Indexed OCR Text

Pages 61-80

وللرد على هذا أقول: إن هذه الدراسة اعتنت باختلاف الروايات، والفروق
التي بينها، فإذا بحثنا عن مصدر اختلاف الروايات نجد أن أكثر هذه الاختلافات
ترجع إلى تلاميذ الإمام مالك وقليل منها جداً يمكن نسبته إلى الإمام مالك
نفسه، وسيتضح هذا لكل من ينظر في هذه الطبعة من الموطأ إن شاء الله.
وقد قارنًا بين روايتي يحيى بن يحيى الليثي، وأبي مصعب الزهري حرفاً
بحرف لأحاديث كثيرة وفتاوى عديدة لمعرفة هل هناك ثمة اختلاف بين
الروايتين.
وقمنا بمقارنة ما يقارب سبعة وتسعين حديثاً وفتوى من رواية يحيى الليثي
برواية أبي مصعب الزهري، وهذه مقارنة دقيقة، لم نهمل فيها حتى حروف
الجر، ولقد خصصنا لهذه الدراسة الملحق / ١ وهذه الدراسة لا تؤيد ما ذهب
إليه الدكتور بشار عواد، ويثبت أن في كلامه تهويلاً كثيراً.
مالك والكتابة والإجازة :
وكان الإمام مالك يذهب إلى جواز الكتابة والمناولة والإجازة ولكن في
نطاق ضيق، ويختلف من شخص لآخر.
- قال مطرف: ((حضرت مالكاً يأتيه الرجل بالدفتر فيسأله أن يجيزه، فيفعل))(١).
- ((وروى ابن وهب أنه رأى مالكاً مرة فعله، ومرة كرهه))(٢).
((وقد كتب ليحيى بن سعيد الأنصاري مائة حديث لابن شهاب، فقيل له:
أقرأها عليك؟
قال: كان أفقه من ذلك))(٣).
(١) ترتيب المدارك ١٦٢:١.
(٢) ترتيب المدارك ١٦٢:١.
(٣) ترتيب المدارك ١٦٢:١.
٦١

- قال مصعب: ((وسأله المهدي أن يسمع منه كتبه، فقال له: هذا شيء
يطول عليك، ولكن أكتبها لك وأصححها، وأبعث بها إليك، وكان أكثر أمله أن
يقرأ عليه، ولا يقرأ))(١).
مالك: العرض والسماع سواء:
- قال إسماعيل بن أبي أويس: ((السماع على ثلاثة أوجه: القراءة على
المحدث، وهو أصحها، وقراءة المحدث، والمناولة، وهو قوله: أرويه عنك،
وأقول: حدثنا، وذكر عن مالك مثل ذلك)) (٢).
- قال يحيى بن صالح: «كنت عند مالك بن أنس جالساً، فسأله رجل فقال
يا أبا عبد اللّه: الكتاب تقرؤه عليّ أو أقرؤه عليك، أو تجيزه لي، فكيف أقول؟
فقال لي: قل في ذلك كله إن شئت: حدثنا مالك بن أنس))(٣).
قال عبد الله بن وهب: ((كنت عند مالك بن أنس جالساً، فجاءه رجل قد
كتب الموطأ يحمله في كسائه، فقال له: يا أبا عبد الله هذا موطؤك، قد كتبته
وقابلته، فأجزه لي، فقال: قد فعلت.
قال: فكيف أقول: أخبرنا مالك، أم حدثنا مالك؟
قال له مالك: قل أيهما شئت))(٤).
قال الفريابي: ((سمعت قتيبة يقول: كنت في كل مجلس أقوم إلى مالك،
فأقول: هذا الذي قرأ عليك حبيب كما قرأ؟
فيقول: نعم.
(١) ترتيب المدارك ١٦٢:١.
(٢) الكفاية للخطيب البغدادي ص٣٢٧.
(٣) الكفاية للخطيب البغدادي ص٣٣٣.
(٤) الكفاية للخطيب البغدادي ص٣٣٣.
٦٢

فأقول: أقول: حدثنا مالك؟
فيقول: نعم)).
وقال أبو نعيم الحلبي: ((دخلت على مالك بن أنس، ومعي إسماعيل بن
صالح، فأخرج كتاباً مشدوداً، فقال: هذا كتابي، قد نظرت فيه، فاروه عني،
فإني قد صححته.
فقال له إسماعيل: فنقول: حدثنا مالك بن أنس؟
قال: نعم))(١).
قال عبد الرحمن: ((سمعت مالكاً يقول: القراءة والسماع سواء))(٢).
وقال عبد الرحمن بن سلام: ((دخلت على مالك بن أنس وعلى بابه من
یحجبه، وقال: بین یدیه ابن أبي أويس، وهو يقول: حدثك نافع، حدثك ابن
شهاب، حدثك فلان وفلان، فيقول مالك: نعم، نعم. فلما فرغ قلت: يا أبا
عبد الله عوضني مما حدثته بثلاثة أحاديث تقرؤها عليّ.
قال: أعراقي، أعراقي؟ أخرجوه عني))(٣).
مؤلفات الإمام مالك :
ذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك مؤلفات الإمام مالك - غير الموطأ
الذي يعد أشهر مؤلفاته - وسنفرد باباً خاصاً للموطأ -:
١ - رسالة ابن وهب في القدر. قال الذهبي: ((وإسنادها صحيح))(٤).
٢ - كتاب في النجوم، وحساب مدار الزمان ومنازل القمر(٥).
(١) الكفاية للخطيب البغدادي ص ٣٣٣.
(٢) المحدث الفاصل ص٤٢٠.
(٣) المحدث الفاصل ص ٤٢١.
(٤) سير أعلام النبلاء ٧٩:٨.
(٥) سير أعلام النبلاء ٧٩:٨.
٦٣
٤
.....

٣ - رسالة مالك في الأقضية، كتب بها إلى بعض القضاة عشرة أجزاء
ذكرها الذهبي ولم يعلق عليها(١).
٤ - رسالته إلى أبي غسان محمد بن مطرف في الفتوى، ذكرها الذهبي
(٢)
بدون تعليق(٢).
٥ - رسالة إلى هارون الرشيد.
قال الذهبي: ((إسنادها منقطع، ذكرها إسماعيل القاضي وغيره، وفيها
أحاديث لا تعرف.
قلت -: القائل هو الذهبي - هذه الرسالة موضوعة)).
((وقال القاضي الأبهري: فيها أحاديث لو سمع مالك من يحدث بها
لأدبه))(٣).
٦ - التفسير لغريب القرآن. وقال الذهبي: جزء في التفسير (٤).
٧ - كتاب السير، من رواية ابن القاسم.
قال الذهبي: هو جزء واحد(٥).
٨ - رسالة إلى الليث بن سعد في إجماع أهل المدينة (٦).
محنة مالك :
الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من خواص الإسلام. قال الله تعالى:
(١) سير أعلام النبلاء ٧٩:٨.
(٢) سير أعلام النبلاء ٨: ٨٠.
(٣) سير أعلام النبلاء ٨٠:٨، الفهرست لابن النديم ص٢٥١.
سير أعلام النبلاء ٨٠:٨.
(٤)
(٥) سير أعلام النبلاء ٨٠:٨.
(٦) سير أعلام النبلاء ٨: ٨٠.
٦٤

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمٍَّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل
عمران: ١١٠]، زد على ذلك من واجب العلماء ترشيد العامة، والخاصة إلى ما
هو الحق والصواب، وفي سبيل أداء هذا الواجب لقي خيار الأمة ما لقوا من
الامتحان، وقد مر بذلك الإمام مالك رحمه الله أيضاً.
فقد جُرد مالك رحمه الله من ثيابه، وضرب بالسياط، وجبذت يده حتى
انخلعت من كتفه، وكان ذلك سنة ست وأربعين ومائة (١). وكان من أثر ذلك أنه
كان يضطر أن يحمل إحدى يديه بالأخرى.
قال إبراهيم بن حماد الزهري: رأيت مالكاً يحمل إحدى يديه بالأخرى (٢).
واختلف العلماء في سبب هذه المحنة، فذكر الطبري أن أبا جعفر نهى
مالكاً عن الحديث:
(ليس على مستكره طلاق)). ثم دسّ إليه من يسأله، فحدثه به على رؤوس
الناس، فضرب لأجل ذلك(٣) .
وذكر الواقدي سبباً آخر، وهو شديد الصلة بالسبب الأول.
قال الواقدي: ((لما دعي مالك، وشوور، وسمع منه وقُبل قوله حُسد وبغوه
بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة سعوا به إليه وكثروا عليه عنده،
وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن
الأحنف في طلاق المكره: أنه لا يجوز عنده.
قال: فغضب جعفر، فدعا بمالك، فاحتج عليه بما رُفع إليه عنه، فأمر
بتجريده، وضربه بالسياط، وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمر
عظيم، فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو)).
(١) ترتيب المدارك ١ :٢٣١.
(٢) ترتيب المدارك ١ :٢٣٠.
(٣) سير أعلام النبلاء ٧١:٨ - ٧٢.
٦٥
.

وعلق عليه ابن النديم صاحب الفهرست قائلاً: ((وكأنما كانت تلك السياط
حلياً عليه))(١) .
وقال الذهبي: «قلت: هذا ثمرة المحنة المحمودة أنها ترفع العبد عند
المؤمنين، وبكل حال فهي بما كسبت أيدينا، ويعفو اللّه عن كثير، ومن يرد الله
به خيراً يصيب منه))(٢).
لكن ماذا كان موقف مالك رضي اللّه عنه وأرضاه من هذه المحنة؟
حُمل مالك من الضرب مغشياً عليه فلما أفاق، قال: ((أشهدكم أني جعلت
ضاربي في حلٌ)).
وبيّن سببه، فقال: ((تخوفت أن أموت أمس فألقى النبي ◌َّ فأستحي منه أن
يدخل بعض آله النار بسببي))(٣).
وبعد مدة وجيزة دار الزمان، وغضب المنصور على ضارب مالك، وضرب
ونيل منه أمر شدید.
((فُشر مالك بذلك، فقال: سبحان اللّه أترون حظنا مما نزل بنا الشماتة به؟
إنا لنرجو من عقوبة الله أكثر من هذا، ونرجو من عفو الله أكثر من هذا، وقد
ضربت فيما ضرب فيه محمد بن المنكدر، وربيعة وابن المسيب، ولا خير فيمن
لا يؤذى في هذا الأمر» (٤).
صفاته الخلقية والخلقية :
كان مالك رحمه اللّه طويلاً جسيماً، عظيم الهامة، أبيض الرأس واللحية.
(١) فهرست ابن النديم ص٢٥١.
(٢) سير أعلام النبلاء ٧٣:٨.
(٣) ترتيب المدارك ٢٢٩:١.
(٤) ترتيب المدارك ٢٢٩:١.
٦٦

قال عيسى بن عمر: ما رأيت قط بياضاً ولا حمرة أحسن من وجه
مالك(١)، كان أعين حسن الصورة، أشم، عظيم اللحية تامها، تبلغ صدره، ذات
سعة وطول، وكان يأخذ شاربه ولا يحلقه، ولا يحفيه، ويراه مثلة (٢).
قال الذهبي: وقيل: كان أزرق العين(٣).
وقد وسع اللّه عليه في الرزق، وكان يُرى عليه أثر نعمته فكان يعتني
بملبسه ومأکله ومجلسه.
ملابسه :
قال خالد بن خداش: ((رأيت على مالك طيلساناً طرازيًّا وقلنسوة، وثياباً
مروية جياداً، وفي بيته وسائد، وأصحابه عليها قعود، فقلت له: يا أبا عبد الله:
الذي أرى شيئاً أحدثته أم وجدت الناس عليه؟
قال: رأيت الناس عليه)) (٤).
وقال بشر بن الحارث: («دخلت على مالك فرأيت عليه طيلساناً يساوي
خمسمائة، قد وقع جناحاه على عينيه أشبه شيء بالملوك)»(٥).
قال الزبيري: ((كان مالك يلبس الثياب العدنية الجياد والخراسانية والمصرية
المرتفعة البيض، ويتطيب بطيب جيد، ويقول: ما أحب لأحد أنعم اللّه عليه إلا
ويرى أثر نعمته عليه وخاصة أهل العلم، وكان يقول: أحب للقارئ أن يكون
أبيض الثياب))(٦).
(١) سير أعلام النبلاء ٦٢:٨.
(٢) ترتيب المدارك ١ :١١٢، سير أعلام النبلاء ٦٢:٨.
(٣) سير أعلام النبلاء ٦٢:٨.
(٤) ترتيب المدارك ١ :١١٣.
(٥) ترتيب المدارك ١١٣:١.
(٦) ترتيب المدارك ١١٤:١.
٢٠٠
٦٧

وقال الأشهب: (كان مالك يستعمل الطيب الجيد المسك وغيره))(١).
قال ابن أبي أويس: ما رأيت في ثوب مالك حبراً قط(٢).
داره :
وكانت داره واسعة جداً حتى تتسع للعدد الكبير من الطلاب.
وكانت دار مالك بن أنس التي كان ينزل بها بالمدينة دار عبد الله بن
مسعود(٣) .
قال أحمد بن صالح: مالك بن أنس لم يكن له منزل. كان يسكن بكراء
إلى أن مات(٤).
ولذلك يرى بعض الباحثين أنه كان يستكري بيت عبد الله بن مسعود(٥).
مأكله ومشربه:
قال إسماعيل بن أبي أويس: ((كان في كل يوم لحمه درهمان، وكان يأمر
خبازه سلمة في كل يوم جمعة طعاماً كثيراً.
قال مطرف: لو لم يجد مالك كل يوم درهمين يبتاع بهما لحماً إلا أن يبيع
في ذلك متاعه لفعل. وكانت وظيفته في لحمه.
وقال ابن أبي حازم: قلت لمالك: ما شرابك يا أبا عبد اللّه؟
قال: في الصيف السكّر، وفي الشتاء العسل.
(١) ترتيب المدارك ١١٤:١.
(٢) ترتيب المدارك ١ :١١٤.
(٣) ترتيب المدارك ١١٥:١.
(٤) ترتيب المدارك ١ : ١١٥.
(٥) أنوار المسالك ص٣٢٤.
٦٨
:

وكان مالك يعجبه الموز ويقول: لم يمسه ذباب، ولا يد أسود، ولا شيء
أشبه بثمر الجنة منه، لا تطلبه في شتاء ولا صيف إلا ووجدته. قال اللّه:
﴿أَكُلُهَا دَآَبٌِّ وَظِلُّهَأَ﴾(١).
وفاته :
ولقد مرض الإمام مالك - رحمه الله - لاثنين وعشرين يوماً(٢).
وتوفي صبيحة أربع عشرة يوم الأحد من شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين
ومائة(٣).
قال بكر بن سليمان الصواف: ((دخلنا على مالك في العشية التي قبض
فيها، فقلنا: كيف تجدك؟ قال: لا أدري ما أقول لكم إلا أنكم ستعاينون غداً
من عفو الله ما لم يكن في حساب))(٤).
ولقد وجدت في مخطوطة أنقرة حكاية عن يحيى بن يحيى الليثي، يذكرها
عن آخر لقاء مع الإمام مالك.
قال يحيى بن يحيى: ((اجتمع عند مالك بالمدينة من كان من أهل الفقه،
ومن غير أهل المدينة من الأمصار ممن كان عنده طالباً لهذا الأمر في مرضه
الذي مات فيه وأنا منهم، فدخلنا عليه ونحن مائة وثلاثون رجلاً فسلمنا عليه
ومشى إليه كل واحد منا يقف عليه و ... نفسه ويسأله عن حاله، فلما فرغنا من
فعل ذلك أقبل علينا بوجهه، ثم قال: الحمد لله الذي أضحك وأبكى،
والحمد لله الذي أمات وأحيى، ... أمر اللّه، ولا بد من لقاء الله.
(١) ترتيب المدارك ١ :١١٥.
(٢) ترتيب المدارك ٢٣٧:١.
(٣) الانتقاء ص٨٨، وترتيب المدارك ٢٣٧:١.
(٤) الزرقاني ٨:١؛ وانظر ترجمة بكر بن سليمان الصواف من الباب الثالث من هذه الدراسة.
٦٩

فقلنا له: يا أبا عبد اللّه! كيف تجدك؟
قال: أجدني مستبشراً بصحبة أولياء اللّه، وهم أهل العلم، وليس شيء أعزّ
على اللّه بعد أنبيائه منهم، ومستبشراً بطلبي هذا الأمر، لأن كل عمل فرضه الله
وسنة رسوله ول ﴿ فقد بشر بثوابه رسوله، فقال: من لزم الصلاة، وحافظ عليها
فله كذا وكذا، ومن حجّ بيت اللّه حجة مبرورة فله عند اللّه كذا وكذا، ومن
جاهد في سبيل اللّه يريد ما عند اللّه فله عند اللّه كذا وكذا، كل هذا قد عرفه
من ألهمه اللّه هذا الأمر إلا طالب هذا الأمر ومعلمه فلم يبلغ علم عالم أن يعلم
ما لطالب هذا الأمر عند اللّه من الكرامة والثواب.
والله لأحدثنكم بحديث حدثني به ربيعة ما حدثتكم به إلى وقتي هذا
يقول: والله الذي لا إله إلا هو لرجل يعطى في صلاته فلا يدري كيف يرفعها
فيأتيني مستفتياً فأفتيه فيها بالعلم فأحمله على الصواب خير من أن تكون لي الدنيا
كافة منها في الآخرة.
ولأحدثنكم بحديث ما حدثتكم به إلى وقتي هذا. والله الذي لا إله إلا هو
لست أقول باباً من العلم، ولكني أقول لكم لشيء من العلم أسمعه من العالم
فيتشابه عليّ بعضه فأقول في نفسي قال لي كذا وكذا فأذكره وقد أخذت مضجعي
فأبيت متفكراً فيه حتى أصبح، وإذا أصبحت أتيته فسألته عنه، فلهمتي به خير من
مائة حجة مبرورة.
وسمعت ابن شهاب غير مرة يقول: والله الذي لا إله إلا هو لرجل
يستفتيني عن شيء من دينه فلا أسرع له بالجواب حتى ابتغي نفسي من أحمله
على السنة أحب إليّ من مائة غزوة أغزوها في سبيل اللّه، فقلت: لكل واحد
منهما حين حدثني حديثه، هذا لكم، فما للطالب؟
فكل قال لي: هيهات هيهات، انقطع العلم، نسأل الله التوفيق لنا ولكم.
قال يحيى: هذا آخر حديث سمعته من مالك رحمه الله ((قوبل، وعليه
٧٠

علامة التصحيح، والحمد لله))(١)، وبعض الكلمات مشكوك في قراءتها، والرواية
مستغربة وقد سألت عنها أستاذنا الشيخ محمد الشاذلي بن نيفر حفظه اللّه، وقد
قرأت عليه بالاختصار فأظهر الاستغراب. ولم أجد هذا الكلام في مصدر آخر.
دفنه :
غسله ابن كنانة وابن أبي زنبر، وابنه يحيى وكاتبه حبيب يصبان عليه الماء،
ونزل في قبره جماعة، وأوصى أن يكفن في ثياب بيض، وأن يصلى عليه في
موضع الجنائز(٢).
تركة مالك بن أنس :
قال القاضي عياض: قال ابن القاسم: مات مالك رحمه اللّه تعالى عن مائة
عمامة فضلاً عن سواها.
وقال محمد بن عيسى بن خلف: خلف مالك خمسمائة زوج من النعل،
وقد اشتهى يوماً كساء قومسياً فما بات إلا وعنده سبعة بعثت إليه.
وأهدى إليه يحيى بن يحيى النيسابوري هدية باع من فضلها بثمانين ألفاً.
وقال القاضي إن تركته كانت ثلاثة آلاف وثلاثمائة ونيف ديناراً (٣).
(١) موطأ مالك، مكتبة صائب سنجر بأنقرة، رقم ٣٠٠١، ق١٨٣ ب.
(٢) ترتيب المدارك ٢٣٧:١.
(٣) ترتيب المدارك ٢٤٥:١ - ٢٤٦.
٧١

الباب الثاني
موطأ الإمام مالك، بواعث تأليفه، وتاريخ تصنيفه
لقد بدأت كتابة السنة النبوية في حياة النبي ◌َّر، وازدادت بمرور الزمن
ونستطيع أن نقول بكل ثقة وطمأنينة إنه كانت هناك مئات الأجزاء الحديثية، بل
الآلاف، المتداولة بين المحدثين، في القرنين الأول والثاني.
بل أكثر من ذلك فقد ظهرت المؤلفات في موضوعات فقهية مختلفة،
وتعدت الدراسات إلى التأليفات في السيرة النبوية، والتاريخ، وعلى سبيل المثال
رسالة زيد بن ثابت في الفرائض.
قال جعفر بن برقان: ((سمعت الزهري يقول: لولا أن زيد بن ثابت كتب
الفرائض لرأيت أنها ستذهب من الناس)).
وروى عنه ابنه خارجة بن زيد بن ثابت كتابه في الفرائض.
قال ابن خير الأشبيلي: ((كتاب الفرائض لزيد بن ثابت رحمه اللّه حدثني به
أبو بكر ... عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه زيد بن ثابت رضي اللّه
عنه))(١) .
ولقد ألف الشعبي رحمه اللّه المتوفى ١٠٣ هـ كتباً متعددة، في موضوعات
مختلفة مثل كتاب الجراحات، وكتاب في الصدقات، وكتاب في الفرائض،
وكتاب في الطلاق، ومجموعة فقهية من الأحاديث، وكتاب في المغازي.
(١) فهرست ابن خير الإشبيلي ص٢٦٣.
٧٢

وعروة بن الزبير كانت لديه كتب فقهية كثيرة، وضاعت كتبه بعوامل شتى
و کان یتحسر عليها.
وقد نُشِر كتابه في المغازي مؤخراً بتحقيق محمد مصطفى الأعظمي.
[مكتب التربية العربي لدول الخليج ١٤٠٠ هـ].
وألف مجاهد بن جبر المتوفى عام ١٠٢ هـ كتاباً في التفسير.
وألف مكحول الشامي المتوفى ١١٨ هـ كتاب السنن في الفقه وكتاب
المسائل في الفقه.
وألف أبو الزناد، عبد الله بن ذكوان القرشي المتوفى ١٣٠ هـ كتاب الفقهاء
السبعة .
وألف ابن جريج كتباً كثيرة، منها كتاب السنن، وكتاب الحج، وكتاب في
التفسير، وكتاب الجامع.
كما ألف ابن أبي عروبة كتباً عديدة، منها: تفسير القرآن، وكتاب السنن،
وكتاب المناسك - ولا يزال يوجد جزء من هذا الكتاب - وكتاب النكاح، وكتاب
الطلاق .
على كل ليس هذا استقصاء للمؤلفات قبل موطأ الإمام مالك رحمه اللّه،
ومن يرغب في المزيد فلينظر دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه لمحمد
مصطفى الأعظمي من ص٩٢ - ٣٢٥.
إذن في عهد الإمام مالك كانت هناك مؤلفات معروفة متداولة، بل هناك
كتب ألفت باسم الموطأ، مثل موطأ ابن أبي ذئب، وموطأ ابن الماجشون،
وسنعود إلى ذكره قريباً إن شاء الله.
أسباب وبواعث تأليف الموطأ:
لقد مر بنا آنفاً وجود الحركة العلمية في المجتمع المكي والمدني، وفي
حواضر العالم الإسلامي الآخر.
٧٣

فالتأليف والكتابة ليست غريبة بالنسبة للإمام مالك رحمه اللّه، لكن السؤال
الذي يطرح ما الذي دفع الإمام مالكاً إلى وضع كتابه الموطأ، ومتى كان ذلك؟
هل أتته الفكرة، لأنه كان يرغب أن يستمر ثواب علمه الطيب، إذ قال
رسول اللّه وَ لجر: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: من صدقة
جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))(١).
أو أنه رأى غيره يصنع شيئاً فأراد أن يصنع شيئاً أحسن وأتقن مما عمل.
أو طلب منه أحد أن يؤلف كتاباً في العلم؟.
الآثار العديدة تشير إلى أنه كان بطلب من الآخرين، فإذا كان الأمر كذلك
فمن يكون ذاك؟ ومتى طلب منه؟ ومتى أنجز عمله؟
يحتار المرء في الجواب عن هذه الأسئلة، وليس هناك بحث شافٍ في
الموضوع، وربما لن يكون لأننا لا نملك نصاً صريحاً واضحاً إلا بعض
الاستنتاجات من النصوص المبثوثة، والباحثون يختلفون في هذا المجال.
سأذكر بالإجمال هذه الأقاويل مع بيان ما أذهب إليه في هذا المجال.
بواعث التأليف:
بمراجعة الانتقاء لابن عبد البر، وترتيب المدارك للقاضي عياض، وكشف
المغطى لابن عساكر، وكتب أخرى نرى أنها تشير إلى بواعث مختلفة.
١ - فبعضهم يقول: إن الإمام مالك قام بتأليف الموطأ بطلب من الخليفة
المهدي بن المنصور.
٢ - والبعض الآخر يقول: إنه كان بناءً على طلب وتوجيه من الخليفة أبي
جعفر المنصور.
٣ - والبعض الآخر يقول: إنه كان من تلقاء نفسه عندما اطلع على عمل
ابن ماجشون.
وسأذكر هذه الروايات بشيء من التفصيل.
(١) م الوصية ١٤.
٧٤

طلب الخليفة المهدي لوضع الكتاب
قال القاضي عياض: ((ورُوي أن المهدي قال له: ضع كتاباً أحمل الأمة
عليه. فقال له مالك: أما هذا الصقع يعني المغرب، فقد كفيته، وأما الشام ففيه
الأوزاعي، وأما أهل العراق فهم أهل العراق))(١).
ونجد أصل هذا النص عند ابن عبد البر، حيث يقول: حدثنا أحمد بن
محمد، قال: نا أحمد بن الفضل، قال: نا محمد بن جرير، قال: نا العباس بن
الوليد، قال: نا إبراهيم بن حماد الزهري المدني، قال: سمعت مالكاً يقول: قال
لي المهدي: يا أبا عبد اللّه، ضع لي كتاباً أحمل الأمة عليه، فقلت له: يا أمير
المؤمنين، أما هذا الصّفْع - وأشار إلى المغرب - فقد كفيتكه، وأما الشام ففيهم
الرجل الذي علمته يعني الأوزاعي، وأما أهل العراق فهم أهل العراق.
قال أبو جعفر محمد بن جرير: هكذا حدثني به العباس بن الوليد، عن
إبراهيم بن حماد»(٢).
يلاحظ في هذا النص الإشادة بالأوزاعي، والذي مات قبل مبايعة المهدي.
كما نرى في هذه النصوص ما يدل على أن الخليفة المهدي طلب من الإمام
مالك تأليف الكتاب، ولو أن الوقائع التاريخية كما أشرت إليه لا تتفق مع هذه الرواية.
طلب الخليفة أبي جعفر المنصور لوضع الكتاب
١ - قال القاضي عياض: ((وروى أبو مصعب أن أبا جعفر قال لمالك:
ضع للناس كتاباً أحملهم عليه، فكلمه مالك في ذلك.
فقال: ضعه فما أحد أعلم منك، فوضع الموطأ فلم يفرغ منه حتى مات
أبو جعفر))(٣).
(١) ترتيب المدارك ١٩٣:١.
(٢) الانتقاء ص ٨٠، انظر أيضاً سير أعلام النبلاء ٧:٨.
(٣) ترتيب المدارك ١٩١:١ - ١٩٢.
٧٥

يدل هذا النص على أن تأليف الموطأ كان بطلب من الخليفة أبي جعفر
المنصور، ولم يتم التأليف إلا بعد وفاة أبي جعفر.
وقال القاضي عياض: ((قال له أبو جعفر [يعني لمالك رحمه الله] وهو
بمكة: إجعل العلم يا أبا عبد اللّه علماً واحداً.
قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين، إن أصحاب رسول اللّه وَّل تفرقوا في
البلاد فأفتى كل في مصره بما رآه، وفي طريق، إن لأهل هذه البلاد قولاً،
ولأهل المدينة قولاً، ولأهل العراق قولاً تعدوا فيه طورهم.
فقال: أما أهل العراق فلست أقبل منهم صرفاً ولا عدلاً، وإنما العلم علم
أهل المدينة، فضع للناس العلم))(١).
وفي رواية: ((فقلت له: إن أهل العراق لا يرضون علمنا.
فقال أبو جعفر: يضرب عليه عامتهم بالسيف، وتقطع عليه ظهورهم
بالسياط)»(٢).
٣ - وقال القاضي عياض: ((وفي رواية أن المنصور قال له: يا أبا
عبد الله: ضُم هذا العلم، ودوّن كتباً، وجنب فيها شدائد ابن عمر، ورخص ابن
عباس، وشواذ ابن مسعود، واقصد أوسط الأمور، وما اجتمع عليه الأئمة
والصحابة»(٣).
تدل هذه النصوص على طلب من الخليفة أبي جعفر المنصور، مع الاقتراح
لخطة التأليف وسير العمل.
(١) ترتيب المدارك ١٩٢:١.
(٢) ترتيب المدارك ١٩٢:١.
(٣) ترتيب المدارك ١ :١٩٣.
٧٦

أبو جعفر المنصور يطلب الموطأ للاطلاع:
لكن هناك نصوصاً أخرى تعارض النصوص السابقة، لأنها تدل على أن
الكتاب كان قد تم تأليفه قبل اللقاء بأبي جعفر المنصور.
١ - قال ابن عساكر: ((أخبرنا أبو بكر وجيه بن طاهر بن محمد الشحامي،
قال: أنبا أبو حامد أحمد بن الحسن العدل، قال أنبا أبو محمد الحسن بن أحمد
المخلدي، قال: أنبا أبو بكر الإسفرايني، ثنا أبو بكر محمد بن محمد قال:
حدثني أبو موسى الأنصاري قال: سمعت معن بن عيسى يقول، سمعت
مالك بن أنس يقول:
أرسل إليّ أمير المؤمنين أبو جعفر يريد الموطأ فأتيته به، فنظر فيه، وقال:
هذا الحق، وأراد أن يكتب، ويبعث به إلى الآفاق فيحمل الناس عليه))(١).
وهناك رواية أخرى عن طريق الواقدي تؤيد رواية معن بن عيسى.
٢ - روى ابن عبد البر من طريق الحارث بن أبي أسامة، عن محمد بن
سعد عن الواقدي قال: سمعت مالك بن أنس يقول:
((لما حج أبو جعفر المنصور، دعاني فدخلت عليه، فحادثته وسألني
فأجبته، فقال: إني عزمت أن آمر بكتبك هذه التي قد وضعت يعني الموطأ
فتنسخ نسخاً، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم
أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوها إلى غيرها، ويدعوا ما سوى ذلك من هذا العلم
المُحدَث فإني رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم.
قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم
أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سيق إليهم،
وعملوا به ودانوا به، من اختلاف أصحاب رسول اللّه ◌َ لتر وغيرهم، وأن ردهم
(١) كشف المغطى ص ٥٣ - ٥٤.
٧٧

عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم.
فقال: لَعَمْري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به)).
وروى ابن عساكر هذه الرواية عن طريق الحارث بن أبي أسامة مثله (١).
وهناك رواية أخرى أوردها ابن أبي حاتم الرازي، قال: حدثني أبي، ثنا
أبو يوسف محمد بن أحمد بن الحجاج الصيدناني الرقي، حدثنا أبو خليف -
يعني عتبة بن حماد القارئ الدمشقي، عن مالك بن أنس قال: قال لي أبو
جعفر - يعني عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس يوماً: ما على
ظهرها أحد أعلم منك؟
قلت: بلى.
قال: فسمهم لي.
قلت: لا أحفظ أسماءهم.
قال: قد طلبت هذا الشأن في زمن بني أمية، فقد عرفته، أما أهل العراق
فأهل كذب وباطل وزور. وأما الشام فأهل جهاد، وليس عندهم كبير علم.
وأما أهل الحجاز ففيهم بقية علم وأنت عالم الحجاز، فلا تردنَّ على أمير
المؤمنين قوله.
قال مالك ثم قال لي:
قد أردت أن أجعل هذا العلم علماً واحداً فأكتب به إلى أمراء الأجناد،
وإلى القضاة فيعملون به، فمن خالف ضربت عنقه.
فقلت له: يا أمير المؤمنين أو غير ذلك.
قلتُ: إن النبي وَ لتر كان في هذه الأمة، وكان يبعث السرايا، وكان يخرج،
(١) الانتقاء ص ٨٠ - ٨١، انظر أيضاً كشف المغطى ص٥٤ - ٥٥.
٧٨

فلم يفتح من البلاد كثيراً حتى قبضه الله عز وجل، ثم قام أبو بكر رضي الله
عنه، فلم يفتح من البلاد كثيراً، ثم قام عمر رضي اللّه عنه بعدهما ففتحت البلاد
على يديه، فلم يجد بداً من أن يبعث أصحاب محمد وَّر معلمين، فلم يزل
يؤخذ عنهم كابر عن كابر إلى يومهم هذا، فإن ذهبت تحوّلهم مما يعرفون إلى ما
لا يعرفون رأوا ذلك كفراً، ولكن أقر أهل كل بلدة على ما فيها من العلم، وخذ
هذا العلم لنفسك.
فقال لي: ما أَبْعدت القول، اكتب هذا العلم لمحمد(١).
وهذه الرواية في غاية الصحة، لا مطعن فيها، الصيدناني ثقة، وعتبة بن
حماد صدوق، كما في التقريب.
وهناك رواية أخرى تؤيد رواية الواقدي ومعن بن عيسى، قال ابن عبد
البر :
((وذكر الزبير بن بكار، قال: نا يحيى بن مسكين ومحمد بن مسلمة، قالا:
سمعنا مالكاً يذكر دخوله على أبي جعفر، وقوله في إنساخ كتبه في العلم،
وحمل الناس عليها :
قال مالك: فقلت له: يا أمير المؤمنين، قد رسخ في قلوب أهل كل بلد
ما اعتقدوه وعملوا به، وردّ العامة عن مثل هذا عسير))(٢).
ورواية أخرى تشير إلى نفس الاتجاه:
روى ابن عساكر من طريق ((خالد بن نزار الأيلي، قال: سمعت مالك بن
أنس رحمه الله يقول: دعاني أبو جعفر أمير المؤمنين، فقال لي: يا أبا عبد الله
إني أريد أن أكتب إلى الآفاق فأحملهم على كتاب الموطأ، حتى لا يبقى أحد
يخالفك فيه.
(١) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي تقدمة ص٢٨ - ٢٩.
(٢) الانتقاء ص ٨١.
٧٩

قال مالك: فقلت: يا أمير المؤمنين إن أصحاب رسول اللّه وَل تفرقوا في
البلدن، واتّبعهم الناس، فرأى كل فريق أن قد اتبع مَتْبعاً))(١).
وفي رواية أخرى:
قال القاضي عياض: ((إن أبا جعفر قال له: إني عزمت أن أكتب كتبك هذه
نسخاً ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين بنسخة آمرهم بأن يعملوا بما
فيها ولا يتعدوها إلى غيرها من هذا العلم المحدث، فإني رأيت أصل العلم
رواية أهل المدينة وعملهم.
فقلت: يا أمير المؤمنين! لا تفعل، فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل،
وسمعوا أحاديث وروايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا له
من اختلاف أصحاب رسول اللّه وَلّر وغيرهم، وإن ردَّهم مما اعتقدوا شديد،
فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم. فقال: لو طاوعتني
على ذلك لأمرت به))(٢).
خلاصة البحث:
نرى في رواية معن بن عيسى، والواقدي، ويحيى بن مسكين، ومحمد بن
مسلمة، وخالد بن نزار الأيلي، وعتبة بن حماد القارئ الدمشقي، كل هؤلاء،
يروون عن مالك ما مفاده: أن أبا جعفر المنصور طلب من الإمام مالك كتابه،
فاطلع عليه، ثم أثنى عليه، وأبدى رغبته في نشره في العالم الإسلامي حينذاك،
وقد عارض مالك رحمه اللّه - لله دره - هذه الرغبة من الخليفة، وبيَّن السبب،
وطلب منه أن يدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم.
فليتنا نتعظ من كلام الإمام مالك وسلوكه، لا سيما من يريد أن يصبغ
العالم كله بفقهه، مسبباً الفرقة والانشقاق والفتن.
(١) كشف المغطى ص٥٥.
(٢) ترتيب المدارك ١٩٢:١ - ١٩٣. وفي المطبوع: ((ودالوا له))، ولعل الصواب ما أثبته.
٨٠