Indexed OCR Text

Pages 101-120

الموطأ
وحدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحتِى وأحمدُ بنُ فتح، قالا: حدَّثنا حمزةُ بنُّ التمهيد
محمدٍ ، قال : أخبرنا محمدُ بنُّ سعيدِ بنِ عثمانَ بنِ عبدِ السلامِ السَّرَّائجُ ، قال :
حدَّثنا أبو صالحٍ عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال : حدَّثنی إبراهيمُ بنُ سعدٍ ، عن ابنٍ
شهاب، عن القاسم بن محمدٍ، عن عائشةً، قالت: دخَل علىَّ رسولُ اللهِ وَِهِ
وأنا مستترةٌ بقرامٍ فيه صورٌ، فتلوَّنَ وجهُه، وتناولَ السّترَ فهتَكه، ثم قال: ((إنَّ
مِن أشدِّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ الذين يُشبّهونَ بخلقِ اللهِ)) (١).
ورواه ابنُ عیینةً ، عن ابنِ شهابٍ پإسنادِهِ مثلَه(٢) .
ففى هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ القِراءَ سترٌ، ويحتمِلُ أَنَّه إذْ هتكه وخرّقه قد
أبطَلَ الانتفاعَ به، ويحتمِلُ أن يكونَ أباح الانتفاعَ منه بما كان يُوطأُ ويُمتهَنُ ،
وكَرِهِ ما يُنصَبُ نصبًا، كالسِّترِ وشبهِهِ، ولهذا، واللهُ أعلمُ، قال مَن قال
مِن العلماءِ: ما قُطِعَ رأْسُه فليس بصورةٍ، وما لم يُنصَبْ ويُسَطْ ، فليس
به بأس .
ويدلُّ حديثُ عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ على نحوِ ما ذكرنا مِن الاحتمالِ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسَى، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ
القبس
(١) أخرجه البخارى (٦١٠٩)، ومسلم (٩١/٢١٠٧)، وأبو يعلى (٤٤٠٩) من طريق إبراهيم بن
سعد به .
(٢) أخرجه الحميدى (٢٥١)، وأحمد ٩٧/٤٠، ٩٨ (٢٤٠٨١)، ومسلم (٩١/٢١٠٧)،
والنسائى (٥٣٧٢) من طريق ابن عيينة به .
١٠١

الموطأ
التمهيد حبابةَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البغوىُّ، قال: حدَّثنا بشرٌ
ابنُّ الوليدِ ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبى سلمةً، عن عبيدِ اللهِ
ابنِ عمرَ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ، عن عائشةً، قالت: دخَل علىَّ رسولُ
اللهِ وَّهِ وفى البيتِ سترٌ منصوبٌ عليه تصاويرُ، فعرَفْتُ (١) الغضب فى
وجهِه. قالت: فهتكتُه، وأخذتُه فجعلتُه مِرِفَقتَين، فكان يرتفِقُ بهما فى
بيته 15#(٢).
فروايةُ عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ هذه عن القاسم مخالفةٌ لرواية الزهرىِّ ونافعٍ عن
القاسم، وعبيدُ اللهِ ثقةٌ حافظٌ، وسماعُه مِن القاسم ومِن سالمٍ صحيحٌ،
والزهرىُّ ونافعٌ أَجلَّ منه، واللهُ أعلمُ بالصحيحِ مِن ذلك، ومِن جهةِ النظرِ لا
يجبُ أن يقعَ المنعُ والحظرُ إلَّا بدليلٍ لا منازعَ له، وحديثُ سهلٍ بن محُنيفٍ مع
أبى طلحةَ الأنصارىِّ يَعضُدُ ما رواه عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ فى ذلك، وسیأتِی ذکرُ
حديثٍ سهلٍ بنٍ محنيفٍ وأبى طلحةً فى بابٍ أبى النَّضرِ، من كتابنا هذا، فی
حرفٍ السِّينِ، وقد مضَى ما للفقهاءِ فى هذا البابٍ مِن المذاهب ، فی بابِ
إسحاقَ بنٍ أبى طلحةً(٤) ، ويأتى فى بابٍ أبى النَّضرِ سالم ما فيه أيضًا عن
التَّابعينَ(٥) إن شاء الله عزَّ وجلَّ.
القبس
(١) فى الأصل، ق، م: ((فعرف)).
(٢) البغوى فى الجعديات (٢٩٤٥).
(٣) تقدم فى الموطأ (١٨٧١).
(٤) تقدم ص ٨١ ، ٨٢.
(٥) تقدم ص ٩٠ - ٩٧ .
١٠٢

ما جاء فى أكلِ الضَّبِّ
الموطأ
التمهيد
القبس
وأما : بابُ الضَّبِّ
فقد تقدّم، ولکن ذكره فى الجامع مُشِیرًا به إلى نُکتةٍ وقع التُّلْویُ بها فى حديثٍ
عبد الله بن دینارٍ ، عن عبد الله بن عمر، أن رجلًا نادی رسولَ اللهِ أَێتل : ما تَری فی
الضَّبِّ؟ فقال: ((لستُ بآكلِه ولا مُحَرِّمِه)) (١). فاحتمل أن يكونَ معنى هذا الحديثِ
ما وقَع فى الصِّحاحِ، مِن أنه ((لم يكنْ بأرضٍ قومى، فأجِدُنى أَعَانُه))(٢). فتركه
لأجلِ العِيَافةِ، أو يكونَ تاركًا له" لِما رواه مسلم أن النبيَّ وَِّ سُئِل عن الضَّبُّ،
فقال: ((إنَّ أُمَّةً مِن الأمم مُسِخَت، فلا أَذْرِى أهى الضَّبُّ أم لا؟))(1).
وأما قولُه فى حديثٍ خالدٍ ، فقال لخالدٍ وعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ: (كُلَا)). فقالا:
أو(٥) لا تأكُلُ أنت يا رسولَ اللهِ؟ فقال: (إنى تَحْضُرُنى مِن اللهِ حاضِرةٌ)). فيَحْتمِلُ
أن يكونَ مع الضِّبَابِ والبيضِ رائحةٌ مُنْكَرةٌ(٢)، فيكونَ مِن بابٍ أَكْلِ البَصَلِ والنّومِ .
وإمَّا أن يريدَ أن المَلَكَ يَنْزِلُ عليه بالوحي، ولا يَضْلُحُ لمَن كان فى هذه المَرْتبةِ
ارتكابُ المُشْتَبِهاتِ .
(١) سيأتى فى الموطأ (١٨٧٥).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٨٧٤).
(٣ - ٣) فى ج، م: ((لا يأكله)).
(٤) مسلم (١٩٤٩، ١٩٥١). وسيأتى تخريجه ص ١١٧، ١١٨.
(٥) فى د، ج: (( و).
(٦) فى ج، م: ((متكرهة)).
١٠٣

الموطأ
١٨٧٣ - مالك، عن عبد الرحمن بن عبدِ اللهِ بنِ عبد الرحمنِ بنِ
أبى صعصعةً، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أنه قال: دخَل رسولُ اللهِ وَهِ
بيتَ ميمونةَ بنتِ الحارثِ ، فإذا ضِبابٌ فيها بَيْضِ، ومعَه عبدُ اللهِ بنُ
عباسٍ وخالدُ بنُ الوليدِ، فقال: ((من أينَ لكم هذا؟)) . فقالت : أهدَتْه
لى أختى هُزِيلةُ بنتُ الحارثِ . فقال لعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ وخالدِ بنِ
الوليدِ: ((كُلا)). فقالا: ولا تأكُلُ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: «إنی
تَحضُرُنى مِن اللهِ حاضرةٌ)). قالت ميمونةٌ : أَنَسقِيكَ يا رسولَ اللهِ من
لبنٍ عندَنا؟ فقال: ((نعم)). فلما شرِب قال: ((من أينَ لكم هذا؟)).
فقالت: أهدَتْه لى أختى هُزيلةُ. فقال رسولُ اللهِ وَلِهِ: ((أرأيتِكِ
جاریتكِ التى كنتٍ استأمرتِنى فى عتقِها ؛ أعطِيها أختك ، وصلى بها
رحِمَك تَرَعَى عليها، فإنه خيرٌ لك)).
التمهيد
مالكٌ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى صَعْصَعَةً ، عن
سليمانَ بنِ يَسارٍ ، أَنَّه قال: دخَلَ رسولُ اللهِ وَهِ بيتَ مَيْمونَةَ بِئْتِ الحارثِ،
فإِذا ضِبَابٌ فيها بَيْضِّ، ومعه عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ وخالِدُ بنُ الوَلِيدِ، فقال: ((مِن
أين لكم هذا؟)) فقالت: أَهْدَتْه أُخْتِى إِلَىَّ هُزَيْلَةُ بنتُ الحَارِثِ. فقال لعبدِ اللهِ
ابنِ عباسٍ وخالدِ بنِ الوَلِيدِ: ((كُلَا)). فقالا: ولا تَأْكُلُ يا رسولَ اللهِ؟ فقال:
((إِنِّى تَحْضُرُنى مِن اللهِ حاضِرَةٌ)). قالت مَيْمُونَةُ: أَنَسْقِيكَ يا رسولَ اللهِ مِن لَّبْنِ
عندَنا؟ قال: ((نعم)). فلَمَّا شَرِب قال: ((من أين لكم هذا؟)). فقالت: أَهْدَتْه
القبس
١٠٤

الموطأ
إِلَىَّ أُخْتِى هُزَيْلَةُ. فقال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((أَرَأْتِتِكِ جارِيَتَكِ التى كنتٍ التمهيد
اسْتَأْمَوْتِنى فى عتقِها ، أُعْطِيها أَخْتَكِ ، وصِلِى بها رَحِمَكِ تَرْعَی علیها ، فإنَّه خيرٌ
لك) (١).
هکذا قال یحیی : فإذا ضبابٌ فیھا تَتْضِّ . وقال ابن القاسم : فإذا بضِبابٍ
فيها بيضٌ . وقال القَغْنَيِىُّ، وابنُ نافِعٍ، وابنُ بُكَيْرٍ(١)، ومُطَرِّفٌ: فَتِىَ بضِبابٍ .
قال القَعْنَيِىُّ: فيهنَّ بَيْضّ. وقال غيره: فيها بَيْضِّ. وقال يحبى: ((أرَأْتِكِ)).
وقال غيره: ((أَرَأيْتِ)). وقال يحيى: ((وَصِلِى بِهَا رَحِمَكِ)). وقال غيرُه:
((وَصِلِيها بها تَرْعَى عليها)). والمعانى فى ذلك كلِّه مُتَقارِبَةٌ(١)، وكذلك ألفاظُ
الرُّوَاةِ فى ((المؤَطَّأَ)) فى متونِ الأحاديثِ متقاربةُ المعانى غيرُ متدافعةٍ. ولم
يختلف الرواةُلـ((الموطاً )» فى إسنادٍ هذا الحديث وإرساله على حسب ما ذكرناه
عن يحيى، وقد رَواه بُكَيْرُ بنُ الأَشَجّ، عن سليمانَ بنِ يَسَارٍ، عن ميمونةَ (٤).
فأمّا ما فى هذا الحديثِ مِن ذِكْرِ الصَّبِّ وامْتِناعِ رسولِ اللهِ وَلِّمِن أْلِهِ،
وإذْنِهِ لخالِدِ بنِ الوليدِ وعبدِ اللهِ بنِ عباسٍٍ فى أكْلِه، فقد مَضَى هذا المعنى
مُسْنَدًا فى حديثٍ ابنٍ شهابٍ، عن أبى أَمَامَةَ، مِن كتابِنا هذا°) ، ومَضَى أيضًا
القبس
(١) الموطأ برواية على بن زياد (١٠١)، وبرواية أبى مصعب (٢٠٣٦).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٣/١٨ظ - مخطوط).
(٣) بعده فى الأصل: ((المعانى)).
(٤) سیأتی تخريجه ص ١٠٨.
(٥) سيأتى ص ١١٠ - ١١٢.
١٠٥

الموطأ
التمهيد فى الضَّبِّ حديثُ مالِكٍ(١)، عن عبدِ اللهِ بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبىِّ
گال﴾ . وقد ذگونا فى باب عبدِ اللهِ بنِ دِينَارٍ ما لفقهاء الأمصارِ مِن الاختلاف فى
أكْلِ الضَّبِّ، وما نزَعَتْ به كلُّ فِرقةٍ وذهَبَتْ إليه مِن الآثارِ فى ذلك ، بأبسطِ ما
يكونُ وأَوْضَحِه، فمَن أراد الوُقُوفَ على ذلك، تأمَّلَه هناك، فلا مَعْنَى لإعادَةِ ما
مَضَى مِن ذلك ههنا .
وأمّا قولُه فى هذا الحديثِ، فقال: ((إِنِّى تَحْضُرُنى مِن اللهِ حاضِرَةٌ)).
فمَعْناه إن صَحَّتْ هذه اللَّفْظَةُ ؛ لأنَّها لا تُوجَدُ فى غيرِ هذا الحديثِ ، مَعْنَاهَا(١)
ما ظهَرَ فى حديثِ ابنِ عباسٍ وخالِدِ بنِ الوليدِ، عن النبيِّي وَ لَيهِ أَنَّه قال فيه: ((لم
يكنْ بأرضٍ قومى، فأجِدُنِى أَعَاقُه)) (١) . وقد رُوِى عن عُمَّرَ بنِ الخطابِ أُنَّ
رسولَ اللهِ پ قَذِرَ الضَّبَّ فلم یاُلْه. وقد بٹًّا المعنى فى ذلك كلّه، فى بابٍ
ابنِ شهابٍ وعبدِ اللهِ بنِ دِينَارٍ (١) . والحمدُ للهِ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسِم وعبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ
أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الوَهَّابِ بنُ
عطاءٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سليمانَ اليَشْكُرِىِّ، عن جابِرِ بنِ
عبدِ اللهِ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، أن نبىَّ الله ◌َّلو لم يُحرِّمِ الضبّ، ولكن
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٨٧٥).
(٢) فى ص، ص ١٧: ((فمعناها)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٨٧٤).
(٤) ينظر ما سيأتى ص ١١٠ - ١١٢، ١١٦ - ٠١٢٢
١٠٦

الموطأ
قذِره، وإن اللهَ لَيَنْفَعُ به غيرَ واحِدٍ، وإنَّه لَطَعامُ الرِّعَاءِ، ولو كان عندى التمهيد
لأكلُه(١) .
حدّثنا قاسِمُ بنُ محمدٍ ، قال: حدّثنا خالِدُ بنُ سَغدٍ ، قال: حدّثنا محمدُ
ابنُّ فُطَيْسٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مَرْزُوقٍ ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ ، قال
حدَّثنا شعبةُ، عن أبى بِشْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: أُهْدَتْ
خالتى أُمُّ ◌ُفَيْدٍ إلى النبيِّ ◌َّهِ أَقِطًا وسَمْنَا وَأَضُبًا، فَأَكّل النبىُ وَله مِن الأَقِطِ
والسّعن، ولم تأكُلْ مِن الأضب ، وأكل على مائدةِ رسولِ اللهِ ێے، ولو كان
حَرَامًا لم يُؤْكَلْ على مائِدَةِ رسولِ اللهِ وَ(١).
هذا الحدیثُ مِن اصحّ ما يُزوی مِن المسنَداتِ فی معنی حدیثِ هذا الباب
المرسل، وأظُنُّ أَمَّ محُفَيْدِ المذكورةَ فى حديثِ ابنِ عباسٍ هذا هى هُزَيْلَةُ أَمّ
مُفَيْدٍ؛ لأنَّ أُمَّ ابنِ عباسٍ هى أمّ الفضلِ بنتُ الحارثِ أُحْتُ ميمونةً وَأُخْتُ مُزَيِلَةً
أُمّ حُفَيْدٍ ، فَهُزَيْلَةُ المذكورةُ فى حديثِ مالكٍ هى أَمُ حُفَيْدٍ ، واللهُ أعلمُ، ومَن
تدَبَّرَ ذلك فى الحدِيثَيْنِ لم يَخْفَ عليه إن شاء اللهُ .
وما نَزَع به ابنُ عباسٍ فحُجّةٌ واضِحَةٌ ؛ لأنَّه لو كان حرامًا ما أُكِل على مائِدَةٍ
رسولِ اللهِ وَله، لأَنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ إِنَّما بُعِث آمِرًا بالمعروفِ، وناهِيًّا عن
القبس
(١) أخرجه الترمذى فى العلل الكبير (٥٥٠)، وابن ماجه (٣٢٣٩) من طريق سعيد به.
(٢) أخرجه أبو عوانة (٧٧٠٥)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٠٢/٤ عن إبراهيم بن مرزوق به،
وأخرجه أحمد ٤/ ١٤٨، ٢٩٧/٥ (٢٢٩٩، ٣٢٤٦)، والبخارى (٢٥٧٢، ٥٤٠٢)، ومسلم
(١٩٤٧)، وأبو داود (٣٧٩٣)، والنسائى (٤٣٢٩) من طريق شعبة به.
١٠٧

الموطأ
التمهيد المُنْكَرِ، وَمُعَلِّمًا، وَهِ، وقد تكرّر هذا المغْنَى فى غيرِ موضع مِن كتابنا هذا بما
فيه شِفَاءٌ وبيانٌ . واللهُ المسْتَعانُ .
وفى هذا الحديثِ أيضًا الأْلُ مِن الهديةِ(١) وقَبُولُها. وفيه أنَّ الصدقةَ على
الأقارِبِ وَذَوِى الأَرْحَامِ أَفْضَلُ مِن العِثْقِ، ولهذا ما سِيقَ هذا الحديثُ وما كان
مثلَه فى مَعْناه. وقد رُوِى عن النبيِّ بَّلِ هذا المعنى مِن وُجوهٍ مُتَّصِلَةٍ ومُنْقَطِعَةٍ
صِحاحٍ.
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ ، قال: أخبرنا هَنَّادُ بنُ السَّرِىِّ، عن عَبْدَةَ، عن ابنٍ إسحاقَ ،
وأخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بنُّ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدّثنا
يَعْلَى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن بُكَثْرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأشجّ، عن
سليمانَ بنِ يَسَارٍ ، عن مَيْمُونَةً ، قالت : كانَتْ لى جارِيَةٌ فأعْتَقْتُها، فدَخَل علىَّ
رسولُ اللهِ وَلَّهِ، فَأَخْبَرْتُه بعِثْقِها، فقال: ((أجَرَكِ اللهُ، أمَا إِنَّكِ لو أُعْطَيِها
أخوالَكِ لكان أعْظَمَ لأخرِكِ »(٣) .
ورواه ابنُ وَهْبٍ، عن عمرو بن الحارث ، عن بُگیْرٍ، عن گُرِئْبِ، عن
القبس
(١) فى الأصل، ص ٢٧، م: ((الصدقة)).
(٢) النسائى فى الكبرى (٤٩٣٢). وأخرجه أبو داود (١٦٩٠) عن هناد به، وأخرجه أحمد
٤٠٠/٤٤ (٢٦٨١٧)، وعبد بن حميد (١٥٤٦) عن يعلى به.
١٠٨

الموطأ
مَيْمُونَةَ(١) . والقولُ فى إسنادِ هذا الحديثِ قولُ ابنٍ إسحاقَ . واللهُ أعلمُ .
وعندَ ابنِ إسحاقَ فى هذا الحديثِ إسنَادٌ آخَرٌ.
التمهيد
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعَاوِيَةً ، قال : أخبرنا
أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ ، قال : أخبرنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحيمِ ، قال :
حدَّثْنَا أَسَدُ بنُ موسى، ووَجَدْتُ فى أَصْلِ سَماعٍ أبى بخَطِّه، رَحِمه اللهُ ، أنَّ
محمدَ بنَ أحمدَ بنٍ قاسِمِ حدَّثَهم ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ ، قال: حدّثنا
نَصْرُ بنُ مَرْزُوقٍ ، قال: حدَّثْنَا أُسَدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا أبو مُعاوِيَةً محمدُ بنُ
خازِمٍ ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن الزهرىِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن
ميمونةً، أنَّها سألَتِ النبيَّ وَِّ خادِمًا، فَأَعْطَاها خادِمًا، فأَعْتَقَتْها، فقال لها :
((ما فَعَلَتِ الخادِمُ؟)). قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَعْتَقْتُها. قال: ((أمَا إِنَّكِ لو
أَعْطَيْتِها أخوالَكِ كان أعْظَمَ لأُخْرِكِ »(٢) .
أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: أخبرنا مَسْلَمَةُ بنُ القاسم ، قال : أخبرنا
محمدُ بنُ زَبَّانَ(١)، قال: أخبرنا محمدُ بنُ رُمْح، قال: أخبرنا اللَّيْثُ، عن تَزِيدَ
ابنِ أبى حَبِيبٍ، عن عِرَاكِ بنِ مالِكِ، أنَّ عروةَ بنَ الزبيرٍ أُخْبَرَه ، أنَّ رَجُلًا مِن بنى
القبس
(١) أخرجه مسلم (٩٩٩)، والنسائى فى الكبرى (٤٩٣١)، وابن حبان (٣٣٤٣) من طريق ابن
وهب به .
٠
(٢) النسائى فى الكبرى (٤٩٣٤). وأخرجه ابن خزيمة (٢٤٣٤)، والحاكم ٤١٤/١، ٤١٥ من
طریق أسد بن موسی به .
(٣) فى م: ((ريان)). وينظر الإكمال ١٢٠/٤.
١٠٩

الموطأ
١٨٧٤ - مالك، عن ابن شهاب ، عن أبى أمامةً بنِ سهلِ بنِ
محُنيفٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، عن خالدِ بنِ الوليدِ بنِ المغيرةِ ، أنه
دخّل مع رسولِ اللهِ وَله بيتَ ميمونةَ زوج النبيِّ وَلَهُ، فَأَتِىَ بضَبٌّ
مَحنوذٍ ، فأهوَى إليه رسولُ اللهِ وَ لَّه بيدِه، فقال بعضُ النسوةِ اللاتى
فى بيتٍ ميمونةَ: أخبروا رسولَ اللهِ وَ لِّ بما يُرِيدُ أَن يأْكُّلَ منه . فقيل:
هو ضبّ يا رسولَ اللهِ . فرفَع يدَه، فقلتُ: أحرام هو يا رسولَ اللهِ؟
التمهيد غِفَارٍ لَحِق برسولِ اللهِ وَّه فِصَحِبَه، وتَرَكَ أَبَوَيْهِ، فقال له رسولُ اللهِ وَّةٍ :
((من كان يَمْهُنُّ لْأَبَوَيْكَ؟)). قال: أنا. فأُخْدَمَه رسولُ اللهِ وَلِّ خَادِمًا، فَلَبِث
رسولُ اللهِ وَهِ أَيَّامًا، ثم سألَه عن العبدِ ما فَعَلَ؟ قال: أَعْتَقْتُه. قال: ((لو
أغطَيْتَه أبُوَيْك کان خَيْرًا لك)).
أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدّثنا أحمدُ بنُ سعیدٍ ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ إِبراهِيمَ الدَّيْئِىُّ(١) ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُّ صَبِيح، قال: حدّثنا
سفيانُ بنُ عيينةً، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه ، أنَّ ميمونةَ أَعْتَقَت جارِيَةً لها ، فقال
لها النبيُّ وَّهِ: ((أفلا أعْطَئِتِها أَحْتَكِ الأعرابيةَ؟))(٢).
قال أبو عمرَ: يَغْنِى مُزَئِلَةَ، وهى أُمّ مُفَيْدٍ . واللهُ أعلمُ .
مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن أبى أمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنَيْفٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ
القبس
(١) فى م: ((الديلى)).
(٢) أخرجه إسحاق بن راهويه (٢٤) عن سفیان به، وأخرجه عبد الرزاق (١٩٦٢٦) من طريق ابن
طاوس به .
١١٠

فقال: ((لا، ولكنه لم يكنْ بأرضٍ قومى، فأجِدُنى أعاقُه)). قال
خالدٌ: فاجتَرَرتُه فأكّلتُه ورسولُ اللهِ وَلَِّ ينظُرُ.
الموطأ
عباسٍ، عن خالدِ بنِ الوليدِ، أَنَّه دخَل مع رسولِ اللهِ وَلِّ بِيثَ ميمونةَ، فَأُتِيَ الشهيد
بضَبٌّ محنوذٍ، فَأَهْوَى إليه رسولُ اللهِ وَلَه، فقال بعضُ النِّسوةِ اللاتى فى بيتٍ
ميمونةَ: أُخْبِروا رسولَ اللهِ وَِّ بما يُريدُ أن يأْكُلَ منه. فقالوا: هو ضبٍّ. فرفَع
رسولُ اللهِ وََّهِ يدَه، فَقُلتُ: أحرامٌ هو يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((لا، ولكنَّه لم
يكنْ بأرضٍ قومى، فأجِدُنى أعافُه)). قال خالدٌ: فاجتَرَرتُه فأكَلتُه ورسولُ اللهِ
(١)
﴿ ﴿ يَنْظُ(١).
هكذا قال يحيى بنُ يحيى، عن ابنِ عباسٍ، عن خالدِ بنِ الوليدِ. وتابَعه
القَعْنَبِىُُّ)، وابنُ القاسم ، وجماعةٌ من أصحابٍ مالك . وقال ابنُ بُكَيْرٍ():
عن ابنِ عباسٍ وخالدِ بنِ الوليدِ، أنَّهما دخَلا مع رسولِ اللهِ وَّ بيتَ ميمونةَ .
وتابعه قومٌ . وكذلك رواه معمرٌ، عن الزهرىِّ، أنَّ ابنَ عباسٍ وخالِدًا شَهِدا
هذه القصّةً بنحوِ رواية ابنٍ بُکیرٍ(١) .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٤٥). وأخرجه أحمد ١١/٢٨ (١٦٨١٣)، والبخارى
(٥٥٣٧)، والنسائى فى الكبرى (٦٦٥٣) من طريق مالك به .
(٢) أخرجه أبو داود (٣٧٩٤)، والجوهرى فى مسند الموطأ (١٣٠) من طريق القعنبى به.
(٣) ذكره الجوهرى فى مسند الموطأ ص ١٣٤ .
(٤) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٣/١٨ ظ، ١٤ و - مخطوط).
(٥) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٠٣٧). وأخرجه مسلم (٤٣/١٩٤٥)، وأبو عوانة (٧٧٠٢)،
وابن حبان (٥٢٦٣) من طريق مالك به .
(٦) أخرجه مسلم (١٩٤٥) من طريق معمر به .
١١١

الموطأ
التمهيد
ولم تختلفْ نُسَخُ (( الموطاً)) فی إسنادٍ هذا الحديثِ عن مالك، عن ابنِ
شهابٍ، عن أبى أمامةً، عن ابنِ عباسٍ. وروَاه عثمانُ بنُ عمرَ فأخطأ فى
إسناده، جعله عن مالك، عن ابن شهاب ، عن ◌ُبَيْدِ اللهِ ، عن ابنِ عباسٍ .
حدَّثْنَا خَلَفُ بنُ قاسم، حدَّثنا علىُّ بنُ الحسنِ بنِ عَلَّانَ ومحمدُ بنُّ
عبدِ اللهِ القاضى، قالا: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ سليمانَ، حدَّثْنَا عَبَّادُ بنُ زِیَادٍ
السَّاجِىُّ، حدَّثنا عُثْمانُ بنُ عمرَ ، أخبرنا مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن عبيدِ اللهِ
ابنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: دخلتُ مع رسولِ اللهِ أَلْ بیتَ
ميمونةَ، ومعه خالدُ بنُ الوليدِ، فَأَتِّيَ بضَبٌّ، فَأَهوَى رسولُ اللهِ وَلِ بيدِه ،
فقال بعضُ النّسوةِ: إِنَّه ضبٌّ. فرفَعِ يدَه. فقيلَ له: أحرامٌ هو يا رسولَ اللهِ؟
قال: ((لا، ولكنَّه لم يكنْ بأرضٍ قومِى، فأجِدُنى أعاُه)). قال: فأمَّا خالدٌ
فأكَله ورسولُ اللهِ وَّهِ يَنْظُرُ.
وذكره الدارقطنىُ ، عن محمدِ بنِ سليمانَ المالكىّ القاضى بالبصرة ، عن
بُنْدارٍ ، عن عثمانَ بنِ عمرَ .
وذكره الدَّارَقُطنىُّ أيضًا، عن إسماعيلَ بنِ محمدِ الصَّفَّارِ، عن أبى داودَ
السِّجِسْتانيِّ، عن عبَّادِ بنِ زيادٍ، عن عثمانَ بنِ عمرَ مِثلَه سواءٌ.
والضَّبُّ دُوَئِيَّةٌ معروفةٌ بأرضِ اليَمَنِ، وليس موجودًا بمكةً؛ لقولٍ رسولٍ
اللهِ وَله: ((لم يكنْ بأرضٍ قومى)). وأظنُّه بالحجازِ كلِّه غيرَ مأكُول أيضًا
عندَهم ولا موجودٍ (١) ، ألا ترى إلى ما نقله جماعةُ أهلِ الأخبارِ ، أنَّ مدَنِيًّا سأل
القبس
(١) فى م: ((موجودا)).
١١٢

الموطأ
أعرابيّا فقال: أَتَأْكُلونَ الضَّبَّ؟ فقال: نعم. قال: فاليَرْبُوعَُ؟ قال: نعم. التمهيد
قال: فالقُنْفُذَ(٢)؟ قال: نعم. قال: فالوَرَلَ(٢)؟ قال: نعم. قال: فَتَأْكُلون أُمّ
حُبَّيْنٍ (٤)؟ قال : لا. قال: فلتَهْنَأُ أَمَّ محُبَيْنِ العافيةُ(٥). ومَّا يدُلُّك على أنَّ الضَّبَّ
لا يُوجدُ إلَّا فى بعضٍ أرضِ العربِ قولُ بعضٍ بنى تَميمٍ() :
لَكِسْرَى كان أعقَلَ مِن تَمِيمٍ لَيالِىَ فرَّ مِن أرضٍ الضِّبَابِ
(٧)
وقال غیرُه(٧) :
بلادٌ تكونُ الخَيّمُ(٨) أظلالَ أهلِها إذا حضَروا بالقَيْظِ والضَّبَّ نُونُها
وقد ذكّرنا صفته بما لا يُشْكِلُ مِن كلام العرب وأشعارها ، فی بابٍ
القبس
(١) اليربوع: حيوان من الفصيلة اليربوعية، صغير على هيئة الجرذ الصغير، وله ذنب طويل ينتهى
بخصلة من الشعر، وهو قصير اليدين طويل الرجلين. الوسيط ( ر ب ع ).
(٢) القنفذ: دوبية من الثدييات ذات شوك حاد ، يلتف فيصير كالكرة، وبذلك يقى نفسه من خطر
الاعتداء عليه. الوسيط ( قنفذ ).
(٣) الورل: حيوان من الزحافات، طويل الأنف والذنب، دقيق الخصر، لا عقد فى ذنبه كذنب
الضب، وهو أطول من الضب وأقصر من التمساح، يكون فى البر والماء. الوسيط ( ور ل ).
(٤) أم محبين: دوبية على خلقة الحرباء، وقيل: هى أنثى الحرباء. ينظر التاج ( ح ب ن ).
(٥) الحيوان ٣/ ٥٢٦، ١٤٣/٦، ٣٨٥، وعيون الأخبار ٢٠٩/٣.
(٦) نسبه الجاحظ فى الحيوان ٢٥٦/١ إلى أبى ذُباب السعدى، وفى ١٠١/٦ إلى تميمى، وفى
رسالة الحنين إلى الأوطان ( ضمن رسائل الجاحظ ) ٤١١/٢ إلى الفرزدق.
(٧) البيت فى الحيوان ٩٤/٦ بدون نسبة، ونسبه ابن الأنبارى فى شرح القصائد السبع ص ٥٢٩
إلى بعض الأعراب.
(٨) الخيم: جمع خيمة. شرح القصائد السبع ص ٥٢٩.
١١٣
(موسوعة شروح الموطأ ٨/٢٣ )

الموطأ
التمهيد عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ مِن هذا الكتابِ، وذكرنا هناك أيضًا من الآثارِ المنقولةِ فى
مَسْخِه ما فيه كفايةٌ وبيانٌ (١) . والحمدُ للهِ .
والمحنوذُ : المَشْوِىُّ فى الأرضِ، وذلك ما كانت تصنعُه" العربُ؛
كانت تَحفِرُ حُفرةً وتُوقِدُ فيها النارَ ، فإذا حَمِيَتْ وُضِع ذلك الشىء الذى يُشوَى
فى الحُفَيرةِ ودُفِن، فهو الحَنِيذُ عندَهم. وقد قيل: إنَّ ما يُوضَعُ فى التَّورِ إذا
غُطِّئَ وَطُيِّنَ عليه حنيذٌ أيضًا. يقالُ: حنيذٌ ، ومحنوذٌ . مثلُ: قتيلٌ ومقتولٌ.
وفى هذا الحديثِ أنّ رسولَ اللهِ ێے کان یؤًا کلُ أصحابه ، فجائزٌ للرئيسِ
أن يُؤاكلَ أصحابَه، وحَسَنٌ جميلٌ به ذلك. وفيه أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّهِ كان يأكُلُ
اللَّحمَ. وفيه أنَّه كان ◌َّهَ لا يعلَمُ الغَيْبَ، وإنَّما كان يعلَمُ منه ما يُظهِرُه اللهُ
عليه . وفيه أنَّ النُّفُوسَ تَعافُ ما لم تَعْهَدْ. وفيه أنَّ أكلَ الضَّبِّ حلالٌ ، وأنَّ مِن
الحلالِ ما تَعاقُه النُّفوسُ . وفيه دليلٌ على أنَّ التحليلَ والتحریمَ لیس مردودًا إلى
الطّباعِ، ولا إلى ما يقعُ فى النُّفوسِ، وإنَّما الحرام ما حرَّمه الكتابُ والسَّنَّةُ، أو
يكونُ فى معنى ما حَّمه أحدُهما ونصَّ عليه .
وفيه دليلٌ على خطأً مَن روَى عن النبيِّ وَّهِ فِى الضَّبُّ: ((لَسْتُ بُمُحِلِّه
ولا بِمُحَرِّمِه » . وهذا ليس بشىءٍ، وقد ردَّه ابنُ عباسِ رضِى اللهُ عنه ، وقال :
القبس
(١) ينظر ما سيأتى ص ١١٧ - ١١٩.
(٢ - ٢) فى م: ((أن)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٨٧٥).
١١٤

الموطأ
١٨٧٥ - مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، أن
رجلًا نادَى رسولَ اللهِ نَّهِ فقال: يا رسولَ اللهِ، ما تَرَى فى الضَّبِّ ؟
لم يُبعَثْ رسولُ اللهِ وَلَّهِ إِلَّ آمِرًا أو ناهيًا، أو مُحِلَّا أو مُحَرِّمًا، ولو كان حرامًا لم التمهيد
يُؤكّلْ على مائدته(١).
(٢ وأمَّا دخولُ خالدِ بنِ الوليدِ وعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ بيتَ رسولِ اللهِ وَل وفيه
ميمونةُ مع النِّسوةِ اللَّاتى قال بعضُهنَّ: أُخبِروا رسولَ اللهِ وَ لِّ بما يريدُ أن يأْكُلَ
منه . فإنَّما كان ذلك قبلَ نزولِ الحجابِ. واللهُ أعلمُ " .
وليس الضَّبُّ ذا نَابٍ - واللهُ أعلمُ - للفرقِ الذى ورَد بينَ محُكمِه ومحكم
كُلِّ ذى نابٍ فى الأكلِ، وباللهِ التوفيقُ. وقد سلَف القولُ منَّا فى أكلِ
٣گِّ ذی ناپٍ من السّباع ) ، فی باپِ إسماعيلَ بنِ أبی حکِیم من کِتابِنا هذا،
مشتوعَبًا كامِلًا(٤) ، فأغنى عن إعادتِه ههُنا. وسيأتى مِن ذكرِ الآثارِ فى الضَّبِّ
بما فيه شفاء، فی بابِ عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ ، عن ابنِ عمرَ، من کتابنا هذا إن شاء
اللهُ(٥) .
مالكٌ(٥)، عن عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنَّ رجلًا نادَى
القبس
(١) سیأتی تخريجه ص ١٢٢.
(٢ - ٢) سقط من: ص ٤. وميمونة رضى الله عنها هى خالة خالد وخالة ابن عباس ، وآية
الحجاب نزلت قبل إسلام خالد، واللَّه أعلم. ينظر فتح الباري ٦٦٤/٩، ٦٦٧ .
(٣ - ٣) فى ص ٤: ((ذى الناب)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٢٣٢/١٣ - ٢٤٥.
(٥) ينظر ما سيأتى ص ١١٧ - ١٢٢ .
(*) من هنا خرم فى المخطوط ((ص))، ينتهى ص ١٢٢.
١١٥

الموطأ
فقال رسولُ اللهِ وَّلَهِ: «لستُ بآكله ولا بمُحرِّمِه)».
التمهيد رسولَ اللهِ وَله: ما تَرَى فى الضَّبِّ؟ فقال رسولُ اللهِ وَله: ((لستُ بآ کلِه ولا
بِمُحَرِّمِه))(١).
هکذا روی یحیی هذا الحدیثَ عن مالك ، عن عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ ، عن ابنٍ
عمرَ. وكذلك رَواه أكْثَرُ الرواةِ لـ ((الموطأُ)) عن مالِكٍ. ورواه ابنُّ بُكَثِرٍ(٢)، عن
مالك ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ. و كذلك رَوَاه خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ ، عن مالك ، عن
نافعٍ، عن ابنِ عمرَ. وهو صحيحٌ لمالِكِ عنهما جميعًا، وهو مَحْفُوظٌ مِن
حديثِ نافعٍ، كما هو مَخْفُوظٌ مِن حديثِ ابنِ دِينَارٍ . وقد رَوَاه قومٌ ، منهم بِشْرُ
ابنُّ عُمَرَ، عن مالِكِ، عن نافعٍ وعبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ جميعًا ، عن ابنِ عمرَ، عن
النبيِّ ◌ََّـ وروَاه عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ.
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا
بكرُ بنُ حَمَّادٍ ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حذَّثنا يحيى، عن عبيدِ اللهِ ، قال:
حدَّثنی نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، قال: سأل رجلٌ النبيَّ عليه السّلامُ وهو على المِنْرِ
عن الضَّبِّ، فقال: (( لا آكُلُه، ولا أُحَرِّمُه))(٣).
واخْتَلفَ الفقهاءُ فى أكلِ الضَّبِّ؛ فذَهَب مالِكٌ ، والشافعى ، وأصحابُهما
القبس
(١) الموطأ برواية على بن زياد (١٠٢)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٤٦). وأخرجه الترمذى
(١٧٩٠)، والنسائى (٤٣٢٥)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤/ ٢٠٠، وأبو عوانة (٧٦٨٨) من
طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٤/١٨و - مخطوط).
(٣) أخرجه أحمد ٢٣٦/٨ (٤٦١٩)، ومسلم (٤١/١٩٤٣) من طريق عبيد الله به.
١١٦

الموطأ
إلى أنَّه لا بَأْسَ بأكلْهِ؛ لأنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتعالى لم يُحَرِّمْه ولا رسولُه، وقد أُكِل التمهيد
على مائِدَةِ رسولِ اللهِ وَلَه وبحَضْرَتِه، ولو كان حَرَامًا لم يَتْرُكْ رسولُ اللهِ وَه
أحَدًا يأْكُلُه. وقد مَضَى فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن أبى أمَامَةً مِن هذا الكتاب
حديثُ ابنِ عباسٍ، عن خالِدِ بنِ الوَلِيدِ فى الضَّبِّ؛ حيث قال رسولُ اللهِ وَّهِ:
((إِنَّه لم يكنْ بأرضٍ قومى، وأجِدُنى أعاقُه)). قال خالِدٌ: فاجْتَرْتُه وأكَلْتُه(١)
ورسولُ اللهِ وَهِ يَنْظُؤُ(١) . فبهذا الحديثِ وما كان مثلَه أَخَذَ مالكٌ والشافعىُّ
فى الضَّبِّ ، فأجازًا أْلَه .
وكَرِه أبو حنيفةً وأصحابُه أكلَ الضَّبِّ. واخْتَبُوا هم ومَن ذهَب مَذْهَبَهم
فى كراهِيَّةٍ أَكْلِه بأحاديثَ ، منها ما حدَّثناه عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا
قاسِمُ بنُّ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ،
قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بنُ زيادٍ ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن زيدِ بنِ وَهْبٍ،
عن عبد الرحمنِ ابنِ حَسَنَةً، قال: قال رسولُ اللهِ إِّهِ: ((إِنَّ أَمَّةٌ مِن بنى
إسرائيلَ مُسِخَتْ، وأخافُ أن يكونَ منها هذا)). يعنى الضَّبَّ.
وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدَّثنا
بكرُ بنُ حَمَّادٍ ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن الأعمشِ، قال :
حدَّثنا زيدُ بنُّ وهبٍ ، عن عبد الرحمنِ ابنِ حَسَنَةً ، قال : غَزَوْنَا مع رسولِ اللهِ
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((فاجتررته أكلته))، وفى ق: ((فاحترزته فأكلته)).
(٢) تقدم فى الموطأ (١٨٧٤).
١١٧

الموطأ
وَ لِّ فأصابَتْنا مَجَاعَةٌ، فَتَزَلْنا بأرضِ كثيرةِ الضِّبَابِ، فَأَخَذْنا منها ، فطَبَخْنا فى
التمهيد
القُدُورِ، فقُلْنَا لرسولِ اللهِ وَّةِ: إِنَّها الضِّبَابُ. فقال: ((إِنَّ أُمََّ فُقِدَت، ولعَلَّها
هذه)). فأمَرَنا فَكَفَأْنا القُدُورَ(١).
هكذا رَوَی هذا الحدیثَ؛ الأعمش ، عن زيد بنِ وهپ ، عن عبد الرحمنِ
ابن خَسَنَةً. ورواه مُصَيْنَ، عن زيد بن وهب ، عن ثابتٍ بن ودیعَةً ..
حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدّثنا أبو
داود ، قال: حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ ، قال : أخبرنا خالِدٌ ، عن محُصَيْنٍ، عن زيد
ابنِ وَهْبٍ، عن ثابتِ بنِ وديعَةً، قال: كُنَّا مع رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِى جَيْشٍ،
فَأَصَبْنَا ضِبَابًا. قال: فِشَوَيْتُ منها ضَبًّا، فَأَتَيْتُ به رسولَ اللهِ وَّلَهِ فَوَضَعْتُه بينَ
يَدَيْهِ. قال: فَأَخَذَ عُودًا فَعَدَّ به أصابِعَه، ثم قال: ((إِنَّ أُمَّةً من بنى إسرائيلَ
مُسِخَتْ دَوَابٌّ فى الأرضِ ، وإنِّى لا أدرِى أىّ الدَّوَابٌ هى؟)). قال: فلم يَأْكُلْ
(٢)
منه ولم يَنْهَ(٢).
قال أبو عمرَ: احْتَبُّ بعضُ مَن كَرِهه بهذا الخبرِ، واسْتَدَلَّ على أنَّه مَسْخٌ
بِشَبَّهِ(٢) كَفِّه بِكَفِ الإنسانِ، أَلا تَرَى أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ إِذْ عَدَّ أصابعَه قال ما
قال، ولم يَأْكُلْ منه؟ وأَنْشَدَ بعضُهم فى صِفَةِ الضَّبِّ(٤):
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٩٤/٢٩ (١٧٧٥٩) عن يحيى بن سعيد به.
(٢) أبو داود (٣٧٩٥). وأخرجه ابن سعد ٣٩٥/١، ٣٩٦ من طريق خالد بن عبد الله به .
(٣) فى الأصل، م: ((يشبه).
(٤) نسبه الجاحظ فى الحيوان ٧٨/٦ للعدار.
١١٨

الموطأ
له کَفُّ إنسانٍ وخَلْقُ عَظاءَةٍ
وقال ذُو الؤُمَّةِ (٢):
التمهيد
وكالقِزْدٍ والخْزِيرِ فى المسْخِ والعَصَبْ(١)
(٤)
رُءُوسُ الضِّبَابِ اسْتَخْرَجَتْها الظهائُ
مَناسِمُها صُمّ) صِلابٌ كأَنَّها
وأَنْشَدَ الأَضْمَعِئُ(٥):
إِنَّا وجَدْنَا بَنِى جِلّانَ(٦) كُلَّهم
كسَاعِدِ الضَّبِّ لا طولٌ ولا عِظَمُ(٧)
وإنَّما أنْشَدْتُ هذه الأبياتَ لتَقِفَ على صُورَةِ الضَّبِّ وَتَعْرِفَه ؛ فإنَّ بعضَ
الجُمَّالِ ثُخالِفُ فیه .
وروى أبو حنيفةً، عن حَمَّادٍ ، عن إبراهيمَ، عن عائشةً ، أنَّها أُهْدِیَ لها
ضَبِّ، فَدَخَل عليها رسولُ اللهِ وَّهِ، فسَألْه عن أْلِه، فتَهَاها عنه، فجاء
سائِلٌ، فقامَتْ لُنَاوِلَه إِيَّه، فقال لها رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((أَتطعمِينه ما لا
تَأْكُلِينَ؟))(٨).
القبس
(١) فى نسخة من مصدر التخريج: ((الغضب)).
(٢) ديوانه ١٠٣٦/٢.
(٣) فى الديوان: ((خُثْم)).
(٤) المناسم، جمع المنسم: وهو طرف خف البعير والنعامة والفيل. والظهائر، جمع الظهيرة: وهو
عند زوال الشمس. المصدر السابق، واللسان ( ن س م ).
(٥) نسبه الجاحظ فى الحيوان ١١٢/٦ الأصمعى، ونسبه فى اللسان ( ج ل ل ) لابن برى.
(٦) فى النسخ: ((حمان)). وجلان: حىٍّ من العرب. اللسان (ج ل ل).
(٧) فى اللسان: ((قصر)).
(٨) أخرجه أبو يوسف فى الآثار ص ١٣٨ عن أبى حنيفة به.
١١٩

الموطأ
وروَى حَمَّادُ بنُ سلمةً، عن حَمَّادٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ ، عن
التمهید
عائشةَ، أنَّ النبيَّ ◌َةِ أَهْدِى له ضَبٌّ فلم يَأْكُلْه، فقام عليهم سائِلٌ، فأرادَتْ
عائشةُ أن تُعْطِيَه، فقال لها النبيُّ وَّهِ: ((أَتُعْطِيه ما لا تَأْكُلِين؟))(١).
فاحْتَجَّ مَن كَرِهِ أْلَ الضَّبِّ بهذه الأحادِيثِ ، فأمَّا حديثُ زيدِ بنِ وَهْبٍ ،
فمُخْتَلَفٌ فى إِسْنادِهِ، وقد رَوَى ابنُ مسعودٍ، عن النبيِّ نَّهِ أَنَّ اللهَ لم يُهْلِكْ
قومًا ، أو لم يَمْسَخْ قومًا، فَيَجْعَلَ لهم نَسْلًا ولا عاقِيَةً. وهو مُعَارِضٌ مُدَافِعٌ
لحديث زید بنِ وَهْپٍ هذا .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ
وَضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً، قال : حدَّثنا وَكِيعٌ، عن مِشْعَرٍ ، عن
عَلْقَمَةً بن مُؤْتَدٍ ، عن مُغِيرَةً بنِ عبدِ اللهِ الیشْگرِىِّ، عن المَغُورِ بنِ سُوَيْدٍ ، عن
عبدِ اللهِ، قال: قالت أمُّ حَيِيبَةَ زوجُ النبيِّ وَّهِ: اللَّهُمَّ أَمْتِغْنِى بزوجى
رسولِ اللهِ، وبأبى أبى سفيانَ، وبأخى معاويةَ. قال: فقال النبيُّ وَّهِ: ((إنَّك
قد سَألْتِ اللهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وأيامٍ مَعْدُودَةٍ ، وأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، (ولن١) يُعَجِّلَ
شيئًا قبلَ أجلِه، أو يُؤَخِّرَ شيئًا عن أجلِه، ولو كنتٍ سألتِ اللهَ أن يُعِيذَكِ مِن
عَذابِ القبرِ، أو عَذَابِ النّارِ، كان خيرًا لكِ، أو أفضَّلَ)). قال: وذُكِر عنده
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٩٩/٤١، ٤٠٠ (٢٤٩١٧)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٠١/٤،
والطيرانى فى الأوسط (٥١١٦) من طريق حماد بن سلمة به .
(٢ - ٢) فى النسخ: ((أن)). والمثبت من ابن أبى شيبة.
١٢٠