Indexed OCR Text

Pages 601-620

الموطأ
وروَى عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن عمَّارِ الدُّهْنىِ، عن مُسلمٍ التمهيد
البَطينِ ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ ، عن ابنِ عبّاسٍٍ ، قال: إنَّ نارَ كم هذه جُزءٌ مِن سبعينَ
جزءًا مِن النارِ ، وهذه النارُ قد ضُرِب بها البحرُ حينَ أَنْزِلَتْ سَبْعَ مَّاتٍ ، ولولا
و
ذلك ما انتُفِع بها .
وروَى عبدُ اللهِ بنُ نُميرٍ (١) ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ ، عن نُفيعِ بنِ
الحارثِ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ ، قال: إنَّ نارَ كم هذه جُزءٌ مِن سبعين جُزءًا مِن نارٍ
جَهِنَّمَ ، ولولا أنَّها أُطفِئتْ بالماءِ مرَّتَينٍ ما انْتَفَعُم بها، وإنَّها لَتدعو اللهَ ألَّ يُعيدَها
فى تلك النارِ أبدًا(٣) .
وروَى زيدُ بنُ الحُبَابِ ، عن محمدِ بنِ مُسلمٍ ، عن ميسرةَ، عن سعيدِ بنِ
المسئَّبِ ، أنَّ علىَّ بن أبى طالبٍ سأل رجلًا من اليهودِ - لم يُرَ فى اليهودِ مثلُه -
عن النارِ الكُبرَى، فقال: البحرُ(٤)، يَبعثُ اللهُ الرِّيحَ الدَّبُورَ على ( البحرِ فيعودُ"
نارًا ، فهى النارُ الكُبرَى .
القبس
= السبيعى، عن عمرو بن عبد الله - وفى المصنف : عمرو بن عاصم - به .
(١) فى م: ((نصير))، وبعده فى ص ١٦: (( وسعيد بن عبيد)).
(٢) فى الأصل، م: ((تبيع))، وفى ص ١٦: ((سبيع)). وينظر تهذيب الكمال ٩/٣٠.
(٣) أخرجه هناد فى الزهد (٢٣٤)، وابن أبى الدنيا فى صفة النار (١٥٥) من طريق إسماعيل
به .
(٤) فى م: ((الحبر)).
(٥ - ٥) فى الأصل، م: ((البحور فتعود)).
٦٠١

١٩٤٢ - مالك ، عن عمّه أبی سُھیلِ بنِ مالك ، عن أبيه ، عن أبى
الموطأ
هريرةَ، أنه قال: أتُّرَونَها حمراءَ كنارٍ كم هذه؟ لَهى أسودُ من القارِ .
والقارُ الرِّفْتُ .
مالكٌ، عن عَمِّه أبى سُهَيلٍ بنِ مالكِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ،
الاستذكار
أنه قال: أَتْرَوْنَها حمراءَ كنارٍكم هذه؟ لهى أسودُ مِن القارِ. والقارُ
الزَّقْتُ(١).
قال أبو عمرَ : حديثُ مالكِ عن عمّه، موقوفٌ على أبى هريرةَ، ومعناه
مرفوعٌ؛ لأنه لا يُدرَكُ مثلُه بالرأي، ولا يكونُ إِلا توقيفًا .
وفيه قولُه : أسودُ مِن القارِ. وهى لغةٌ مهجورةٌ ، واللغةُ الفصيحةُ : أشدُّ سوادًا
مِن القارِ، وأشدُّ بياضًا .
وليس فى هذا البابِ مَدْخلٌ للقولِ والنظرِ ، وإنَّما فيه التسليمُ والوقوفُ عندَ
التَّوْقِيفِ . وباللهِ التوفيقُ .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢٢/١٨ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٠٩٩).
٦٠٢

الترغيبُ فى الصَّدقةِ
الموطأ
التمهيد
القبس
بابُ التَّوْغيبِ فى الصَّدقةِ
جاء مالكٌ رضِى اللهُ عنه بهذه الترجمةِ لفائدةٍ عظيمةٍ ، أخرجها بها مِن أبوابٍ
الأحكامِ إلى أبوابِ الفضائلِ، نَّه بها على فَضْلِ الصدقةِ وشَرَفِها، وهى تَشْرُفُ
بوجوهٍ كثيرةٍ ، ذكّر منها مالكٌ رحِمه اللهُ ستةً أوجهٍ ؛ تنبيهًا على باقيها :
الأُولُ: شَرَفُ القَبولِ فى قولِهِ وَلِّ: ((مَن تصدَّقَ بصدقةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ -
ولا يَقْبَلُ اللهُ إِلا طَيًِّا - كان إنما يَضَعُها فى كفِّ الرحمنِ)) (١). فعبَّرِ وَلِّ عِن شَرَفٍ
القَبولِ بالكَفِّ استعارةً بالإخبارِ عن التَّهَمُّم ، مثلَ (١) أن يقولَ القائلُ: أخَذها المَلَكُ
بيدِه منِّى. أو: أعطانيه بيدِه(١) . وذلك أشرفُ مِن أن يأمُرَ به، فيتناوَلَ ذلك نائبُه
عنه . وقد قال مالكٌ: أرى أن يُؤْدَّبَ هؤلاء الذين يَرُؤُونَ هذه الأحاديثَ المُشْكِلةَ.
وأىُّ إشكالٍ أعظمُ مِن نِسْبةِ الكَفِّ إلى اللهِ تعالى، الذى رَوَاه هو؟ وللهِ تعالى اليدُ
العُلْيا واليُمْنَى، وكلا يديه يمينٌ، وله الإصبعُ وله الكَفُّ، وكلُّ واحدٍ منهما عبارةٌ
عن القُدْرةِ وتَعَلَّقِها بالمَقْدوراتِ، فاليَدُ عبارةٌ عن القُدْرةِ جملةً بجملةٍ ، واليمينُ
عبارةٌ عن الشَّرَفِ أو فضلٍ قوةٍ فى التصريفِ ، والكَفُّ عبارةٌ عن تمهيدٍ مَحِلِّ القَبولِ ،
أو بَسْطِ القابضِ كفَّه ليأخُذَ بها(٤) ما يُعطَى، والإصْبَعُ كنايةٌ عن التصرُفِ فى
الأمورِ الخَفِيَّةِ بارتباطِ العلم بالقُدْرةِ، كقولِهِ وََّ: «قلبُ المؤمنِ بينَ إِصْبعَين مِن
(١) سيأتى فى الموطأ (١٩٤٣).
(٢) فى ج، م: ((عن)).
(٣) فى د: ((مرة)). وأشير على هذه الكلمة بإحالة على حاشية ((د)) ولكنها غير واضحة.
(٤) فى د: ((يمينها)).
٦٠٣

الموطأ
التمهيد
٠
القبس أصابع الرحمنِ)) ). أو عبارةٌ عن تَحْقيرِ الأشياءِ العظيمةِ ، بالإضافةِ إلى أقلِّ مُتَعلَّقَاتٍ
القُدْرةِ؛ كقولِهِ وَلَهُ: ((يَضَعُ اللهُ السماواتِ على إِصْبَعِ، والأرضِينَ على إِصْبَعِ))
الحديث .
(٢)
الثانى: شَرَفُ الأجرِ؛ كقولِهِ وَالرِ: (بَخ! ذلك مالٌ رابخ)). و: ((رايحٌ))".
وقولُ العربِ : بَخْ بَخ. كنايةٌ عن تَشْرِيفِ الأمرِ والرغبةِ فيه، كما تقدَّم فى
الحديثِ، كما أن قولَهم : كِخْ كِخْ. كلمةٌ تقولُها العربُ عندَ تحقيرِ الشىءِ والنَّفْرَةِ
عنه، كما قال النبيُّ وَله الولدِه حينَ رأى تمرةَ الصدقةِ فى فِيهِ: ((كِخْ كِخْ)) ().
وكذلك: ((رابخٌ)). معناه: وجوبُ الزيادةِ فيه. وقولُه وَلِ: ((رايح)). بالياءِ، معناه:
دوامُ المَثوبةِ عليه .
الثالثُ: حالُ المُعْطَى؛ كقولِه: ((أعطُوا السائلَ ولو جاء على فرسٍ)) . فإن
للسائلِ حقًّا لا يؤدِّيه إلا الإجابةُ، ولذلك كان رسولُ اللهِ بَلٍ لا يُسْأَلُ قَطُ شيئًا إلا
أعطاه ؛ لئلا يبقَى عليه دَرَكْ ، ولكن إذا صدَق السائلُ فإنه مع الصدقِ تحِلُّ له المسألةُ
الكثيرةُ والقليلةُ، وما يَحتاجُ إليه وما لا يحتاج إليه، وما رأيتُ أصدقَ مِن السُّؤَّالِ
ببغدادَ ، رأيتُهم بجامعِ الخليفةِ ، يقولُ قائلُهم: أيّها الناسُ، ارحمونى ، أخوكم لا
(١) تقدم تخريجه فى ٦٦١/١٢، ٦٦٢.
(٢) البخارى (٤٨١١)، ومسلم (٢٧٨٦).
وهذا الذى ذكره المصنف مصادم لصريح النصوص ، وتحريف لها . وقد نبهنا مرارًا على أن
ذلك خلاف منهج السلف . وينظر مجموع الفتاوى ٢٦/٥ .
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٩٤٤)، وينظر رواية: ((مال رايح)). ص ٦٣٦، ٦٣٧.
(٤) تقدم تخريجه فى ٤٩/١٥، ٥٠.
(٥) سيأتى فى الموطأ (١٩٤٥).
٦٠٤

الموطأ
التمهيد
القبس
يأتى الجُمُعةَ إلا فى ثيابِ المِهْنةِ، ولا يقدِرُ على إقامةِ ما يجِبُ لها من السُّنةِ" .
فشاهَدْتُهم يخلَعون عليه ثيابَ الجُمُعةِ ، ويروحُ بها فى الثانيةِ ، وشاهدتُ صائلَهم(١)
يقولُ: أَيُّها الناسُ، ارحَمونى، اشتَهَيتُ حِذْيَةً(٢) وما أكَلتُها منذُ عامِ، والقَدْرُ
المتقنُ(٥) منها يُقوَّمُ بدينارٍ. فرأيتُهم يَتصدَّقون عليه بدينارٍ، وهكذا فى كلِ ما
يَطْلُبُون؛ فإِن كَذَب السائلُ حَرُم عليه ما يأخُذُ، ووجَب عليه رَدُّه، رُوى أن عِمرَ
رضِى اللهُ عنه مرَّ بسائلٍ على عُنُقِه مِخْلاةٌ مملوءةٌ كِسَرًا وتمرًا، فخفَقَه بالدِّرَّةِ ،
وأَمَر بها ففُرَّغَت بينَ يدَى نَعَمِ الصدقةِ ، فأكّلوها .
. وللهِ دَرُّ عمرَ، فما أفقَهَه! رأى السائلَ قد سأل باسم الحاجةِ وهو غنىٌّ؛ لم يفسِّرْ
مسألتَه ، ولا فضَّل قَدْرَ ما يحتاجُ، فوجَب ردُّ ما بيدِه على أربابِهِ، ولم يَتعيَّنوا لعمرَ
رضِى اللهُ عنه فيَرُدَّها عليهم، فوجَب التصدَّقُ بها، فكرِهِ أن يحمِلَها بطلَبٍ
المساكينِ المُستحقِّينَ لها لوجهين؛ أحدُهما: ما فى ذلك مِن التكلفِ عليه .
والثانى: ما فى ذلك من تأخيرِ إنفاذٍ ما ويجب عليه، وقد أسرَع النبيُّ مَل فى صلاةٍ ،
ثم دخَل بيتَه وخرَج بتثْرٍ(١) كان عندَه، واعتذَر أنه قامَ لأجلِه(٨) . وقالت له أم سلمةً
رضِى اللهُ عنها : مالى أراكَ قد أصبحتَ ساهِمَ الوجهِ ؟ فقال لها: ((إن دنانيرَ كنتُ
(١ - ١) ليس فى : د.
(٢) فى م: ((السنية)).
(٣) فى م: ((سائلهم)).
(٤) فى د: ((حذابة))، وفى ج: ((جذابة))، وفى م: ((حذاية)). والمثبت يقتضيه السياق.
والحذية : ما قطع من اللحم طولا ، أو هى القطعة الصغيرة منه . التاج (ح ذ ى) .
(٥) سقط من : م .
(٦) خفقه بالدرة : ضربه بها ضربة خفيفة. التاج (خ ف ق).
(٧) التبر : ما كان من الذهب غير مضروب. المصباح (ت ب ر) .
(٨) البخارى (٨٥١).
٦٠٥

الموطأ
•
التمهيد
القبس نسِيتُها تحتَ الفِراشِ فباتت فيه)(١). فانظُرْ إلى ما كان يعتقِدُ فى سُرْعةٍ التنفيذِ ؛ أن
يَختصِرَ لأجلِه الصلاةَ، وتَتَغْيََّ له نفسُه الكريمةُ، حتى يظهَرَ أَثَرُّ التغيرِ على غُرَّتِهِ(٣)
البَهِيَّةِ .
الرابعُ: حقُّ المُعطِى، فإنه ينبغى ألا يَرُدَّ فى وجهِه ما يُعطيه؛ كان قليلًا أو
كثيرًا، ولا يَحِلُّ له أن يقولَ: بهذا تستقبلُنى؟! فإن اللهَ لم يحقِرْ أن يُستقبَلَ به،
فكيف يستحقِرُه الآدمىُ الذى يأخُذُه؟ وإن استحقَره صغيرًا لِيَزَیَنَّه کبیرًا، وقد ساء "
هذا فعلًا فى كتابِ اللهِ تعالى، قال اللهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ
اُلْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَقَتِ﴾. يريدُ بالمُطَّوِّع الذى يُعطِى ما خَفَّ عليه، ثم قال
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]. يريدُ الذى يُعطِى ما قدَر
عليه. فهذه مَرْتبتانٍ حَسَنتانٍ، وإن كانت الآخِرةُ منهما أشرفَ مِن الأُولى .
الخامسُ: حالُ الشىءِ المُعْطَى، قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((يا نساءً
المؤمناتٍ)) - على إعرابِ النداءِ المضافِ، على ما بتِنَّه فى ((رسالةِ الملجثةِ)) -
(لا تَحْقِرَنَّ إحداكُنَّ لجارتِها ولو كُرَاعَ شاةٍ مُخْرَقٍ)). أو ((مُخْرَقًا))(١). على ما
بيَِّّاه، وعلى ما فعَلت عائشةُ رضِى اللهُ عنها حينَ أعطَت حَبَّةً عنبٍ مِن عِنَبٍ
كان بينَ يدَيها، فاستحقَرها الرسولُ ، فنَّهَته عائشةُ رضِى اللهُ عنها على طريقٍ
(١) أحمد ١٣١/٤٤ (٢٦٥١٤)، والبيهقى ٣٥٧/٦.
(٢) فى د: ((شرعه)).
(٣) فى د: ((عدته)).
(٤) فى د: ((شاء))، وفى م: ((جاء)).
(٥) تقدم فى الموطأ (١٧٩٧).
(٦) سقط من : م .
٦٠٦

١٩٤٣ - مالك، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن أبى الحُبابِ سعيدِ بنِ الموطأ
يسارٍ، أن رسولَ اللهِ وَهِ قال: ((مَن تَصدَّقَ بصدقةٍ من كسبٍ
طِيِّبٍ، ولا يقبَلُ اللهُ إلا طَيًِّا، كان إنما يضَعُها فى كفِّ الرحمنِ،
يُرَبِّيها كما يُرَبِّى أحدُكم فَلُوَّه أو فَصيلَه حتى تكونَ مِثلَ الجبلِ)).
مالكٌ ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن أبى الخُبابِ سعيدِ بنِ يَسارٍ ، أن رسولَ اللهِ التمهيد
وَلّ قال: ((مَن تصَدَّق بصدقةٍ مِن كسبٍ طيِّبٍ، ولا يَقْبَلُ اللهُ إلَّ الطيّبَ،
القبس
التعظيم، وقالت له: كم ذَرَّةٍ فيها(١)؟ إشارةً إلى قولِه تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] .
السادسُ : الثقةُ بالقَبولِ، وينبغى للمرء أن يكونَ واثقًا به على خطرٍ منه، كما
تقدَّم لنا فى قصةٍ عامٍ بنِ عبدِ اللهِ(١) ، وفى القائلِ له ما قال لنا دانِشْمَنْد، قدِم علينا
حاجًا بمدينةِ السلامِ سنةَ تسعين: قال لنا شيخُنا: سمِعتُ الأستاذَ الإِمامَ ابنَ فُورَكٍ(١)
يقولُ : كنتُ فى أيامِ الإرادةِ يصحَبُنا فتَّى مِن أهلِها، فمرِض فعُدْتُه، فألفَيْتُه يُجادِلُ
فاستَرفقْتُ له، وأشفَقتُ مِن حالِهِ، ومما كان فيه مِن المُواظبةِ أيامَ الصُّخْبةِ ، ومن
غَلَبةِ الخوفِ على قلبِهِ والخَشْيةِ ، فإذا به قد فتَح بصرَه وجرّده إلىَّ وقال : يا أبا بكرٍ ،
. لِمِثْلِ هذا فليعمَلِ العاملون .
(١) سيأتى فى الموطأ (١٩٤٨).
(٢) تقدم ص ٥٤٦، وينظر تاريخ دمشق ٤٠/٢٦ .
(٣) هو محمد بن الحسن بن فورك أبو بكر الأصبهانى ، شيخ المتكلمين ، كان أشعريًّا، رأسًا فى فن
الكلام ، أخذ عن أبى الحسن الباهلى صاحب الأشعرى ، وكان شديد الرد على ابن كرام
وأصحابه، فوشوا به عند السلطان محمود بن سبكتكين بأنه يعتقد أن رسالة محمد رسول الله الآن
انقطعت بوفاته ، فأمر السلطان بقتله بالسم سنة ست وأربعمائة ، وقيل : إن الكرامية هم الذين سموه .
بلغت مصنفاته قريبا من مائة مصنف؛ منها: ((طبقات المتكلمين))، وكتاب ((الحدود)) فى=
٦٠٧

الموطأ.
التمهيد كان إنما يَضَعُها فى كفِّ الرحمنِ، يُرَيِيها كما يُرَنِّى أحدُكم فَلُؤَّهُ(١) أو فَصِيلَه
حتی یکون مثل الجبل )».
هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ عن مالكِ فى ((الموطأُ)) مرسلاً، وتابَعَه
أكثرُ الرواةِ عن مالكِ على ذلك، ومَّن تابَعَه ؛ ابنُّ القاسم، وابنُ وهبٍ ،
ومُطَرِّفٌ، وأبو المُضْعَبِ(٤) ، وجماعةٌ .
ورواه مَغْنُ بنُ عیسی ، ویحیی بنُ عبدِ اللهِ بنِ بُگیْرٍ، عن مالك ، عن
يحيى ، عن أبى الحبابِ، عن أبى هريرةَ مسندًا .
حدَّثناه عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدثًّا الحسنُ بنُ الخَضِرِ ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ شعيبٍ ، قال : حدَّثنا مَعْنُ بنُ
عيسى ، عن مالك، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن أبى الحُبابِ سعيدِ بنِ يَسارٍ ، عن
أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَ لَّه قال: ((مَن تصَدَّق بصدقةٍ)). وذكر الحديثَ(٥).
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا يحيى
القبس
= الأصول، و((بيان مشكل الحديث)). طبقات الشافعية ١٢٧/٤، وسير أعلام النبلاء ٢١٤/١٧، وتاريخ
الأدب العربى لبروكلمان ٢١٨/٣ .
(١) القَلُوُ: المهر الصغير، وقيل: هو الفطيم من أولاد ذوات الحافر. النهاية ٣/ ٤٧٤.
٠٠
(٢) أخرجه ابن خزيمة فى التوحيد (١٢/٧٩) من طريق مالك به .
(٣) أخرجه ابن خزيمة فى التوحيد (١٠/٧٩) من طريق ابن وهب به، وفى بعض نسخ التوحيد
موصول بذکر أبى هريرة .
(٤) الموطأ برواية أبى مصعب (٢١٠٠) موصول بذكر أبى هريرة.
(٥) النسائی فی الکبری (٧٧٣٥).
٦٠٨

الموطأ
ابنُ عمرَ ويحيى بنُ أيوبَ، قالا: حدَّثنا ابنُ بكيرِ، عن مالك، وحدَّثنا التمهيد
عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثْنا مُطَرِّفُ بنُ
عبد الرحمنِ ، قال : حدّثنا ابنُ بکیرٍ ، عنمالك ، عن یحیی بن سعيد ، عن أبى
الحُبابِ سعيدٍ بنِ يَسارٍ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَ لَه قال: «مَن تصَدَّق
بصدقةٍ مِن كسبٍ طيِّبٍ ، ولا يَقْبَلُ اللهُ إلا طيًّا، كان كأنما يَضَعُها فى كفِّ
الرحمنِ ، فيُرَبِّيها له كما يُرَنِّى أحدُكم فَصيلَه أو فَلُوَّه حتى يكونَ مثلَ الجبلِ )) (١).
قال أبو عمرَ: ((موطأً ابنٍ بكيرِ)) عندَنا بهذين الإسنادين ، قرَأَتُه على أبى
عمرَ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ أحمدَ ، وعلى أبى القاسمِ عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ ،
رحِمهما اللهُ، بالإسنادين المذكورين. وأخبرناه أيضًا أبو القاسم خلفُ بنُ
قاسمِ رحِمه اللهُ، قال: أخبرنا أبو محمد الحسنُ بنُ رَشِيقٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ
ابنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ المُؤَدِّبُ ، قال : حدَّثنا ابنُ بكيرٍ .
وهذا الحديثُ رواه سعيدُ بنُ أبى سعيدِ المَقْبُرِىُّ، عن أبى الحُبابِ،
عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلَه(١). ورُوِى عن أبى هريرةَ مِن وجوهٍ .
وروَته طائفةٌ مِن الصحابةِ، عن النبيِّ نَّهِ. وهو حديثٌ صحيحٌ مُجْتَمَغْ
على صحته .
القبس
(١ - ١) سقط من: ف .
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٩/١٨ظ - مخطوط).
(٣) أخرجه أحمد ٥٥١/١٦ (١٠٩٤٥)، ومسلم (١٠١٤)، وابن ماجه (١٨٤٢)، والترمذى
(٦٦١)، والنسائى (٢٥٢٤) من طريق سعيد به .
٦٠٩
(موسوعة شروح الموطأ ٣٩/٢٣ )

الموطأ
وفيه أن الله عزَّ وجلَّ إنما (١) يَقْبَلُ مِن الصدقاتِ ما طاب كسبُه، وأُرِيدَ به
التمهید
وجهُه، (والكسبُ) الطيّبُ هو الحلالُ المخضُ أو المتَشابِهُ؛ فإن المُتّشابِهَ
عندَنا فى حيّزٍ ١ الحلالِ، بدلائلَ قد ذكَرْناها فى غيرِ هذا الكتابِ ، وللعلماءِ فى
المتشابِهِ أقاويلُ ، أَشبَهُها عندَنا من جهةِ النظرِ ما ذكرنا . وباللهِ توفيقُنا .
ومعنى هذا الحديثِ يَعْضُدُه قولُ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرَّواْ وَيُرْبِىِ
الصَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. قيل لبعضٍ العلماءِ: إن الله قال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ
اَلِبَواْ﴾. وإِنَّا(٤) نَرَى أصحابَ الربا تَنْمِى أموالُهم. فقال: إنما يَمْحَقُ اللهُ الربا
حيث يُرْبِى الصدقاتِ ويُضَعِّفُها، وذلك فى القيامةِ إذا نظَر العبدُ إلى أموالِه (٥) ،
فرآها مَمْحوقةً أو مُضاعَفةً. أو(١) كما قال.
روَى وكيعٌ، عن عبَّادِ بنِ منصورٍ ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ ، عن أبى هريرةَ ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إن العبدَ إذا تصَدَّق بصدقةٍ وقَعت() فى كفِّ
الرحمنِ قبلَ أن تَقَعَ فى كفِّ السائلِ)). قال: ((فيُرَيِّها كما يُرَنِّى أحدُكم فَصيلَه
أُو فَلُؤُّه، حتى إن اللُّقْمَةَ لتَصِيرُ مثلَ أُحدٍ)). ثم قرأ: ((﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَوْ وَيُّرْبِىِ
القبس
٠٠٠
٠٠
(١) سقط من: ف .
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣) فى الأصل: ((خبر)).
(٤) فى م: ((إنما)).
(٥) فى الأصل، م: ((أعماله)).
(٦) ليس فى: الأصل، م.
(٧) فى الأصل، م: ((وضعت )).
٦١٠
4

الموطأ
اُلْقَدَقَتِ﴾))().
التمهيد
وفى قولِ رسولِ اللهِ وَلِهِ: ((اتَّقوا النارَ ولو بشِقٌّ تمرةٍ))(١). دليلٌ على عظيم
فضلِ الصدقةِ .
وقد رُوِى عن رسولِ اللهِ وَ لِهِ أنه قال: ((ما أحْسَن عبدٌ الصدقةَ إِلا
أحسَن اللهُ الخِلافةَ على بَنِيه (٢)، وكان فى ظلِّ اللهِ يومَ لا ظِلَّ إلا ظلُّه، وحُفِظ
فى يومٍ صدقتِهِ مِن كلِّ عاهةٍ و(4) آفةٍ))(٥).
وفى فضلِ الصدقاتِ آثارٌ كثيرةٌ ، ومَن طلَب العلمَ للعملِ ، وأراد به اللهَ،
فالقليلُ یَكْفِیه إن شاء اللهُ.
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، حدَّثنا أبو الطاهرِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ بُجَيرٍ(١)
القاضى، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ الفِریابیُ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ
عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا الحكمُ بنُ يَعْلَى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ الحارثِ ،
عن يزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ، عن أبى الخَيْرِ، عن عقبةَ بنِ عامٍ، عن النبيِّ وَِّ قال:
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٠٥/١٦ (١٠٠٨٨)، والترمذى (٦٦٢)، وابن خزيمة (٢٤٢٧) من طريق
وكيع به بنحوه .
(٢) تقدم تخريجه فى ٣٢٣/٢٢.
(٣) فى ف: (نيته))، وفى الكامل: ((بركته)).
(٤) فى م: ((أو)) ..
(٥) أخرجه ابن عدى ٢٢٩١/٦ من حديث ابن عمر.
(٦) فى ف: ((يحيى)). وينظر ما تقدم فى ٦/ ٤٦٠، ٣٨/٧.
٦١١

الموطأ
التمهيد ((إن الصَّدقةَ لَتُطْفِئُ عن أهلِها حرَّ القبورِ )) (١).
أخبَرنا خلفُ بنُ أحمدَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ
ابنُّ عثمانَ الأعناقُّ(٢) ، قال: حدَّثنا أبو البِشْرِ عبدُ الرحمنِ بنُ الجارودِ ، قال :
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: حدَّثنى حَرْملَةُ بنُ عمرانَ، عن ابنِ أبى حبيبٍ ،
عن أبى الخيرِ، قال: سمِعْتُ عقبةَ بنَ عامٍ يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: (( كلُّ
امرئ فى ظلِّ صدقتِه حتى يُفْصَلَ بينَ الناسِ». أو قال: «يُحْكَمَ بينَ الناسِ ».
قال يزيدُ: وكان أبو الخيرِ لا يُخْطِئُه يومٌ إلا تصَدَّق فيه بكعكةٍ أو بصلةٍ أو
(٣)
شىءٍ " .
وحدَّثنا خلفٌ، حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، حدَّثنا سعيدُ بنُّ عثمانَ، حدَّثنا
يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى ، حدَّثنا يحيى بنُ حسانَ ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ
زيد بن أسلمَ، عن أبيه، عن علىٍّ بنِ حسينٍ، قال: دعوةُ المتَصَدَّقِ عليه
للمُتَصَدِّقِ لا تُرَدُّ .
القبس
(١) أخرجه ابن عدى ٦٢٩/٢ عن الفريابي به، وأخرجه الطبرانى ٢٨٦/١٧ (٧٨٨)، والبيهقى فى
الشعب (٣٣٤٧) من طريق عمرو بن الحارث به .
(٢) فى م: ((القيسى)).
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٣٨٣٦)، والطبرانى ٢٨٠/١٧ (٧٧١)، وأبو نعيم فى
الحلية ٨/ ١٨١، والبيهقى ١٧٧/٤ من طريق عبد الله بن صالح به، وأخرجه أحمد ٥٦٨/٢٨
(١٧٣٣٣)، وأبو يعلى (١٧٦٦)، وابن خزيمة (٢٤٣١)، وابن حبان (٣٣١٠) من طريق حرملة
ابن عمران به .
٦١٢

١٩٤٤ - مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبى طلحةَ، أنه سمِع الموطأ
أُنسَ بنَ مالكِ يقولُ: كان أبو طلحةً أكثرَ أنصارىٌّ بالمدينة مالاً من
نخلٍ، وكان أحبَّ أموالِه إليه بَيْرُحاءَ، وكانت مُستقبِلةَ المسجدِ ،
وكان رسولُ اللهِ وَلِّ يدخُلُها ويشرَبُ من ماءٍ فيها طيِّبٍ. قال
أنس: فلمَّا أُنزِلت هذه الآيةُ: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا
تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. قام أبو طلحةً إلى رسولِ اللهِ وَ لَه فقال: يا رسولَ
اللهِ ، إن الله تباركَ وتعالَى يقولُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
وإن أحبَّ أموالى إلىَّ بَيْرُ حاءَ، وإنها صدقةٌ للهِ أرجو بِرَّها وذُخْرَها عندَ
اللهِ، فضَعْها يا رسولَ اللهِ حيثُ شئتَ. قال: فقال رسولُ اللهِ وَلَّه:
((فَبَخِ ! ذلك مالٌ رابح ، ذلك مالٌ رابع، وقد سمِعتُ ما قلتَ فيه،
وإنى أَرَى أن تجعَلَها فى الأقربينَ)). فقال أبو طلحةَ: أَفعَلُ يا رسولَ
اللهِ . فقسَمها أبو طلحةً فى أقاربِه وبنى عمِّه .
مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبى طلحةً (١)، أنَّه سمِع أنسَ بنَ مالكِ التمهيد
القبس
(١) قال أبو عمر: ((يكنى أبا نجيح، وقيل: يكنى أبا محمد. وقيل: أبا يحيى. من تابعى أهل
المدينة ، من صغارهم، لقى أنس بن مالك، وهو ثقة حجة فيما نقل، وأبوه عبد الله بن أبى طلحة
ولد بالمدينة فى حياة النبى وَ له. قال أنس: فغدوت به إلى النبى وَ له ليحنكه، فوافيته وبيده
الميسم يسم به إبل الصدقة . قال أبو عمر: اسم جده أبى طلحة زيد بن سهل، من كبار الصحابة،
قد ذكرناه وذكرنا طرفا من أخباره فى كتابنا (( كتاب - فى نسخة: فى - الصحابة)) ورفعنا هناك
فى نسبه. وأم إسحاق بثينة ابنة رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان الزرقى الأنصارى. روى =
٦١٣

الموطأ
التمهيد يقولُ: كان أبو طلحةً أكثرَ أنصارِىِّ بالمدينةِ مالاً من نَخْلِ، وكان أحبَّ أموالِه
إليه بَيْرُحَاءَ، وكانت مستَقْبِلةَ المسجدِ، وكان رسولُ اللهِ وَّهِ يَدخُلُها
ويشرَبُ من ماءٍ فيها طيّبٍ. قال أنس: فلمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿لَن تَنَالُواْ أَلْبِرَّ
حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. قام أبو طلحةً إلى رسولِ اللهِ وَ لَه فقال:
يا رسولَ اللهِ، إنَّ الله تعالى يقول: ﴿لَن ثَنَالُواْ الْبَرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. وإنَّ
أحبَّ أموالى إلىَّ بَيْرُجَاءَ، وإنَّها صدقةٌ للهِ أرجو برَّها وذُخرَها عندَ اللهِ،
فضَغْها يا رسولَ اللهِ حيثُ شْتَ. قال: فقال رسولُ اللهِ بَّهِ: (بَخ! ذلكَ
مالٌ رابح، ذلك مالٌ رابح، وقد سمِعتُ ما قُلتَ فيه، وإنِّى أَرَى أَن تَجعَلَه فى
الأقربين)). فقال أبو طلحةَ: أفعلُ يا رسولَ اللهِ. فَقَسَمَها أبو طلحةً فى أقاربِه
القبس
= عن عبد الله بن أبى طلحة ابنه إسحاق. وروى عنه ابن شهاب أيضا، وروى عن إسحاق
جماعة من الأئمة؛ منهم يحيى بن أبى كثير، ومالك بن أنس، والأوزاعى، وحماد بن سلمة ،
وهمام بن يحيى. ولإسحاق إخوة جماعة، وهم: عمرو، وعمر، وعبد الله، ويعقوب،
وإسماعيل، بنو عبد الله بن أبى طلحة، كلهم قد روى عنهم العلم، وإسحاق هذا أرفعهم
وأعلمهم وأثبتهم رواية. قال الواقدى: كان مالك بن أنس لا يقدم على إسحاق بن عبد الله بن
أبى طلحة فى الحديث أحدا. وتوفى إسحاق بالمدينة فى سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل: كانت
وفاته سنة أربع وثلاثين ومائة. لمالك عنه فى (الموطأ)) من حديث النبى وَ ل﴿ خمسة عشر حديثا؛
منها عن أنس عشرة، وعن رافع بن إسحاق حديثان، وعن زفر بن صعصعة حديث واحد، وعن
أبى مرة حديث واحد، وعن حميدة امرأته حديث واحد)). الاستيعاب ٥٥٣/٢، وتهذيب
الكمال ٤٤٤/٢، والإصابة ٦٠٧/٢.
(١) قال ابن الأثير: هذه اللفظة كثيرًا ما تختلف ألفاظ المحدثين فيها، فيقولون: بيرحاء بفتح
الباء وكسرها، وبفتح الراء وضمها والمد فيهما، وبفتحهما والقصر، وقال الزمخشرى فى
الفائق: إنها فيعلى من البراح، وهى الأرض الظاهرة. النهاية ١١٤/١. وينظر الاقتضاب فى
غريب الموطأ ٥٣٣/٢.
٦١٤

الموطأ
وبنى عمّه (١).
التمهيد
قال أبو عمرَ : هكذا قال يحيى وأكثرُ الرواةِ عن مالك فى هذا الحديثِ :
فَقَسَمها أبو طلحةً . ومَّن قال ذلك منهم ؛ ابنُ القاسم، وابنُ وهبٍ ، ويحيى
ابنُ بُكيرٍ، ويحيى بنُ يحيى النيسابورىُّ(١)١، والقعنبىُّ فى رواية علىٍّ بنِ
عبدِ العزيزِ ) وإسماعيلَ القاضى. كذا ذكَره الدار قطنىُ، عن عثمانَ بنِ أحمدَ
الدَّقَّاقِ وأبى سهلٍ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ زيادٍ ، عن إسماعيلَ).
وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ هذا الحديثَ فى كتابِهِ ((المبسوطِ))، عن
القعنبىِّ، بإسنادِه سواءً، وقال فى آخرِهِ: فقسَمَها رسولُ اللهِ وَلَه فى أقاربِه وبنى
عمّه .
قال أبو عمرَ: فأضاف القِسمَةَ إلى رسولِ اللهِ وَثَ. وأمَّا قولُه: فى أقاربِه
وبنى عمِّه. فمعلوم أنَّه أراد أقاربَ أبى طلحةً وبنى عمِّه، وذلك محفوظٌ عندَ (٥)
العلماءِ لا يَختلِفون فى ذلك. وأمَّا إضافةُ القِسمَةِ إلى رسولِ اللهِ وَ لِّ، فهذا وإن
كان جائزًا فى لسانِ العربِ ، أن يُضافَ الفعلُ إلى الآمر به، فإنَّ ذلك ليس فى
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٩/١٨ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٠١). وأخرجه
أحمد ٤٢٦/١٩، ٤٢٧ (١٢٤٣٨)، والدارمى (١٦٩٥)، والبخارى (١٤٦١)، والنسائى فى
الكبرى (١١٠٦٦) من طريق مالك به .
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل، م.
(٣) أخرجه البخارى (٢٣١٨)، ومسلم (٩٩٨) عن يحيى بن يحيى النيسابورى به .
(٤) أخرجه الجوهرى فى مسند الموطأ (٢٨٣) من طريق على بن عبد العزيز به .
(٥) فى ق: ((عن)).
٦١٥

الموطأ
التمهيد روايةٍ أكثرِ الرّواةِ لـ ((الموطّاً))، ولا يُجيزُ مثلَ هذه العبارةِ أهلُ الحديثِ، ولكنَّها
روايةٌ مَن روَى ذلك، واللهُ أعلمُ، والمعنَى فيه بيِّنٌ. والحمدُ للهُ.
وروَى هذا الحديثَ عبدُ العزيزِ بنُ أبى سلمةَ الماجِشُونُ ، عن إسحاقَ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ أبى طلحةً، عن أنسٍ بنِ مالكٍ، قال: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿لَن
نَثَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَّا تُحِبُّونَ﴾. جاء أبو طلحةً ورسولُ اللهِ وَلِّ على المنبرِ.
قال: (وكان بينَ" دارِ ابنِ جعفرٍ والدارِ التى تَلِيها إلى قصرِ ابنِ حُدَيلةً(١) حوائطُ
لأبى طلحةَ. قال: وكان قصرُ ابنٍ محُدَيلةً(١) حائطًا لأبى طلحةَ يُقالُ لها :
بيرُحاءَ. وكان النبيُّ وَّلَهِ يَدخُلُها ويَشرَبُ من مائِها، ويَأْكُلُ من ثمرِها، فجاءَ
أبو طلحةَ ورسولُ اللهِ نَّهِ على المنبرِ، فقال: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ فى كتابه:
﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. وإنَّ أحبَّ أموالى إلىّ يَتْرُحَاءَ، فهى للهِ
ولرسوله، أرجو برّه وذُخرَه، اجعَلْه يا رسولَ اللهِ حيثُ أراك اللهُ. فقال رسولُ اللهِ
مَلي: ((بخ"، ذلكَ يا أبا طلحةَ مالٌ رابح، قد قبلناه منك، وردَدْناه عليك،
فاجعَلْه فى الأقربين)) . قال : فتصدَّقَ به أبو طلحةً على ذوِى رحمِه ؛ فكان منهم
أُبُّ بنُ كعبٍ ، وحسَّانُ بنُ ثابِتٍ . قال: فباع حسَّانُ نصيبه من معاويةً ، فقيل
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((وكانت)).
(٢) فى ق، م: ((جديلة)). قال الحافظ: وأما قصر بنى حديلة، وهو بالمهملة مصغر، ووهم من
قاله بالجيم. ثم قال: وبنو حديلة بالمهملة مصغر، بطن من الأنصار. فتح البارى ٣٨٨/٥. وينظر
معجم ما استعجم ٢/ ٤٣٠، ٤٣١.
(٣) بعده فى ق: ((بخ )).
٦١٦

الموطأ
له : يا حسَّانُ، تبيعُ صدقةً أبى طلحةً؟ فقال: ألا أبيعُ صاعًا من تمرٍ بصاع من التمهيد
(١)
دراهِمَ؟(١)
وذكَر الطَّحاوىُّ(٢)، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ
الأنصارىُّ، قال: حدَّثنا حُميدٌ ، عن أنس، وأبى، عن ثُمامةً ، عن أنسٍ - وهذا
لفظُ حديثِه - قال : قال أنس : كانت لأبى طلحةَ أرضٌ، فجعَلها للهِ عزَّ وجلَّ،
فأتَى النبىَّ نَّهِ فقال له(٢): ((اجعَلْها فى فُقْراءِ أقاربِك(٤)). فجعَلها لحسَّانَ
وأُبىّ . قال أنس : وكانا أقرب إليه منِّی .
وفى هذا الحديثِ من الفِقهِ والعلم وُجُوهٌ؛ فمنها أنَّ الرجلَ الفاضلَ العالمَ قد
يُضافُ إليه حُبُّ المالِ ، وقد يُضيفُه هو إلى نفسِه ، وليس فى ذلك نقيصةٌ عليه ،
ولا على مَن أضاف ذلك إليه ، إذا كان ذلك من وجهِ حِلِّه وما أباح اللهُ منه ، و كان
أبو طلحةً من خيارٍ أصحابِ النبيِّ وَلِّ، وقد أخبر اللهُ عزَّ وجلَّ عن الإنسانِ أَنَّه
﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. قال المفسّرون: الخيرُ هلهنا المالُ.
وفيه إباحةُ اتِّخاذِ الجنَّاتِ والحوائطِ، وهى التى تُعرفُ عندَنا بالمُنَى، فى
الحواضِرِ وغيرِها .
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣/ ٢٨٨، ٢٨٩ من طريق عبد العزيز الماجشون به، وعنده :
(لا أبيع)). بدلا من: ((ألا أبيع)).
(٢) الطحاوى فى شرح المعانى ٢٨٩/٣، ٣٨٦/٤.
(٣) سقط من: م.
(٤) فى ق: ((أهلك)).
٦١٧

الموطأ
وفيه إباحةُ دُخولِ العلماءِ والفضلاءِ البساتينَ وما جانسَها من الجنَّاتِ
التمهيد
والكرومِ وغيرِها ، طلبًا للرَّاحةِ والتَّفرُّجِ، والنَّظرِ إلى ما يُسلَّى النَّفسَ، وما يُوجبُ
شُكرَ اللهِ عزَّ وجلَّ على نعمِه .
وفيه ما يَدُلُّ على إباحةٍ كَشْبِ العَقارِ ، وفى ذلك ردٌّ لما رُویَ عن ابنِ مسعودٍ
أَنَّه قال: لا تشَّخذوا الضَّيْعَةَ فَتَرغَبوا فى الدُّنياً) . وفى كسبٍ رسولِ اللهِ لَّه
العَقارَ ممَّا أفاءَ اللهُ عليه من بنى النَّضيرِ، وفَدَكَ ، وغيرِها، وكسبِ الصحابةِ
رضِىَ اللهُ عنهم من الأنصارِ والمهاجرين للأرَضينَ والحوائطِ ، وكسبِ التابعينَ
بعدهم بإحسانٍ لذلك ، أكثر من أن يُحصَی .
ولا خِلافَ علِمْتُه فى أنَّ كَسْبَ العَقَارِ مُباحٍ، إذا كان من حِلُّه، ولم يكنْ
سببَ ذلِّ وصَغارٍ، فإِنَّ ابنَ عمرَ رضِى اللهُ عنه كرِهَ كَشبَ أرضِ الخراجِ، ولم يرّ
شِراءَها ، وقال: لا تَجعَلْ فى عُنقِكَ صَغَارًا(٢) .
وفيه إباحةُ الشُّربِ من ماءِ الصَّدِيقِ بغيرِ إذنِه، وماءُ الحوائطِ والجنَّاتِ
والدُّورِ عندَنا " مملوكٌ لأهلِه، لهم المنعُ" منه، والتَّصرُّفُ فيه بالبيعِ وغيرِه،
وستَذْكُرُ معنَى نَهِيِهِ بِّ عن بيعِ الماءِ، وعن بيعٍ فضلِ الماءِ، فى بابٍ أبى
القبس
(١) أخرجه الحميدى (١٢٢)، وأحمد ٥٤/٦، ١٤٠/٧، ٢٧٠ (٣٥٧٩، ٤٠٤٨، ٤٢٣٤)،
والترمذى (٢٣٢٨) من حديث ابن مسعود مرفوعًا .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠١٠٨، ١٤٤٤٩، ١٩٢٨٨، ١٩٢٨٩)، والبيهقى ١٤٠/٩.
(٣ - ٣) فى ق: ((متملك لأهله بالمنع)).
٠
٦١٨

الموطأ
الرِّجالِ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عندَ قولِهِ وَلَه: (( لا " يُمنَعُ نَفْعُ بئرٍ)). إن التمهيد
شاء اللهُ .
وإذا جاز الشُّربُ من ماءِ الصديقِ بغيرِ إذنِهِ ، جاز الأكلُ من ثمارِه وطعامِه ،
إذا علِم أنَّ نفسَ صاحبِهِ تطيبُ به ؛ لتَفاهتِه ويُسْرِ مُؤنتِه ، ولما بينهما من المودّةِ ،
وقد قال الله عزَّ وجلّ: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمَّ لَيْسَ عَلَّكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ
جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا﴾ [ النور: ١)
ذكَر محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، قال : دخلْتُ بْتَ قتادةَ ، فأبصرْتُ رُطبًا ،
فجعَلتُ آكلُه ، فقال: ما هذا؟ قلتُ: أبصرْتُ رُطبًا فى بيتِكَ فأكلْتُ . قال:
أحسنْتَ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمَّ﴾ .
وذكَرَ عبدُ الرزاقِ (٣)، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةً فى قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمَّ﴾ .
قال : إذا دخَلْتَ بيتَ صديقِكَ من غيرِ مُؤامَرتِه لم يكنْ بذلك بأسٌ .
قال معمرٌ: ودخَلْتُ بيتَ قتادةَ، فقلتُ له (٤): أأشربُ من هذا الحُبِّ (٥)؟
لحُبّ (١) فيه ماءٍ، فقال: أنت لنا صديقٌ(٧).
القبس
(١ - ١) فى م: ((تمنع نفع)).
(٢) تقدم فى ٤٠٤/١٨ - ٤١٠.
(٣) عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٦٤.
(٤) سقط من: م .
(٥) فى ق، م: ((الجب)). والحب: الجرة الضخمة. اللسان (ح ب ب).
(٦) فى ق، م: ((جب)).
(٧) عبد الرزاق فى تفسيره ٦٥/٢.
٦١٩

الموطأ
التمهيد
قال معمرٌ: وقال قتادةُ، عن عكرمةً، قال : إِذا ملَك الرجلُ المفتاحَ فهو
خازنٌ ، فلا بأسَ أن يَطعَمَ الشىءَ اليسيرَ().
قال: وأخبرنا معمرٌ، عن منصورٍ، عن أبى وائلٍ، قال: كنَّا نغزُو فنمرُ
بالثِّمارِ فتأكُلُ منها(١).
قال أبو عمرَ : هذا على ما قُلْنا ، واللهُ أعلمُ ، ممّا يُعلمُ أَنَّ صاحبه تَطِيبُ به
نفسُه، وكان يسيرًا لا يُتشَاحُ فى مثله . وقد كان لهم فى سفرِهم ضيافةٌ مندوبٌ
إليها، وقد يكونُ هذا منها، وقد قال ◌َ له: (( لا يَحتلِيَنَّ أحدٌ ماشيةَ أحدٍ إلَّ
بإذنه))(٢). وقال: ((لا يَحِلُّ مالُ امرئٍ مُسلمٍ إلَّ بطِيبٍ " نفسٍ منه؟)). وسيأتى
هذا المعنَى مُمهَّدًا فى بابِ نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ() إن شاء اللهُ .
وفيه إباحةُ استعذابِ الماءِ ، وتَفضيلُ بعضِه على بعضٍ، بما فضَّلَه اللهُ عَزَّ
وجلَّ ("فى خلقتِهْ، قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ
[ فاطر: ١٢]. وقد رُوِى عن النبيِّ وَ أَنَّه كان
سَبِغْ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ
يُشْتَغْذَبُ له الماءُ من بئرِ السُّقياً(١). وفى هذا المعنَى، واللهُ أعلمُ ، قولُ أنسٍ فىْ
القبس
(١) عبد الرزاق فى تفسيره ٦٥/٢.
(٢) تقدم فى الموطأ (١٨٨١).
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((نفسه)).
والحديث تقدم تخريجه فى ٤٠٩/١٨ .
(٤) تقدم ص ١٥٢ - ١٥٨.
(٥ - ٥) سقط من: ق .
(٦) أخرجه أبو داود (٣٧٣٥) من حديث عائشة، وعنده: ((بيوت السقيا)). وقال أبو داود عقبه : =
٦٢٠