Indexed OCR Text

Pages 221-240

الموطأ
الحَربِ ، وقال: أَرْجَى ما يكونُ للشَّهادَةِ .
التمهيد
وذكَرَ الأوزاعىُّ، عن الوليدِ بنِ هشامٍ، عن ابنِ مُحَيْرِيزِ مثلَه بمعناه(١).
وممَّا يُبَيِّنُ لك أنَّ النِّساءَ ليس ممَّن قُصِدَ بتحريم الحريرِ، ولا بالرخصةِ
لِعِلَّةٍ ، وأنَّ ذلك مُباحٌ لهُنَّ على كلِّ حالٍ، مع ما تقَدَّم ذِكْرُه، ما أخْبَرَناه عبدُ اللَّهِ
ابنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال:
حدَّثنا عمرُو بنُ عونٍ وكَثِيرُ بنُ عبيدِ الحِمْصِيَّانِ، قالا: حدَّثْنَا بَقِيَّةُ، عن
الزُّبَيْدِىِّ، عن الزهرىِّ، عن أنسٍ ، أَنَّه حدَّثَه، أنَّ رَأى على أُمّ كُلْثُومِ ابنَةِ رسولِ
اللَّهِ،وَهِ بُّْدًا سِيَراءَ. والسِّيَرَاءُ المضَلَّعُ بالقَرّ(١).
هكذا ورَدَ هذا التَّفْسِيرُ فى هذا الحديثِ ، وهو مُوافِقٌ لِما ذَكَرْنا عن أهْلِ
اللغةِ فى تفسِيرِ السِّيَراءِ .
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبى أَوَيْسٍ، قال :
حدثنى أخى ، عن سليمانَ بنِ بلالٍ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ومحمدِ بنِ أبى عَتيقٍ ،
أنَّ ابنَ شهابٍ سُئِل عِن الحريرِ، هل يَلْبَسُه النِّساءُ؟ فَزَعَم أنَّ أنسَ بنَ مالِكٍ
أخبره، أنَّه رَأى على أُمّ كُلْقُومِ ابنِةِ رسولِ اللهِ وَهْ بُدَ حريرٍ سِيَّرَاءَ(١).
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٦٧/٨ من طريق الأوزاعى به .
(٢) أبو داود (٤٠٥٨).
(٣) أخرجه الطيرانى ٤٣٧/٢٢ (١٠٦٤)، وفى الأوسط (٤٦١٠) من طريق إسماعيل بن أبى أويس
به ، وأخرجه النسائى فى الكبرى (٩٥٨٠) من طريق سليمان بن بلال به .
٢٢١

الموطأ
التمهید
وحدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: حدّثنا
مِسْعَرٌ، عن عبدِ الملك بن ميسرةً، عن عمرو بن دينارٍ ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ،
قال: كنا نَزِعُه عن الغلمانِ ونَتْؤُكُه على الجوارى. يَغْنِى الحريرَ. قال مِشْعَرّ:
فسألتُ عمرو بنَ دينارٍ عنه، فلم يَعْرِفْه(١) .
قال أبو عمرَ : فهذا ما جاء فى الحريرِ، وأمَّا الخَزُّ، فقد لَبِسه جماعَةٌ مِن
العلماءِ، وقد اخْتُلِف علينا فى سَدًا ذلك الخَزِّ ؛ فقال قومٌ: كان سَدَاه نَظْمًا .
وقال آخرون: حَرِيرًا . والمعْرُوفُ مِن خَزِّنا اليومَ أنَّ سَداه حریرٌ، وذكّرَ مالِكٌ فى
((الموطأُ))(٢)، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةً، أنَّها كَسَت عبدَ اللهِ
ابنَ الزُّبَيرِ مِطْرَفَ خَزِّ كانت عائشةُ تَلْتَسُه.
وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ محمدِ بنِ علىٍّ، قال: حدَّثنا أبى، قال:
حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيْسٍ، قال: حدَّثنا يَخْتَى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِبنُ
مَسْلَمَةَ، قال: حدَّثنا أَفْلَحُ بنُّ حُمَيْدٍ ، قال: كان القاسِمُ بنُ محمدٍ يَلْبَسُ جُبَّةً
خَرٍّ، وكان ابنُّه عبدُ الرحمنِ يَلْبَسُ كِساءَ خَرٍّ(١) .
القبس
.
(١) أبو داود (٤٠٥٩).
وجاء بعده فى م: ((وقد روى فى أن التحلى بالذهب مكروه أيضا خبران معلولان لا حجة فيهما
لضعفهما عند أهل العلم بالحديث وقد ذكرناهما فى باب نافع عن إبراهيم بن حسين والحمد لله)).
(٢) الموطأ (١٧٥٨).
(٣) أخرجه ابن سعد ١٩١/٥ عن عبد الله بن مسلمة به .
٢٢٢
٠

الموطأ
وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ التمهيد
فُطَيْسٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ دينارٍ ، قال:
حدَّثنا ابنُّ القاسِمِ ، عن مالِكِ ، قال : كان ربيعةُ يَلْبَسُ القَلَنْسُوَةَ بِطائَتُها وظِهَارَتُها
خَرٍّ ، وكانَ إِمامًا . وقال فى موضِعٍ آخَرَ مِن سَماعٍ ابنِ القاسِمِ : قال مالِكٌ وذُكر
◌ُبْسُ الخَرِّ ، فقال: قومٌ يَكْرَهُون لِبَاسَ الخزِّ ، ويَلْبَسُونَ القَلانِسَ بالخَزِّ، فعَجِبْنا
مِن اخْتِلافٍ رَأْيِهِم. قال مالكٌ: وإنَّما كُرِه لِياسُ الخَزِّ بأَنَّ سَدَاه خَرِيرٌ.
وقال أبو نُعَيْمٍ وَهْبُ بنُ كَيْسانَ: رأيتُ سعدَ بنَ أبى وَقَّاصٍ، وجابرَ بنَ
عبدِ اللَّهِ، وأبا هريرةَ، وأنسَ بنَ مالِكِ، يَلْبَسُون الخَّ(١).
وفى حديثٍ صَفْوانَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ صَفْوانَ ، أنَّ سَعْدًا اسْتَأْذَنَ على ابنِ
عباسٍ وعليه مِطْرَفُ خَزِّ سطرُهُ(١) حَرِيرٌ، فقيل له فى ذلك، فقال: إنَّما يَلِى
جِلْدِى منه الخَُّ().
واخْتَجَّ الطحاوىُّ بخَيْرِ سعدٍ هذا فى أنّ خَزَّ القوم كان فيه حَرِيرٌ، وأَرْدَفَه
بحديثٍ عَمَّارِ بنِ أبِى عَمَّارٍ، أَنَّ مَرْوانَ قَدِمَتْ عليهِ مَطَارِفُ خَرٍّ، فكَساها
أصْحابَ رسولِ اللَّهِ بِهِ، قال: فكانّى أَنْظُرُ إلى أبى هريرةَ عليه منها مِطْرَفٌ
أُغْبَرُ، وكأنّى أَنْظُرُ إلى طُرُقِ الإِبْرَيْسِم فيه. قال: فدَلْ هذا على أنَّ الخَزَّ الذى
لپسوه هو الذی فیه الحریرُ.
قال أبو عمرَ: لَبِس الخَرَّ جماعَةٌ مِن جِلَّةِ العلماءِ، لو ذكَرناهم لأُطَلْنا
القبس
(١) أخرجه معمر فى جامعه (١٩٩٦٣)، والطحاوى فى شرح المعانى (٢٥٦/٤).
(٢) فى م: ((سقوه)).
(٣) أخرجه الحاكم ٤٥٥/٢ .
٢٢٣

الموطأ
التمهيد وأَمْلَلْنَا، وخَرَجْنا عمَّا له قَصَدْنا، ولكنَّهم اخْتَلَفوا هل كان فيه حَرِيرٌ أم لا؟
واجْتِنابُ ذلك لِمَن يُقْتَدَى به أَوْلَى، ولا يُقْطَعُ على تَحْرِيم شىءٍ إلَّا بيقينٍ، لكنَّه
مِئَّا سُكِت عنه وُفِی عنه .
وفى حديثنا المذكور فى هذا البابِ ، حديثِ مائِكِ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ، أَنَّ عمرَ بنَ الخطابِ رَأى حُلَّةٌ سِيَراءَ تُباعُ عندَ بابِ المسجِدِ . الحديث.
فيه البيع والشِّراءُ على أبوابِ المساجِدِ. وفيه مُبَاشَرَةُ الصالحين والفُضَلاءِ للبيعِ
والشِّراءِ . وفيه أَنَّ الجُمُعَةَ يُلْبَسُ فيها مِن أُحسَنِ التِّابِ ، وكذلك يُتَجَمَّلُ بالِّابِ
الحِسانِ فى الأعيادِ؛ لأنَّ الجُمُعَةَ عِيدٌ، ويُتَجَمَّلُ بها أيضًا على وَجْهِ التَّرْهِیبِ
للعَدُوِّ، والتَّغْلِيظِ عليهم. وهذا كلَّه فى معنى حَدِيثِنا المَذكورِ، ولا أَعْلَمُ بينَ
العلماءِ اخْتِلافًا فى اسْتِخْبابِ التَّجَمُّلِ بأحْسنِ التِّيَّابِ يومَ الجُمُعَةِ لمَن قَدَرَ .
وفيه أنَّ الإنسانَ يجوزُ له أن يَمْلِكَ ما لا يجوزُ له أنْ يَلْبَسَ. وفيه إباحَةٌ
- الطَّعْنِ (١ على من يستحِقُّ الطعنَ() عليه.
وأمَّا قولُه: (إنَّما يَلْبَسُ هذا مَن لا خَلاقَ له)). فمَعْناه: مَن لا نَصِيبَ له مِن
الخيرِ .
وفيه قَبُولُ الخليفةِ للهَدَايا مِن قِبَلِ الرُّومِ وغيرِهم، وقد مَضَى القولُ فى
هذا المغْنَى فى بابٍ ثورِ بنِ زيدٍ مِن كتابِنا هذا١ . وفيه بعضُ ما كان عليه
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٣٦٧/١٢ - ٣٨٠.
٢٢٤
٠

الموطأ
رسولُ اللَّهِ وَلَهُ مِنِ السَّخَاءِ، وصِلةِ الإِخوانِ بالعَطاءِ. وفيه أنَّه جائزٌ أن
يُعْطِىَ الرجلُ ما لا يجوزُ له لباسُه إذا جاز له مِلْكُه والتَّصَرِفُ فيه .
التمهيد
وفيه صِلَّةُ القَرِيبِ المشركِ ، ذِمِّيًّا كان أو حَرْبِيًّا؛ لأنَّ مكةً لم يَقَ فيها بعدَ
الفتح مشركٌ، وكانت قبلَ ذلك حَرْبًا ، ولم يَخْتَلِفِ العلماءُ فى الصدقةِ التَّطَوُّعِ،
أنَّها جائِزَةٌ مِن المسلم على المشركِ، قريبًا كان أو غيرَه ، والقريبُ أوْلَى ممَّنْ
سِواه، والحَسَنَةُ فيه أَتَهُ وأَفْضَلُ، وإنَّما اخْتَلَفوا فى كفارةِ الأيمانِ، وزكاةٍ
الفطرِ؛ فجمهورُ العلماءِ على أنَّه لا تجوزُ لغيرِ المسلمين؛ لقولِهِ وَلِّ: ((أُمِرْتُ أنْ
آخُذَ الصدقةَ مِن أُغنِيائِكم وأرُدَّها على فُقَرائِكم)) (١). وكذلك كلُّ ما يجبُ أن
يُؤْخَذَ منهم، فواجِبٌ أن يُرَدَّ على فقرائهم. وأَجْمَعوا أنَّ الزكاةَ المفروضةَ لا
تَحِلُّ لغيرِ المسلمين، فسائرُ ما يجبُ أدَاؤُه عليهم مِن زكاةِ الفِطْرِ، وكفَّارَةِ
الأَيْمانِ ، والظُّهَارِ، فَقِيَاسٌ على الزكاةِ عندَنا، وأمَّا التَّطَوَّمُ بالصدقةِ ، فجائِزٌ
على أهلِ الكَفْرِ مِن القُرْبَاتِ وغيرِهم، لا أعلمُ فى ذلك خِلافًا . واللهُ أعلمُ .
روی الثوریُ ، عن الأعمش ، عن جَعْفَرِ بنِ إِیاسٍ ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن
ابنِ عباسٍ، قال: كانوا يكرهون أنْ يَرْضَخُوا(٢) لأنْسابهم مِن أَجْلِ الكفرِ،
فَتَزَّلَت: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ وَمَا تُنفِقُواْ
[البقرة: ٢٧٢] الآية(١) .
مِنْ خَيْرٍ فَلِأَشُِّكُمْ﴾
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٠٦/٣٨ (٢٣١٢٧).
(٢) الرضخ: العطاء القليل. اللسان (رض خ).
(٣) أخرجه الطبرانى (١٢٤٥٣)، والحاكم ٢٨٥/٢ من طريق سفيان به.
٢٢٥
( موسوعة شروح #

الموطأ
التمهيد
أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدِ بنُ الأعرابيّ،
قال: حدَّثنا سَعْدانُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن أيوبَ، عن
عكرمةَ، أَنَّ صَفِيَّةَ زوجَ النبيِّ بِّهِ قالت لأُخ لها يَهُودِىِّ: أسْلِمْ تَرِثْنِى.
فِسَمِع ذلك قومُه، فقالوا: أَتَبِيعُ دِينَك بالدنيًا؟ فأبى أن يُسْلِمَ، فَأوْصَتْ
له بالثُلُثِ(١).
وحدَّثنا محمدٌ ، قال: حدَّثنا ابنُّ الأعرابيّ، قال: حدَّثْنَا سَعْدَانُ ، قال:
حدَّثنا سفيانُ، عن هشام بن عروةَ، عن فاطمةَ ابنةِ المنذرٍ ، عن جَدَّتِها أسماءً
بنتِ أبى بكرٍ، قالت: سألتُ رسولَ اللَّهِ وَّهِ قلتُ: أَتَثْنِى أُمِّى وهى راغِبَةٌ،
فأُعْطِيها؟ قال: ((نعم فصِلِيها))(٢).
وروَى حَمَّادُ بنُ سلمةً، عن هشامٍ بنٍ عروةَ ، عن أبيه ، أُنَّ أسماء بنت أبى
بكرٍ قالت : قَدِمَت علَىَّ أُمَّى فى عهدٍ قُرَيْشٍ ومُدَّتِهِم التى كانت بينهم وبينَ
رسولِ اللهِ وَلَه وهى مشرِكَةٌ، وهى راغِبَةٌ، فسألتُ رسولَ اللّهِ وَلِّ: أَصِلُها؟
قال: ((صِلیه))(٢).
القبس
(١) أخرجه البيهقى ٢٨١/٦ من طريق ابن الأعرابى به .
(٢) أخرجه البيهقى ٤/ ١٩١، من طريق سعدان بن نصر به، وأخرجه والحميدى (٣١٨)، وأحمد
٤٨٢/٤٤ (٢٦٩١٣)، والبخارى (٥٩٧٨)، والطبرانى ٧٩/٢٤ (٢٠٨)، والبيهقى ١٢٩/٩، من
طریق سفيان به .
(٣) أخرجه أحمد ٥٤٥/٤٤ (٢٦٩٩٤)، والطبرانى ٧٩/٢٤ (٢٠٧)، وابن الجوزى فى البر والصلة
(٢٧٣) من طريق حماد بن سلمة به .
٢٢٦

الموطأ
١٧٧٢ - مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةً، أنه
قال : قال أنس بن مالكٍ: رأيتُ عمرَ بنَ الخطّابِ، وهو يومئذٍ
أمِيرُ المؤمنينَ، وقد رفَع بِينَ كَتِفَيه برُقَعِ ثلاثٍ ، لَّد بعضَها فوقَ
بعضٍ.
مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةً، أنه قال: قال أنسُ بنُ مالك: الاستذكار
رأيتُ عمرَ بنَ الخطابٍ، وهو يومَئذٍ أميرُ المؤمنينَ، وقد رقَع بِينَ كُتِفَيْه برِقاعِ
ثلاثٍ، لَّد بعضَها فوقَ بعضٍ (١).
قال أبو عمرَ: كان هذا مِن عمرَ رضِى اللهُ عنه زهدًا فى الدنيا ورضًا
بالدُّونِ منها، كانت تلك حالَه فى نفسِه، وكان يُبِيحُ لغيرِهِ ما أباحَ اللهُ
لهم، فقال: إذا أُوْسَع اللهُ عليكم فأوسِعوا على أنفسكم، جمَع امرؤٌ عليه
ثيابَه(٢). وإنما يجمُلُ الزهدُ فى الدنيا لمَن قدَر عليها، وكان عمرُ فى
خلافتِه أشدَّ زهدًا منه قبلَ أن تَلىَ الخلافةَ، و کذلك کان عمرُ بنُ عبدِ
العزيزِ رحِمه اللهُ، وكان أبو بكرِ رضِى اللهُ عنه قبلَه على نحوٍ ذلك، و کان
يلبسُ الكساء حتى عُرِف به، ولذلك قالت غَطَفانُ فى الرِّدَّةِ: ما كنَّا
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٢٦)، وبرواية يحيى بن بكير (١١/١٧ و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٩٢٤). وأخرجه ابن سعد ٣٢٧/٣، والبيهقى فى الشعب (٦١٨٢)، وابن عساكر
٣٠٣/٤٤ من طريق مالك به .
(٢) تقدم فى الموطأ (١٧٥٥).
(٣) فى الأصل، م: ((الثياب)).
٢٢٧

الموطأ
الاستذ کار
لتُبَايِعَ صاحبَ الكساءِ. وكان علىِّ رضِى اللهُ عنه مُخْشَوشِنًا فى لباسِه
ومَطْعمِه على طريقةِ عمرَ، كان قميصُه إلى نصفٍ ساقِه، وكُمَّاهُ(١) إلى
أطرافٍ أصابعِ يدَيْه، وكُلِّم فى ذلك، فقال: هو أخشعُ للقلبِ ، وأبعدُ مِن
الكِبْرِ، وأحرَى أن يَقْتدِىّ به المؤمنُ(٢) . وكان سلمانُ وأبو ذرِّ فى غايةٍ مِن
الزهدِ فى الدنيا والرضا باليسيرِ منها . والرواياتُ عن عمرَ وعلىٍّ وسلمانَ
وأبى ذرِّ بما وصَفنا كثيرةٌ جدًّا.
أ
ورُوِى مِن حديثِ مالكِ بنِ دینارٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه رأی
أباه تَرمى جمرة العقبةِ وعليه إزارٌ فيه اثنتا عشرةَ رقعةٌ، بعضُها مِن أَدَمُ(١) .
وروى عن الحسن، عن أنسٍ، عن عمرَ نحوُه(٤).
وفى كتابِهِ إلى عُتبةَ بنِ فَرْقَدٍ ، وهو أميرٌ له بالبصرةِ : تَمَعْدَدُوا - أی تَشَبَّهوا
بأبيكم مَعَدِّ - واخْشَوشِنوا، واقطعوا الرُّكُبَ ، وليكنْ طعامُكم ولباسُكم خَشِنًا
وَلِقًا .
وقولُه: واقطعوا الؤُكُبَ . ليثِبوا على الخيل مِن الأرضِ. وقد ذكّرنا هذا
القبس
(١) فى م: ( کمه)).
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا فى التواضع والخمول (١٣٣، ١٤١)، وفى إصلاح المال (٣٩٠، ٣٩١).
(٣) أخرجه ابن أبى الدنيا فى إصلاح المال (٣٨٠) من طريق مالك بن دينار به. وفيه: ((ثلاث عشرة
رقعة )) .
(٤) فى الأصل، م: ((مثله)).
٢٢٨
٠

فى صفةٍ النبيِّ وَ له
الموطأ
١٧٧٣ - مالك، عن ربيعةً بن أبى عبد الرحمنِ ، عن أنس بنِ
الحديثَ (١) عن عمرَ رضِى اللهُ عنه مِن طُرُقٍ فى (( التمهيدِ))(٢) .
الاستذكار
قال أبو عمرَ: روَى جاتمُ بنُ عثمانَ المَعَافِرِىُّ، قال : سمِعتُ مالكَ بنَ
أنسٍ يقولُ : حياةُ الثوبٍ طَيُّه، وعيبتُه(٢) بسطُه. ذكَرِه سليمانُ بنُ سالم، عن
داودَ بنِ یحیی ، عن حاتمٍ .
مالكٌ ، عن ربيعةً بنِ أنی عبد الرحمنِ () ، عن أنس بنِ مالكٍ ، اُنَّه سمِعه
التمهيد
القبس
(١) فى ح، هـ، م: ((الخبر)).
(٢) تقدم ص٢١٣، ٢١٤.
(٣) فى ح، هـ، م: ((عينه))، وفى ط: ((عيبه)).
(٤) قال أبو عمر: ((ربيعة بن أبى عبد الرحمن المدنى، صاحب الرأى، مدنى، تابعى، ثقة، واسم
أبى عبد الرحمن فروخ مولى ربيعة بن عبد الله بن الهدير التيمى. هذا هو الصحيح. وقيل: مولى
التيميين، ومولى آل المنكدر. والصواب ما ذكرنا، ويكنى ربيعة أبا عثمان . وقيل: أبو عبد الرحمن .
والأول أصح. وكان أحد فقهاء المدينة الثقات الذين عليهم مدار الفتوى، كان أكثر أخذه عن
القاسم بن محمد، وقد أُخذ عن سعيد بن المسيب، وسائر فقهاء وقته، وأدرك أنس بن مالك وروی
عنه، وكان يذكر مع جلة التابعين فى الفتوى بالمدينة ، وكان مالك يفضله، ويرفع به، ويثنى عليه
فى الفقه والفضل، على أنه ممن اعتزل حلقته لإغراقه فى الرأى. وكان القاسم بن محمد يثنى عليه
أيضا؛ ذكر ابن لهيعة، عن أبى الأسود، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: ما يسرنى أن أمى
ولدت لى أخا غلاما ممن ترون من أهل المدينة إلا ربيعة الرأى. وذكر ابن سعد، قال: أخبرنى
مطرف بن عبد الله، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: ذهبت حلاوة الفقه مذ مات ربيعة بن أبى
عبد الرحمن. حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ، قال : حدثنا أحمد بن
زهير، قال : حدثنا الوليد بن شجاع، قال: حدثنا ضمرة ، عن رجاء بن أبى سلمة ، عن ابن عون، =
:
٢٢٩

الموطأ
مالك ، أنه سمعہ یقولُ: کان رسولُ اللهِ پٹ ليس بالطويلِ البائنِ، ولا
بالقصيرِ، وليس بالأبيضِ الأَمْهَقِ ، ولا بالآدَم، ولا بالجَعْدِ القَطَطِ ،
يقولُ: كان رسولُ اللهِ وَ لِّ ليس بالطويلِ البائِنِ، ولا بالقصيرِ، ولا بالأبيضِ
التمهيد
القبس
= قال: كان ربيعة بن أبى عبد الرحمن يجلس إلى القاسم بن محمد، فكان من لا يعرفه يظن أنه
صاحب المجلس ؛ يغلب على صاحب المجلس بالكلام. قال: وحدثنا مصعب، قال: كان عبد العزيز
ابن أبى سلمة يجلس إلى ربيعة، فلما حضرت ربيعة الوفاة، قال له عبد العزيز: يا أبا عثمان ، إنا قد
تعلمنا منك، وربما جاءنا من يستفتينا فى الشىء لم نسمع فيه شيئا، فنرى أن رأينا له خير من رأيه
لنفسه فنفتيه؟ فقال ربيعةُ: أجلسونى. فجلس ثم قال: ويحك يا عبد العزيز، لأن تموت جاهلا خير
لك من أن تقول فى شىء بغير علم، لا، لا، لا، ثلاث مرات. قال: وحدثنا مصعب، قال:
حدثنا الدراوردى، قال: إذا قال مالك: وعليه أدركت أهل بلدنا، وأهل العلم ببلدنا، والأمر
المجتمع عليه عندنا، فإنه يريد ربيعة بن أبى عبد الرحمن، وابن هرمز. قال مصعب: ومات ربيعة فى
سلطان بنى هاشم، قدم على أبى العباس السفاح. وذكر أحمد بن مروان المالكى، عن إبراهيم بن
سهلویہ ، عن ابن أبى أُوہسٍ، قال : سمعت خالِی مالك بن أنس یقول: كانت أمی تلبسنی الثياب ،
وتعممنی وأنا صبی، وتوجهنی إلی ربيعة بن أبى عبد الرحمن، وتقول : يا بنی ائت مجلس ربيعة،
فتعلم من سمته وأدبه قبل أن تتعلم من حديثه وفقهه. وذكر ابن القاسم، عن مالك أن ابن هرمز قال
فى ربيعة: إنه لفقيه. فى حكاية ذكرها. وقال مالك: وجدت ربيعة يوما بيكى، فقيل له: ما الذى
أبكاك؟ أمصيبة نزلت بك؟ فقال: لا، ولكن أبكانى أنه استفتى من لا علم له. وقال: لبعض من
يفتى هلهنا أحق بالسجن من السارق ! قال أبو عمر: هذه أخباره الحسان ، وقد ذمه جماعة من أهل
الحديث لإغراقه فى الرأى، فرووا فى ذلك أخبارا قد ذكرتها فى غير هذا الموضع. وكان سفيان بن
عيينة، والشافعى، وأحمد بن حنبل ، لا يرضون عن رأيه؛ لأن كثيرا منه يوجد له بخلاف السند
الصحیح؛ لأنه لم يتسع فیه، فضحه فيه ابن شهاب. و کان أبو الزناد معادیا له، و کان أعلم منه،
وكان ربيعة أورع. والله أعلم. قال أبو عمر: توفى ربيعة بن أبى عبد الرحمن بالمدينة، فى سنة
ست وثلاثين ومائة، فى آخر خلافة أبى العباس السفاح، وكان ثقة فقيها جليلا. لمالك عنه من
مرفوعات ((الموطأ)) اثنا عشر حديثا؛ خمسة متصلة، ومنها عن سليمان بن يسار واحد مرسل، .
ومنها من بلاغاته ستة أحاديث)). تهذيب الكمال ١٢٣/٩، وسير أعلام النبلاء ٨٩/٦.
٢٣٠

الموطأ
ولا بالسَّبْطِ ، بعثَه اللهُ عزَّ وجلّ على رأس أربعينَ سنةً ، فأقام بمكةً عشْرَ
سنينَ ، وبالمدينةِ عشْرَ سنينَ ، وتوفَّه اللهُ على رأسٍ ستِينَ سنةٌ، وليس
فى رأسِه ولحيته عشرون شعَرةً بيضاءَ وَله.
التمهيد
الأمهَقِ، ولا بالآدم، ولا بالجعدِ القَطَطِ، ولا بالسَّبْطِ، بعثه اللهُ على رأسٍ
أربعينَ سنةً ، فأقام بمكةَ عشرَ سنينَ ، وبالمدينةِ عشرَ سنينَ، وتَوفَّاه اللهُ على
رأسٍ ستِين سنةً، وليس فى رأسِه ولحيتِه عشرون شَعَرَةً بيضاءَ وَّ(١).
أمّا قولُه فى هذا الحديثِ : ليس بالطويلِ البائنِ. فالبائنُ هو البعيدُ
الطُّلِ، المُشْرِفُ، المتفاوتُ(١)، والبونُ والبَيْنُ: البعدُ، ومنه قولُ
(٣)
الشاعرٍ () :
مُطَوَّقَةٌ قد بانَ عنها قرينُها
وما هاج هذا الشَّوقَ إلا حمامةٌ
أى : بَعُد قرينُها عنها .
(٤)
وقال زُهيرٌ():
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٤٧)، وبرواية يحيى بن بكير (١٢/١٧و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٩٢٥). وأخرجه البخارى (٣٥٤٨، ٥٩٠٠)، ومسلم (٢٣٤٧)، والترمذى
. (٣٦٢٣) من طريق مالك به .
(٢) فى س: ((المتقارب)).
(٣) البيت فى البيان والتبيين ٣/ ٦٢، وروايته :
مطوقة بانت وبان قرينها
وأسلمها الباكون إلا حمامة
(٤) شرح ديوانه ص ١٦٤، وعجزه :
* وزودك اشتياقا أية سلكوا .
٢٣١

الموطأ
التمهيد
؛ بان الخليطُ ولم يَأْؤُوا لمن ترَكوا (١).
وقال جرير :
(٢)
؛ بانَ الخليطُ ولو طُوَّغْتُ(٣) ما بانا )*
#
وقال الأخفشُ : الطويلُ البائِنُ هو الطويلُ الذى يَضْطَرِبُ مِن(١) طُولِه، وهو
عَيبٌ فى الرِّجالِ والنّساءِ. يقولُ: فلم يكنْ رسولُ اللهِ وَلِ كذلك.
وأمَّا قولُه: الأُمْهَقُ . فإِنَّ ابنَ وهبٍ وغيرَه قالوا : المهَقُ البياضُ الشديدُ الذى
ليس بمُشْرِقٍ ولا يُخالِطُه شىءٌ مِن الحُمْرَةِ ، يَخالُه الناظرُ إليه بَرَصًا ، يقولُ: فلم
يكن كذلك وَ لتر .
وكذلك وصفَه علىّ رضِى اللهُ عنه، وهو أحسنُ الناسِ له صفةً، فقال:
كان أبيضَ مُشربًا محمرةً (٥). وقال بعضُ الأعرابِ:
أَمَا تَبِئْتَ بها مهقةٌ تنبُو بقلبِ الشَّيِّقِ العازمِ
وأمَّا قولُه: ليس بالآدم . فإِنَّه يقولُ: ليس بأسمرَ. والأُدْمَةُ الشُّرةُ.
القبس
(١) الخليط: المجاور لك فى الدار، وهو للواحد والجمع؛ لم يأووا: لم يرحموا . ينظر شرح ديوان زهير
ص ١٦٤.
(٢) ديوانه ١/ ١٦٠، وعجزه :
* وقطعوا من حبال الوصل أقرانا .
(٣) فى س، م، ورواية للديوان: ((طووعت)).
(٤) فى س: ((فى)).
(٥) سيأتى تخريجه ص ٢٤٥ - ٢٤٧.
٢٣٢

الموطأ
والقَطَطُ : هو الشديدُ الجُعُودَةِ مثلُ شُعُورِ (١) الحَبَشِ. والسَّبْطُ: المُرسَلُ التمهيد
الشَّعَرِ ، الذى ليس فى شَعَرِه شىءٌ مِن التكسيرِ، يقولُ: فهو جَعْدٌ ، رَجْلٌ، كأنَّه
دَهرَه قد رُجَّلَ شعرُه. يعنى: مُشِطَ .
وأمّا قولُه: بعثه اللهُ على رأسٍ أربعين سنةً، فأقام بمكةَ عشرَ سنينَ .
فمختلفٌ فی ذلك علی ما نحن ذاکژوه إن شاء اللهُ .
وأمّا قولُه : وبالمدينةِ عشرَ سنينَ. فمُجتَمَعٌ عليه لا خلافَ بينَ العلماءِ فيه .
وأمّا قولُه: وتَوَفَّه اللهُ على رأسٍ ستِينَ سنةً. فمختلَفٌ فيه على حسَبٍ
اختلافِهم فى مُقامِه بمكةً ؛ فحديثُ ربيعةً عن أنسٍ على ما ترَى ، أنَّ رسولَ اللهِ
وَلِّ تُؤُفِّىَ وهو ابنُ سِتِينَ. وروَاه عن ربيعةً جماعةٌ مِن الأَثَّةِ؛ منهم مالكٌ ،
وأنسُ بنُ عياضٍ(٢)، وعُمارةُ بنُ غَزِيَّةً(٣)، ويحتى بنُ سعيدِ الأنصارىُّ(4)،
والأوزاعىُ (٥)، وسعيدُ بنُّ أبى هلالٍ(٩)، وسليمانُ بنُ بلالٍ(٧)، كلُّهم عن ربيعةَ،
القبس
(١) فى ك ١، م: ((شعر)).
(٢) أخرجه ابن سعد ٤٣٢/١، وأحمد ٣٣٣/١٩ (١٢٣٢٦)، وأبو يعلى (٣٦٤١)، والطحاوى فى
شرح المشكل (٣٦٩٠) من طريق أنس به .
:
(٣) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٦٤٠٩) من طريق عمارة بن غزية به .
(٤) أخرجه ابن جرير فى تاريخه ٢/ ٢٩١، والقزوينى فى أخبار قزوين ١٣٨/٢ من طريق يحيى بن
سعيد به .
(٥) أخرجه ابن جرير فى تاريخه ٢٩١/٢ من طريق الأوزاعى به .
(٦) أخرجه البخارى (٣٥٤٧)، والبيهقى فى الدلائل ٢٢٩/١ من طريق سعيد بن أبى هلال به.
(٧) أخرجه أحمد ١٦٠/٢١ (١٣٥١٩)، ومسلم (٢٣٤٧) من طريق سليمان بن بلال به.
٢٣٣
--

الموطأ
٠
عن أنسٍ بمعنَى حديثٍ مالكِ سواءً (٢) .
التمهيد
وقد ذكر البخارئ(٢) حدیث ربیعةً هذا عن أنس ، ثم أتبعه، فقال: حدّثنی
أحمدُ صاحبٌ لنا ، قال: حدَّثنى أبو غسّانَ محمدُ بنُّ عمرٍو الرازىُّ زُنيجٌ ، قال :
حدَّثنا حكامُ بنُ سلم، قال: حدَّثنا عُثمانُ بنُ زائدةَ، عن الزُّبِيرِ بنِ عدىٍّ، عن
أنسٍ بنِ مالكِ، قال: تُؤُفِّىَ رسولُ اللهِ وَ له وهو ابنُ ثلاثٍ وسِتِينَ(١) ، وأبو بكرٍ
وهو ابنُّ ثلاثٍ وسِتِّينَ، وعمرُ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِينَ (١).
مـ
قال البخارىُّ : وهذا عندى أصحُ من حديثٍ ربيعةً .
قال أبو عمرَ: إنَّما قال ذلك البخارىُّ، واللهُ أعلم، لأنَّ عائشةَ(٤)،
ومعاويةً(٥)، وابنَ عباسٍ(٦) - على اختلافٍ عنه - كلَّهم يقولُ: إنَّ رسولَ اللهِ
وَلَِّ تُؤُفِّىَ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِينَ. ولم يُختَلَفْ عن عائشةَ ومعاويةً فى ذلك ، رواه
جريرٌ، عن معاويةً(١). وجاءَ عن أنسٍ ما ذكَر ربيعةُ عنه، وذلك مخالفٌ لما ذكرَه
هؤلاء كلُّهم . وروَى الزُّبِيرُ بنُّ عدىٍّ، وهو ثقةٌ، عن أنسٍ ما يُوافقُ ما قالوا(٧) .
القبس
(١) فى س: ((مرسل)).
(٢) البخارى فى التاريخ الصغير ٥٦/١.
(٣) بعده فى ك ١، م: ((سنة)).
(٤) سیأتی تخريجه ص٢٤٢، ٢٤٣.
(٥) سيأتى تخريجه ص ٢٤٣ .
(٦) سياتى تخريجه ص ٢٤١ .
(٧) أخرجه مسلم (٢٣٤٨) من طريق الزبير به .
٢٣٤

الموطأ
التمهيد
فقطَعَ البخارىُّ بذلك؛ لأَنَّ المُنْفَرِدَ أولَى بإضافةِ الوَهْم إليه مِن الجماعةِ . وأمَّا مِن
طریقِ الإسنادِ ، فحدیثُ ریعةً احسنُإِسنادًا فی ظاهِرِه ، إلا أنَّه قد بان مِن باطنه ما
يُضَعِّفُه ؛ وذلك مُخالفةُ أكثرِ الحفّاظِ له، فإن لم یکنْ هذا وجه قولِ البخارىِّ،
وإلا فلا أعلمُ له وجهًا ، وقد تابع ربیعةً علی روايته عن أنس نافئ أبو غالبٍ . ورُوى
عن أنسٍ بنِ مالكِ قال: بُعِث رسولُ اللهِ وَّهِ وله أربعون سنةً .
قال البخارىُّ: وأخبرنا محمدُ بنُ عمرَ القَصَبِىُّ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزَّاقِ ،
قال: حدَّثنا نافعٌ أبو غالبٍ، أَنَّه سمع أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: أقام رسولُ اللهِ وَه
بمكةَ عشرًا بعدَ أنْ يُعِث(١).
قال أبو عمرَ: وممّن قال: إِنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ بُعِثَ على رأسٍ أربعينَ سَنَةً؛
قَبَاتُ بِنُ أَشْيَمَ(١)، قال: نُجُئِ النّبِيِّ نَّهِ على رأسٍ أربعينَ مِن عامِ الفيلِ(١).
القبس
(١) بعده فى ك١، م: ((وذكره ابن أبى خيثمة قال: حدثنا محمد بن عمر القصبى قال: حدثنا عبد
الوارث، قال: حدثنا نافع أبو غالب، قال: قلت لأنس: يا أبا حمزة، كم كان لرسول الله مَلته يوم
قبض ؟ قال : ستون سنة . وقد روى ابن وهب عن قرة بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب ، عن أنس قال :
نبئ رسول الله ﴾ وهو ابن أربعين سنة، ومکث یمکة عشرًا وبالمدينة عشرًا، وتوفی وهو ابن ستين سنة ،
وقد روى من حديث ابن عمر، أن رسول الله * توفى وهو ابن اثنتين وستين سنة وأشهر. وذكر إبراهيم
ابن المنذر، عن سعد بن سعيد بن أبى سعيد، عن أخيه، عن أبيه، عن أبى هريرة قال: نبئ رسول الله وَله
وهو ابن أربعين، فأقام بمكة عشرًا وبالمدينة عشرًا، وتوفى وهو ابن ستين سنة)).
(٢) قباث بن أشيم بن عامر بن الملوح الكنانى الليثى، ولد عام الفيل، له صحبة، شهد بدرًا مع
المشركين، وكان له فيها ذكر ثم أسلم بعد ذلك، وشهد مع النبى عليه بعض المشاهد، وكان على
مجنبة أبى عبيدة يوم اليرموك. تهذيب الكمال ٤٦٦/٢٣، والإصابة ٤٠٧/٥.
(٣) أخرجه الترمذى (٣٦١٩)، والبيهقى فى الدلائل ٧٨/١.
٢٣٥

الموطأ
قال أبو عمرَ: لا خلافَ أَنَّ وُلدَ وَ لِّ بمكةَ عامَ الفيلِ، إِذْ ساقَه الحبشةُ إلى
مكةَ يَغْزُونَ البيتَ .
التمهيد
وروَى هشامُ بنُّ حسَّانَ ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: بُعِث رسولُ اللهِ
وهو ابنُّ أربعينَ، صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّم(١) .
صَلى الله
عالية
ورواه جماعةٌ عن هشامِ بنِ حسَّانَ ، وهو قولُ عروةَ بنِ الزُبير ؛ رواه عن
عروةً؛ هشامُ بنُ عُروةَ، وعمرُو بنُ دينارٍ. وكان عروةُ يقولُ : إِنَّه أقام بمكةً
عشرًا. وأنكَر قولَ مَن قال: أقامَ بها ثلاثَ عشرةَ سنةً (١) . فقولُه كروايةٍ ربيعةً
سواءً. وكان الشعبىُّ(٢) يقولُ: بُعث رسولُ اللهِ وٍَّ ونِىَ(٤) وَلِّ لأربعين، ثم
وكّلَ به إسرافيلُ ثلاثَ سنين ، قُرِن بنبوَّتِه، فكان يُعلِّمُه الكلمةَ والشىءَ ، ولم يَنْزِلْ
عليه القرآنُ على لسانِهِ ، فلمَّا مضَتْ ثلاثُ سنينَ قُرِن بنبوَّتِه جبريلُ ، فنزَل القرآنُ
على لسانِه عشرينَ سنةً(٥). هذا كلُّه قولُ الشعبىِّ. وكذلك قال محمدُ بنُّ ◌ُبیرٍ
ابنِ مُطعِمٍ: إِنَّ رسولَ اللهِ ،فَلَّ نُّجُىَّ على رأسٍ أربعينَ. وهو قولُ عطاءِ الخراسانىِّ.
وممَّن قال: إِنَّه بُعث على رأسٍ ثلاث وأربعينَ . ابنُ عبّاسٍ، مِن روايةِ هشامٍ
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٩/٤، ١١٠، ٤٦٢/٥ (٢١١٠، ٢٢٤٢، ٣٥١٧)، والبخارى (٣٨٥١)،
والترمذى (٣٦٢١) من طريق هشام به .
(٢) أخرجه أبو زرعة فى تاريخه ١٤٤/١، ١٤٥.
:
(٣) فى ك ١: ((الشافعى)).
(٤) فى س: ((تنبئ).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٦٧٨٥)، وأحمد فى تاريخه - كما فى فتح البارى ٢٧/١ - والبيهقى فى
الدلائل ٢/ ١٣٢.
٢٣٦
٠

الموطأ
الدَّسْتَوائىِّ، عن عكرمةَ عنه، خِلافَ ما روَاه هشامُ بنُ حسّانَ . وقالَه أيضًا سعيدُ
ابنُ المسئَّبِ .
التمهيد
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدّثنا يحيى بنُ سعيد
القطّانُ ، قال: أخبرنا هشامٌ، قال: حدَّثنا عكرمةُ ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: أَنزِلَ
على النبيِّ ◌َّهِ وهو ابنُ ثلاثٍ وأربعينَ(١).
قال أحمدُ بنُ زُهيرٍ : وأخبرنى أبى، قال: حدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ ،
قال أحمدُ بنُ زُهيرٍ: وحدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ ،
جميعًا عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدٍ بنِ المسيَّبِ، قال: أُنزِلَ على النبيِّ وَلَه
الوحى وهو ابنُ ثلاثٍ وأربعينَ سنةً(٢) .
خالفَ القَوارِيرِىَّ عارٌ فى هذا الخبرِ عن حمَّادِ بنِ زيدٍ ، فقال فيه : أُنزِل عليه
وهو ابنُ أربعينَ سنةً ، وأقام بمكةَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً .
ورَواه يزيدُ بنُ هارونَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ مثلَ روايةِ القواريرىِّ؛ وهو
◌ُبیدُ اللهِ بنُ عمرَ، عن حمّادٍ بنِ زيدٍ .
وأخبرنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عمرَ بنِ راشدٍ ،
قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ
القبس
(١) بعده فى س: ((سنة)).
والحديث عند أحمد ٤٦٢/٣ (٢٠١٧).
(٢) فى س: ((جابر)).
(٣) أخرجه ابن جرير فى تاريخه ٢٩٢/٢ من طريق جرير - وحده - به.
٢٣٧

الموطأ
التمهيد
وهب، قال: حدَّثنی قُوّةُ بنُ عبد الرحمنِ المعافِىُّ، عن ابنِ شهاب
وربيعةً، عن أنس، قال: نُجُجَّ النبيُّ وَّ وهو ابنُ أربعينَ، فأقام بمكةً
عَشْرًا، وبالمدينةِ عَشْرًا(١).
قال أبو عمرَ: لا أعلمُ أحدًا روَاه عن ابنِ شهابٍ، عن أنسٍ، غيرَ قُرَّةَ . واللهُ
أعلمُ .
وأمَّا مُكْتُه بمكةَ وَلَّ، ففى قولٍ أنسٍ مِن روايةٍ ربيعةً وأبى غالبٍ : إِنَّه مكث
بمكةً عَشْرَ سنينَ. وكذلك روَى أبو سلمةَ، عن عائشةً وابنٍ عباسٍ . وهو قولُ
مُروةَ بنِ الزُّبيرِ، والشعبىِّ ، وسعيدِ بنِ المسئَّبِ ١ ، وابنٍ شهاب ، والحسنِ،
وعطاءِ الخُراسَانيّ(١) . وكذلك روَى هشامٌ الدَّستَوائىُ، عن عكرمةَ، عن ابنٍ
عباس
(٤)
القبس
(١) تاريخ أبى زرعة ١٤٦/١، ١٤٧.
(٢) بعده فى م: ((على اختلاف عنه)).
(٣) ينظر طبقات ابن سعد ٢٢٤/١، ومصنف عبد الرزاق (٦٧٨٢)، ومصنف ابن أبى شيبة
٢٩٠/١٤.
(٤) تقدم تخريجه الصفحة السابقة .
وجاء بعده فى م: (( حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا أبو الميمون قال حدثنا أبو زرعة الدمشقى قال
حدثنا أبو نعيم قال حدثنا شيبان عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن ابن عباس وعائشة أن .
رسول الله ﴾ مکث عشر ستین ینزل عليه القرآن وبالمدینة عشرا. وحدثنا خلف قال حدثنا
أبو الميمون قال حدثنا أبو زرعة قال حدثنا أحمد بن شبويه ومحمد بن أبى عمر قالا حدثنا سفيان
ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: قلت لعروة بن الزبير: كم لبث النبى وَلّ بمكة؟ قال:
عشرا. قلت: فإن ابن عباس يقول: بضع عشرة. قال: إنما أخذه من قول الشاعر)).
٢٣٨

الموطأ
وروَى هشامُ بنُ حسَّانَ ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عبَّاسِ ، أنَّه مكث بمكةً بعدَ
ما يُعِث النبىُّ وَِّ ثلاثَ عشْرةَ سنةً(١).
التمهيد
وكذلك روَى أبو جمرةً (٣)، وعمرُو بنُ دينارٍ(٣) ، جميعًا عن ابنٍ عباسٍ.
وهو قولُ أبى جعفر محمدِ بنِ علىٍ () .
وقال أبو قَيْسٍ صِرمَةُ بنُّ أبى أنس الأنصارىُّ فى أبياتٍ يَفْخَرُ فيها°) بما منَّ
اللهُ به عليه مِن صُحبةِ النبيِّ وَلِّ، ونصرته له(٦):
توَى فى قُريشٍ بِضْعَ عَشْرَةً حِجَّةٌ يُذكِّرُ لو يَلْقَى صَدِيقًا مُواتيًا
فى أبياتٍ قد ذكرتُها بتمامِها فى بابٍ صِرْمَةً مِن كتابٍ ((الصحابةِ))(٧).
وأمَّا سِتُّه فى حينٍ وفاتِهِ ، ففِى حديثٍ ربيعةً وأبى غالبٍ ، عن أنسٍ ، أَنَّه تُؤُفِّىَ
مدَّ وهو ابنُ ستِّين. وهو قولُ مُروةَ بنِ الزييرِ .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٣٦.
(٢) فى النسخ: ((حمزة)). والمثبت من مصادر التخريج.
والأثر أخرجه ابن سعد ٣٠٩/٢، وأحمد ٣٩٩/٥ (٣٤٢٩)، ومسلم (٢٣٥١، ١١٨) من طريق
أبى جمرة به .
(٣) أخرجه أحمد ٤٦١/٥ (٣٥١٦)، والبخارى (٣٩٠٣)، ومسلم (١١٧/٢٣٥١)، والترمذى
(٣٦٥٢) من طريق عمرو بن دينار به.
(٤) ذكره البيهقى فى دلائل النبوة ٧/ ٢٤١.
(٥) سقط من: ك ١، م.
(٦) سقط من: س.
(٧) الاستيعاب ٧٣٧/٢.
٢٣٩

الموطأ
وروَى حُميدٌ، عن أنسٍ، قال: تُؤُفِّىَ رسولُ اللهِ وَلَّهِ وهو ابنُ خمسٍ
وستینَ .
التمهيد
ذكَره أحمدُ بنُ زُهيرٍ، عن المثنَّى بنٍ مُعاذٍ ، عن بشرِ بنِ المفضَّلِ، عن
(١)
محميدٍ (١).
وروَى الحسنُ، عن دَغْفَلِ النَّسَّابةِ، وهو دَغْفَلُ بنُ حَتْظَلَةَ، أنَّ
النبىَّ ◌َِّ قُبِض وهو ابنُّ خمسٍ وستِّين(٢). ولم يُدرِكْ دَغْفَلّ النبيَّ ◌ِهِ.
قال البخارىُّ: ولا نَعرِفُ للحسنِ سَماعًا مِن دَعْفَلٍ.
قال البخارىّ(٢): وروَى عمَّارُ بنُ أبى عمَّارٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: تُؤُنِّىَ
رسولُ اللهِ وَّ وهو ابنُّ خمسٍ وستِينَ.
قال البخارىُّ(٢): ولا يُتَابَعُ عليه، ("إلا شىءٌ" رواه العلاءُ بنُ صالحٍ، عن
المِنهالٍ، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ، عن ابنٍ عباسٍ، قال: أنزِل على النبىّ ◌َله
بمكةَ عشرَ سنينَ وخمسَ سنينَ وأكثَرَ . ولم يُوافَقْ عليه العلاءُ، وهو شىءٌ لا
أصلَ له .
القبس
(١) ذكره المصنف فى الاستيعاب ١/ ٥٢.
(٢) أخرجه البخارى فى تاريخه ٣/ ٢٥٥، والطبرانى ٢٦٨/٤ من طريق الحسن به.
(٣) البخارى فى التاريخ الصغير ٥٥/١.
(٤ - ٤) فى مصدر التخريج: ((وكان شعبة يتكلم فى عمار وروى)).
(٥ - ٥) فى الأصل، م: ((صلى)).
(٦) فى ك ١، م: ((أشهرا)).
٢٤٠