Indexed OCR Text
Pages 1-20
مِيزَانُ الإِعْتِدَالْ فى نقد الرّجَال تأليفُ الإمام الحافظ شمس الدّين محمد بن أحمد الذهَيْ المتوفى سنة ٧٤٨ هـ. ويَليْه ذيْل ميزان الاعتدال للإمَامِأبي الفضل عبد الرّحْمِنْ الحَسَيْن العراقيْ المتوفى سنة ٨٠٦ هـ. دِرَاسَة وَتَحْقِيْق وَتَعْلِيق الشيخ عادل أحمد عبدالموجود الشيخ على محمّد معوَض شَارَك فيْ تحقيقه الأستاذ الدكتور عبد الفتاح أبو سنّة خبير التحقيق بمجمع البحوث الإسلامية وَعضو المجلس الأعلى لشؤون الإِسْلامِيَّة. الجُزء الأوّل المحتوى : أبان - أتوب دار الكتب العلمية بيروت - لبنان جميع الحقوق محفوظة. جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً". Copyright C All rights reserved Exclusive rights by DAR al-KOTOB al- ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. الطَّبعَة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥م. دار الكتب العلمية بيروت - لبنان : رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت العنوان تلفون وفاكس : ٢٦٤٣٩٨ - ٢٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١) .. صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان DAR al-KOTOB al-ILMIYAH Beirut - Lebanon Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., 1st Floore. Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98 P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon بِسْمِ الَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِية حمداً لله على نعمه، يكافِىء مزيد فضله، حمداً كثيراً عظيماً طيباً مباركاً فيه. وأشهد أن لا إِلَه إِلَّ اللّهُ، أوَّلُ بلا ابتداء، دائمٌ بلا انتهاء لا يَفْنَى وَيَبِيدُ وَلاَ يَكُونُ إِلَّ مَا يُرِيدُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولَه. [الكامل] وَمَعِي بِذَلِكَ شَاهِدٌ وَدَلِيلٌ كُلُّ القُلُوبِ إِلَى الحَبِيب تَمِيلُ صَارَتُ دُمُوعُ العَارِفِينَ تَسيلُ أَمَّا الدَّلِيلُ إِذَا ذَكَرَتَ مُحَمَّداً مَّا بَعْدُ. فَإِنَّ حير الهمم العالية ما جانفت الرمم البالية وإنها تعلو الهمة بعلوِّ ما تهتمُّ به، ولا أجلّ من علوم الشريعة عقلاً ونقلاً ولا غرو فكتاب الله وسنة رسوله هما قطبا رحى الإسلام وطنبا فسطاطه، فحبذا الاشتغال بهما ويئْس التشاغل عنهما قال ابن القيم في نونيته [الكامل] قَالَ الصَّحَابَةُ هُمْ أُولُو العِزْقَانِ العِلْمُ قَالَ اللَّهُ قَالَ رَسُولُهُ بَيْنَ الرَّسُولِ وَبَيْنَ رَأْي قُلاَنِ وما العِلْمُ نَصْبُكَ لِلْخِلاَفِ سَفَاهَةً (شَرَفُ عِلْمْ الَحَدِيثِ وَأَهْلِهِ)) وعلم الحديث هو العلم الأصيل الذافر، وهو تاج العلوم الفاخر حسبك أنه كلام النبي بوحي من ربه العلي ((وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)) وقد ابتعث اللَّهُ محمداً فأنقذ به الورى، وأنقذهم به إلى الأمام من الوراء وأهل الحديث هم عصابة الرحمن، وهم الذبح للشيطان، فبهم تصان الشريعة، وتعلم الأوامر والنواهي، فهم أعلام الهدى ومنارات الدُّجى، وهم الذين عناهم النبي ◌َله . بقوله ((ستفترق أمتي من بعدي إلى ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ... )) الحدیث . ٤ مقدمة التحقيق قال الإمام أحمد: هم أهل الحديث. وقد صدق فيما نطق وباء بالحق وما مزق، إذْ أهل الحديث هم نقلة الشريعة وحفظتها والقائمين عليها وسدنتها، فبهم يستبين الصحيح من الخاسر والرابح من الكاسد من حديث رسول الله ◌َآلله . وخاصة بعدما التبس الحق بالباطل. ورتع في وضع الحديث كلُّ عاطل. وهيهات فإن حفظ الله قائمٌ لشرعه ويدُ الله تعمل في الخفاء فلا تعرَّض لها، وما يعلم جنود ربك إلا هو. وصدق الله إذْ يقول ((إِنَّ نَحْنُ نَزَّلِنَّا الذَّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُون)). والسنة شقيقة كتاب الله وصنوه، وبنت قوله فهي محفوظة بالله على يد أجناد الله جهابذ النقدة السفرة البررة من أهل الحديث رضي الله عنهم ورحمهم وتوجهم بكل فضلٍ وذخرٍ . [الطويل] أَوْلَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ الْمَجَامِعُ وهاك نبذاً نيرة ومسائل متآزرة خيرة هي ثمار علمائنا الأكابر من أهل الحديث، تكشف لك جهدهم وتنير دربك لتلحق بهم وتستقي من غيثهم. [الرجز] خَذْهَا إِلَيْكَ مُسَلَّمَةْ مَوْسُومَةً وَمُعَلَّمَةْ مَنْ جَاءَهَا نَالَ الْعُلَىُ حَازَ اَلْفَخَارَ عَلى المَلاَ - صولةٌ بين الرواية والرواة. - تعريفات وتقريرات. - حكم قبول الحديث الضعيف في الفضائل. - العناية بالرواية والحفظ لحديث رسول الله وقلقه . - الرحلة في طلب الحديث. - من فوائد الترحال والتنقل إلى البلدان والأقطار. - مرتبة السنة من الكتاب. - حجية السنة. - آراء بعض المتشرقين في السنة ونقدها. - مكانة السنة في القرن الثالث. - جهود العلماء في تدوين الحديث. - السنة في القرن الرابع الهجري. ٥ مقدمة التحقيق - علم الجرح والتعديل. - نبذة عن المؤرخین. - المتكلمون في الرجال ومن يعتد بقوله منهم. - جهود الصحابة والتابعين في مقاومة الوضاعين. - ألفاظ تدل على الصحة أو الحسن. - مبحث في ألفاظ خاصة عند أهل الجرح والتعديل. - ألفاظ الأمراء. - ترجمة المؤلف مشتملة على : - نسبه ومولده. - شيوخه . - مصنفاته. ا. هـ. جولة بين الرواية والرواة لا سبيل إلى معرفة شيء من معاني كتاب الله وسنة رسوله إلا من جهة النقل بعد الحفظ فإنهما الطريقان الأمثلان للحفاظ على التراث وهو ما يسمى ((بالصدور والسطور))، ولذا وجب أن نميز - بين عدول النقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والتثبت والإتقان منهم، وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة، ليعرف أهل الصدق من أهل النفاق، وليميز الله الخبيث من الطيب، فينكشف حال أهل الكذب والغفلة والنسيان والغلط ورداءة الحفظ وهؤلاء هم أهل الجرح فيسقط حديث من وجب أن يسقط حديثه ولا يعبأ به، ولا يعول عليه. ویکتب حديث من وجب کتابة حديثه منهم. وطبقات الرواة يمرون بمراحل ثلاث : الصحابة (١): أولئك الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وفقهوا دين الله وعرفوا أوامره ونواهيه فنصروه، وأقاموا مبانيه، وحافظوا على مراميه ومعانيه - سماهم الله عدولاً كما قال: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾(٢). التابعون(٣): خلفوا بعد الصحابة، وحفظوا عنهم، ونهلوا من دقيق أفهامهم، ونشروا ما تلقوه منهم من الأحكام والسنة والآثار، وذكرهم الله في حكم التنزيل فقال: ﴿والذين اتبعوهم بإحسان﴾(٤). (١) المحققون من أهل الحديث، كالبخاري وأحمد بن حنبل على أن الصحابي هو ((من لقي النبي - مَل﴾ - وهو مميز مؤمناً به، ومات على الإسلام، طالت مجالسته له أو قصرت، روى عنه أو لم يرو، غزا معه أو لم يغز)). وانظر بحثنا في مقدمة ((الإصابة)) للحافظ ابن حجر العسقلاني. (٢) البقرة/ ١٤٣. (٣) قال الخطيب: التابعي من صحب صحابياً، ولا يكتفي فيه بمجرد اللقى، بخلاف الصحابي مع النبي *... ولذلك ذكر مسلم وابن حبان ((الأعمش)) في طبقة التابعين لأن له لقيا وحفظاً، رأى أنس بن مالك، وإن لم يصح له سماع المسند عنه ... )). وانظر بحثنا في مقدمة ((الإصابة)). (٤) التوبة ١٠٠. ٧ مقدمة التحقيق أتباع التابعين : وهم الخلف الأخيار، وأعلام الأقطار والأمصار، وأعلم الناس بالحلال والحرام. سكت الصحابة عن تأويل المتشابه فسلموا، وتأوله هؤلاء لحمايته من زيغ الزائفين وانتحال المبطلين والأولى مما سلكه السلف(١)، وأنجبت المدرسة المحمدية على مرَّ الأزمان والعصور تلاميذ ذكرهم الله بعد تلاميذه المقربين وأتباعهم المخلصين فقال: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان - ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾(٢). أما المصنفون في علم الحديث فقد رتبوا الرواة من حيث القبول والرد إلى مراتب خمسة : الطبقة الأولى : فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن والجبهذ الناقد للحديث. فهذا لا يختلف فيه أو عليه. يعتمد على جرحه وتعديله، ويحتج بأحاديثه وكلامه في الرجال. الطبقة الثانية : العدل في نفسه، الثبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع في دينه، الحافظ لحديثه، المتقن فيه؛ فذلك العدل الذي يحتج بحديثه، ویوثق في نفسه. الطبقة الثالثة : : الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحياناً، وقد قبله الجهابذة النقاد، وهذا يحتج بحديثه (٣). الطبقة الرابعة : : الصدوق الورع المغفل (كثير النسيان) الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب - ولا يحتج بحديثه في الحرام والحلال. الطبقة الخامسة : والخامس بعد هؤلاء من ألصق نفسه بهم وليس منهم وليس من أهل الصدق والأمانة ظهر للنقاد والعلماء بالرجال أولى المعرفة منهم بالكذب سماه الله بالزنيم (والزنمة قطعة بارزة في (١) أقول وبالله التوفيق: وإنما يجب أن يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيرهم، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه ولا تعطيل، ولا تمثيل ... )). انظر تعليقنا على ((تفسير الوسيط)) للواحدي النيسابوري تفسير سورة ((الأعراف)) آية ((٥٥)) جـ ٣٧٥/٢. (٢) الحشر: ١٠. (٣) القلم: ١٢، ١٣. ٨ مقدمة التحقيق الجسم وليست منه) فهو مناع للخير ((معتد أثيم))(١). فإن الروايات التي يذكرها هؤلاء المندسون من الزنادقة والملاحدة لم يذكروا سندها ولا أسندوها إلى أحد من المخرجين، وقبول الحديث الذي لا سند له ليس من شأن أولي الألباب وأرباب العقول وذوي الحجا. لذلك كان لا بد من تحقيق أحوال الوسائط وتشخيصهم وكشف عدالتهم ليكتسب الحديث صفة القبول أو الرد وبدون ذلك فالاستناد به والتعويل عليه لا يليق بمن له أدنى خبرة بهذا الفن. وخلاصة المرام في تحقيق المقام: أن الأمور الدينية بأسرها محتاجة إلى بروز سندها، واتصالها إلى منبعها أو تصريح من يعتمد عليه بها، ولا يستثنى من ذلك شيء منها. غاية الأمر أن منها ما يشدد ويحتاط في طريق ثبوتها، ومنها ما يتساهل أدنى تساهل في طريقها. (١) الأجوبة الفاضلة، ٦٤ بتحقيق عبد الفتاح أبو غدة. تعريفات وتقريرات علم الحديث علم جليل وفريد اختص الله سبحانه به الأمة الإسلامية من أجل تثبيت دينها وصيانته من الإنحراف والضياع. فالحديث أقوال الرسول وله وتقريراته(١). والسنة أفعال الرسول وصفاته زيادة على أقواله وتقريراته. والمتواتر في الحديث من بلغ رواته كثرة بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب، والآحاد خبر الواحد لا ينطبق عليه حد التواتر، فإن رواه اثنان عن اثنين فهو مشهور وإن ثلاثة أو أربعة عن مثلهم إلى آخرين فهو مستفيض. والمتواتر يفيد العلم القطعي، وخبر الواحد الصحيح يفيد الظن الغالب فإن تلقاه المسلمون وأهل الحديث بالقبول فهو العلم اليقيني، ويجزم بأنه صدق، ويجب العمل به كالمتواتر سواء نفى العقائد أو العبادات أو المعاملات، وإنكاره إثم لقوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾: (٢) ولقوله: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم): (٣). والحديث القدسي ما أضيف إلى رسول الله واله وأسنده إلى ربه سبحانه. والفرق بين القرآن والحديث القدسي أن القرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحي جلي، والحديث القدسي ما كان لفظه من عند الرسول وَله ومعناه من عند الله بالإلهام أو المنام(٤). والحديث النبوي إما مرفوع أو موقوف، وكلاهما إما صحيح أو حسن أو ضعيف أو موضوع. (١) وسنسرد ألفاظاً تخص هذا الفن في مكان لاحق. (٣) النور: ٦٣ . (٤) وهناك فروق أخرى كثيرة، وليس هذا موضعها. (٢) النساء: ٦٥. ١٠ مقدمة التحقيق فالصحيح (١): ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا مُعَلّلاً. والحسن(٢): كالصحيح إلا أن بعض رواته حفظه أقل من حفظ راوي الحديث الصحيح. والحسن ینقسم قسمين : حسن لذاته و حسن لغيره. فالحسن لذاته ما انطبق عليه التعريف المتقدم. والحسن لغيره: ما ورد من طريقين فأكثر لا يخلو واحد منها من ضعف إلا أنها بمجموعها ترقى بالحديث إلى درجة الحسن لغيره بشرط أن يكون الضعف غیر شدید. أما الضعيف(٣): فهو ما قصر عن درجة الحسن، وتتفاوت درجاته ضعفاً بحسب بعده من شروط الصحة. وليس للضعيف مرتبة واحدة بل هو قسمان: قسم يجبر بتعدد الطرق، وقسم لا يجبر بهذا التعدد فالذي يجبر بتعدد الطرق يكون ناشئاً عن سوء حفظ رواته لا من تهمة فيهم. أما الضعيف الذي لا يجبر ضعفه فهو ما كان بعض رواته متهما بالكذب أو الفسق. وقد پرتقي بمجموعه عن کونه منکراً أو لا أصل له. والضعيف أقسام : مرسل، ومقطوع، ومنقطع، ومفصل، ومعلق، ومدلس، وغريب، وشاذ، ومضطرب، وموضوع، ومعلل، ومدرج، وغير ذلك. فالمرسل(٤): ما رفعه التابعي إلى النبي مسقطاً الصحابي. والمقطوع(6): ما جاء عن تابعي من قوله أو فعله موقوفاً. (١) انظر قواعد التحديث/ ٧٩. (٢) ينظر: مقدمة ابن الصلاح ص ١٠٣، واختصار علوم الحديث ص ٣٧، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٨٤، وتقريب النواوي ١/ ١٥٣ - ١٥٤، وتوجيه النظر ص ١٤٥ . (٣) مقدمة ابن الصلاح ص ١١٧، واختصار علوم الحديث ص ٤٤، وتدريب الراوي ١٧٩/١ . وفتح المغيث ١/ ١٩٣. (٤) مقدمة ابن الصلاح ص ١٣٠، وشرح التبصرة والتذكرة ١٤٤/١، وتقريب النوادي ١٩٥/١، وفتح المغيث ١٢٨/١، والخلاصة ص ٦٠، وتنقيح الأنظار، وشرحه توضيح الأفكار ١/ ٢٨٣. (٥) تقريب النواوي، ومعه التدريب ١٩٤/١، وفتح المغيث للسخاوي ١٠٥/١، واختصار علوم الحديث= ١١ مقدمة التحقيق والمنقطع(١): ما سقط من رواته واحد قبل الصحابي وكذا بعده من مكان بحيث لا يزيد الساقط عن راو واحد. المفصَّلْ(٢): ما سقط من رواته قبل الصحابي اثنان فأكثر بشرط التوالي. المعلق: ما حذف من أول إسناده لا وسطه. المدلس ثلاثة أقسام : الأول: أن يسقط شيخه ويرتقي إلى شيخ شيخه أو من فوقه فيسند عنه ذلك بلفظ لا يقتضي الاتصال بل بلفظ موهم کان یقول عن فلان أو قال فلان. الثاني: تدليس التسوية: بأن يسقط ضعيفاً بين ثقتين فيستوي الإسناد ويصير كله ثقات. وذلك شر التدليس وكان بقية بن الوليد من أفعل الناس له. والثالث: تدليس الشيوخ بأن يسمى شيخه الذي سمع منه بغير اسمه المعروف أو ينسبه، أو يصفه بما لم يشتهر به، وحكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلاً أن لا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث(٣). الغريب(٤): ما انفرد راو بروايته أو برواية زيادة فيه عمن يجمع حديثه وينقسم إلى: غريب صحيح كالأفراد المخرجة في الصحيحين، وغريب ضعيف: وهو الغالب على على الغرائب. وغريب حسن وفي جامع الترمذي منه الكثير المرجح. الشاذ(٥): ما خالف الراوي الثقة فيه من هو أوثق منه بزيادة أو نقص، والشذوذ يكون في السند، ويكون في المتن. المنکر(٦): الذي لا يعرف متنه من غیر جهة راویه، فلا تابع له ولا شاهد. = ص ٤٦، وتنقيح الأنظار ومعه توضيح الأفكار ٢٦٥/١. (١) الكفاية ص ٥٨، ومقدمة ابن الصلاح ص ١٤٤، وفتح المغيث للسخاوي ١٤٩/١، ومعرفة علوم الحديث ص ٢٧، وتوضيح الأفكار ٣٢٣/١ . (٢) فتح المغيث للسخاوي ١/ ١٥١، وتدريب الراوي ١/ ٢١١، والاقتراح لابن دقيق العيد ص ١٩٢ . (٣) وانظر الحديث عن ((المدلس) في: ((محاسن الاصطلاح ص ١٦٧، والتقييد والإيضاح ص ٩٥، والخلاصة ص ٧٤، وفتح الباقي ١٧٩/١، وتدريب الراوي ٢٢٣/١، وفتح المغيث للسخاوي ١٦٩/١ . (٤) التقييد والإيضاح ص ٢٧٣، وتدريب الراوي ٢/ ١٨٠، واختصار علوم الحديث ص ١٦٦، والخلاصة ص ٥١، ونزهة النظر ص ٢٧ . (٥) معرفة علوم الحديث ص ١١٩، والتقييد والإيضاح ص ١٠٠، وفتح المغيث للسخاوي ١٨٥/١ وتدريب الراوي ١/ ٢٣٢، وتوضيح الأفكار ١/ ص ٣٧٧. (٦) اختصار علوم الحديث ص ٥٨، وشرح التبصرة والتذكرة ١٩٧/١، وفتح المغيث للسخاوي ١٩٠/١، وتدريب الراوي ٢٣٨/١، وتوضيح الأفكار ٣/٢. ١٢ مقدمة التحقيق المضطرب(١): ما روي من أوجه مختلفة - متدافعة على التساوي في الاختلاف من راو واحد . الموضوع(٢): هو الذي في إسناده راو واحد أو أكثر ثبت عليه أنه يكذب على رسول الله وَّه ويسمي المختلق، وتحرم روايته مع العلم به إلا مبيناً. والمعلل : هو حديث ظاهر الصحة ، ولكن تدخله علة ، وهي عبارة عن سبب غامض خفي قادح مع أن الظاهر السلامة منه. والمدرج : وهو ما يدخله الراوي على الأصل المروي متصلاً به ، سواء كان الاتصال بآخر المروي، أو بأوله، أو في أثنائه دون فصل بذكر قائله، بحيث يلتبس على من لم يعرف الحال، فيتوهم أن الجميع من ذلك الأصل المروي. وهاهنا مسألة هامة تعرض لها أصحاب هذا الفن، وطال فيها نزاعهم ألا وهي: ((قبول الحديث الضعيف في فضائل الأعمال))(٣) قال الحافظ العراقي في ((شرح ألفية الحديث))(٣): أما غير الموضوع فَجَوَّزوا التساهل في إسناده، وروايته من غير بيان ضعفه إذا كان من غير الأحكام والعقائد، بل في الترغيب والترهيب من المواعظ والقصص وفضائل الأعمال ونحوها أما إذا كان في الأحكام الشرعية من الحلال والحرام وغيرهما أو في العقائد لصفات الله تعالى وما يجوز في حقه وما يستحيل عليه ونحو ذلك فلم يروا التساهل في ذلك، وممن نص على ذلك من الأئمة: عبد الله الحسن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وعبد الله بن المبارك وغيرهم. انتھی. وقال النووي في التقريب قريباً من ذلك. وذكر له شيخ الإسلام الحافظ بن حجر العسقلاني ثلاثة شروط : أحدها: أن يكون الضعف غير شديد فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب ومن فحش غلطه. (١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ص ٢٤٠، واختصار علوم الحديث والباعث الحثيث ص ٧٢، وفتح المغيث للسخاوي ٢٢١/١، وتوضيح الأفكار ٣٤/٢. (٢) التقييد والإيضاح ص ١٣٠، وفتح المغيث للسخاوي ٢٣٤/١، وتدريب الراوي ٢٧٤/١، ومقدمة ابن الصلاح ص ٢١٢ . (٣) ٢٩١/٢ ط فارس. ١٣ مقدمة التحقيق والثاني: أن يندرج تحت أصل معمول به. والثالث: ألا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط وقيل لا يجوز العمل به مطلقاً(١)، وقيل: يعمل به مطلقاً(٢)، وقال ابن حجر الهيثمي(٣): قد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؛ لأنه إن كان صحيحاً، في نفس الأمر فقد أعطى حقه من العمل به، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم ولا ضياع حق للغير. وقد احتج بعضهم بالحديث الضعيف إذا لم يوجد في الباب غيره كأحمد بن حنبل، وتبعه أبو داود، وقدماه على الرأي والقياس ويقال عند أبي حنيفة أيضاً ذلك، وكذلك إذا تلقت الأمة الحديث الضعيف بالقبول يعمل به على الصحيح وجوباً حتى إنه ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ المقطوع به، ولهذا قاله الشافعي في حديث: ((لا وصية لوارث))(٤) إنه لا يثبته أهل الحديث ولكن العامة تلقته بالقبول وعملوا به حتى جعلوه ناسخاً لآية الوصية(٥). (١) وممن ذهب إلى هذا المذهب القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي المتوفي. (٢) نقله السخاوي في ((القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع)» ص ١٩٥ . (٣) ((الفتح المبين في شرح الأربعين)) ص ٣٢. (٤) أخرجه: من حديث أبي أمامة أخرجه أبو داود في السنن ٢٩٠/٣، ٢٩١، وكتاب الوصايا: باب ما جاء الوصية للوارث (٢٨٧٠)، وأخرجه الترمذي في السنن ٤٣٢/٤، كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث (٢١٢٠) وأخرجه ابن ماجة في السنن ٩٠٥/٢ کتاب الوصايا: باب لا وصية لوارث (٢٧١٣)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٥٩/٨، ١٦٠ (٧٦١٥)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢٦٤/٦ كتاب الوصايا: باب نسخ الوصية للوالدين، وأخرجه أبو داود الطيالسي في المسند ص ١٥٤، وأخرجه أحمد في المسند ٢٦٧/٥. وأخرجه سعيد بن منصور في سنته ٤٢٨، وذكره الحافظ بن حجر في المطالب العالية (٢٩٠٨). (٥) قال الإمام اللكنوي بعد حكاية الخلاف المذكور: هذه العبارات ونحوها الواقعة في كتب الثقات تشهد بتفرقهم في ذلك، فمنهم من منع العمل بالضعيف مطلقاً، وهو مذهب ضعيف، ومنهم من جوزه مطلقاً، وهو توسع سخيف، ومنهم من فصل وقيد، وهو المسلك المسدد. من ((الأجوبة الفاضلة)) ص ٥٣. العناية بالرواية والحفظ لحديث رسول الله مكا الله عاجيه وسام يقول خالد بن يزيد فيما رواه البيهقي: ((حرمة أحاديث رسول الله وَ ﴿ كحرمة كتاب الله)). وكان أبو سعيد الخدري يقول: مذاكرة الحديث أفضل من قراءة القرآن. قال السيوطي في مفتاح الجنة: وهذا كما قال الشافعي ((طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، لأن قراءة القرآن نافلة، وحفظ الحديث فرض كفاية. وقال ابن المبارك في حديث: ((لا تزال طائفة من أمتي على أمر الله)) الحديث(١). وقد صدق هؤلاء فیما قالوه، أن أصحاب الحديث خير الناس وکیف لا يكونون كذلك، وقد نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة وسحرهم المعارضة، واسترواحهم المذاكرة، وخلوقهم (آي طيبهم الذي يتطيبون به) المداد، ونومهم السهاد يصطلون الضياء، ويتوسدون الحصى، الشدة عندهم مع علو الإسناد ورخاء. أولئك هم العلماء الحكماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء. الرحلة في طلب الحديث يعتبر الحديث النبوي الشريف المصدر الثاني للإسلام، لذلك أعطاه العلماء غاية اهتمامهم، وبذلوا منه أجل الحديث وأسانيده كل ما في وسعهم حتى رحلوا المسافات البعيدة على بعد الشقة وعظم المشقة، طلباً للحديث، وبحثاً عن أسانيده، بل عن إسناد الحديث الواحد. امتثالاً لأمر الله تعالى وتحقيقاً لما حث عليه رسول الله ◌َ ليل من كتاب الله وسنة نبيه. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا (١) أخرجه: البخاري ١/ ١٩٧ كتاب العلم: باب ((من يرد به الله خيرا)) (٧١)، وفي ٦/ ٢٥٠ كتاب الخمس باب قول الله ((فإن الله خمسة)) ٣١١٦، وفي ٣٠٦/١٣، كتاب الاعتصام باب قول النبي و #: لا تزال من أمتي ظاهرين على الحق .. ١١ (٧٣١٢)، ومسلم ٧١٨/٢ - ٧١٩، كتاب الزكاة: باب النهي عن المسألة (١٠٤٧/٩٨). ١٥ مقدمة التحقيق قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾(١). ومن الحديث قوله: وَالجهل: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله به طريقاً إلى الجنة))(٢). وقبل أن أبين أهداف الرحلة عند المحدثين يجدر بي أن أقف عند قوله ◌َعليه: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا)) ووجه الاستدلال أن هذه المساجد الثلاثة مساوية لسائر المساجد في المسجدية، فما ميزها عن سائر المساجد بشد الرحال إليها، وطلب زيارتها للعبادة فيها إلا أنها مباني النبيين ومعاهدهم، وأمكنة غالب عبادتهم وإرشاداتهم عليهم الصلاة والسلام، فإذا طلبت زيارتها بهذا الحديث كانت زيارة أصحابها أولى(٣) بالطلب وأحق بشد الرحال إليها وهذا الاستدلال من قبيل الاستدلال بمفهوم الموافقة الذي هو أولى كما يقول الأصوليون، وذلك أمر واضح لمن نوّر الله بصيرته، ومن فهم من هذا الحديث منع شد الرحال لزيارة المصطفى # أو زيارة القبور فقد وهم وما فهم ويدخل تحت ((شد الرحال)) طلب العلم، والرحلة لطلب الحديث للتأكد من صحة متنه أو لعلو إسناده أو لمكانته ويدخل تحت هذا المعنى الهجرة لهذه الأسباب لقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ (٤) كما أن الاستثناء المفرغ كما في هذا الحدیث یجب أن يكون فيه المستثنی من جنس المستثنى منه القريب أو البعيد والقريب أولى بالتقدير، فالمعنى لا تشد الرحال إلى مسجد أو إلى أي مكان، والزيارة أو الرحلة في طلب العلم لا تدخل في واحد منهما حتى يتوجه النفي إليها .. قال الحافظ العراقي: من أحسن محامل هذا الحديث أن المراد منه حكم المساجد فقط، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد غير هذه الثلاثة أي لكونها أبنية الأنبياء وأما قصد غير المساجد من الرحلة في طلب العلم وزيارة الصالحين والإخوان والتجارة والتنزه ونحو ذلك فليس داخلاً فيه، وقد ورد ذلك مصرحاً به في رواية أحمد ولفظه: ((لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا))(٥) وقال الشيخ تقي الدين السبكي: ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تشد (١) التوبة/ ١٢٢. (٢) من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم ٤/ ٢٠٧٤ من كتاب الذكر والدعاء: باب «فضل الاجتماع على تلاوة القرآن حديث (٢٦٩٩/٣٨)، وابن ماجة ٨٢/١ باب ((فضل العلماء والحث على طلب العلم)) حديث (٢٢٥)). (٣) الزيارة الشرعية المنصوص عليها في الكتب الصحيحة - معاذ الله ! - أن نبيح الطواف بالقبور والتبرك بها وشد الرحال إليها تعبداً . (٤) النساء: ١٠٠ . (٥) من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه أحمد في المسند ٦٤/١، وانظر كلام الشيخ الألباني على الحديث في ((إرواء الغليل)) ٢٣٠/٣. ١٦ مقدمة التحقيق الرحال إليها لذلك الفضل غير البلاد الثلاثة، وأما غيرها من البلاد، فلا تشد إليها لذاتها بل لزيارة أو جهاد أو علم أو نحو ذلك من المندوبات أو المباحات. إذا فهمت ذلك، تجلت لك أهداف الرحلة عند المحدثين واتضحت لك فيما يلي : ١ - تحصيل الحديث: وذلك من أهم أسباب الرحلة خصوصاً في العهود الأولى للإسلام، ومنه جاءت رحلات الصحابة والتابعين وتفرقهم في الأمصار. وقد كان الخلفاء رضي الله عنه يرسلونهم إلى البلاد دعاة ومعلمين كابن مسعود في العراق وأبي الدرداء في الشام. وانتشر علم الصحابة في التابعين، وتفرق بينهم فاحتاج العلماء إلى تحصيله من صدور حملته مباشرة استكمالاً لعلم السنة النبوية فضربوا المثل العليا حتى رحلوا في طلب الحديث. ٢ - التثبت من الحديث: وهو مقصد الصحابة رضي الله عنهم في رحلاتهم والتابعين، وقد يكون عند المحدث أحاديث يرويها فإذا رحل سمع أحاديثه بأسانيد تلتقي مع إسناده وتتفق مع رواياته أو معناها فيطمئن المحدث، ويتقوى الحديث عنده إن كان فيه ضعف بتعدد الطرق أو يزداد صحة إن كان من قبل صحيحاً أو يسقط حديثاً كان يظنه قبل رحلته صحيحاً. ٣ - طلب العلو في السند: ومعنى العلو قلة الوسائط في سند الحديث مع اتصال السند، وكيفية حصول العلو بأن يسمع المحدث حديثاً من راو عن شيخ موجود فيذهب المحدث إلى الشيخ في السند(١). ٤ - البحث عن أحوال الرواة : معرفة أداء الراوي للحديث هو المقصود الأسمى الذي عليه مدار هذا العلم، ومن أجله بذلت كل الجهود، ووضعت قواعد النقد وكان لا بد من تقصي أحوال الرواة وأخبارهم حتى يتميز المقبول من المردود. ٥ - مذاكرة العلماء في نقد الأحاديث وعللها: وهو فن جليل يحتاج إلى عمق النظر، وتقصي الأسانيد والروايات وذلك لا يتم إلا بالمجالسة والمدارسة، ولقاء أساتذة هذا الفن وأساطينه. قال الخطيب البغدادي: ولو كان المتصل والمرسل واحداً لما ارتحل كتبة الحديث، ولما تكلفوا مشقة الأسفار، وشد الرحال إلى ما بعد من الأمصار والأقطار للقاء العلماء والسماع منهم . (١) انظر الرحلة في طلب الحديث بتحقيق نور الدين عتر/ ١٢ وما بعدها. ١٧ مقدمة التحقيق - من فوائد الترحال والتنقل إلى البلدان والأقطار يقول العلامة ابن خلدون في مقدمة: ((الرحلة في طلب العلوم، ولقاء المشيخة مزيد کمال في التعلم»(١). ولعل هذه العبارة الموجزة ما يفيد أن الرحلة تزيد في المعارف، ومنها تكتسب الأخلاق؛ وتنتحل المذاهب والآراء إما علماً وتعليماً، وإما محاكاة وتلقيناً، ولعل أقوى مثال في ذلك ما وافانا به الإمام الشافعي في رحلته من العراق إلى مصر من مذهب جديد يختلف في مسائل جوهرية كثيرة عن مذهبه القديم؛ فالرحلة لا بد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد، والكمال بلقاء المشايخ، وتكوين الشخصية العلمية المستقلة التي يمكن أن تتحدد وتبتكر في إطار الهدف المنشود، والغرض المقصود. كما أن من أسمى غايات الرحلة نشر العلم فليس الغرض منها الاستفادة من الغير فحسب، وإنما إفادة الغير أيضاً فيعلم من يلقاهم مما أفاض الله عليهم من الفن الذي تخصص فيه فتعظم مكانته بينهم، ويكثر الانتفاع بحكمته، بل إن أحدهم ليستصغر البلد الذي ينزل فيه على علم فيرحل إلى بلد يسعه علمه الغزير كما فعل العز بن عبد السلام فرحل من الشام إلى مصر . وقد تكون الرحلة للإلتقاء بأحد الصالحين الذين ذاع صيتهم وانتشر في الآفاق كرحيل موسى إلى الخضر، ولا يفوتنا في هذا المقام مالك بن أنس إمام دار الهجرة التي كانت تضرب إليه أكباد الإبل بالمدينة المنورة للتلمذة على يديه وعلى رأسهم الشافعي ابن إدريس المطلبي ابن عمر رسول الله وَله . كما أن من فوائد الرحلة كسب صداقات جديدة قائمة على تبادل الخبرات والثقافات كالتقاء الشافعي بابن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة بالعراق. ومن آداب الترحال تزود المرتحل من علماء بلده قبل أن يخرج إلى بلد غير بلده، فإذا فرغ من التلقي من علماء بلده سلك السبيل إلى غيرهم في الآفاق. كما أن من آدابها اختيار الأماكن، واستشارة علماء بلده في هذه الأماكن قبل الرحيل إليها والتعرف على الفضلاء من علمائها . وألا يكون عاصياً بالسفر(٢) إلى هذه البلاد فإن ذلك مما يحرم عليه الرخص التي أباح الله له من قصر الصلاة وجمعها والفطر بدلاً من الصوم وغير ذلك. (١) مقدمة ابن خلدون ص ٦٣٢. (٢) لان الرخص لا تناط بالمعاصي. هذا عند الشافعية، بل يرى الأحناف ومن وافقهم إباحة الترخص له، = میزان الاعتدال/ ج١/ م٢ ١٨ مقدمة التحقيق مرتبة السنة من الكتاب الذي لا يختلف عليه اثنان أن الكتاب يتميز عن السنة لفظاً وإعجازاً وتبداً بالتلاوة، لكنها تساويه من حيث الحجية والاستدلال بأنها تبيان الكتاب؛ فلا تتأخر عنه في هذا المقام. وكيف لا، وهي وحي مثله لأنها قد نزلت على من لا ينطق عن الهوى وَّ وهي المعنية بقوله الله: ((أوتيت القرآن ومثله معه)) یعدد ومثله معه مرات عديدة. إن إهدار حجية السنة إهدار للآيات التي نصت على حجيتها ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧]. وخلاصة القول في ذلك: أن كلا منهما معضد للآخر، مساو له في أنه وحي من عند الله، وفي قوة الاحتجاج به قال ◌َّر: ((نزلت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوضين)) والله أعلم (١). حجية السنة لا نزاع في أن صحة الاستدلال بحديث مروي عن رسول الله ﴾ - على عقيدة دينية أو حكم شرعي يتوقف على أمرين أساسيين : أولهما: ثبوت أن السنة حجة وأصل من أصول التشريع. ثانيهما : ثبوت ورود هذا الحديث بطريقة من طرق الرواية المعتمدة . ثم إن العلماء اختلفوا بالنسبة للأمر الثاني في الطريق التي تعتمد في إثبات صدور الحديث عن رسول الله وَ ل اختلافاً كبيراً . فمن الناس من أنكر العمل بكل ما يروى عن النبي وَ لّ لا من حيث صدروها عنه، وأن ما صدر ليس بحجة، ولكن من حيث عدم ثبوت هذا الصدور من طريق يصح الاعتماد عليها والاطمئنان إليها . وهذا الفريق من الناس ذكره السيوطي في كتابه ((مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة))(٢). ومنهم من قال: إنما يثبت بالتواتر فقط ورد جميع أخبار الآحاد. وفريق ثالث: أثبته بكل منهما (التواتر والآحاد) وهذا الفريق اختلف في شروط خبر الواحد اختلافاً كثيراً. = ولكن عند الشافعية نقول للعاصي: تب وارجع إلى ربك ترخص. (١) انظر بحثنا عن هذه المسألة في كلامنا على ((فتح العلام)) للشيخ زكريا الأنصاري. والحديث أخرجه: ابن ماجة مقدمة باب (٦))، والحاكم في المستدرك ١/ ٩١، من حديث العرباض بن سارية. (٢) ص ٣ من الكتاب المذكور. وانظر بحثنا عن ((حجية السنة)) في ((فتح العلام)). للشيخ زكريا الأنصاري. ١٩ مقدمة التحقيق وأما الأمر الأول: وهو حجية السنة بعد التثبت من صدورها عن رسول الله وَّو فهل وقع فيه خلاف؟ . الذي لا شك فيه أن موجبات الخلاف اختلاف الملل والنحل وتفاوت العقول؛ فهذا قد قصر عقله عن إدراك ما يقال وما يفعل، وهذا قد اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم، وثالث قد مرق من الدين مروق السهم من الرمية وبين هؤلاء وهؤلاء الغارقين في ظلمات الجهل وعماية الفهم يشق النور طريقه مخترقاً ذلك الظلام الدامس فسرعان ما يبدده بتفنيد هذه الآراء والتمييز بين المتعالمين والعلماء بحجج قاطعة وبراهين ساطعة يرتاح إليها المنصفون، وينزعج لتبيانها المبطلون . فحجية السنة ليس المراد منها أقوال النبي وأفعاله وتقريراته لذاتها، بل من حيث صدورها ممن ثبتت رسالته وعصمته فإذا قلنا إنها ضرورة دينية أي أنها أصبحت معلومة الخاص والعام: العالم والجاهل، ولكل أفراد الأمة الإسلامية: لا ينكرها منكر، ولا يشك فيها شاك حتى يطالبنا ببيان دليلها وأصلها، فلما لم ينجح إلى بيان دليل لمنكر لها كصلاة الظهر مثلاً وأنها أربع ركعات صارت بمنزلة القضايا الضرورية حقيقة ولذلك كان الحكم على منكرها أو الشاك فيها بالردة لما تقرر من أن الإيمان هو التصديق القلبي في جميع ما علم مجيئة على يد النبي بالضرورة. وخلاصَةُ القَوْل أنَّ الأئمّة قاطبةً مُجْمِعُون علَى اتِّخَاذ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ قاعدةً أساسيَّةً بعْد كتابِ الله تعالَى، وأنَّه يجبُ العَمَل به في القَضَاء والإفْتَاء، ولو خالَفَ مذاهِبهَم. كان بعضهم يعتصِمَ بالحَدِيث حتَّى كاد يُقْصِرُ اجتهادَهُ عَلَيْهِ، وبعضُهم أسَّس مذْهَبَه على ظاهِرِه، وأنْكَر ما عَدَاه، ولا غرابةَ، فإنَّه المَعينُ الذي لا يَنْضَب بعْد كتَابِ الله، فيه يجد المجتهدُ مجالاً واسِعاً لاستنْبَاط الأحكام، وهو مفتاحُ القرآنِ ومرقاةُ الوُصُول إلى فهْمِه على وجْهِه فقْد. فصَّل ما أجْمَل، وأحْكَم ما تَشَّابَه، وكلَّ ما سكَتَ عنْه - وإذا كان الحديثُ بهذه المثابَةِ، فلا بأس أن نسرُدَ أقوال الأئِمَّة فيه، ونبيَّن مقدار تمسُّكهم به في تشْرِيعِهم فها هوَ الإمامُ الشافعيُّ - رضي الله عنه - يقول: إذا صحَّ الحديثُ، فَهُوَ مَذْهَبي، وإذا وجَدُثُّم في كتابِي خلافَ سنَّة رسُول الله، فدَعُوا قولي، وقُولُوا بسُنَّة رسولِ الله، وقد سلَك أصحابُه هذا المَسْلك، فكانوا يُفْتُون بالحدِيثِ، بلْ كان بعْضُهم إذا رأَى مسْأَلَةٌ تَعَارَضُ فيها الحديثُ ومذهبُ الشافعيِّ، أخذا بالحديث وأفْتَى به قائلاً: هكَذَا مَذْهَبُ الشَّافعيِّ. وجاء في شرْح الهداية لابْن الشحنةِ: ((إذا صحَّ الحديثُ، وكانَ مخالفاً للمَذْهَب، عمل بالحديث، ويكون ذلك مذْهَبَ من صحَّ عنده. ثم قال: ولا يَخْرُج مقلِّده عن كونه حنَفيَّاً بالعَمَل به؛ لِما رُوي عن أبي حنيفةَ أنَّه قال: إذا صحَّ الحديثُ، فهو مذْهَبي، وقد حكى ذلك أبنُ عبْدِ البَرِّ عن أبي حنيفةَ وغيرِه من الأئمة. 5 آراء بعض المستشرقين فى السنة ونقدها. ـوع يرى جولدتسيهر أن أكثر الأحاديث النبوية موضوعة لأنها: نتيجة للتطور الإسلامي السياسي والاجتماعي، وأن الصحابة والتابعين لهم يد في وضع هذه الأحاديث. كما يرى أن أصحاب المذاهب ينتحلون أحاديث لدعم مذهبهم بل إن بعضهم عزز آراءه العقدية والفقهية حتى في العبادات بأحاديث ظاهرة لا تشوبها أي شائبة . كما يظن اختلاف وجهات نظر النقاد المسلمين والأجانب في التسليم بصحة الأحاديث من عدمها . وأخيراً يصور الكتب الستة الصحاح بأنها ضم لأنواع من الأحاديث التي كانت مبعثرة رأى جامعوها أنها صحيحة . تلك هي النقاط الخمسة التى خرجت رجيعاً من الأمعاء السبعة التي يأكل فيها هذا الكافر الحاقد. وهي أتفه من أن أفندها أو أناقشها فإن مثل هذا الحقد ومن على شاكلته خير من إجابته السكوت - لأن أصل فريقهم يتناول جانبين أساسيين. أحدهما أن النبي محمداً أحد المصلحين الذين كانوا لهم تأثير في مجتمعهم، وما زالت يده الإصلاحية ممتدة مع مر السنين والأيام، فكل ما أتى به من اختراعه وابتكاره لا وحياً إليه من ربِّه. والأمر الثاني أن أصحابه كانوا من خيرة معاونيه على تدعيم وجهات نظره واستكمال منهجه حتى مكن الله لهم في الأرض، وأن السيف كان أداتهم في تدعيم آرائهم ومعتقداتهم .. تلك هي خلاصة ما يرون في الإسلام وبني الإسلام فيما يبدون من آراء، ولكن الحق أن هؤلاء إن لم يكونوا من اليهود فهم على كل حال من سلالة القردة والخنازير ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾(١) وهذا هو باطنهم الذي لم يستطيعوا أن (١) البقرة/ ١٤٦.