Indexed OCR Text

Pages 501-520

الموطأ
تكونَ كلمتُهم واحدةً ، وجماعتُهم غيرَ مُفْتَرقةٍ ، ومِن الحقوقِ المريقةِ للدِّماءِ ، التمهيد
المبيحةِ للقتالِ ، الفَسادُ فى الأرض، وقتلُ النفسِ ، وانْتهابُ الأهلِ والمالِ،
والبَغْىُ على السلطانِ، والامْتِناعُ مِن حكمِه. هذا كلُّه داخلٌ تحتَ قولِه وَّةٍ:
((إلا بحقِّها)). كما يَدْخُلُ فى ذلك الزانى المُخصَنُ، وقاتلُ النفسِ بغيرٍ حقِّ ،
والمُؤْتَدُّ عن دينه. وقد أمَر اللهُ عزَّ وجلَّ بقتالِ الفئة الباغيةِ بقولِه: ﴿فَقَئِلُواْ الَّتِى
ج
تَبْغِى حَّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]. وفى قوله: ﴿فَقَائِلُواْ﴾. دليلٌ على
أن الباغىّ إذا انْهَزَم عن القتالِ، أو ضعُف عنه (١) بما لحِقه مِن الآفاتِ المانعةِ
للقتالِ، حُرُم دمُّه؛ لأنه غيرُ مُقاتِلٍ، ولم تُؤْمَرْ(٢) بقتالِه إلا إذا قاتَل؛ لأن الله تعالى
قال: ﴿فَقَدِلُواْ﴾. ولم يَقُلْ: فَاقْتُلوا. والمقاتَلةُ إنما تكونُ لمن قاتَل، واللهُ
أعلمُ ؛ لأنها تقومُ مِن اثنین ، وعلى هذا٢ كان حكمُ علىِّ رضِى اللهُ عنه فیمن
بغَى عليه، وتلك كانت سيرتَه فيهم، رضِى اللهُ عنه، وعلى هذا) بجمهورٌ
العلماءِ، وللكلامِ فى هذه المسألةِ موضعٌ غيرُ هذا إن شاء اللهُ .
وقال نُعَيْمُ بنُ حمادٍ: قلتُ لسفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ: أرأَيْتَ قولَهُ(٥): ((مَنْ(٦)
تَرَك الجماعَةَ فقد خَلَع رِبِقةً الإسلامِ مِن عُنُقِه)»؟ فقال: مَن فارَق الجماعةَ
القبس
(١) سقط من: ص ٢٧.
(٢) فى الأصل: ((يؤمر)).
(٣ - ٣) فى ص ١٧: ((ولهذا)).
(٤) فى ص ١٧، م: ((ذلك)).
(٥) فى ص ٢٧: ((قولك)).
(٦) فى ص ١٧: ((ومن)).
٥٠١

الموطأ
التمهيد خلَع طاعةَ اللهِ والاسْتِسْلامَ لأمرِه، وللرسولِ ولأُولى الأمرِ. قال: ولا أعْلَمُ أحدًا
◌ُوقِب بأشدَّ مِن عقويتهم. ثم قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ أَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ
وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]. هذا فى أهلِ الإسلامِ .
وأما قولُه: ((وأن تُناصِحُوا مَن ولَّاه اللَّهُ أمرَ كم)). ففيه إيجابُ النَّصيحةِ على
العامّةِ لؤُلاةِ الأمرِ، وهم الأئمةُ والخلفاءُ، وكذلك سائرُ الأمراءِ، وقد (١) قال
وَإِّه : (الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ)) ثلاثًا . قيل: لمن يا
رسولَ اللهِ؟ قال: ((للَّهِ عَزَّ وجلَّ، ولِكِتابِه، ولرسوله، ولأُثُمَّةِ المسلمِين،
وعَامَّتِهم)) . وهذا حديثٌ رواه مالكٌ ، عن سُهَيْلٍ بن أبى صالح، عن أبيه ، عن
أبى هريرةً، عن النبيِّ وَ﴿١). كذلك رواه كلِّ مَن رواه عن مالكِ.
وزعَم ابنُّ الجارودِ وغيرُه أن مالكًا وهَم فى إسنادِه؛ لأن سفيانَ بنَ عُيِينةً
رواه عن شُهَيلٍ بن أبى صالحٍ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ، عن تَميم الدارىِّ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا حامدُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال:
حدَّثنا سُهَيْلُ بنُ أَبِى صالح، قال : أخبرنى عطاءُ بنُّ يزيدَ الليثى - صديقًا كان
لأبى مِن أهلِ الشامِ - أنه سمِع تميمًا الدارىَّ قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((إِنَّ
القبس
(١) ليس فى: الأصل .
(٢) أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (١٠٩٣)، والطحاوى فى شرح المشكل (١٤٤٥)، وابن
عدى ١/ ١٨٠، ١٨٣، ١٨٤، والدارقطنى فى غرائب مالك - كما فى تغليق التعليق ٥٨/٢ -
من طريق مالك به .
٥٠٢

الموطأ
الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ)). قالوا: لمن التمهيد
يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((للَّهِ، ولكِتَابِه، ولنبيّه، ولأئمَّةِ المسلمين، وعَامَّتِهم».
قال سفيانُ : و کان عمرُو بنُ دینارٍ حدثناه أولًا عن القعقاع بنِ حکیم ، عن
أبى صالحٍ، فلقِيتُ سُهَيْلًا، فسألْتُه لِيُحَدِّثَنيه عن أبيه، فأكونَ أنا وعمرٌو(١) فيه
سواءٌ، فقال سُهَيْلٌ : أنا سمِعْتُه مِن الذى سمِعه منه. أى: أُخْبَرَنِيه عطاءُ بنُّ يزيدَ
الليثىُ ؛ صديقًا كان لأبى مِن أهلِ الشامِ" .
قال أبو عمرَ: وكذلك رواه سفيانُ الثَّوْرِىُّ(١)، وحمادُ بنُ سلمةَ(٤)،
والضَّحاكُ بنُ عثمان() ، وغيرهم ، عن سهیلٍ ، عن عطاءِ بنِ یزیدَ اللیثیِّ ، عن
تميم الدارىِّ .
والحدیثُ عندی صحیح مِن الوجھین ؛ لأن محمد بن عجلان قد رواهعن
القَعْقاعِ بنِ حَكيمٍ، وزيدِ بنِ أسلمَ ، وتُبَيدِ اللهِ بنِ مِقْسَمٍ، كلُّهم عن أبى صالحٍ،
عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ نَّه .
رواه الليثُ، عن محمدِ بنِ عَجْلانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ والقعقاعِ، عن أبى
القبس
(١) فى الأصل، ص ١٧، م: ((غيرى).
(٢) أخرجه الحميدى (٨٣٧)، ومسلم (٩٥/٥٥)، والنسائى (٤٢٠٨) من طريق ابن عيينة به .
(٣) أخرجه أحمد ١٣٨/٢٨، ١٤٠، ١٤١ (١٦٩٤٠ - ١٦٩٤٢)، ومسلم (٩٦/٥٥)،
والنسائى (٤٢٠٩) من طريق الثورى به .
(٤) أخرجه ابن عساكر ٢٣/٢٥ من طريق حماد بن سلمة به.
(٥) أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (١٠٩٠)، والطبرانى (١٢٦٨) من طريق الضحاك به.
٥٠٣

الموطأ
التمهيد صالحٍ، عن أبى هريرةً(١).
ورواه سليمانُ بنُّ بلالٍ، عن محمدِ بنِ عَجْلانَ، عن القَعقاعِ وعُبَيْدِ اللهِ بنِ
مِقْسَمٍ، عن أبى صالحٍ، عن أبى هريرةً(٢) .
وهذا كلُّه يَعْضُدُ(١) روايةَ مالكِ، عن سُهَيْلِ، عن أبيه، عن أبى هريرةً . واللهُ
أعلمُ .
ففى هذا الحديثِ أن مِن الدينِ النصيحةَ(٤) لأئمةِ المسلمين، وهذا أوجَبُ
ما يكونُ على(٥) مَن واكَلَهم وجالَسَهم، وكلُّ مَن أَمْكَنه نصحُ السلطانِ لِزِمه
ذلك إذا رجا أن يُشْمَعَ منه .
وروَى معمرّ، عن الزهرىِّ، عن السائبِ بنِ يزيدَ ، قال : قال رجلٌ لعمرَ بنِ
الخطابٍ: أَلَّا أَخَافَ فى اللهِ لَومةً لائم خيرٌ لى، أم أُقْبِلُ على أمرى؟ فقال: أما
مَن وَلىَ مِن أمرِ المسلمين شيئًا، فلا يَخَفْ فى اللهِ لومة لائم، ومَن كان
القبس
(١) أخرجه البخارى فى تاريخه ٤٦٠/٦ والنسائى (٤٢١٠)، والطحاوى فى شرح المشكل
(١٤٤١) من طريق الليث به .
(٢) أخرجه البخارى فى تاريخه ٦/ ٤٦٠، وابن أبى عاصم فى السنة (١٠٩٤)، وابن نصر فى
تعظيم قدر الصلاة (٧٥٤) من طريق سليمان بن بلال به .
(٣) فى ص ٢٧: ((يعضده)).
(٤) فى ص ١٧، ص ٢٧، م: ((النصح)).
(٥) فى الأصل: ((فعل))، وفى م: ((فكل)).
٥٠٤

الموطأ
خِلْوًا (١)، فَلْيُقْبِلْ(٢) على نفسِه، وليَنْصَح لأميرِه (٣).
التمهيد
وسُئِل مالكُ بنُ أنسٍ : أَيَّتِى الرجلُ إلى(٤) السلطانِ فِيَعِظُه، ويَنْصَحُ له،
ويَنْدُبُه إلى الخيرِ؟ فقال: إذا رجا أن يُشْمَعَ منه، وإلا فليس ذلك عليه .
قال أبو عمرَ : إنما فرَّ مَن فرّ مِن الأمراءِ؛ لأنه لا يُمْكِنُه أن يَنْصَحَ لهم ، ولا
يُغَيِّرَ عليهم، ولا يَسْلَمَ مِن مُتَابَعتِهم .
روَى كعبُ بنُ عُجْرةَ وغيرُه، عن النبيِّ وَ لَ أنه قال: ((سيَكُونُ بعدى
أُمراءُ، فمَن دَخَل عليهم، وصَدَّقهم بكَذِبِهِم، وأعانَهم على ظُلْمِهم، فليس
مِنِّى، ولستُ منه (٥)، ولا يَرِدُ عَلَىَّ الحوضَ، ومَن لم يُصَدِّقْهم بكَذِبِهم ، ولم
يُعِنْهم على ظُلْمِهم، فهو مِنِّى، وأنا منه، وسَيَرِدُ علىَّ الحوضَ)(١).
وروَى أبو سعيد الخدرىُّ، عن النبيِّ وَّلَهِ أنه قال: ((إِنَّ أفضَلَ الجِهادِ كَلِمَةٌ
حَقٌّ - أو قال(٤): كَلِمَةُ عَدْلٍ - عندَ ذى سلطانٍ جائٍ)) .
القبس
(١) فى ص ١٧: ((خلو)). والخلو بالكسر: الفارغ البال من الهموم، والخلو أيضا المنفرد. النهاية
١/ ٧٤.
(٢) فى الأصل: ((فليقل)).
(٣) ذكره الدارقطنى فى العلل ١٥٢/٢ عن معمر به .
(٤) سقط من: ص ١٧.
(٥) فى الأصل، ص ٢٧، م: ((منهم) .
(٦) تقدم تخريجه فى ٥٧٣/٦، ٥٧٤.
٥٠٥

الموطأ
التمهید
رواه ابنُّ عيينةَ وغيرُه، عن علىٍّ بنِ زيد، عن أبى نَضْرةَ، عن أبى
(٢)
سعيدٍ().
وأخبرنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسى(١) ، قال: حدَّثنا ◌ُبَيدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ
حَبَابةَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البَغَوىُّ، قال: حدَّثنا على
ابنُ الجَعْدِ ، أخبرنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن أبى غالبٍ، عن أبى أمامةً ، أن رسولَ
اللهِ وَهِ قال: ((أفْضَلُ الجِهادِ مَن قال كَلِمَةً حَقِّ عندَ ذی سلطانٍ جائِرٍ)) (١).
وقد ذكَرْنا خبرَ بلالٍ بنِ الحارثِ فى بابِ محمدِ بنِ عمرٍو مِن هذا
الكتاب (٥) ، وهو فى معنى الكلامِ عندَ السلطانِ على حسَبٍ ما فسَّرْناه هناك ،
وقد كان الفُضَيْلُ بنُ عِياضٍ يُشَدِّدُ فى هذا، فيقولُ: ربما دخَل العالمُ على
السلطانِ ومعه دينُه، فَيَخْرُجُ وما معه منه شىءٌ. قالوا: كيف ذلك؟ قال :
يمدحه فى وجهِه ، وُصَدِّقُه فی كذبه .
وذكَر أحمدُ بنُّ حنبلٍ، عن ابنِ المُبارَكِ قال: لا تَأْتِهم، فإن أَتَيْتَهم
فاضْدُقْهم . قال: وأنا أخافُ أَلَّا أَصْدُقَهم .
القبس
(١) فى ص ١٧: ((يزيد)). وينظر تهذيب الكمال ٤٣٤/٢٠.
(٢) أخرجه الحميدى (٧٥٢) عن ابن عيينة به .
(٣) فى ص ١٧: ((يحيى)).
(٤) البغوى فى الجعديات (٣٣٦٢). وتقدم تخريجه من طريق حماد بن سلمة فى ص ٣٩٩.
(٥) تقدم فى الموطأ (١٩١٧).
(٦) فى ص ١٧: ((فكيف)).
٥٠٦

الموطأ
قال أبو عمرَ: إن لم يُمْكِنُْ(٢) نُضْحُ السلطانِ، فالصبرُ والدعاءُ، فإِنَّهم التمهيد
كانوا يَنْهَوْن عن سبِّ الأمراءِ.
أخبرنا محمدُ بنُ خَليفةَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ البَغْدادُّ، قال :
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الحَميدِ ، قال: حدَّثنا أبو هشامِ الرّفاعىُّ، قال:
حذَّثنا يحيى بنُ يَمانٍ ، قال : حدَّثنا سفيانُ ، عن قيسٍ بنِ وهب ، عن أنسٍ بنِ
مالكٍ، قال: كان الأكابرُ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ وَّلِ ينهوناً) عن سبّ
الأُمراء(٣) .
مراء
وحدَّثنا محمدُ بنُ خليفةَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: حدّثنا
أبو بكرٍ بنُ أبى داودَ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ محمدٍ (٢أبو عُمَيْرٍ" الرملىُّ، عن
ضَعْرةً، عن رَجاءِ بنِ أبى سلمةً، عن عُبادةَ بنِ نُسَيٍّ، قال: وقَف أبو الدَّرْداءِ
على بابٍ معاويةً فحجَبه لشُغْلِ كان فيه، فكأن أبا الدَّرْداءِ وجَد فى نفسِه،
فقال : مَن يَأْتِ أبوابَ السلطانِ قام وقعَد ، ومَن يَجِدْ بابًا مغلقًا يجدْ إلی جنِه
بابًا رَحْبًا (٥) فُتُحًا (٩) ، إن سأل أُعْطِى، وإنِ اسْتَعاذ أُعِيذ، وإنَّ أولَ نِفاقِ المَرْءِ
القبس
(١) فى الأصل: ((یتمکن))، وفى م: ((يكن يتمكن)).
(٢) فى الأصل، م: ((ينهوننا)).
(٣) أخرجه أبو عمرو الدانى فى السنن الواردة فى الفتن (١٤١) من طريق محمد بن الحسين به،
وأخرجه ابن حبان فى الثقات ٣١٥/٥ من طريق أبى هشام الرفاعى به .
(٤ - ٤) فى الأصل، ص ٢٧: ((بن عمير))، وفى ص ١٧: ((بن عبيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣/٢٣.
(٥) فى ص ١٧: ((رخا))، وفى م: ((رجا)).
(٦) فُتُحا: واسعا. النهاية ٣/ ٤٠٨.
٥٠٧

الموطأ
التمهيد طَعْنُه على إمامِه(١).
وحدَّثنا محمدُ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: حدَّثنا أبو
بكرٍ عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الحميدِ الواسطىُ، قال: حدَّثنا أبو هشامٍ
الرِّفاعِىُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن إسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ ، قال : ما
سبَّ قوم أميرَهم إلا حُرِموا خيرَهُ(٢) .
أخبرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشرٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ حزمٍ ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ ، قال: حدّثنا ابنُ وَضَّاحِ، قال : حدَّثنا أبو بكرٍ نصرُ بنُ
مُهاجِرٍ، قال : حدَّثنا الفَيْضُ بنُ إسحاقَ، عن زُهَيْرِ بنِ مُعاويةً ، عن الأعمشِ،
قال : قال حذيفةُ : إذا كان والى القومِ خيرًا منهم لم يزالوا فى عَلْياءَ، وإذا كان
واليهم شرًّا منهم - أو قال : شرَّهم - لم تَزْدادوا إلا سَفالًا .
وذكَّر البخارىُّ(٢) مِن حديث أبى هريرةَ مرفوعًا: ((إذا وُسِّد الأَمْرُ إلى غيرِ
أهْلِه فانْتَظِرِ الساعةَ، وحِينَئِذٍ تُوْفَعُ الأمانةُ)) .
قال أبو عمرَ : ويَجِبُ على الإمامِ مِن النصحِ لرعيته كالذى يَجِبُ علیھم
له، قال وَ له: ((كلُّكم راع، وكلُّكم مسئولٌ عن رَعِيَّتِه، فالإمَامُ الذى على
القبس
(١) أخرجه البيهقى فى الشعب (٩٤٠٦) من طريق ضمرة به .
(٢) أخرجه أبو عمرو الدانى فى السنن الواردة فى الفتن (١٤٦) من طريق محمد بن الحسين به.
(٣) البخارى (٥٩) وفيه: ((فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة)). بدلا من: ((وحينئذ ترفع
الأمانة )) .
٥٠٨

الموطأ
النَّاسِ راع عليهم، وهو مسئولٌ عنهم)) الحديث. رواه ابنُ عمرَ، عن النبيِّ التمهيد
(١)
وروَى ابنُ عباسٍ، عن النبيِّ ◌َ ل أنه قال: ((ما مِن أَمِيرٍ يُؤَمَّرُ على عَشَرَةٍ إلَّ
يُسْألُ عنهم يوم القِيامَةِ)) (١).
وروَى الحسنُ، عن مَعْقِلٍ بنِ يَسَارٍ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ:
((مَنِ اسْتَزْعَاه اللَّهُ رَعِيَّةً ومات وهو لها غاشٌ، حَرَّمَ اللَّهُ عليه الجَنَّةَ)).
حدَّثَنَاه أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ،
قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ الجَعْدِ ، أَخْبَرَنا أبو
الأشْهَبِ ، عن الحسنِ. فذكره(٣) .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ والحارثُ بنُ أبي أسامةَ ، قالا: حدَّثَنَا هَوْذَةُ ،
قال: حدَّثنا عوفٌ، عن الحسنِ، قال: مرِض مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ مرضًا ثقُل فيه،
فأتاه ابنُ(٤) زيادٍ يَعودُه، فقال: إنى مُحَدِّثُك حديثًا سمِعْتُه مِن رسولِ اللهِ وَلِّل ،
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٧١٩/٢٢.
(٢) أخرجه الطبرانى (١٢١٦٦)، وابن عدى ١٠٠٨/٣.
(٣) أخرجه البغوى فى الجعديات (٣١٧٥)، والطبرانى ٢٠٧/٢٠ (٤٧٤)، والبغوى فى شرح
السنة (٢٤٧٨) من طريق على بن الجعد به، وأخرجه الدارمى (٢٨٣٨)، والبخارى (٧١٥٠)،
ومسلم (١٤٢)، وأبو عوانة (٧٠٤٥، ٧٠٤٦) من طريق أبى الأشهب به .
(٤) ليس فى : الأصل، م.
٥٠٩

الموطأ
التمهيد سَمِعْتُ رسولَ اللهِ وَهِ يقولُ: ((مَن اسْتُرعِى رَعِيَّةً فلم يُحِطْهم بتَصِيحَةٍ ، لم
يَجِدْ رِيحَ الجنةِ، ورِيحُهَا يُوجَّدُ مِن مَسِيرةِ خمسِمائَّةٍ عامٍ))(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ خليفةَ ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: حدَّثنا ابنُ
شاهينٍ، قال: حدَّثنا أبو هشامٍ محمدُ بنُّ يزيدَ الرفاعىُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُّ
سهلٍ(٢) ، عن المغيرةِ بنِ مسلم ، عن قتادةً ، عن أبى الدرداءِ، قال: لا إسلامَ إلا
بطاعةٍ ، ولا خيرَ إِلا فى الجماعةِ، والنصحِ للهِ ، وللخليفةِ، وللمؤمنين(١) عامةً.
وأما قولُه: ((ويَكرَهُ لكم قيل وقال، وكثرةَ السؤالٍ)). فمعنى: ((قيل
وقال)). واللهُ أَعلَمُ ، الحديثُ بما لا معنى له ولا فائدةً فيه من أحاديثِ الناسِ التى
أكثَرُها غِيبَةٌ وَلَغَطٌ وكذِبٌ ، ومَن أكثر من القيل والقالِ مع العامة لم يسلّمْ من
الخوضِ فى الباطلِ، ولا من الاغتيابِ ، ولا مِن الكذِبِ. واللهُ أعلم .
وقد رُوى عن النبيِّ وَلَّ أنه قال: ((كفَى بالمرءِ كذِبًا أن يحدِّثَ بكلِ
ما يسمَعُ)) (١). ومكتوبٌ فى حكمةٍ داودَ وفى صحفِ إبراهيمَ: مَن عدَّ
كلامَهِ من عملِه، قلّ كلامُه إلا فيما يَعنيه. وفى المثلِ السائرِ: التقىُّ )
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٢٧/٣٣ (٢٠٣١٥)، وأبو عوانة (٧٠٤٧)، وابن قانع فى معجم الصحابة ٧٩/٣
من طريق هوذة به، وعند أحمد بلفظ: ((مائة عام))، ولفظ أبى عوانة: ((من استرعى رعية فمات وهو لها
غاش حرم الله عليه الجنة)) .
(٢) فى ص ٢٧: ((سهيل)).
(٣) فى الأصل، ص ١٧: ((المؤمنين)).
(٤) تقدم تخريجه فى ٣٣٣/١.
(٥) فى ص ١٧: ((المتقى)).
٥١٠

الموطأ
مُلْجَمٌ(١). وقد مضَى قولُه وَلَ: ((مَن كان يؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فليقُلْ التمهيد
خيرًا أو ليسكُتْ)). فى بابٍ سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ، ومضَى هناك فى الصمتِ
وحفظِ اللسانِ بعضُ ما يكفِى إن شاء اللهُ(٢).
وأما قولُه : ((وكثرةَ السؤالٍ)). فمعناه عندَ أكثرِ أهلِ العلم التكثيرُ فى
السؤالِ من المسائلِ النوازلِ(٤) والأُغْلوطاتِ(٥) ، وتشقيقُ المَوَلَّداتِ . وقد
أوضحنا هذا البابَ وبسَطناه، وأُشبَعنا القولَ فيه من جهةِ الأثرِ فى كتابٍ
(٧)
((العلم ) (١).
وقال مالكٌ: أمَّا نهى رسولِ اللهِ وَّلَه عن كثرة السؤالٍ، فلا أدرى أهو الذى
أنهاكم(٨) عنه من كثرةٍ " المسائلِ، فقد كرِه رسولُ اللهِ وَل كثرةَ (١) المسائل
وعابها ، أم هو مسألةُ الناسِ؟
القبس
(١) مجمع الأمثال ٢٤٤/١.
(٢) تقدم فى ٣٩٤/٢٢ - ٤٠٣.
(٣ - ٣) فى الأصل: ((أهل العلماء))، وفى ص ١٧، م: ((العلماء)).
(٤) فى م: (( والنوازل)).
(٥) الأغلوطات جمع أغلوطة، أفعولة، من الغلط، كالأحدوثة والأعجوبة، وأراد المسائل التى
يُغْالَط بها العلماء ليزِلّوا فيها، فيهيح بذلك شر وفتنة. ينظر النهاية ٣٧٨/٣.
(٦) بعده فى ص ٢٧: ((فى)).
(٧) جامع بيان العلم وفضله ١٠٣٧/٢ - ١٠٨٦.
(٨) فى ص ١٧: ((نهاكم)).
(٩) بعده فى ص ٢٧: ((السؤال)).
(١٠) ليس فى: الأصل، ص ١٧، م.
٥١١

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ : الظاهرُ فى لفظِ هذا الحديثِ كراهةُ السؤالِ عن المسائلِ ،
إذا كان ذلك على الإكثارِ لا على الحاجةِ عندَ نزولِ النازلةِ ؛ لأن السؤالَ فى
مسألةِ الناسِ إذا لم یجُزْ، فلیس یُنھی عن کثرته دونَ قِلَّتِه ، بل الآثارُ فى ذلك آثارٌ
عمومٍ لا تُفرِّقُ بينَ القِلَّةِ والكثرةِ لمن كُرِه له ذلك. وقد مضى فى معنى السؤال
وما يجوزُ منه ولمن يجوزُ، أبوابٌ كافيةٌ فى هذا الكتاب .
وأما حديثُ هذا البابِ فمعناه، واللهُ أعلَمُ ، ما ذكرنا ، على أنه قد اختُلِف
فيه على ما وصَفنا، وكان الأصلُ فى هذا أنهم كانوا يسألون رسولَ اللهِ ێے عن
أشياءَ ويُلِحُون فيها فينزِلُ تحرِيمُها، قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْتَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ
لَكُمُّ عَفَا ◌َللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١]. ثبت عن النبيِّ وَّل أنه
قال: ((أعظَمُ المسلمين فى المسلمين جرمًا مَن سأل عما لم يُحرَّمْ فحُرِّم على
الناس من أجلٍ مسألتِهِ))(١).
ورُوِى عن الزهرىِّ، ومجاهدٍ، وقتادةً، وعكرمةً ، بمعنَّى واحدٍ أنهم قالوا :
كانوا يسألون رسولَ اللهِ وَله، فسألوه يومًا فأكثروا عليه، فقام مُغضَبًا وقال:
((سلونى، فواللهِ لا تسألونى - أو: لا يسألُنى أحدٌ - عن شىءٍ فى مقامى هذا إلا
أخبرتُه، ولو سألنى عن أبيه لأخبَرتُه)). فقام عبدُ اللهِ بنُ حذافةً فقال: مَن أبى؟
فقال: ((أبوك حذافةٌ)). قال الزهرىُّ: فقالت أمُّه: ما رأيتُ ولدًا أعقَّ منك!
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٠٥/٣، ١٠٦ (١٥٢٠)، والبخارى (٧٢٨٩)، ومسلم (٢٣٥٨)، وأبو داود
(٤٦١٠) من حديث سعد بن أبى وقاص .
٥١٢
1

الموطأ
أكنتَ تأمَنُ أن تكونَ أمُّك قارَفت ما قارَف أهلُ الجاهليةِ فتفضَحَها؟ وقام رجلٌ التمهيد
فقال : الحجُّ واجبٌ فى كلّ عامِ أم مرةً واحدةً؟ فقال: ((بل مرةً واحدةً، ولو
قلتُّها لوَجَبت)). وقام سعدٌ مولَى شيبةً فقال: مَن أنا يا رسولَ اللهِ؟ قال(١): ((أنت
سعدٌ مولَى شيبةً بن ربيعةً)). وقام رجلٌ من بنى أسدٍ فقال : أين أنا يا رسولَ اللهِ؟
قال: ((أنت فى النارٍ)). فقام عمرُ فقال: رضِينا باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا،
وبمحمدٍ نبيًّا، نعوذُ باللهِ من غضبِ اللهِ وغضبِ رسولِه. فنزَلت عندَ ذلك(١):
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤَّكُمْ﴾ الآية(٣).
ونهَى رسولُ اللهِ وَلِّ عن قِيلَ وقالَ، وكثرةِ السؤالِ، وإضاعةِ المالِ. وقال
ابنُ جريج، عن عطاءٍ وعمرو بنٍ دينارٍ ، عن عُبيدِ بنِ عميرٍ : إنَّ اللهَ حرَّم أشياءَ
وأحل أشياءً، فما حژّم فاجتنبوه ، وما أحَلَّ فاستحلُّوه ، وما سكت عنه فهو عفوٌ
فلا تسألوا عنه (٤) .
وقال آخرون: معنى نهى النبيِّ وَ لَّ عن كثرةِ السؤالِ، أراد سؤالَ المالِ
والإلحاح فيه على المخلوقين. واستدلُّوا بعطفِه على ذلك قولَه وَلِّ: ((وإضاعةً
القبس
(١) فى ص ١٧، ص ٢٧: ((فقال)).
(٢) بعده فى الأصل: ((هذه الآية)).
(٣) ينظر تفسير عبد الرزاق ١٩٥/١، وتفسير ابن جرير ١٥/٩ - ١٧، ٢١، ٢٢.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٨٧٦٨)، وابن جرير فى تفسيره ٩/ ٢٤، ٢٥، وأبو نعيم في الحلية ٢٦٨/٣ من
طريق ابن جريج به بدون ذكر عمرو بن دينار، وأخرجه عبد الرزاق (٨٧٦٧) من طريق عمرو به .
(٥ - ٥) فى ص ١٧: ((نهيه)).
٥١٣
( موسوعة شروح الموطأ ٣٣/٢٣)

الموطأ
التمهيد المالٍ)). وبما رواه المغيرةُ بنُ شعبةً وعمارُ بنُ ياسرٍ، عن النبيِّ وَلل أنه قال: ((إن
اللهَ كرِه لكم قيلَ وقالَ، وكثرةَ السؤالِ، وإضاعةَ المالِ، ومنْعَ وهاتٍ، ووأدّ
البناتِ ، وعقوقَ الأمهاتِ))(١) . قالوا: فقولُه: ((ومنع وهاتٍ)). هو من باب
السؤالٍ ، والمنعُ فى المالِ لا فى العلم . قالوا: فكذلك نهيُّه عن كثرة السؤالِ .
واللهُ أعلَمُ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يحيى، حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدانَ ،
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنٍ حنبلٍ ، حدَّثَنى أبى ، أخبرنا هُشيمٌ ، قال : أخبرنا غيرُ
واحدٍ منهم مغيرةُ، عن الشعبىِّ، عن وَرَّادٍ كاتبِ المغيرةِ بنِ شعبةً ، أن معاويةً
كتَب إلى المغيرة : اكتُبْ إلىَّ بحديثٍ سمِعتَه من رسولِ اللهِ أَالله . فكتب إليه
المغيرةُ: إنى سمِعتُه يقولُ عندَ انصرافِه من الصلاةِ: ((لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا
شريكَ له ، له الملك وله الحمدُ ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ)). ثلاثَ مراتٍ،
وكان ينهَى عن قيلَ وقالَ، وكثرة السؤالِ، وإضاعةِ المالِ، ومنْعٍ وهاتٍ،
وعقوقِ الأمهاتِ، ووأد البناتِ(٢) .
قال أبو عمرَ : قد مضَى فيما يحِلُّ من السؤالِ وما لا يحِلُّ أبوابٌ كافيةٌ فيما
القبس
(١) أخرجه خيثمة بن سليمان فى حديثه ص ١٩٧، وابن عدى ١٩٨٧/٥، والقضاعى فى مسند
الشهاب (١٠٩٠) من حديث عمار بن ياسر.
(٢) أحمد ١٢٧/٣٠، ١٢٨ (١٨١٩٢). وأخرجه البخارى (٦٤٧٣)، وابن خزيمة (٧٤٢)،
والطبرانى ٣٨٣/٢٠ (٨٩٧) من طريق هشيم به .
٥١٤

الموطأ
سلفَ من هذا الكتابِ ، والسؤالُ إذا لم يحِلَّ فلا يحِلُّ منه ( الكثيرُ ولا القليل١ُ)، التمهيد
وإذا كان جائزًا حلالاً فلا بأسَ بالإكثارِ منه حتى يبلُغَ إلى الحدِّ المنهِىِّ عنه. واللهُ
أعلمُ .
وقد كان رسولُ اللهِ وَ لَرِ يكَرَهُ كثرةَ المسائلِ ويعيئُها ، والانفكاكُ عندی
من هذا المعنى والانفصالُ من هذا السؤالِ والإدخالِ ، أن السؤالَ اليومَ لا يُخافُ
منه أن ينزِلَ تحريمٌ ولا تحليلٌ من أجلِه ، فمَن سأل مستفهِمًا راغبًا فى العلمِ ونفي
الجهلِ عن نفسِه ، باحثًا عن معنَى يجِبُ الوقوفُ فى الديانةِ عليه ، فلا بأسَ به ،
فشفاءُ العِيِّ السؤالُ، ومن سأل مُعنًِّا غيرَ متفقٌّهٍ ولا متعلِّم، فهذا(٢) لا يحِلُ()
قليلُ سؤالِه ولا كثيرُه . وقد أوضحنا هذه المعانىَ كلَّها فى كتابٍ ((العلم)) بما لا
سبيلَ إلى ذكرِه ههنا (1) .
وأما قولُه: ((وإضاعةَ المالِ)). فللعلماءِ فى تأويلِ معناه ثلاثةُ أقوالٍ،
أحدُها ، أنه أراد بذكرِ المالِ هلهنا الحيوانَ مِن مِلك اليمينِ ؛ أن يُحسَنَ إليهم ،
ولا يُضَيَّعون فيهلِكون. وهذا قولٌ رواه السَّرِىُّ بنُ إسماعيلَ، عن الشعبىِّ.
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((التكثير ولا التقليل)).
(٢) سقط من: ص ٢٧.
(٣) بعده فى ص ١٧، ص ٢٧: (له)).
(٤) جامع بيان العلم وفضله ١٠٣٧/٢ - ١٠٨٦.
(٥) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٣١٩٨) من طريق السرى، عن الشعبى ، عن ابن مسعود ،
مدرجا فى حديث مرفوع، ولم يبين قائله .
٥١٥

الموطأ
.
واحتجّ مَن ذهَب هذا المذهَبَ بحديثٍ أنس (١)، وأمّ سلَمةَ(٢)، أن عامَّةً
التمهيد
وصيةِ رسولِ اللهِ وَ لَه حينَ حضرته الوفاةُ كانت قولَه: ((الصلاةَ الصلاةَ وما
ملكت أيمانكم)) .
والقولُ الثانى، إضاعةُ المالِ بتركٍ (١) إصلاحِه والنظرِ فيه وكسبِه. واحتجّ
من قال هذا بقولِ قيسٍ بنِ عاصم لبنيه حينَ حضَرته الوفاةُ : یا بَنِيَّ ، عليكم
بالمالٍ واصطناعِه ، فإن فيه منبهةٌ(٤) للكريم، ويُستغَى به عن اللئيم) . وبقولٍ
عمرو بنِ العاصى فى خطبتِه حيثُ قال: يا معشَرَ الناسِ ، إِيَّىَ وخِلالًا أربعًا ،
"فإنها تَدْعو إلى النصَبِ بعدَ الراحةِ، وإلى الضيقِ بعدَ السَّعَةِ، وإلى
المذلةِ بعدَ العزِّ ؛ إِيَّاىَ وكثرةَ العيالِ، وإخفاضَ الحالِ ، والتضييعَ للمالِ،
والقيلَ والقالَ فى غيرِ دَرَكٍ ولا نَوالٍ(٨).
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٠٩/١٩ (١٢١٦٩)، وابن ماجه (٢٦٩٧)، والنسائى فى الكبرى (٧٠٩٤ -
٧٠٩٦).
(٢) أخرجه أحمد ٨٤/٤٤ (٢٦٤٨٣)، وابن ماجه (١٦٢٥)، والنسائى فى الكبرى (٧١٠٠).
(٣) فى الأصل: { ترك)).
(٤) منبهة: مشرفة ومَغلاة، من النباهة، يقال: نبُه ينُه، إذا صار نبيها شريفا. النهاية ١١/٥.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٠٢٤)، وابن سعد ٣٦/٧، ٣٧، والبخارى فى الأدب المفرد
(٣٦١)، وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثاني (١١٦٣)، والطحاوى فى شرح المشكل ٢٢٨/٨،
٢٢٩، والبيهقى فى الشعب (١٢١٩، ١١٠٠٨).
(٦ - ٦) فى ص ١٧ ((فإنهن يدعين)).
(٧) فى ص ١٧، م: ((الجلال)).
(٨) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل ٢٢٨/٨.
٥١٦

الموطأ
والقولُ الثالثُ ، إضاعةُ المالِ إنفاقُه فى غيرٍ حقِّه؛ من الباطلِ والإسرافِ التمهيد
والمعاصى، لا جعلنا اللهُ ممن يستعينُ بنعمِه على معاصِيه، آمينَ برحمتِه .
« حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، حدَّثنا علىٍّ، حدَّثنا أحمدُ ، حدَّثنا سُحنونٌ، حدَّثنا
ابنُّ وهبٍ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ نَشِيطٍ(٢)، قال: سألتُ عمرَ مولَى غُفْرةَ(٣) عن
الإسراف ما هو ؟ قال: كلَّ شىءٍ أَنفَقتَه فى غيرِ طاعةِ اللهِ فهو سَرَفٌ وإضاعةٌ
للمالِ(٤)١) .
أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، أن أباه حدَّثه ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
يونسَ ، قال: حدَّثنا بَقِىُ بنُ مَخلَدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً ، قال :
حدَّثنا یعلَى بنُ عبيدٍ ، عن محمدِ بنِ سُوقةً ، عن سعيد بن جبيرٍ ، أنه سأله رجلٌ
عن إضاعةِ المالِ، فقال: أن يرزُقَك اللهُ رِزْقًا) فتُنفِقَه فيما حرَّم اللهُ عليك (١).
وهكذا قال مالكٌ .
القبس
(١ - ١) سقط من: ص ١٧.
(٢) فى ص ٢٧: ((قسيط)). وينظر تهذيب الكمال ٢٢٩/٢.
(٣) فى ص ٢٧، م: ((عفرة))، وتقدم على الصواب فى ٢٤٦/٢٢ وينظر تهذيب الكمال
٢١ /٤٢٠.
(٤) فى م: (( المال)).
والأثر أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤٩٨/١٧، ٤٩٩ من طريق ابن وهب به .
(٥) سقط من : م.
(٦) ابن أبى شيبة ٩٦/٩. وأخرجه الطحاوى فى شرح المشكل ٢٢٩/٨ من طريق يعلى بن عبيد
به .
٥١٧

الموطأ
١٩٣٣ - مالكٌ، عن أبى الزنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ ، أن
رسولَ اللهِ وَ ل قال: ((من شرّ الناسِ ذو الوجهين؛ الذی یأتی هؤلاء
بوجهٍ وهؤلاء بوجهٍ)).
التمهيد
مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ
صَلى الله
وعلا
٠
قال: ((مِن شَرِّ الناسِ ذُو الوَجْهَيْنِ؛ الذى يأتى هؤلاءِ بوجهٍ وهؤلاء بوجهٍ)) (١).
هذا حديثٌ ظاهِرُه كباطنِهِ ، وباطُه كظاهرِهِ، فى البيانِ عن ذَمِّ مَن هذه
حالُهُ(٢) وفِعْلُه وخُلُقُه ، عصَمنا اللهُ برحمتِهِ .
(٢ وقد تَأوَّلَ قومٌ فى هذا الحديثِ أنَّه الذى يُرَائِى بعملِهِ، ويُرِى الناسَ
خُشُوعًا واسْتِكانَةً، ويُرِيهم(٤) أنَّه يَخْشَى اللهَ °حتى يُكْرِمُوهْ). وليس الحديثُ
على ذلك. واللهُ أعلمُ. وقولُه: ((يأْتى هؤلاءِ بوجهٍ وهؤلاء بوجهٍ)). يَرُدُّ هذا
التأويلَ ، وما يحْتَاجُ ذَمُّ الرياءِ إلى اسْتِنْتَاطِ معنًى مِن هذا الحديثِ وشِئهِه ؛ لأن
الآثارَ فيه عن النبيِّ وَّه وعن السلفِ أكثرُ مِن أَن تُخْصَى).
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا يعقوبُ بنُ المباركِ ، حدَّثنا الحسنُ بنُ
مَخْلَدٍ ، حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحَمِيدِ الحِمَّانِىُ ، حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ ، عن
,
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٠٩٠). وأخرجه أحمد ٥٨/١٦ (٩٩٩٧)، والبخارى فى الأدب
المفرد (١٣٠٩)، ومسلم ٢٠١١/٤ (٢٥٢٦) من طريق مالك به .
(٢) فى ص، ص ١٧: ((حالته)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، ص ١٧.
(٤) فى ص ١٦: ((يوهمهم)).
(٥ - ٥) فى ص ١٦: (( کی يكرمونه)).
٥١٨

الموطأ
عُبيدِ اللهِ بنِ سَلمانَ(١)، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَّه قال: ((لا يَنْبَغِى التمهيد
لذی الوجْھَيْن أن یکونَ أُمینًا »(٢) .
ومن هذا الحديثِ، واللهُ أعلمُ، أَخَذَ القائلُ قولَه (٣):
حين يَلْقَانى وإنْ غِبْتُ شَتَمْ
إِنَّ شَرَّ الناسِ مَن يَكْشِرُ لى
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، حدَّثنا إبراهيمُ
ابنُّ مِهْرَانَ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عِيسَى العَطَّارُ، حدَّثنا علىُ بنُ هاشم، عن
إسماعيلَ بنِ مُسلِمٍ، عن الحسنِ وقَتادةَ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ
وَالَ: ((مَن كان ذا لسَانَيْنٍ فى الدنيا، جعَل اللهُ له لسانينٍ مِن نارٍ يومَ
(٤)
القيامة))(٤).
وذكَرِ البَزَّارُ، حدَّثنا محمدُ بنُ مِسْكِينٍ بنِ نُمَيْلَةً(٢) ، حدَّثنا يَخْتِى بنُّ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((سليمان)). وينظر تهذيب الكمال ٥٥/١٩.
(٢) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٣١٣) من طريق سليمان بن بلال به، وأخرجه أحمد ٣٨٧/١٤
(٨٧٨١)، والخرائطى فى المساوئ (٢٩١)، والبيهقى ٢٤٦/١٠، وفى الشعب (٤٨٨٠) من طريق
سليمان بن بلال ، عن ابن عجلان ، عن عبيد الله به .
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٣١ .
(٤) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الصمت (٢٨٠)، وابن أبى عاصم فى الزهد (٢١٦)، وأبو يعلى
(٢٧٧١، ٢٧٧٢) من طريق إسماعيل بن مسلم به، وأخرجه ابن أبى عمر العدنى - كما فى
المطالب (٢٩٦٧) - وابن أبى عاصم (٢١٧)، والبزار (٢٠٢٥ - كشف)، وأبو نعيم فى الحلية
١٦٠/٢ من طريق إسماعيل به بدون ذكر قتادة.
(٥) فى ص ١٦: ((تمبل))، وفى م: ((ثميلة)). وينظر تهذيب الكمال ٣٩٩/٢٦.
٥١٩

الموطأ
ما جاء فى عذابِ العامَّةِ بعملِ الخاصةِ
١٩٣٤ - مالكٌ، أنه بلغه أن أُمّ سلمةً زوج النبيِّ وَ لّ قالت : یا
رسولَ اللهِ ، أَنَهلِكُ وفينا الصالحونَ؟ فقال رسولُ اللهِ وَله: ((نعم،
إذا كثر الخبَثُ)).
التمهيد حسانَ ، حدثنا سلیمانُ بنُ بلال ، عن کثیرِ بنِ زید ، عن الولیدِ بنِ رباحٍ ، عن أُبی
هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: (( لا يَنْبَغِى لذى الوَجهَينِ أن يكونَ أمينًا عندَ
(١)
اللهِ))(١).
مالكٌ، أنه بلغه أن أمّ سلمةً زوجَ النبيِّ وَِّ قالت: يارسولَ اللهِ، أنهلِكُ
وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثُر الخَبَثُ))(٢).
القبس
بابُ عذابٍ العامَّةٍ بذنوبٍ الخاصة
ذكَر حديثَ أُمِّ سَلَمَةً، قالت: يا رسولَ اللهِ ، أنهلِكُ وفينا الصَّالِحون؟
قال: ((نعم، إذا كَثُرِ الخَبَثُ)). وذكَر قولَ عمرَ: إن اللهَ لا يُعذّبُ العامَّةَ بِذَنْبٍ
الخاصّةِ، ولكن إذا عُمِل المُنْكَرُ جِهَارًا اسْتَحقُّوا العقوبةَ كلُّهم(٢). وإنما أَذْخَل
قولَ عمرَ بعدَه المُعارضةِ مُطْلَقِ الحديثِ لظاهرِ القرآنِ فى قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الصمت (٢٨١) من طريق يحيى بن حسان به، وأخرجه القضاعى
(٨٦٩) من طريق سليمان بن بلال به، وأخرجه ابن عدى ٢٠٨٨/٦ من طريق كثير بن زيد به .
(٢) الموطأُ برواية أبى مصعب (٢٠٩١).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٩٣٥).
٥٢٠