأجرة عليه بغير خلاف . قاله في
الشرح .
( وتجوز الجعالة ) على ذلك ، لأنها أوسع من الإجارة ، ولهذا
جازت مع جهالة العمل ، والمدة ، وعلى رقية . نص عليه ، لحديث أبي
سعيد (في رقية اللديغ على قطيع من الغنم - وفيه :-.. فقدمواعلى رسول
- ٤١٧ -

الله، صلى الله عليه وسلم، فذكروا له ذلك فقال: وما يدريكم أنها رقية ؟
ثم قال : أصبتم اقتسموا واضربوا لي معكم سهماً، وضحك النبي صلى
الله عليه وسلم )) رواه الجماعة إلا النسائي . ويجوز أخذ رزق من بيت
المال ، أو من وقف على عمل يتعدى نفعه ، كقضاء وتعليم قرآن
وحديث ، وفقه ، ونيابة في حج ، وتحمل شهادة ، وأدائها ، وأذان
ونحوها ، لأنها من المصالح، وليس بعوض بل رزق للإعانة على الطاعة،
ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة ، ولا يقدح في الإخلاص ، وإلا لما
استحقت الغنائم وسلب القاتل .
فصل
( وللمستأجر استيفاء النفع بنفسه، وبمن يقوم مقامه) لأن المنفعة
ملكه ، فجاز أن يستوفيها بنفسه ، وبنائبه .
( لكن بشرط كونه ) أي : النائب .
( مثله في الضرر أو دونه ) لا أكثر ضرراً منه . ولا يخالف ضرره
ضرره ، لأنه لا يملك أن يستوفيه بنفسه فينائبه أولى ، لأنه يأخذ فوق
حقه ، أو غير حقه .
( وعلى المؤجر كل ما جرت به العادة من آلة المركوب، والقود، والسوق،
والشيل، والحط ) لأن عليه التمكين من الانتفاع ، ولا يحصل إلا
بذلك . فإن كانت الإجارة على تسليم الظهر لم يكن عليه شيء من ذلك.
( وترميم الدار بإصلاح المنكسر ، وإقامة المائل ، وتطيين السطح ،
وتنظيفه من الثلج ونحوه) لأنه لا يتمكن المستأجر من النفع المعقود عليه
إلا بذلك .
- ٤١٨ -

( وعلى المستاجر المحمل والمظلة ) (وهي: الكبير من الأخبية) أي: لا يلزم
المؤجر ، بل إِن أراده المستأجر فمن ماله ، لأن ذلك من مصلحته أشبه
الزاد وبسط الدار .
( وتفريغ البالوعة ، والكنيف ، وكنس الدار من الزيل ، ونحوه إن
حصل بفعله ) أي : المكتري بأن تسلمها فارغة ، كما لو ألقى فيها جيفة أو
تراباً . ويصح كراء العقبة بأن يركب في بعض الطريق، ويمشي في بعض
مع العلم به إِما بالفراسخ ، أو بالزمان ، لأنه يجوز العقد على جميعه ،
فجاز على بعضه . ويجوز أن يكتري الرجلان ظهراً يعتقبان عليه ، فإن
اختلفا في البادىء منهما أقرع بينهما لتساويهما في الملك .
فصل
( والإِجارة عقد لازم) وبه قال مالك والشافعي ، وأصحاب الرأي ،
فليس لأحدهما فسخها بلا موجب لأنها عقد معاوضة كالبيع .
( لا تنفسخ بموت المتعاقدين ) أو أحدهما مع سلامة المعقود عليه
كالبيع . قال في الفروع: وعنه : تنفسخ بموت مكتر لا قائم مقامه .
اختاره الشيخ - يعني : الموفق .-- .
( ولا بتلف المحمول ) قال الزركشي: هذا هو المنصوص، وعليه الأصحاب
إلا الموفق ، وصححه في الإِنصاف ، لأن المعقود عليه المنفعة فله أن يحمل
ما يماثله .
( ولا بوقف العين المؤجرة) لوروده على ما يملكه المؤجر من العين
المسلوبة النفع زمن الإجارة .
- ٤١٩ -

(ولا بانتقال الملك فيها بنحو هبة وبيع) ويصح بيع العين المؤجرة نص
عليه ، لأن الإِجارة عقد على المنافع ، فلا تمنع البيع ، كبيع المزوجة .
( ولمشتر لم يعلم الفسخ أو الإمضاء والأجرة له ) من حين الشراء نص
عليه .
( وتنفسخ بتلف العين المؤجرة المعينة ) كدابة أو عبد مات ، ودار
انهدمت ، لزوال المنفعة بتلف المعقود عليه .
(وبموت المرتضع) أو امتناعه من الرضاع منها ، لتعذر استيفاء
المعقود عليه ، لأن غيره لا يقوم مقامه في الارتضاع، لاختلاف المرتضعين
فيه ، وقد يدر اللبن على واحد دون آخر ، وكذا إن ماتت مرضعة .
( وهدم الدار ) لما تقدم .
( ومتى تعذر استيفاء النفع ولو بعضه من جهة المؤجر فلا شيء له )
من الأجرة ، لأنه لم يسلم له ما تناوله عقد الإجارة ، فلم يستحق شيئاً .
( ومن جهة المستاجر فعليه جميع الأجرة) لأن المعقود عليه تلف
باختياره تحت يده ، فأشبه تلف المبيع تحت يده . هذا إِن عطلت ، فإن
آجرها الآخر حاسبه على تمام مدته ، لأنها عقد لازم فترتب مقتضاه :
وهو ملك المؤجر الأجرة ، والمستأجر المنافع .
(وإن تعذر بغير فعل أحدهما كشرود المؤجرة ، وهدم الدار ) انفسخت
الإِجارة لفوات المقصود بالعقد ، أشبه مالو تلف .
( ووجب من الأجرة بقدر ما استوفى) من المنفعة قبل ذلك . وإن
غصبت المؤجرة خير المستأجر بين الفسخ ، وعليه أجرة ما مضى إِن كان،
وبين الإمضاء ومطالبة الغاصب بأجرة المثل .
- ٤٢٠ -
: