Indexed OCR Text
Pages 681-700
الموطأ
هكذا قال: الرِّيبَةِ (١) . وإنَّما حَفِظناه: الدَّناءَةِ .
التمهيد
ذكَر العُقيلىُ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ سهلٍ، قال : أخبرنا أبو عاصم،
قال : أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ المؤمن ، قال : حدَّثنا غالبٌ القطانُ ، عن بكر
ابنِ عبدِ اللهِ المزنيّ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: مَكسَبةٌ فيها بعضُ الدَّناءَةِ خيرٌ
من مسألةِ الناسِ .
قال العُقيلىُّ : عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ المؤمنِ هذا، هو عبدُ الرحمنِ بنُ
عبدِ المؤمنِ بنِ فَيروزَ المَعْوَلُّ(٢) الرائىُ(٣)، بصرىٍّ ثقةٌ.
" وقال أبو حاتمِ الرَّازىُّ: سمِعتُ الحسنَ بنَ الربيعِ يقولُ: قال لى ابنُ
المباركِ: ما حِرفتُكَ ؟ قلتُ : أنا بُورانيٌ. قال: ما بُورانيٌ؟ قلتُ : لى غِلمانٌ
يصنَعونَ البَوَارِئَّ(٥) . قال: لو لم تكنْ لك صِناعةٌ" ما صَحِبتَنى(١).
وقال أيوبُ السَّختيانيُ: قال لى أبو قِلابةَ: يا أيوبُ، الزَمْ سُوقَك، فإنَّ
.٤)(٨)
الغِنى من العافية
القبس
(١) فى ص ١٦: ((الدنية)).
(٢) فى ص ١٦: ((المغولى)).
(٣) فى ص، ص ١٦، ص ١٧، م: ((الرامى)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، ص ١٧.
(٥) البَوَارىّ: هو الحصير المعمول من القُصَب. ويقال فيها: باريَّة وبورياء. النهاية ١/ ١٦٢.
(٦ - ٦) فى م: ((للصناعة)).
(٧) الجرح والتعديل ٢٦٩/١.
(٨) أخرجه عبد الرزاق (٢١٠٢١)، وأبو نعيم في الحلية ٢٨٦/٢، ٣/ ١١، والبيهقى فى الشعب
(١٢٦٠ - ١٢٦٣) من طريق أيوب به .
٦٨١
الموطأ
١٩٥٣ - مالكٌ، عن زيد بن أسلمَ، عن عطاءِ بنِ یسارٍ ، عن
رجلٍ من بنى أسدٍ ، أنه قال: نزَلتُ أَنا وأهلى ببقيع الغَرْقَدِ، فقال لى
أهلى: اذهَبْ إلى رسولِ اللهِ وَّله فاسأله لنا شيئًا نأكُلُه. وجعَلوا
يذكرون من حاجتِهم، فذهبتُ إلى رسولِ اللهِ وَلَّ فوجَدتُ عندَه
رجلًا يسألُه، ورسولُ اللهِ بِّهِ يقولُ: ((لا أجِدُ ما أُعطِيكَ)). فتولَّى
الرجلُ عنه وهو مُغضَبٌ وهو يقولُ: لَعمرِى إِنكَ لَتُعطِى مَن شئتَ .
فقال رسولُ اللهِ بَله: ((إنه لَيغضَبُ علىَّ ألَّ أَجِدَ ما أُعطِيه، مَن سأل
منكم وله أُوقِيّةٌ أو عَدْلُها فقد سأل إلحاقًا)). قال الأسَدِىُّ: فقلتُ
لَلِقْحَةٌ لنا خيرٌ مِن أُوِيَّةٍ. قال مالكٌ: والأُوقِيَّةُ أربعون درهمًا . قال:
فرجَعتُ ولم أسألُه، فقُدِم على رسولِ اللهِ وَّ بعدَ ذلك بشعيرٍ
وزبيبٍ ، فقسَم لنا منه حتى أغنانا اللهُ .
التمهيد
مالكٌ ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ ، عن رجلٍ من بنى أسدٍ ،
قال: نَزَلْتُ أنا وأهلِى يَقِيع الغرقدِ، فقال لى أهلِى: اذهَبْ إلى رسولِ اللهِ وَلَه ،
فاشْأَلْه لنا شيئًا نأكُلُه. وجعَلوا يَذْكُرون من حاجتِهم، فذهبتُ إلى رسولِ اللهِ.
وَه، فوجدْتُ عندَه رجلًا يسألُه، ورسولُ اللهِ وَلّهِ يقولُ: ((لا أجدُ ما
أُعْطِيك)). فتولَّى الرجلُ وهو مُغضَبٌ، ويقولُ: لَعَمْرِى، إِنَّك لَتُعطِى من
شِئْتَ. فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّه لِيَغْضَبُ علىَّ ألا أجدَ ما أُعطِيه، من سأل
منكم وله أُوقِيَّةٌ أو عَدْلُها فقد سأل إِلحافًا)). قال الأسَدِىُّ: فقلتُ: لَلِفْحَتُنا خيرٌ
. . . . . . .
القبس
٦٨٢
الموطأ
مِن أوقيّةٍ - قال: والأوقيةُ أربعون درهمًا - فرجَعتُ ولم أسأله، فقُدِم على رسولِ التمهيد
اللهِ وَلّ بعدَ ذلكَ بشعيرٍ وزبيبٍ، فقسَم لنا منه حتى أغْنَانا اللهُ(١).
هكذا رواه مالكٌ ، وتابعه هشامُ بنُ سعدٍ (٢) وغيرُه، وهو حديثٌ صحيحٌ،
وليس حكمُ الصاحبِ إذا لم يُسَمَّ كحكم مَن دُونَه إذا لم يُسَمَّ عندَ العلماءِ؛
لارتفاعِ الجُرْحَةِ عن جميعِهم، وثبوتِ العدالةِ لهم، قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأبى
عبدِ اللهِ أحمدَ بن حنبلٍ : إذا قال رجلٌ من التابعين : حدَّثنى رجلٌ من أصحابٍ
النبيِِّ وَِّ. ولم يُسَمِّه، فالحديثُ صحيحٌ؟ قال: نعم.
وقد روَى عُمارةُ بنُ غَزِيَّةَ ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبی سعیدِ الخُدْرِئِّ ، عن
أبيه، عن النبيِّ وَّه نحوَ هذا الحديثِ الذى رواه عطاءُ بنُّ يسارٍ، عن الأسدِىِّ،
قال أبو سعيدٍ: اسْتُشْهِدَ أبى يومَ أحدٍ ، وترَكَنا بغيرِ مالٍ ، فأصابتْنا حاجةٌ شديدةٌ ،
فقالَتْ لى أُمِّى: أى بُنَىَّ، أْتِ النبىَّ وَلِّ فاسْأَلْه لنا شيئًا. قال: فجِئْتُ وهو فى
أصحابِه جالسٌ، فسَلَّمْتُ (" وَجَلَسْت٣ُ)، فاسْتَقْبَلَنى، وقال: ((من اسْتَغْنَى أَغْناه
اللهُ، ومن اسْتَعَفَّ أعَفَّهُ اللهُ، ومن اسْتَكْفَ كفاهُ اللهُ)) . قال: قلتُ: ما يُريدُ
غيرِى. فرَجَعْتُ ولم أَكَلِّمْه فى شىءٍ، فقالت لى أُمِّى: ما فعَلْتَ ؟ فأخْبَرْتُها
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢٠/١٨ظ، ٢١ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١١٠).
وأخرجه أبو داود (١٦٢٧)، والنسائى (٢٥٩٥)، وابن الجارود (٣٦٦)، والبغوى فى شرح السنة
(١٦٠١)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢١/٢، ٤/ ٣٧١، وفى شرح المشكل (٤٨٧) من طريق
مالك به .
(٢) أخرجه أبو عبيد فى الأموال (١٧٣٥) من طريق هشام بن سعد به .
(٣ - ٣) سقط من: س، ص ٤.
٦٨٣
الموطأ
التمهيد الخبرَ، فرزَقنا اللهُ شيئًا ، فصَبَّرَنا وبَلَّغَنا حتى ألحَتْ علينا حاجةٌ هى أشدُّ منها ،
فقالت لى أُمِّى: اثْتِ النبىَّ وَِّ فاسأَلْه (١) لنا شيئًا. قال: فجئتُه وهو فى
أصحابِه جالسٌ، فاسْتَقْتَلنِى، فأعاد القولَ الأوَّلَ، وزاد فيه: ((من سأل وله
أُوْقِيَّةٌ، أو قيمةُ أُوفِيّةٍ، فهو مُلْحِفٌ)). فقلتُ: "الياقوتةُ خير٢ٌ من أُوقِيّةٍ ،
فرَجَعْتُ ولم أسألُهُ(٢) .
هكذا رُوِىَ هذا الحديثُ عن أبى سعيدٍ ، ورواه مالكٌ(٤) ، عن ابن شهاب،
عن عطاءِ بنِ تَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عن أبى سعيدِ الخُدْرِىِّ بغيرِ هذا اللفظِ، والمعنَى
واحدٌ ، إلّا أنَّه لم يَذْكُرْ فيه: ((مَن سأل وله أَوِيَّةٌ)) إلى آخرِهِ. وإنَّما هذا موجودٌ
من روايةِ مالكِ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن رجلٍ من بنى أسدٍ ،
على ما تَقدَّمَ فى هذا الباب .
وهذا الحدیثُ مِن حديث ابن شهاب محفوظٌ کما رواه مالك ، وليس
يُحفظُ حديثُ أبى سعيدِ الخُذْرِىِّ المذكورُ فيه الأَّوقِيَّةُ إلَّا بالإسنادِ المذكورِ عن
عُمارةً بنِ غزيَّةً ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبی سعیدٍ ، عن أبيه ، وهو لا بَأْسَ به . وقد
احتجَّ به أحمدُ بنُّ حنبلٍ، وسنَذْكُرُ قولَه فى ذلك إن شاء اللهُ تعالى .
القبس
(١) فى ص ٤، م: ((فسله)).
(٢ - ٢) فى ص ٤: ((ناقتى خير))، وفى م: ((إن لى ناقة خيرا)).
(٣) أخرجه أحمد ١١٤/١٧ (١١٠٦٠)، وأبو داود (١٦٢٨)، والنسائى (٢٥٩٤)، وابن خزيمة
(٢٤٤٧) من طريق عمارة بن غزية به .
(٤) تقدم فى الموطأ (١٩٤٩).
٦٨٤
الموطأ
وفى حديث زيدِ بنِ أسلمَ هذا من الفِقْهِ مَعْرِفَةُ (١) ما كان عليه رسولُ اللهِ وَ لَِّ التمهيد
من الحِلْمِ، وما كان القومُ فيه من الصَّبْرِ على الإقلالِ وقلَّةِ ذاتِ اليدِ .
وأمَّا قولُ الرجلِ فيه : واللهِ إنَّك لتُعطِى من شِئْتَ. فَيَحْتَمِلُ أنْ يكونَ من
الأعرابِ الجُفَاةِ الذين لا يَدْرون حُدودَ ما أنزل اللهُ علی رسولِه .
وفى هذا الحديث(٢) دليلٌ على ما قال مالكٌ: إنَّ من تَوَلَّى تَفريقَ الصَّدقاتِ
لم يَعْدَعْ مَن يَلُومُهُ(٣) . قال : وقد كنتُ أَتَوَلَّاها بنفسِى فَأُوذِيتُ، فَتَرَكْتُ ذلك.
وقد يجوزُ أن يكونَ منعُ النبيِّ عليه السلامُ للرجلِ الذى منَعه حينَ سأله من
الصدقةِ؛ لأنَّه كان غنِيًّا لا تَحِلُّ له، أو ممَّن لا يجوزُ له أخذُها لمعانٍ اللهُ(٤) أعلم
بها .
وفيه أنَّ السُّؤَالَ مَكروة لمن له أُوقِيَّةٌ من فضَّةٍ. والأُوقِيّةُ إذا أُطْلِقَت فإِنَّمَا يُرَادُ
بها الفِضَُّ دُونَ الذهبِ وغیرِه ، هذا قولُ العلماءِ ، ألا تری إلی حدیثِ أبی سعیدٍ:
((ليس فيما دونَ خمسٍ ذَوْدٍ صدقةٌ ، وليس فيما دونَ خمسةٍ أَوْسُقٍ صدقةٌ ، ولا
فيما دُونَ خمسٍ أواقٍ صدقةٌ))(٥). فلم يَخْتَلِفِ العلماءُ أنَّه لم يَعنِ بذلك إلَّا
الفضةَ دُونَ غيرِها، وما عَلِمْتُ أنَّ أحدًا قال فى الأَوقِيَّةِ المذكورةِ فى هذا
القبس
(١) بعده فى ص ٤، م: ((بعض)).
(٢) سقط من: ص ٤، م.
(٣) فى ص ٤: ((یلمزه)).
(٤) بعده فى ص ٤، م: ((ورسوله)).
(٥) تقدم فى الموطأ (٥٧٩).
٦٨٥
الموطأ
التمهيد الحديثِ: إِنَّه أراد ١ بها غيرَ الفضةِ. وفى ذلك كفايةٌ .
والأُوقِيّةُ أربعون درهمًا ، وهى بدراهمِنا اليومَ ستُّون درهمًا أو نحوها ، فمن
سأل وله هذا الحدُّ(١) والقَدْرُ من الفضةِ، أو ما يقومُ مقامَها ويكونُ عَدْلًا منها ،
فهو مُلْحِفٌ سأل إلحافًا ، والإلحافُ فى كلامِ العربِ الإلحاحُ ، لا خلافَ بينَ
أهلِ اللُّغةِ فى ذلك، والإلحاحُ على غيرِ اللهِ مذمومٌ؛ لأَنَّه قد مدَح اللهُ سبحانه
بضِدِّه، فقال: ﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. ولهذا
قلتُ : إِنَّ السؤالَ لمن ملَك هذا المقدارَ مكروةٌ، ولم أقلْ: إِنَّه حرامٌ لا يَحِلُّ؛
لأَنَّ ما لا يَحِلُّ يَحْرُمُ الإلحاحُ فيه وغيرُ الإلحاحِ ، ويَحْرُمُ التَّعَُّضُ له وفيه ، وما
عَلِمْتُ أحدًا من أهلِ العلم إلَّا وهو يَكْرَهُ السؤالَ لمن ملَك هذا المقدارَ من
الفضةِ، أو عَدْلَها من الذهبِ ، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ ملَك أربعين درهمًا ، أو عَدْلَها من
الذهبِ ، أنْ يسألَ على ظاهرٍ هذا الحديثِ . وما جاءَه من غيرٍ مسألةٍ فجائزٌ له
أنْ يَأْكُلَه، إنْ كان من غيرِ الزكاةِ، وهذا ما لا أعلمُ() فيه خلافًا ، فإن كان من
الزَّكاةِ ، ففيه من الاختلافِ ما نُبَيِّنُه إن شاء اللهُ .
ولا تَحِلُّ الزكاةُ لغنىٌ إلَّ لخمسةٍ، على ما ذكَرْنا فى بابٍ ربيعةً(٥) . وأمَّا غیرُ
القبس
(١) فى ص ٤، م: ((أريد)).
(٢) بعده فى ص ٤، م: ((والعدد)).
(٣) سقط من: ص ٤، م.
(٤) فى س: ((علمت)).
(٥) تقدم فى ٤١٣/٨ - ٤١٧.
٦٨٦
الموطأ
الزكاةِ من التَّطوَّع كلِّه، فإنه (١) جائزٌ للغنى والفقيرِ.
التمهيد
وقد جعَل بعضُ أهلِ العلم الأربعينَ درهمًا حدًّا بين الغِنَى والفقرِ ، فقال:
إنّ الصدقةَ - يغنى الزكاةَ - لا يَحِلُّ أخذُها لمن ملَك أربعين درهمًا؛ لأَنَّه غَنِىٌّ
إذا ملَك ذلك. وأُظُنُه ذهَب إلى هذا الحديثِ واللهُ أعلمُ. ولسائرِ العلماءِ فى
(" هذا الباب" مذاهبُ مختلفةٌ(٢)، ونحن نذكُرُها ههنا . وباللهِ التوفيقُ.
فأمَّا مالكٌ رحِمه اللهُ، فروَى عنه ابنُ القاسم أنه سُئِل : هل يُعْطَى من الزكاةٍ
من له أربعون درهمًا؟ فقال : نعم. وهو المشهورُ من مَذهبٍ مالكٍ . وروى
الواقدِىُّ، عن مالكٍ، أَنَّه قال: لا يُعطَى من الزكاةِ من له أربعون درهمًا .
قال أبو عمرَ : هذا يَحتمِلُ أن يكونَ قَوِيًّا مُكْتَسِبًا حسنَ التَّصَرُفِ فى هذه
المسألةِ ، وفى الأولَى ضَعيفًا عن الاكْتسابِ، أو من له عِيالٌ. واللهُ أعلمُ .
وقد قال مالكٌ فى صاحبِ الدَّارِ التى ليس فيها فضلٌ عن سُكّناه، ولا فى
ثَمَنْها فضلٌ إِن بِيعَتْ يَعيشُ فيه بعدَ دابةٍ (٥) تَحْمِلُه، أنه يُعطَى من الزكاةِ . قال :
وإن كانَتِ الدَّارُ فى ثمنِها ما يُشْتَرَى له به مسكنٌ ، ويَفْضُلُ له فضلٌ يعيشُ به ، أنَّه
لا يُعطَى من الزكاةِ . والخادِمُ عندَه كذلك. وقولُه هذا أيضا فى الدَّارِ والخادمِ،
القبس
(١) فى م: ((فذلك)).
(٢) فى س: ((الفقير)).
(٣ - ٣) فى م: ((وهذا باب اختلف العلماء فيه)).
(٤ - ٤) فى ص ٤: ((ذلك)).
(٥) فى النسخ: ((دار)). والمثبت هو الصواب.
٦٨٧
الموطأ
التمهيد يَحْتمِلُ التَّأْوِيلَيْن جميعًا، إِلَّ أنَّ المعروفَ من مذهبِهِ أَنَّه لا يَحُدُّ حَدًّا لا يُتجاوزُ ،
إلَّا على قدرِ الاجتهادِ والمعروفٍ من أحوالِ الناسِ، وكذلك يَؤُدُّ ما يُعطَى
المِسكينُ الواحِدُ من الزكاةِ أيضًا إلى الاجتهادِ من غيرٍ توقيفٍ .
فأمَّا الثورىُّ، وأبو حنيفةً، والشافعىُ، وأبو ثورٍ ، وأبو عبيدٍ، وأحمدُ بنُ
حنبلِ، والطَّرِىُّ، فكلّهم يقولون فيمَن له الدارُ والخادِمُ، وهو لا يَسْتَغْنِى
عنهما: إنَّه يأْخُذُ مِن الزكاةِ، وتَحِلُّ له . ولم يُفَسّرُوا هذا التّفْسِيرَ الذى فشّره
مالكٌ ، إِلَّ أنَّ الشافعىَّ قال فى كتابِ الكَفَّاراتِ: من كان له مسکنٌ لا يَشْتَغْنِى
عنه هو وأهلُه، وخادمٌ، أَعْطِىَ مِن كفَّارةِ اليمينِ، والزكاةِ ، وصدقةِ الفطرِ.
قال: وإن كان مَسكتُه يَفْضُلُ عن حاجَتِه وحاجَةٍ أهلِه، الفَضْلَ الذى يَكونُ
بمثلِهِ غَنِيًّا، لم يُعطَ مِن ذلك شيئًا. فهذا القولُ يُضارِعُ قولَ مالكِ، إِلَّا أنَّ مالكًا
قال: يَفْضُلُ له من ذلك فضلٌ يعيشُ به . ولم يَقُلْ كم يَعيشُ به . والشافعىُّ قال:
يَفْضُلُ له من ذلك فَضْلٌ یکونُ به غَنِيًّا .
وروَى سعيدُ بنُّ أبى عَرُوبةَ، عن قتادةَ ، عن الحسنِ، قال: يُعطَى من الزّكاةِ
من له المسكنُ والخادمُ(١).
(٢)
ورواه الربيعُ ، عن الحسنِ" .
القبس
(١) أخرجه ابن زنجويه فى الأموال (٢٢٦٢) من طريق سعيد، عن قتادة قوله.
(٢) أخرجه أبو عبيد فى الأموال (١٧٥٢)، وابن زنجويه فى الأموال (٢٢٦٠) من طريق الربيع بن
صبيح به .
٦٨٨
الموطأ
وفشَرَه أبو عُبَيْدٍ على نحوِ ما قال الشافعىُّ. وعن إبراهيمَ النَّخَعِىِّ نحوَ قولِ التمهيد
الحسنِ فى ذلك. وعن سعيدِ بنِ جُبيرٍ مثلَه (١).
واختَلَفوا فى المقدارِ الذى تَحْرُمُ به الصدقةُ لمن ملَكه من الذهبِ والفضةِ
وسائرِ العروضِ ؛ فأمَّا مالكٌ فقد ذكَرْنا قولَه فى الأربعين درهمًا ، والاختلافَ عنه
فى ذلك . وكان الحسنُ البصرىُّ يقولُ: من له أربعون درهمًا فهو غَنِىٌّ. وحجّةٌ
من ذهَب إلى أنْ يَحُدَّ ("فى هذا٢٢ أربعين درهمًا حديثُ الأسَدِىِّ المذكورُ فى
هذا البابٍ، وهو حديثٌ ثابتٌ . وقد رواه عبدُ اللهِ بنُ عمرو بنِ العاصى أيضًا .
حدَّثنا يَعِيشُ بنُ سعيدِ بنِ محمدٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال : حدّثنا
محمدُ بنُ غالبِ التَّعْتَامُ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ(٢) ، قال: حدَّثنا سفيانُ،
عن داودَ بنِ شَابُورَ، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّنَل
قال: ((من سأل وله أربعون درهمًا، أو قِيمَتُها، فهو مُلحِفٌ)). وذكَر كلامًا فيه
تغليظٌ على السائلِ إذا ملَك ذلك(٤) .
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٧٩/٤، والمبسوط لمحمد بن الحسن ٢/ ٩٤، والأموال لابن زنجويه
(٢٢٦٣، ٢٢٦٤)، والمحلى ٢٢٣/٦.
(٢ - ٢) فى س: ((فيها)).
(٣) فى س: ((يسار)). وينظر تهذيب الكمال ٥٦/٢.
(٤) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٢٤٠٢)، وأبو موسى المدينى فى نزهة الحفاظ ص ٤٧ من طريق
إبراهيم بن بشار به، وأخرجه النسائى (٢٥٩٣)، وابن خزيمة (٢٤٤٨)، والبيهقى ٢٤/٧ من طريق
سفيان به .
٦٨٩
( موسوعة شروح الموطأ ٤٤/٢٣ )
الموطأ
التمهيد. وقد ذكرنا حديثَ أبى سعيد الخُذْرِىِّ بمثلِ ذلك أيضًا(١).
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: لا تَحِلُّ الصدقةُ لمن له مائنا درهم ، ولا بأسَ أن
يَأْخُذَها من له أقلُّ منها. ويَكْرَهون أنْ يُعطَى إنسانٌ واحدٌ من الزكاةِ ماتَتَىْ
درهم ، فإِنْ أَعْطِيَها أجْزَأتْ عن المعْطِى عندَهم ، ولا بأسَ أَنْ يُعطَى أقلَّ من مائَتَىْ
درهم. وهو قولُ ابنٍ شُبْرُمةً .
وروَى هشام ، عن أبى يوسفَ، فى رجلٍ له على رجلٍ مائةٌ وتسعةٌ وتسعون
درهمًا، فيَتَصَدَّقُ عليه من زكاتِه بِدِرْهَمَين ، أَنَّه يَقْبَلُ واحدًا، ويَرُدُّ واحِدًا . ففى
هذا إجازةُ أَنْ يَقْبَلَ تَمامَ المائَتَيْن، وكراهيةُ أَن يَقْبَلَ ما فوقَها(٢) .
ومُحَجّتُهم فى ذلك قولُ رسولِ اللهِ وَلَه: ((أُمِوْتُ أَن آخُذَ الصدقةً من
أَغْنِيائِكم وأرُدَّها فى فُقَرائِكم)) (١) . والغنىُّ من له مائتا درهم؛ لوجوبِ الزَّكاةِ
عليه فيها؛ لأنَّها لا تُؤْخَذُ إلَّا من غَنِىٌّ .
وكان الثورىُّ، والحسنُ بنُ صالحِ بنِ حِىٍّ، وابنُ المباركِ ، وأحمدُ بنُ
حنبل، وإسحاقُ بنُ راهُویه ، يقولون : لا يُعطَی من الزكاةِ من له خمسون درهمًا
أو عَدْلُها من الذهبِ . واحتجُوا فى ذلك بحديثِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، عن النبيِّ
وَّ أَنَّه قال: ((من سأل وهو غنىٌّ، جاءَتْ مسألتُه يومَ القيامةِ خُدُوشًا،
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٦٨٣، ٦٨٤.
(٢) فى س: ((فوقهما)).
(٣) تقدم تخريجه فى ٢٢٥/٢٢.
٦٩٠
الموطأ
( وخُمُوشًا، والكُدُوحًا فى وجههِ)). قيل: وما غِناه. أو: ما الغنَى يا التمهيد
رسولَ اللهِ؟ قال: ((خمسون درهمًا أو عَدْلُها من الذهبِ)).
وهذا الحديثُ إِنَّما يَدُورُ على حكيم بنِ مجبيرٍ، وهو مَتروكُ الحديثِ ،
هکذا رواه جماعةُ أصحاب الثورگِّ ؛ منهم ابنُ المباركِ وغیرُه ، عن الثورئِّ ، عن
حكيمٍ بنٍ جبيرٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ ، عن أبيه ، عنِ ابنِ
(٤)
(٣)
مسعودٍ ١، إلّا يحتِى بِنَ آدَمَ ، فإِنَّه جعَل فيه مع حكيم بنِ جُبيرٍ زُبَيدَ الإِيامِىَّ .
ولا يجوزُ عندَ الثورىِّ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ ، والحسنِ بنِ صالحٍ ، ومن قال
بقولِهم ، أن يُعطَى أحدٌ من الزكاةِ أكثرَ من خمسين درهمًا؛ لأنَّه الحدُّ بينَ الغنىِّ
والفقيرِ عندَهم، والزكاةُ إنَّما جعلها اللهُ للفقراء والمساكينِ، وحرَّمها على
الأغنياءِ، إلَّ الخمسةَ الذين ذكرهم رسولُ اللهِ وَ لَه"، وسيأتِى ذكرُهم فى
القبس
(١ - ١) فى م: ((وكموشا أو))، وفى مصادر التخريج: ((أو خموشا أو كدوحا)). وخَدْشُ
الجلد: قشره بعود أو نحوه، والخدوش والخموش والكدوح بمعنَى. ينظر النهاية ١٤/٢،
٧٩، ٤ / ١٥٥.
(٢ - ٢) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٦٤٨/٢٥.
(٣) أخرجه أحمد ١٩٤/٦، ٢٥٩/٧ (٣٦٧٥، ٤٢٠٧)، وأبو داود (١٦٢٦)، وابن ماجه
(١٨٤٠)، والترمذى (٦٥١)، والنسائى (٢٥٩١) من طريق الثورى به.
(٤) فى ص ٤: ((اليامى)). والإيامى نسبة إلى إيام بطن من همدان، ويقال لهم أيضا: يام.
الأنساب ٢٣٣/١، ٦٧٧/٥.
والحديث أخرجه أبو داود (١٦٢٦)، وابن ماجه (١٨٤٠)، والترمذى (٦٥١)، والنسائى
(٢٥٩١) من طريق يحيى به.
(٥ - ٥) فى س: (الله)).
٦٩١
الموطأ
التمهيد كتابنا هذا فى موضعِه إن شاء الله تعالى .
وقال ◌ُبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ: من لا يكونُ له ما يُقِيمُه ويَكْفِيه سنةً ، فإنَّه يُعطَى
من الزَّكاةِ . ( وهذا القولُ لا أعلمُ له وجهًا، ويمكنُ أن يكونَ صاحِبُه ) أخذه من
حديثٍ ابنٍ شهابٍ ، عن مالكِ بنِ أوسٍ بنِ الحدَثانِ ، عن عمرَ بنِ الخطَّابِ ، أنَّ
رسولَ اللهِ وَلَهِ كان يَدَّخِرُ ممَّا أفاء اللهُ عليهِ قُوتَ سنةٍ ، ثم يَجعَلُ ما سوَى ذلك
٦
فى الكَراع والسّلاحُ .. مع قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَوَجَدَكَ عَابِلًا فَأَغْنَى؟
[الضحى :٨].
وقال الشافعىُ : يُعطَى الرجلُ علی قَدْرٍ حاجتِه حتى يُخْرِجَه ذلك من حدٌ
الفقرِ إلى حدِّ الغِنَى، كان ذلك تَجِبُ فيه الزكاةُ أو لا تَجِبُ فيه الزكاةُ ، ولا
أَحُدُّ(٢) فى ذلك حدًّا. ذكَره المزَنِىُّ والربيعُ جميعًا عنه، ولا خلافَ عنه فى
ذلك . وكان الشافعىُّ يقولُ أيضًا: قد يكونُ الرجلُ بالدِّرهم غنيًا مع كسبه ، ولا
يُغْنِیه الألفُ مع ضعفه فى نفسِه و کثرة عيالِه .
وقال الطبرىُّ : لا يَأْخُذُ من الزكاةِ من له خمسون درهمًا أو عَدْلُها ذهبًا ، إذا
كان على التّصُفِ بها قادِرًا، حتى يَشْتَغْنِىَ عن الناسِ ، فإذا كان كذلك حَرُمَتْ
عليه الصدقةُ ، وأمَّا إذا صرَف الخمسين درهمًا فى مسكنٍ ، أو خادمٍ، أو ما لا
القبس
(١ - ١) فى ص ٤: ((وهذا القول يمكن أن يكون صاحبه))، وفى م: ((وما أعلم لهذا القول وجها
إلا أن يكون صاحبه عساه)).
(٢) تقدم تخريجه ص ٥٧٦، ٥٨٢ - ٥٨٤ .
(٣) بعده فى م: (( حد)).
٦٩٢
الموطأ
يَجِدُ منه بُدًّا، وليس له سِواها، وكان على التَّصَرُّفِ بها غيرَ قادرٍ، حلَّتْ له التمهيد
الزكاةُ بحديثٍ ابن مسعودٍ، عن النبيِّ بَّر فى الخمسين درهمًا (١). وذكر
حديثَ قبيصةَ بنِ المخارِقِ: ((لا تَحِلُّ المسألةُ لمن له سِدادٌ من عيشٍ ، أو قِوام
من عيشٍ)) (١). فكأنَّه جعَل السِّدادَ الخمسين درهمًا المذكورةَ فی حديث ابنٍ
مسعودٍ ، واللهُ أعلمُ، "هذا الظاهرُ من معنَى" قولِه.
قال أبو عمرَ: ليس عن النبيِّ وَ لَّه ولا عن الصحابةِ فى هذا البابِ شىءٌ يَرفَعُ
الإشكالَ، ولا ذكّر أحدٌ عنه ولا عنهم فى ذلك نصًّا غيرَ ما جاء عن النبيِّ وَلَه
من كراهيةِ السُؤالٍ، وتحرِيمِه لمن ملَك مقدارًا ما، فى آثارٍ كثيرةٍ مختلفةٍ
الألفاظِ والمعانِى ، فجعَلها قومٌ من أهلِ العلمِ حدًّا بينَ الغنِىِّ والفقيرِ ، وأبى ذلك
آخرون، وقالوا: إنَّما فيها(٤) تَخْرِيمُ السّؤالِ أَو كراهيتُه، فأمَّا من جاءَه شىءٌ مِن
الصَّدقاتِ عن غيرِ مسألةٍ ، فجائزٌ له أخذُه وأكلُه، ما لم يكنْ غنيًّا الغِنَى المعروفَ
عندَ الناسِ، فيَحْرُمُ عليه حينئذٍ الزكاةُ دونَ التَّطوُّعِ .
ولا خلافَ بينَ علماء المسلمين أنَّ الصدقةَ المفروضةَ لا تَحِلُّ لغَنِىٌّ، إلَّا ما
ذُكِرَ فى حديثِ أبى سعيدِ الخُذْرِىِّ، على ما يأتِى ذكرُه إن شاء اللهُ فى موضعِه
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٦٩٠ ، ٦٩١.
(٢) تقدم تخريجه ص ٦٧٧ ، ٦٧٨ .
(٣ - ٣) فى ص ٤: ((هذا المعنى من ظاهر))، وفى م: ((بهذا الظاهر من معنى)).
(٤) فى س: (( فيه)).
٦٩٣
الموطأ
التمهيد من كتابنا هذاً(١) .
واختلَفوا فى صدقةِ التَّطوُّع هل تَحِلُّ للغنىِّ؟ فمنهم من رأى التَّرُّهَ عنها،
ومنهم من لم يرَ بها بأسًا إذا جاءَتْ من غيرٍ مسألةٍ؛ لقولِه وَّلهالعمرَ: (( ما جَاءَك
من غيرٍ مسألةٍ ، فَكُلْه وتَمَوَّلْه؛ فإنَّما هو رزقٌ ساقه اللهُ إليك)) (١) . مع إجماعِهم
على أنَّ السؤالَ لا يَحِلُّ لغنيٌّ معروفِ الغِنَى . وأكثرُ من كَرِه صدقةَ التَّطوّعِ
إنَّما كَرِهَها من أجلِ الامتنانِ ، ورأوا التََّزُّهَ عن التَّطوُّع من الصَّدقاتِ ؛ لما
يُلْحِقُ قابِضَها مِن ذُلِّ النَّفْسِ والخُضوعِ لمعطِيها. ونَزَعُ بعضُهم
بالحديثِ : ((إنَّ الصدقةَ أوساخُ الناسِ يَغْسِلُونَها عنهم)) (١). فرأوا التَّنَزَّهَ عنها،
ولم يُجِيزُوا أَخذَها لمن اسْتَغْنَى عنها بالكفافِ، ما لم يُضْطَرُّوا إليها ؛ حتى
لقد قال سفيانُ رحِمه اللهُ : جوائزُ السلطانِ أحبُّ إلىَّ من صِلاتِ الإخوانِ ؛
لأنَّهم يَمُنُّون .
قال أبو عمرَ : ويَحتمِلُ مع هذا أنَّه رأى أنَّ له فى بيتِ المالِ حقًّا .
والآثارُ المروِيَّةُ عن النبيِّ وَّهِ فِى كَراهيةِ السؤالِ مطلقًا، أو لمن ملَك
مقدارًا ما ، كثيرةٌ جدًّا؛ منها حديثُ الأَسدِىِّ المذْكُورُ فى هذا البابِ لمالكِ،
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٦٠٨).
(٢) تقدم فى الموطأ (١٩٥١).
(٣) فى ص ٤، م: ((نزعوا أو)).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٩٥٥).
٦٩٤
الموطأ
عن زيدِ بنِ أسلمَ ، ومنها حديثُ أبى سعيدٍ على ما تقَدَّم (١) ، وفيها جميعًا ذِكْرُ التمهيد
الأَوقِيَّةِ أو عَدْلِها . وحديثُ ابنُ مسعودٍ فى الخمسين درهمًا، أو عَدْلِها من
(٢)
الذهب() .
وحديثُ سهلِ ابنِ الحنظلِيَّةِ أَنَّه سمِع رسولَ اللهِ وَّلَه يقولُ: ((من سأل
وعندَه ما يُغْنِهِ، فإنَّما يَسْتَكْثِرُ من نارٍ جهنَّمَ )). فقالوا: يا رسولَ اللهِ ، وما يُغْنِيه؟
قال: ((ما يُغَدِّيه فى أهلِه وما يُعَشِّيهم))(١).
وحديثُ عبدِ الحميدِ بنِ جعفرٍ، عن أبيه ، عن رجلٍ من مُزَيْنَةَ ، أَنَّه سمِع
النبىَّ ◌َهِ يَخْطُبُ وهو يقولُ: ((من اسْتَغْنَى أغناه اللهُ، ومن اسْتَعَفَّ أَعَقَّه اللـهُ،
ومن سأل الناسَ وله عَدْلُ خمسةٍ أوساقٍ ، سأل إلحافًا))(1).
وحديثُ قَبِيصةَ بنِ المخارقِ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال له: ((يا قَبِيصةُ ، إِنَّ
المسألةَ لا تَحِلُّ إلَّا "لأحدٍ ثلاثةٍ)؛ رجلٌ تَحَمَّلَ حَمالةٌ ، فحَلَّتْ له المسألةُ ،
فسأل حتى يُصِيبَها، ثم(١) يُمْسِكُ، ورجلٌ أصابَتْه جائحةٌ فاجْتَاحَتْ مالَه،
فحَلَّتْ له المسألةُ ، فسأل حتى يُصِيبَ قِوامًا من عيشٍ - أو قال: سِدادًا من
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٦٨٣، ٦٨٤.
(٢) تقدم تخريجه ص ٦٩٠، ٦٩١.
(٣) أخرجه أحمد ١٦٥/٢٩ (١٧٦٢٥)، وأبو داود (١٦٢٩).
(٤) أخرجه أحمد ٤٧٣/٢٨ (١٧٢٣٧) من طريق عبد الحميد به .
(٥ - ٥) فى ص ٤: ((لإحدى ثلاثة)).
(٦) فى م: ((أو)).
٦٩٥
الموطأ
التمهيد عَيشِ - ورجلٌ أصابَتْه فاقَةٌ حتى يقولَ ثلاثةٌ من ذَوِى الحِجَا من قومِه: لقد
أصابَتْ فلانًا الفاقةُ، فقد حَلَّتْ له المسألةُ. فسأل حتى يُصيبَ قِوامًا - أو
قال(١) : سِدادًا - مِن عيشٍ، ثم يُمْسِكُ، وما سواهُنَّ من المسألةِ يا قَبِيصَةُ
سُحْتٌ، يأْكُلُها صاحبُها سُحْتًا))(١).
وروَى الفِراسِىُّ أَنَّه قال لرسولِ اللهِ وَّهِ: أأسألُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((لا ،
وإن كنتَ لا بُدَّ سائلًا، فاسألِ الصالحين))(١). ) وذكر الحديثَ.
وروَى" عوفُ بنُ مالكِ الأشْجعِىُّ، أنَّهم بايَعوا رسولَ اللهِ وَ لِّ وهم سبعةٌ
أو ثمانيةٌ ، فأخَذ عليهم أن يَعْبُدوا اللهَ ولا يُشْرِكوا به شيئًا، ويُصَلُّوا الصَّلواتِ
الخمسَ، ويَسْمَعوا ويُطِيعوا، ولا يَسأَلُوا الناسَ شيئًا. قال: فلقد كان بعضُ
أولئكَ النَّفَرِ يشْقُطُ سَوْطُه فما يسألُ أحدًا يُنَاوِلُهُ(٥).
وحديثُ(١) ثوبانَ، عن رسولِ اللهِ وَ أَنَّه قال: ((من تَكَفَّل لى ألا يسألَ
الناسَ شيئًا تَكَفَّلْتُ له بالجنةِ))(١).
وروَى عمرُ بنُ الخطابِ وغيرُه، عن النبيِّ وَ لَّهِ أَنَّه قال: ((إذا أُعْطِيتَ شيئًا
القبس
(١) سقط من: ص ٤، م.
(٢) تقدم تخريجه ص ٦٧٧، ٦٧٨.
(٣) تقدم تخريجه ص ٦٧٣ ، ٦٧٤ .
(٤ - ٤) فى ص ٤: ((وحديث)).
(٥) تقدم تخريجه ص ٦٧٤، ٦٧٥ .
(٦) فى م: ((روی)).
(٧) تقدم تخريجه ص ٦٧٥ .
٦٩٦
الموطأ
من غيرٍ أن تَسألَه فكُلْ وتصدَّقْ))(١).
التمهيد
وعنه وَ لَ أَنَّه قال: ((مَن آتَاه اللهُ شيئًا من غيرِ مسألةٍ ولا استشرَافٍ ، فليَأْكُلْ
وليَتَمَوَّلْ ، فإِنَّما هو رزقٌ ساقَهُ اللهُ إليهِ))(١). وهذا مَغْناه أن يكونَ فقيرًا، أو يكونَ
الشىءُ الذى جاءَه مِن غيرٍ مسألةٍ ليس من الزكاةِ إن كان غَنِيًّا، بدليل قولِهِ وَّهِ:
((لا تَحِلُّ الصدقةُ لغنِيٍّ، ولا لِذِى مِرَّةٍ سَوِىٌّ)). ويُرْوَى: ((ولا لِذِى مِرَّةٍ قَوِىٌّ)).
رواه عبدُ اللهِ بنُ عمرو بنِ العاصى (١). وروَاه أيضًا عُبيدُ اللهِ بنُ عَدِىٌّ بنِ الخِيارِ ،
عن رَجُلَيْنِ من أصحابِ النبيِّ وَّ، عن النبيِّ ◌َ(١).
وهذه كلُّها آثارٌ مشهورةٌ صحاحٌ معروفةٌ عندَ أهلِ الحديثِ ، موجودةٌ فى
المسانيدِ والمصَنَّاتِ وأُمَّهاتِ الدَّواوِينِ. ذكَرها أبو داودَ(٤) وغيرُه، كَرِهْتُ
الإتيانَ بأسانيدِها لاشْتِهارِها .
والشّؤالُ عندَ أهلِ العلمِ مَكرُوةٌ لمن يَجِدُ منه بُدًّا على كلِّ حالٍ .
رُوِّينا عن ابنِ عباسٍ من وُجُوهِ أَنَّه أوصاه رسولُ اللهِ وَلَّهِ، وكان فى وَصِيَِّه
القبس
(١) ينظر ما تقدم فى الموطأ (١٩٥١)، ص ٦٦٧ ، ٦٦٩، ٦٧٠.
(٢) أخرجه أحمد ٨٤/١١، ٤٠٣ (٦٥٣٠، ٦٧٩٨)، والدارمى (١٦٧٩)، والترمذى
(٦٥٢) .
(٣) سيأتى تخريجه ص ٧٠٧ .
(٤) أبو داود (١٦٢٦، ١٦٢٩، ١٦٣٣، ١٦٣٤، ١٦٤٠، ١٦٤٢، ١٦٤٣، ١٦٤٦).
٦٩٧
الموطأ
التمهيد له : ((إذا سَأَلْتَ فاسْألِ اللهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ باللهِ))(١).
وقال رسولُ اللهِ ◌ِّله: ((لَأَنْ يَأْخُذَ أحَدُكم حَبْلًا فِيَخْتَطِبَ على ظَهْرِهِ،
خير له من أن يَسْألَ الناسَ، أعطَوه أو مَنَعوه))(٢).
قال أبو عمرَ: وما زال ذَوُو الهِمَم والأخطارِ من الرّجالِ يتَنَزَّهُون عن
السُّؤَالِ. ولقد أحسن أبو الفضلِ أحمدُ بنُ المعَذَّلِ بنِ غَيْلانَ العَبْدِىُّ الفَقِيهُ
المالكىُ حيثُ يقولُ(١) :
ما دُونَه إِنْ سِيلَ من حاجبٍ
التَّمِسِ الأرزاقَ عندَ الذى
مُجُودًا وَمَن يَرضَى عن الطالبِ
مَن يُبْغِضُ التارِكَ عن سُؤْلِه
بغيرٍ تَوقيعٍ إلى كاتبٍ
ومَن إذا قال جرَّى قولُه
قال أبو عمرَ: كان أحمدُ بنُ المعَذَّلِ شاعرًا فقيهًا ناسكًا ، وكان أخُوه
عبدُ الصَّمدِ شاعرًا ماجِنًا، ولأحمدَ قَصِيدَتُه المشهورَةُ فى فضلٍ (٤) الرّباطِ .
ومن أحسنٍ ما قِيلَ نَظْمًا فى الرّضا والقناعةِ وذمّ الشّؤالِ قولُ بعضٍ
(٥)
الأعراب(٥) :
وأنت صحيحٌ لم تَخُنْكَ الأصابعُ
عَلامَ سؤالُ الناسِ والرّزْقُ واسُ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٠٩/٤ (٢٦٦٩)، وعبد بن حميد (٢٣٦)، والترمذى (٢٥١٦).
(٢) تقدم فى الموطأ (١٩٥٢).
(٣) الأبيات فى قمع الحرص للقرطبى ص ٥٣ .
(٤) بعده فى ص ٤: ((الغزو و)).
(٥) الأبيات فى بهجة المجالس ١/ ١٦٦، وقمع الحرص للقرطبى ص ٦٢.
٦٩٨
.
الموطأ
وللعیشِ أو کار وفی الأرضِ مذهبٌ
فكنْ طالبًا للرّزْقِ من رازقِ الغِنَى
التمهيد
عریض وبابُ الرِّزْقِ فی الأرْضِ واسِئُ
وخلِّ سؤالَ الناسِ فاللهُ صانِعُ
وقال مسلمُ بنُ الوليدِ(١):
مع الحرصِ لم يغْنَمْ ولم يتَمَوَّلِ
أقولُ لَأْفُونِ(٢) البَدِيهَةِ طائرٍ
وصائنُ عِرْضِى عن فلانٍ وعن قُلٍ
سَلِ الناسَ إِنِّى سائلُ اللهِ وحدَه
وقال عَبِيدُ بنُ الأَبْرَصِ(٣) :
وسائلُ اللهِ لا يَخِيبُ
من يشْأَلِ الناسَ يَحْرِمُوه
ومِن قَصِیدةٍ للحسینِ بنِ محميدٍ :
وسائلُ الناسِ إنْ جادوا وإِن بَخِلوا
وقال أبو العتاهِيةِ فأحسن(4):
فإنَّه برِداءِ الذُّلِّ مُشتَمِلُ
وفى بذلِ الوُجوهِ إلى الرِّجالِ
أَتَذْرِى أىَّ ذلِّ فى السؤالِ
ويَسْتَغْنِى العفيفُ بغيرِ مالٍ
يَعِزُّ على الشَُّّهِ مَن رَعاه
أذلَّ الحِرصُ أعْناقَ الرِّجالِ(٥)
تعالَى اللهُ يا سلمَ بنَ عمرٍو
القبس
٠٠٠
(١) شرح ديوانه ص ٢٦.
(٢) رجل مأفون: ضعيف العقل والرأى. اللسان (أف ن).
(٣) ديوانه ص ١٥.
(٤) ديوانه ص٢٩٦، ٣٢٥، ٣٢٦.
(٥) بعده فى س، م: ((وما دنياك إلا مثل فىء
أظلك ثم آذن بالزوال » .
٦٩٩
الموطأ
. التمهيد
فلا قُرِّبْتُ مِن ذاك النَّوالِ
يكونُ الفضلُ فيه علىَّ لا لِى
فصائِعُها إليك عليكَ عالٍ
كما عَلَتِ اليمينُ على الشِّمالِ
وحسبُكَ والتَّوسُّعَ فى الحَلَالِ
وأنت تَصِيفُ فى فَىْءِ الظُّلالِ
ورِيَّكَ إِنْ ظَمِئْتَ من الزُّلالِ
وأنتَ الدَّهْرَ لا تَرْضَى بحالٍ
وتَبْغِى أنْ تكونَ رَخِىَّ بالٍ
كثيرِ المالِ فى سَدِّ الخلالِ
ولم أجِدِ الكثيرَ فلا أُبالِی
عَواقِبُه التَّفَوْقُ عن تَقَالٍ
( إِذا كان النَّوالُ بَذْلِ وجهِى
معاذّ اللهِ مِن خُلُقٍ دَنىءٍ
تَوَقَّ يدًا تكونُ عليك فَضْلًا
يدٌ تغلُو بدّا (٢) بجَمِيلٍ فِعْلٍ
وُجوهُ العيشِ من سَعَةٍ وضيقٍ
أتنكِرُ(٣) أن تكونَ أخَا نعيمٍ
وأنتَ تُصِيبُ قُوتَك فى عَفافٍ
متى تُمْسِى وتُصْبِحُ مسترِيحًا
تُكابدُ جَمْعَ شىءٍ بعدَ شىءٍ
وقد يَجرِى قليلُ المالِ مَجرَى
إذا كانَ القليلُ يَسُدُّ فَقْرِى
هى الدُّنْيا رأيتُ الحُبَّ فيها
ونَفْصُكَ أن نظَرْتَ إلى الهلالِ()
تُسَرُ إذا نظَرْتَ إلى هلالٍ
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ بکرٍ ، قال: حدَّثنا أبو
القبس
(١ - ١) سقط من : ص٤ .
(٢) سقط من: م.
(٣) فى م: ((وتنكر)).
٧٠٠