Indexed OCR Text
Pages 741-760
الموطأ وهذا حديثٌ مشهورٌ ليس مِن هذا البابِ ، ولكنى ذكّرْتُه لروايةِ أبى إدريسَ التمهيد له، مع جَلالتِه، عن أبى مسلمٍ، فإن مِن الناسِ مَن جعَل أبا مسلم الخَوْلانيَّ مجهولا ، وهذا جهلٌ بهذا الشأن، وحسبُك بروايةِ أبى إدريسَ، وهو مِن أجَلٌ تابعی الشامِيِّين عنه . وأما حديثُه فى هذا البابٍ ، فمعروفٌ عن مُعاذٍ وعن عُبادةَ أيضًا ، وهو عن معاذٍ أشهرُ، وكلاهما مَحفوظٌ . وحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدَّثنا بکُ بنُ حمادٍ ، قال : حدثنا مُسَدَّدُ بنُ مُسْهَدٍ ، قال: حدثنا حمادُ بنُ زید ، عن الجُرَيْرِىِّ، عن رجلٍ، قال : قلتُ لمعاذٍ بنِ جبلٍ: إنى أُحِبُّك فى اللهِ ، أو أُحِبُك للهِ . فقال لى : انْظُرْ ما تَقولُ . قالها ثلاثَ مراتٍ، ثم قال : إنى سمِعْتُ رسولَ اللهِ وَلَّ يقولُ: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الذين يَتَحَابُون فى اللهِ، وَيُحِبُّ الذين يَتَقاعَدُون فيه، ويُحِبُّ الذين يتَاذَلُون فيه، ويُحِبُّ الذين يَتَزاوَرُون فيه، ويُحِبُّ الذين يَتَجَاوَرُون فيه))(١). قال أبو عمرَ: قولُه: بَرَّاقُ الثَّنايا. أىْ: أبيضُ الثّنايا() . وقد مضَی فی بابٍ أبى طُوالةَ فى المُتَحابِّين فى اللهِ ما فيه كفايةٌ(١) . والحمدُ للهِ . القبس = الكمال ٢٩١/٣٤، ٢٩٢ من طريق هشام به، وأخرجه مسلم (١٠٨/١٠٤٣)، والبزار (٢٧٦٤)، والنسائى (٤٥٩) من طريق سعيد بن عبد العزيز به . (١) أخرجه البيهقى فى الشعب (٨٩٩٥) من طريق مسدد به . (٢) بعده فى ص ١٧: ((حسن الشعر)). وصوابها: حسن الثغر. (٣) ينظر ما تقدم ص ٦٩٨ - ٧١١ . ٧٤١ ١٨٤٧ - مالكٌ، أنه بلغه عن عبدِ الله بن عباس أنه كان يقول: الموطأ القصدُ والتُّؤَدةُ وحُسنُ السَّمْتِ جزءٌ من خمسةٍ وعشرينَ جزءًا من الثُّؤَّةِ . ولقد أحسن أبو العتاهيةِ رحمه اللهُ فى قولِه (١): التمهيد من لم یکنْ فی اللهِ يَمْتَحُك الهَوَى مزَجِ الهَوَى بِمَلالةٍ وثِقالٍ مالكٌ، أنه بلَغه عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ أنه كان يقولُ: القصْدُ والتَّدَةُ الاستذکار وحُسنُ السَّمْتُِ جزءٌ من خمسةٍ وعشرين جزءًا من النبؤَّةِ " . قال أبو عمرَ : القصْدُ ههنا الاقتصادُ فى النفَقَّةِ ، وفى معناه جاء الحديثُ : ((ما عالَ مَن اقتصَد))(٤). وأما التؤدَةُ فالتأنّى والاستثباتُ فى الأمرِ. وأما مُحُسنُ السَّمْتِ فالوقارُ والحياءُ، وسلوكُ طريقةِ الفُضلاءِ. وقد رُوِى حديثُ ابنِ عباس هذا مستَدًا مرفوعًا إلى النبيِّ وَ ه . حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال: حدَّثنى قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: جدَّثنى مُضَرُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنى أبو خَيْثمةَ(٢) مُصعبُ بنُ سعيدٍ (١) وسعيدُ القبس (١) ديوان أبى العتاهية ص ٢٨٨. (٢) فى هـ: ((الصمت)). (٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١١/١٨ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٠٠٨). (٤) أخرجه أحمد ٣٠٢/٧ (٤٢٦٩)، والشاشى (٧١٤)، والطبرانى (١٠١١٨) من حديث ابن مسعود. (٥) فى هـ: (خثيمة). (٦) فى ط: (سعد))، وفى م: ((يزيد)). وينظر الجرح التعديل ٣٠٩/٨. ٧٤٢ الموطأ ابنُّ جعفرِ الثقفىُّ، قالا: حدَّثنی زهيرٌ، عن قابوسَ بنِ أبى ◌َبْيانَ ، عن أبيه، عن الاستذكار ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((السَّمْتُ الصالحُ، والهَدئُ الصالح، والاقتصادُ، جزءً من خمسةٍ وعشرين جزءًا من النبوّةِ)) ". قال أبو عمرَ : رواه عبدُ الملكِ بنُ حسینٍ النخعىُّ ، عن قابوس بن أبى ظَئِيانَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ بَّهِ، فقال فيه: ((جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبؤَّةِ)). والصوابُ فيه ما قاله زهيرُ بنُ معاويةَ. واللهُ أعلمُ . وكان زهيرٌ حافظًا ، وليس عبدُ الملكِ بنُ حسينٍ بمشهورٍ بحملِ العلمِ . حدَّثنی عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ یحیی، قال : حدّثنی محمدُ بنُ بکرِ بنِ داسَةً، قال: حدَّثنى أبو داود ، قال: حدَّثنى النُّفيلىُّ، قال: حدَّثنى زهيرٌ، قال: حدَّثنى قابوسُ بنُّ أبِى ظَبْيانَ، أن أباه حدَّثه، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ، أن نبيَّ اللهِ وَ لّ قال: ((إن الهَدْىَ الصالحَ، والسَّمْتَ الصالحَ، والاقتصادَ، جزءٌ من خمسةٍ وعشرين جزءًا من النبوّةِ)) (١) .. " وروَى عبدُ الجبارِ بنُ سعيدِ المُساحقُّ، قال : سمِعتُ مالكَ بنَ أنسٍ يقولُ: قال ابنُ عباسٍٍ: حُسنُ السَّمْتِ ، والتُّؤَدَةُ، ونقاءُ الثوبِ، وإظهارُ. المروءةِ، ومحُسنُ الهيئةِ ، جزء من بضعةٍ وأربعين جزءًا من النبوّةِ . قال أبو عمرَ: والصوابُ فى هذا عن مالكٍ ما فى ((الموطأ)). القبس (١) أخرجه أحمد ٤٣١/٤ - ٤٣٣ (٢٦٩٨، ٢٦٩٩)، والبخارى فى الأدب المفرد (٧٩١) من طريق زهير به . (٢) أبو داود (٤٧٧٦) - ومن طريقه الخطيب فى الجامع (٢٠٧). (٣ - ٣) سقط من: ح، هـ . ٧٤٣ الموطأ ما جاء فى الُّؤيا التمهيد القبس بابُ الُؤْيا هو فصلٌ كبيرٌ مِن الحقائقِ، وأمرٌّ مُشْكِلٌ على الخلائقِ، وهو ما يَراه النائمُ فى منامِه، تقولُ : رأيتُ رُؤْيةً . إذا عاينتَ ببصرِك، ورأيتُ رأيًا. إذا اعتقدتَ فى قلبِك شيئًا، ورأيتُ رُؤْيا. إذا رأيتَ شيئًا فى منامِك، وقد تُسْتعمَلُ الرُّؤْيا مصدرًا فى اليَقَظةِ، كما قال الرّاعى(١) : وبَشَّرَ نَفْسًا كان قبلُ يَلُومُها و گتَرَ للژُؤْیا فهشّ() فؤادُه والأبياتُ قبلَه تَدُلُّ على أنها رؤيةُ اليَقَظةِ ، واختلف الناسُ فيها؛ فمنهم مَن أَفْرَط، ومنهم مَن فَرَّط، ومنهم مَن اسْتَوى واقتصر، وقد بيًّّا ذلك فى ((شرحٍ المُشْكِلَينِ))، و((مَحاسنِ الإحسانِ)) على الاستِيفاءِ والاسْتِيعابِ، فليُنْظَرْ هنالكَ، ويَكْفِى الآنَ على هذا الاسْتِعجالِ أن صالحًا المُعْتَزِلِىُّ " قال: إن رُؤْيةَ المنامِ مِن رُؤْيةِ العينِ. وقال آخرُ: هى رؤيةٌ بعينَين فى القلبِ يُتْصِرُ بهما، وأَذُنِينٍ فى القلبِ يسمَعُ بهما. وقالت المعتزلةُ: هى تَخائِلٌ لا حقيقةَ لها، ولا دليلَ فيها . وقال علماؤنا: هى حَقِّ وبُشْرَى ودليلٌ مِن اللهِ تعالى، أنَّفَقَت عليها الأممُ مِن العربِ والعَجَمِ، وُجِدَتِ حقيقةٌ، وأُدرِكَت بالتجربةِ، والمعتزلةُ فى إنكارِها جاريةٌ على أصلِها فى التَّخَيُّلِ على العامةِ، بإنكارِ كلِّ ما قدَّره الشَّرْعُ (١) ديوانه ص ٢٢٣ . (٢) فى ج: ((وهش))، وفى م، والديوان: ((وهاش)). وهاش بمعنى هش. اللسان (هـ ش ش). (٣) هو صالح قبة ، من الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة ، وهو تلميذ النظام . ينظر فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص ٢٨١، والفصل ١٩/٥. ٧٤٤ الموطأ التمهيد مِن أصلٍ؛ كإنكارِ الجِنِّ وأحاديثها، والملائكةِ وكلامِها، وأن جبريلَ لو كلَّم القبس محمدًا بصوتٍ كصَلْصَلةِ الجَرَسِ، لسَمِعه الحاضِرون، فهم يُنْكِرون حقائقَ النُّجُوَّةِ ، فكيف دقائقُ الرُّؤْيا؟ وأما علماؤُنا بعدَ أن قالوا : إنها حقٌّ. فاختلفوا فى تفسيرِها على ثلاثة أقوالٍ ؛ قال القاضى ) : هى خواطِرُ واْتِقاداتٌ. وقال الأستاذُ أبو بكرٍ: هى أوهام. وذلك قريبٌ مِن الأولِ . وقال الأستاذُ أبو إسحاقَ(١) : هو إدراكٌ بأجزاءٍ لم تَحُلْها آفةُ النومِ . قال القاضى : إذا وجَدها النائمُ ، فلا يَخْلو أن تُهْمَلَ كما قالت المعتزلةُ، أو تُضَافَ إلى النائمِ ، أو إلى الشيطانِ ، أو إلى البارئُّ تعالى ، فإهمالُها باطلٌ ؛ لاسْتِحالةِ محُدُوثٍ الشىءٍ بنفسِه، ويَشْتحِيلُ أن تُضافَ إلى النائم؛ لاسْتِحالةٍ أن يَخْلُقَ أو يَكْتسِبَ، ويستحيلُ أن تُضافَ إلى الشيطانِ أو إلى المَلَكِ؛ لِما ثبَت مِن الدليلِ أنه لا يفعَلُ أحدٌ فى غيرِهِ شيئًا إلا اللهُ تعالى، فدَلَّ على أن البارئَّ سبحانَه يَخْلُقُ تلك الاعتقاداتِ فى قلبِه، ولمَّا خرجت عن أُصُولِ المعتزلةِ غمْغَمَتْ(٢) فى إنكارِها، فصَدَّقَتها(*) آياتُ القرآنِ وأحاديثُ النبيِِّ نَّرَ. هذا مُنْتَهَى تحقيقِ القاضى. وأما الأستاذُ ، فقال: إن الإنسانَ إذا رأى وهو فى المَغْرِبِ شَخْصًا بالمَشْرقِ، أو رأى نفسَه عارِجًا إلى العُلُوٌّ، (١) هو القاضى أبو بكر بن الباقلانى. وتقدمت ترجمته فى ٢٥/١٨ . (٢) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران أبو إسحاق الإسفرايينى، الأصولى الشافعى ، الملقب بركن الدين، صاحب التصانيف، توفى سنة ثمانى عشرة وأربعمائة. سير أعلام النبلاء ١٧ / ٣٥٣، وطبقات الشافعية للسبکی ٢٥٦/٤ . (٣) فى م: ((عممت)). وغمغمت: من الغمغمة والتغمغم؛ وهو الكلام الذى لا يبين . وقيل: هما أصوات الثيران عند الذعر، وأصوات الأبطال فى الوغى عند القتال. اللسان (غ م م). (٤) فى د: ((فصدمتها)). ٧٤٥ الموطأ التمهيد القبس فهى أمثلةٌ خلَق اللهُ تعالى لها إدراكًا فى جزْءٍ لم تَحُلْه آفةٌ ، جعله اللهُ علامةٌ على مَعَانىَ ؛ ولذلك لا يَرى فى منامِه إلا ما يَصِحُ تقديرُه، ولا يرَى فى المنامِ مُحَالًا ، فإذا رأى الله تعالى، أو رأى النبيَّ وَِّ، فهى أمثلةٌ تضرَبُ (١) له بمِقْدارِ حالِه، فإن كان مُؤَحَّدًا رَآه حَسَنًا، وإن كان مُلْحِدًا رَآه قَبِيحًا. وهو أحدُ التأويلَين فى قولِهِ وَلِلّه: (أيتُ رِّى فى أحسنٍ صُورةٍ) (١). ولقد قال لى يومًا بعضُ الأمراءِ - وكان مُتَحامِلًا على الرعيَّةِ -: كنتُ أُرَى البارحةَ النبيَّ وَ لِّ فى المنامِ فى صورةٍ أسود، كأشَدِّ ما يكونُ مِن السَّوادِ . فقلتُ له : ظُلْمُك للخَلْقِ وَتَغْيِيُك للدينِ؛ قال النبيُّ وَِّ: «الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ))(٣). فالتَّغْبِيرُ فيك لا فيه . وكان بالحَضْرةِ كاتبُه وصِهْرُه وَلَّدُه ؛ فأما الكاتبُ فماتَ ، وأما صاحِباه فتَتَعَّراً)، وأما هو فكان مُسْتِدًا فجلس على نفسِه، وجعَل يعتذِرُ، وكان آخِرَ كلامِه: وَدِدْتُ أن أكونَ حشيمًا بمِخْلاةٍ(٢) أعيشُ فى النَّغْرِ. قلتُ له: وما ينفعُك أنْ أَقْبَلَ أَنا عُذْرَك؟! وخرَجتُ ، فواللهِ ما توقَّفَتْ لى حاجةٌ عندَه، وقد يَنْتُ فى غيرِ ما كتابٍ أن الذى أَرْتضِيه كلامُ الأستاذِ أبى إسحاقَ . إذا ثبت هذا عُدْنا إلى الوُّؤْيا، فقلنا: ثبت عن النبيِّ وَلا ير أنه قال: ((الرؤيا ثلاثٌ؛ فالرؤيا الصالحةُ بُشْرَى مِن اللهِ تعالى، ورُؤْيا تَحْزِينٌ مِن الشيطانِ ، ورُؤْيا (١) فى ج، م: ((تصرف)). (٢) تقدم تخريجه فى ٣١٦/٧ - ٣١٨. (٣) تقدم تخريجه ص ٤٠٠ . (٤) تنتَّر: أى تمدد فى الصوت عند الوعيد وتشبه بالنمر. القاموس المحيط (ن مر). (٥) حشمة الرجل وحشمه وأحشامه . خاصته الذين يغضبون له من أهل وعبيد أو جيرة إذا أصابه أمر، وحشم الرجل: خدمه. والمخلاة: ما يوضع فيه الخلى، وهو الحشيش الذى يحتش من بقول الربيع، وبه سميت المخلاة، والثغر: کل فرجة فی جبل، أُو : هو موضع المخافة من أطراف البلاد . التاج (حے شم)، واللسان (خ ل ی ، ث غر). ٧٤٦ الموطأ ١٨٤٨ - مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةً الأنصارىِّ، عن أنس بن مالكٍ، أن رسولَ اللهِ وَخلاله قال: ((الُّؤيا الحسنةُ من الرجلِ الصالحِ جزءٌ من سنَّةٍ وأربعينَ جزءًا من النُّوَّةِ ». مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةً، عن أنسٍِ بنِ مالكِ ، أنَّ التمهيد رسولَ اللهِ وَ لّه قال: ((الرُّؤيا الحسنةُ من الرجلِ الصالح جزءً من سنَّةٍ وأربعين جزءًا من النبوةٍ )) (١). القبس يُحَدِّثُ بها المرءُ نفسَه)) ) . وزادَ ابنُّ المُسيَّبِ: ((أضغاتُ أحلام)). وبَلَّغَها بعضُهم سبعةً أصنافٍ، وقد بَيْنَّا تَفْصيلَها وكيفيتَها فى موضعِه، وأن المُعَوَّلَ علیھا الرُّؤْیا الصالحةُ، وأن الرُّؤْيا المُحَزِّنَةَ تَدْفَعُها الاستعاذةُ منها، والتَّفْلُ عليها، والوضوءُ، والصلاةُ، على ما ورَد فىٍ صحيحِ الخبرِ، وقد قال مالكٌ: إن خالدَ بنَ الوليدِ قال لرسولِ اللهِ وَله: إنى أَرَوَُّ فى مَنامى. فقال له: ((قُلْ: أعوذُ بكلماتِ اللهِ التامَّاتِ)) . الحديث. فبيَّن رَّ ما يدفَعُ ضَرَرَ الرُّؤْيا السيئةِ قبلَ وجودِها، وما يدفعُها بعدَ وجودِها ، ومَن استعاذَ باللهِ فقد استعاذَ بعظيم، ومَن تَحصَّنَ بكلماتِه التى لا تنفّذُ ، التَّامَّةِ التى لا يَتطرّقُ إليها نُقصانٌ، فما أبقَى بعدَ ذلك؟ وقولُهُ فيها: ((التَّامَّاتِ)). كقوله: (قُلْ رَبِّ احْكُمْ بالحقِّ) . وليس هنالك (١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٠٠٩). وأخرجه البخارى (٦٩٨٣)، وابن ماجه (٣٨٩٣)، والنسائى فى الكبرى (٧٦٢٤) من طريق مالك به . (٢) سيأتى تخريجه ص ٧٥٨، ٧٥٩ . (٣) فى د: ((الثفل)). (٤) بعده فى م: ((من شر ما خلق)). والحديث تقدم فى الموطأ (١٨٣٩) . (٥) من الآية (١١٢) سورة ((الأنبياء))، وقراءة (قل). قرأ بها نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم فى رواية شعبة وحمزة والكسائى وأبو جعفر ويعقوب وخلف، وقرأ حفص عن عاصم: ﴿قال﴾. ينظر النشر ٢٤٤/٢. ٧٤٧ الموطأ قال أبو عمرَ : هذا حديثٌ لا يُختَلَفُ فى صخَّتِهِ، ورُوِى أيضًا من وُجوهٍ التمهيد كثيرةٍ عن جماعةٍ من الصحابةِ، عن النبيِّ وَلَّ، بألفاظٍ مختلفةٍ ، فمن ذلك ما (١) رواه شعبةُ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَّرَ، كما رواه مالكٌ(٢). القبس باطلٌ، ولكنَّه تَكْميلٌ للوَصْفِ وتَحْقيقٌ للخَّبْرِ . تَتْمِيمٌ : قال مالكٌ فى الحديثِ فى تَجْزئةِ الُؤْيا: (( جُزْءٌ مِن ستةٍ وأربعينَ مجُزْءًا مِن النُّبُوةٍ)) . وقد اختلفت فى ذلك الآثارُ حتى بلغت إلى سبعينَ، وقيل: خمسٌ وأربعون . ويستّ وأربعونَ. وخمسون(٢). وسبعونَ(٤). قال علماؤنا: فى ذلك تأويلاتٌ؛ منها أن هذه الرّؤْيا المُنْقسمةَ على هذه الأجزاءِ أنها رُؤْيا دون (٥) النُّبُوةِ، لا أنها نفسُ النُّبُوةِ ، واختلافُ الأعدادِ فيها ؛ لأنها مُعِلت بِشاراتٍ ، فَأَعْطَى مِن فضلِه جزءًا مِن سبعينَ مُجُزْءًا فى الابتداءِ، ثم زاد مِن فضلِه حتى بلغت خِمسًا وأربعينَ. وانتهى بعضُهم إلى أن يقولَ: إِن مُدَّةَ النبيِّ وَّ كانت ثلاثًا وعشرينَ سنةً ، وإن ستةً أشهرٍ منها كان يُوحَى إليه فى المنامِ . وهذا يَفْتقِرُ إلى نَقْلٍ صحيحٍ ، ولو ثبت بالتّقْلِ ما أفادَنا شيئًا فِى غَرَضِنا، ولا صَّ حَمْلُ اللفظِ عليه، وأصَحُ ما فى ذلك تأويلُ الطبرئِّ عالمِ القرآنِ والسَُّّةِ ، قال : نِشبةُ هذه الأعدادِ إلى النُّوَّةِ إنما هو بحَسَبِ اختلافٍ حالٍ الرَّائى، فتكونُ رُؤْيا الصالح على نِشبته، والمخطوطِ عن درجته على دونها. وهذا تأويلٌ مجملِيٍّ؛ فأمَّا بتحقيقِ الأجزاءِ وكيفيّةِ القِشْمةِ ، فلا يُمكِنُ ذلك أبدًا ، وتَكْفِی هذه الجملةُ حتى تَقِفوا على التَّمَامِ فى (( شرحِ الحديثِ)). (١) فى م: ((حديث أنس عن النبى عليه السلام كما)). (٢) أخرجه أحمد ٢٦٥/٢٠ (١٢٩٣١)، ومسلم (٢٢٦٤)، والبيهقى فى الشعب (٤٧٥٤) من طريق شعبة به . (٣) فى د، م: (( خمس)). (٤) سيأتى تخريجه ض ٧٥١، ٧٥٢ . (٥) فى ج، م: ((ذى)). ٧٤٨ الموطأ وقد رُوِى عن أنسٍ، عن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ، عن النبيِّ ◌َّةِ . رواه شعبةُ ، التمهيد عن قتادةً، عن أنسٍ، عن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ، أنَّ رسولَ اللهِ وٍَّ قال: ((رُؤُیا المؤمنِ جزءٌ من ستّةٍ وأربعين جزءًا من النبوةٍ)) (١). وكذلك رواه أبو هريرةَ، عن النبيِّ عليه السَّلامُ، من حديثٍ سعيدِ بنِ المسئَّبِ (٢)، وأبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، وأبى صالح السَّمَّانِ ، وعبد الرحمنِ الأعرج، ومحمد بن سيرينَ، عن أبى هريرةً . وكذلكَ رواه عبدُ اللهِ بنُّ عمرو بنِ العاصِى ، عن النبىّ عليه السلامُ ، من حديثٍ ابنٍ وهب، عن عمرو بن الحارثِ، عن دَرَّاجِ أبى السَّمْحِ، عن ٠(٧) عبد الرحمن بنٍ مُجُبَيْرٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصِى . القبس (١) أخرجه أحمد ٣٧٠/٣٧ (٢٢٦٩٧)، والبخارى (٦٩٨٧)، ومسلم (٢٢٦٤)، وأبو داود (٥٠١٨)، والترمذى (٢٢٧١)، والنسائى فى الكبرى (٧٦٢٥) من طريق شعبة به . (٢) أخرجه أحمد ١٠٧/١٢ (٧١٨٣)، والبخارى (٦٩٨٨)، ومسلم (٨/٢٢٦٣)، وابن ماجه (٣٨٩٤) من طريق سعيد بن المسيب به . (٣) أخرجه أحمد ٤١٦/١٤ (٨٨١٩)، ومسلم (٢٢٦٣)، والنسائى فى الكبرى (١٠٧٤٠)، والطحاوى فى شرح المشكل (٢١٧٧) من طريق أبى سلمة به . (٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٥١/١١، وأحمد ٢٦٩/١٦ (١٠٤٣٠)، ومسلم (٢٢٦٣) من طريق أبی صالح به . (٥) سيأتى فى الموطأ (١٨٤٩). (٦) سيأتى تخريجه ص ٧٥٨، ٧٥٩ . (٧) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٢٢٣/١٢، والبيهقى فى الشعب (٤٧٦٤) من طريق ابن وهب به . ٧٤٩ الموطأ التمهيد وأخطأ فيه رِشْدِينُ بنُ سَعْدٍ، فرَواه عن عمرو بن الحارثِ، عن دَرَّاجِ بإسنادِه، فقال فيه: ((جزءٌ من تسعةٍ وأربعين جزءًا من النبوةِ)) (١). ورواه أبو سعيد الخُدْرِىُّ، عن النبيِّ وَله، فقال فيه: ((جزءٌ مِن خمسةٍ وأربعين جزءًا من النبوةٍ)). من حديثِ الليثِ بنِ سعدٍ ، عن يزيدَ بنِ الهادِی، عن عبدِ اللهِ بنِ خبَابٍ، عن أبى سعيد الخدرىِّ(٢). و کذلك رواه ابنُ جریج، عن ابن أبی حسینٍ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ وَ لَّه قال: «الرُّؤيا الصَّالحةُ جزءٌ مِن خمسة وأربعين جزءًا من (٣) النبوةٍ))(١). وقد رُوِىَ من حديثٍ عُبادةً، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((الرُّؤيا الصالحةُ جزءٌ من أربعةٍ وأربعين جزءًا من النبوةِ )) . بإسنادٍ فيه لِينَ. وقد حدَّثنا خلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ أبى العَقبِ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ الدِّمشقِىُّ، قال: حدثنا أحمدُ بنُّ خالدِ الوَهْبىُ(٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ إسحاقَ، عن عبد الرحمنِ بنِ هُرمزَ الأعرجِ، عن سليمانَ(٥) بنِ عَريبٍ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: «رُؤيا الرجلِ الصالحِ بُشْرَى القبس (١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٢١٨/١٢ عن رشدين به. (٢) أخرجه البخارى (٦٩٨٩) من طريق يزيد به بلفظ: ((ستة وأربعين)). (٣) أخرجه أبو يعلى (٢٣٦١) من طريق ابن جريج بلفظ: ((ستة وأربعين)). (٤) فى ق: ((الدهبى))، وفى م: ((الذهبى)). وينظر تهذيب الكمال ٢٩٩/١. (٥) فى النسخ هنا وفى الموضع التالى: ((سلمان)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر التاريخ الكبير ٤/ ٣٠. ٧٥٠ الموطأ من اللهِ، جزء من سنَّةٍ وأربعين جزءًا من النبوةِ)) . قال سليمانُ: فحدَّثْتُ به ابنَ التمهيد عباسٍ فقال: ((من خمسين جزءًا من النبوةٍ)). فقُلتُ: إِنِّى سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: إِنَّه سمِع رسولَ اللهِ وَله يقولُ: ((جزءٌ من سنَّةٍ وأربعين جزءًا من النبوةٍ)). فقال ابنُ عباس: سمِعْتُ العباسَ بنَ عبد المطلبِ قال: قال رسولُ اللهِ وَله: «الرؤيا الصالحةُ من المؤمنِ جزءً من خمسين جزءًا من النبوَّةٍ))(١). وقد حدَّث أبو سَلَمَةَ هذا الحديثَ عمرَ بنَ عبدِ العَزِيزِ، فقال عمرُ: لو كانت جزءًا من عَددِ الحصا لرأيتُها صِدقًا . وقد رُوِى عن النبيِّ وَ لِّ أَنَّه قال: ((الرؤيا الصالحةُ جزء من سبعين جزءًا من النبوةٍ)). من حديثٍ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن النبيِّ بَلَلِـ رَوَاهُ عُبيدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وابنُ مُجريجٍ، وعبدُ العزيزِ بنُ أبِى رَؤَادٍ(١)، عن نافعٍ، عن ابنٍ عِمرَ، عن النبىّ ◌َ الدِ . حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ ، قال: حدَّثنا ◌ُبیدُ اللهِ بنُ عمرَ ، عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: قال رسولُ الله ◌َالآن: ((الُؤْیا القبس (١) أخرجه البخارى فى تاريخه ٧/ ٢، والبزار (٢١٢٤ - كشف)، والطحاوى فى شرح المشكل (٢١٧٦) من طريق محمد بن إسحاق به . :(٢) أخرجه أحمد ١١٨/٩ (٥١٠٤)، والخطيب ١٨٩/٥ من طريق عبد العزيز به. ٧٥١ الموطأ التمهيد الصالحةُ جزءٌ من سبعين جزءًا من النبوةِ )) . وهذا حديث صحيح الإسنادِ ، لا يُخْتَلَفُ فی صحّته، وقد رُوِی عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ ◌َلِّ مثلُه . حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ ابنُّ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال : حدَّثنا أسودُ بنُ عامٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن سِماكِ بنِ حَربٍ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ، قال: رُؤْيا المسلِم جزءٌ من سبعين جزءًا (٢) من النبوةٍ(٢). ٠ وروَى عاصمُ بنُ كُلَيبٍ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ ◌َّيَّ .(٣) مثلَهُ(٢) . قال أبو عمرَ : حديثُ أنسٍ بنِ مالكٍ ، أخبرناه عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسَدٍ ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ محمدِ بنِ العَلاءِ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ المثنَّى بن القبس (١) ابن أبى شيبة ٥٢/١١ - وعنه مسلم (٢٢٦٥) - وأخرجه ابن ماجه (٣٨٩٧) من طريق أبى أسامة به، وأخرجه أحمد ٣٠٦/٨ (٤٦٧٨)، والنسائى فى الكبرى (٧٦٢٦)، والطحاوى فى شرح المشكل (٢١٧٠)، والبيهقى فى الدلائل ٩/٧ من طريق عبيد الله به . (٢) أخرجه أحمد ٧١/٥ (٢٨٩٤)، والبزار (٢١٢٣ - كشف)، وأبو يعلى (٢٥٩٨)، والطحاوى فى شرح المشكل (٢١٦٩) من طريق إسرائيل به . (٣) أخرجه أحمد ٨٧/١٢ (٧١٦٨) من طريق عاصم به . ٧٥٢ . الموطأ دُجانَةً ، قال: حدَّثنا عَقَّانُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُّ المختارِ ، التمهيد قال: حدَّثنا ثابتٌ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((من رآنى فى المنامِ فقد رَآنى؛ فإِنَّ الشيطانَ لا يَتَمَثَّلُ بِى، ورُؤيا المؤمنِ جزءٌ من سِتَّةٍ وعشرينَ مُجُزْءًا من النُُّوَّةِ))(١). ٢ هكذا فى حديث أنسٍ هذا - وهو حسنُ الإسنادِ -: ((جزءٌ مِن سِتَّةٍ وعشرين جزءًا)). ورواه أبو رَزِينِ العُقَيلىُ، فقال فيه: ((جزءٌ من أربعين ٢) جزءًا))٢). حدَّثناه عبدُ اللهِ، قال: حدَّثنا بكر، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُّ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عقَّانُ، قال: حدَّثنا حقَادٌ، قال: أخبرنا يَعلَى بنُ عطاءٍ، عن وكيعٍ ابنِ عُدُسٍ، عن عمِّه أبى رَزِينِ العُقَيلىّ، أنَّ النبيَّ ◌َ قال: ((الرُّؤيا بجزءٌ من أربعين جزءًا من النبوةِ ، والرُّؤْيا مُعلَّقةٌ برجلٍ طائرٍ، ما لم يُحدِّثْ بها صاحبُها، فإذا حدَّث بها وقَعت، فلا تُحدِّثوا بها إِلَّ عاقلًا، أو مُحِبًّا، أو (٣) ناصحًا))(٢). القبس (١) أخرجه أحمد ٣٣٩/٢١ (١٣٨٤٩)، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٣٣٠، والبغوى فى شرح السنة (٣٢٨٦) من طريق عفان به، وأخرجه البخارى (٦٩٩٤) من طريق عبد العزيز به كلهم بلفظ ((ستة وأربعين)). وينظر فتح البارى ٣٦٣/١٢. (٢ - ٢) سقط من : ق . (٣) أخرجه أحمد ١٠٢/٢٦ (١٦١٨٣) من طريق حماد به، وأخرجه ابن أبى شيبة ١١/ ٥٠،= ٧٥٣ ( موسوعة شروح الموطأ ٤٨/٢٢ ) الموطأ التمهيد قال أبو عمر : اختلافُ آثارٍ هذا البابِ فى عددِ أجزاءٍ الرؤيا من النبوةِ ، ليس ذلك عندى باخْتِلافٍ تَضَادٍّ وتَدافُع، واللهُ أعلمُ ؛ لأنَّ يحتمِلُ أن تكونَ الُؤْیا الصَّالحةُ من بعضٍ مَن يراها، على سنَّةٍ وأربعين جزءًا، أو خمسةٍ وأربعين جزءًا، أو أربعةٍ وأربعين جزءًا، أو خمسين جزءًا، أو سبعين جزءًا ، على حسبٍ ما يكونُ الذى تراها من صدق الحديث، وأداء الأمانة ، والدِّينِ المتينِ ، ومُسنٍ اليقينِ، فعلى قَدْرِ اختلافِ الناسِ فيما وصَفْنا تكونُ الرُّؤيا بينَهم(١) على الأجزاءِ المختلفةِ العددِ ، واللهُ أعلمُ ؛ فمن خَلُصَت له نِئْتُه فى عبادةِ ربِّه ويَقِينِه وصدقٍ حديثه، كانت رُؤياه أصدَقَ، وإلى النبوةِ أَقْرَبَ، كما أنَّ الأنبياءَ يتفاضلُون، والنبوةُ كذلك، واللهُ أعلمُ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْعَنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حكم ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال : حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسّانَ الأنماطئُ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمَّارٍ، قال : حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عُثمانَ ، عن الحكمِ بنِ عُتَبةَ، عن مِقْسَم، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((كان من الأنبياءِ من يسمُ الصَّوتَ فیکونُ بهِ نِيًّا ، و کان منهم من یری فی المنامِ فیکونُ بذلك نِيًّا ، القبس = وأحمد ١١١/٢٦، ١١٥، ١١٦، ١٢٠ (١٦١٩١، ١٦١٩٥، ١٦١٩٧، ١٦٢٠٥)، والترمذى (٢٢٧٨)، وابن ماجه (٣٩١٤)، من طريق يعلى بن عطاء به. (١) فى الأصل، م: (( منهم )). ٧٥٤ الموطأ وكان منهم مَن يُنفَثُ(١) فى أَذْنِهِ وقلبِهِ فيكونُ بذلك نِيئًا، وإنَّ جبرِيلَ يأتينى التمهيد فيُكَلِّمُنى كما يُكلِّمُ أحدُكم صاحبه))(٢). قال أبو عمرَ: هذا على أنَّه يُكلِّمُه(٣) جبريلُ كثيرًا بالوحى فى الأغلَبِ من أمرِهِ، وقد قال بَلِّ: ((إِنَّ رُوعَ القُدُسِ نفَث فى رُوعِى(٤) أنَّه لن تموت نفسٌ حتى تَستكمِلَ رزقَها ، فاتَّقُوا اللهَ وأجمِلوا فى الطَّلَبِ ؛ خُذوا ما حلَّ، ودَعُوا ما حُرُّم))(٢). وفى حديثٍ عائشةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَ قِيلَ له: كيفَ يَأْتِيكَ الوحى؟ قال: ((يأتِينى الوحىُ أحيانًا فى مِثلِ صَلصلةِ الجَرَسِ، " وهو أشدُّه على) ، فیقْصِمُ عِی وقد وعَيْتُ ما قال))() . وقد كان يتراءى له جبريلُ من السحابِ ، وكان أولَ ما ابتدئَّ من النبوةِ أنه كان يرى الرُّؤيا فتأْتِى كأَنَّها فَلَقُ الصَّبحِ، وربما جاءه جبريلُ فى صِفَةِ إنسانٍ حسنٍ الصورةِ ، فيكلِّمُه، وربما اشتدّ عليه حتى يغِطَّ غطِيطَ البَكْرِ (٨)، ويئِنَّ ويَحمَرَّ وجهُه، إلى ضُروبٍ كثيرةٍ القبس (١) ينفث : أى: يوحى ويلقى، من النفث بالفم، وهو شبيه بالنفخ. النهاية ٨٨/٥. (٢) أخرجه ابن عدى ٩٠٩/٣ من طريق خالد به . (٣) فى ق: (( يكلم )) . (٤) روعى: بضم الراء ، أى: فى نفسى وخلدى . النهاية ٢٧٧/٢. (٥) تقدم تخريجه فى ٦٦٤/٢١ - ٦٦٦ . (٦ - ٦) ليس فى : الأصل ، ق . (٧) تقدم فى الموطأ (٤٧٧) . (٨) الغطيط: هو الصوت الخارج من نفس النائم، وهو ترديده حيث لا يجد مساغًا، والبكر : هو الفتى من الإبل، ويستعار للناس . ينظر التاج ( ب ك ر ، غ ط ط ). ٧٥٥ الموطأ التمهيد يَطولُ ذِكرُها . وقد يَحتمِلُ أن تكونَ الوُؤيا جزءًا مِن النبوةِ ؛ لأنَّ فيها ما يُعجِزُ ويَمتنِعُ ، كالطيرانِ وقلبٍ الأعيانِ، ولها التّأويلُ الحسنُ، وربما أغنَى بعضُها عن التأويل . وجملةُ القولِ فى هذا البابِ أنَّ الرُّؤيا الصَّادقةً من اللهِ ، وأَنَّها من النبوةِ ، وأَنَّ التصديقَ بها حقٍّ ، وفيها من بديع حِكْمةِ اللهِ ولُطفِه ما يَزِيدُ المؤمنَ فى إيمانِه . ولا أعلمُ بينَ أهلِ الدِّينِ والحقِّ ، من أهلِ الرَّأي والأثرِ، خلافًا فيما وصَفْتُ لك، ولا يُنكِرُ الرُّؤْيا إلَّا أهلُ الإلحادِ ، وشِرذِمةٌ مِن المعتزلةِ . وأمّا قولُه ◌َِّ فى الحديثِ: ((الرُّؤْيا الصالحةُ من الرجلِ الصالحِ)). وربما جاء فى الحديثِ: ((الُؤْيا الصَّالحةُ)). فقط، وربما جاء فى الحديثِ أيضًا: ((رُؤْيا المسلم)). فقط، و: ((رُؤيا المؤمنِ)). فقط، وربما جاء: (( يراها الرجلُ الصالحُ، أو تُرَى له )). يعنى من صالحٍ وغيرٍ صالحٍ، وهى ألفاظُ المحدِّثين. واللهُ أعلمُ بها. والمعنَى عندى فى ذلك على نحوٍ ما ظهَر إلىَّ فى الأجزاءِ المختلفةِ من النبوةِ ، والرؤيا إذا لم تكنْ مِن الأضغاثِ والأهاوِيلٍ(١) فهى الرُّؤيا الصَّادقةُ (١) ، وقد تكونُ الرؤيا الصادقةُ من الكافرٍ ، ومن الفاسقِ ؛ كرؤيا الملِكِ التى فشَرها يوسفُ صلى اللَّهُ عليه، القبس (١ - ١) سقط من: م . (٢) الأهاويل: جمع هول ، وهو الخوف والأمر الشديد. النهاية ٢٨٣/٥ . (٣) فى ق: ((الصالحة)). ٧٥٦ الموطأ ورؤیا الفتیینِ فی السّجنِ ، ورُؤیا ◌ُختنصّر التی فسرها دانیالُ فى ذهابٍ مُلكِه، وژُؤيا التمهيد كِشْرَى فى ظُهورِ النبيِّ وَِّ، وَرُؤيا عاتِكَةَ عمَّةِ رسولِ اللهِ وَ لَهُ فِى أمرِ النبيِّ وَلِهِ، ومثلُ هذا كثيرٌ، وقد قسَم رسولُ اللهِ بَِّ الرُّؤيا أقسامًا تُغنِى عن قولِ كُلِّ قائلٍ. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ محمدٍ بنِ يزيدَ الحلَبِىُّ(١) القاضى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفَرِ بنِ يحيى بنِ رَزينٍ بحِمْصَ، قال : حدَّثنا هشامُ بنُ عمَّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا تَزِيدُ بنُ عَبِيدةَ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ مِشْكم، عن عوفٍ بنِ مالكِ، عن رسولِ اللهِ وَّ قال: ((الرُّؤيا ثلاثةٌ؛ منها أهاويلُ الشيطانِ، لِيَحِزُنَ ابنَ آدمَ، ومنها ما يَهُم بِه فى يَقظتِه، فيرَاه فى منامِه، ومنها جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النبوةِ)). قال: قلتُ: سمِعْتَ هذا من رسولِ اللهِ مَ له؟ قال: نعم، سمِعتُه من رسول (٣) اللهِ وَلِ (٣). وذكره ابنُ أبى شيبةً(٤) ، عن المُعَلَّى بنِ منصورٍ، عن يحيى بنِ حمزةً، عن يَزِيدَ بنِ عَبِيدةَ، عن أبى عُبيدٍ ) اللهِ، عن عوفٍ بنِ مالكِ، عن النبىِّ وَلِّ مثلَه . القبس (١) فى م: ((الحلى)). (٢) ليس فى : الأصل ، م . (٣) أخرجه ابن ماجه (٣٩٠٧) عن هشام بن عمار به ، وأخرجه البزار (٢١٢٥ - كشف ) ، والطحاوى فى شرح المشكل (٢١٧٨)، وابن حبان (٦٠٤٢)، والطبرانى ٦٤/١٨ (١١٨) من طريق يحيى بن حمزة به . (٤) ابن أبى شيبة ٧٥/١١ . (٥) فى م: ((عبد)). ٧٥٧ الموطأ وهذا يُفسّرُ قولَه فى حديثٍ إسحاقَ، عن أنسٍ: ((الرُّؤْيا(١) الحسنةُ)). أنَّها التمهيد ٢٠ ما لم تكنْ من أهاويلِ الشيطانِ ، ولا ممَّا يَهُمُّ به الإنسانُ فى يَقَظتِهِ ، ويَشغَلُ بها نفسه . ذکر عبد الرزاق() ، أخبرنا معمر، عن أيوب ، عن ابنِ سِیرِینَ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ قال: ((فى آخِرِ الزَّمانِ لا تكادُ رُؤيا المؤمنِ تَكذِبُ، وأصدقُهم رُؤْيًا أصدَقُهم حديثًا، والرُّؤْيا ثلاثةٌ ؛ الرُّؤْيا الحسنةُ بُشرَى مِن اللهِ ، والرؤيا يُحدِّثُ بها الرجلُ نفسَه، والرُّؤْيا تَحزِينٌ من الشيطانِ ، فإذا رأى أحدُ كم رُؤْيَا يَكرَهُها، فلا يُحَدِّثْ بها أحدًا، وليقُمْ فليُصَلُ)). قال أبو هريرةً: يُعجِبُنِى القَيْدُ، وأكرَهُ الغُلَّ، القيدُ ثبَاتٌ فى الدِّينِ. وقرَأْتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنَا مُضَرُ بنُ محمدِ الكوفِىُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُّ عثمانَ بنِ زِیادٍ المَصِّيصِىُّ، قال: حدَّثنا مَخلَّدُ بنُ محُسينٍ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن ابنِ سيرينَ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((إذا اقتَرَبَ الزمانُ لم تكَدْ رُؤْيَا المؤمنِ تَكْذِبُ ، وأَصْدَقُهم رُؤيا أصدَقُهم حديثًا ، ورُؤيا المسلمِ بجزءٌ من سِنَّةٍ وأربعينَ جزءًا من النبوة ، والرُّؤْيا ثلاثةٌ ؛ الرُّؤْيا الحَسَنَةُ من اللهِ، والرُّؤيا من تَحزينِ الشيطانِ ، والرُّؤْيا يُحَدِّثُ بها الإنسانُ نفسَه، فإذا رأى أحدُكم ما يَكرَهُ فلا يُحَدِّثْ به، وليُقُمْ فليْصَلِّ)). قال أبو هريرةَ : أُحِبُّ القَيْدَ فى النَّوْمِ، وأكرَهُ جـ القبس (١) بعده فى ق: ((الصالحة)). (٢) عبد الرزاق (٢٠٣٥٢). ٧٥٨ الموطأ التمهید الغُلَّ، والقَيدُ ثَبَاتٌ فى الدِّينِ (١). ورؤَى قتادةُ، عن ابنِ سيرِينَ، عن أبى هريرةً، عن النبيِّ وَّهِ بعضَ هذا (٢) الحديثِ(٢). وذكر ابنُ ابی شیبةً()، قال: حدثنا أبو معاویةً وو کیت، عن الأعمش، عن أَبِى ◌َئِيَانَ، عن علقمةً، قال: قال عبدُ اللهِ : الرُّؤْيا ثلاثةٌ ؛ حضورُ الشيطانِ ، والرجلُ يُحدِّثُ نفسَه بالنهارِ فِيَراه باللَّيلِ، والرؤيا التى هى الرُّؤيا. وأولَی ما اعتُمِد عليه فى عبارةِ الرُّؤيا والأدبِ فيها لمن رآها أو قُصَّتْ عليه ، ما حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المفسّرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ علىّ ، قال : حدَّثنا يحيى بنُ معينٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ صالحٍ، عن سُليمانَ ابنِ بلالٍ ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا رأى أحدُكم الرُّؤيا تُعجِئُه فليَذْكُرْها وليُفسّرْها، وإذا رأى أحدُكم الرُّؤْيا تَسُوءُه، فلا يَذْكُرْها، ولا يُفَسِّرْها)). وقيلَ لمالكِ رحِمَه اللـهُ: أَيُعْبُوُ الرُّؤْيا كُلُّ أحدٍ؟ فقال: أبالنبوة ◌ُلعَبُ ؟ وقال القبس (١) أخرجه الدارمى (٢١٨٩، ٢١٩٠) من طريق مخلد به، وأخرجه أحمد ٣٤٧/١٦ (١٠٥٩٠)، ومسلم (٢٢٦٣)، والطحاوى فى شرح المشكل (٢١٧٥)، والبيهقى (٤٧٦٢)، والخطيب فى الفصل للوصل ١٦٧/١ من طريق هشام به . (٢) أخرجه مسلم (٢٢٦٣)، والترمذى (٢٢٨٠)، والنسائى فى الكبرى (٧٦٥٤، ١٠٧٤٦) من طريق قتادة به . (٣) ابن أبى شيبةِ ٧٥/١١. ٧٥٩ ٠ الموطأ ١٨٤٩ - مالك، عن أبى الزنادِ ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، عن رسولِ اللهِ وَلِّ مثلَ ذلك. التمهيد مالك : لا يُعبّرُ الزُّؤیا إِلَّ مَن يُحسِنُها ؛ فإن رأى خيرًا أخبر به ، وإن رأى مكروهًا فليقلْ خيرًا أو ليَضْمُتْ . قيل: فهل يُعبُِّها على الخيرِ وهى عندَه على المكرُوهِ؛ لقولٍ من قال: إنَّها على ما أوَّلت (١) عليه؟ فقال: لا . ثم قال: الرُّؤيا جزءٌ من النَّبوَّةِ ، فلا يُتلاعبُ بالنبوةِ . مالكٌ، عن أبى الزِّنادٍ(١)، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَه القبس (١) فى ق: ((تؤولت)). (٢) قال أبو عمر: ((أبو الزناد لقب غلب عليه، وكنيته: أبو عبد الرحمن ، لا يختلفون فى ذلك: وهو عبد الله بن ذكوان ، وذكوان أبوه مولى رملة ابنة شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ؛ وكانت رملة هذه تحت عثمان بن عفان ، وقيل هو مولى عائشة بنت عثمان ، وقيل مولى عثمان ؛ ويقال إن ذكوان أبا أبى الزناد ، كان أخا أبى لؤلؤة قاتل عمر بن الخطاب - بولادة العجم ، هكذا قال الواقدى ، ومصعب الزبيرى ، والطبرى . وأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى ، قال أخبرنا أحمد بن سعيد ، قال أخبرنا أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله بن صالح ، قال : قال أبى : أبو الزناد من رهط أبى لؤلؤة ، كانت بينهم قرابة ، قال : وكان أحد مفتى أهل المدينة : حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا أحمد بن زهير ، حدثنا مصعب بن عبد الله ، قال : كان أبو الزناد فقيه أهل المدينة ، وكان صاحب كتاب وحساب ؛ وكان كاتبًا لعبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب ، وكاتبًا أيضا لخالد بن عبد الملك بن الحرث بن الحكم بالمدينة ؛ قال : وقدم على هشام بن عبد الملك - بحساب ديوان المدينة ، فجالس هشاما مع ابن شهاب ، فسأل هشام ابن شهاب : فى أى شهر كان عثمان يخرج العطاء فيه لأهل المدينة ؟ فقال : لا أدرى ؛ فقال أبو الزناد : كنا نرى أن ابن شهاب لا يسأل عن شىء إلا وجد عنده علمه ، قال أبو الزناد : فسألنى = ٧٦٠