Indexed OCR Text
Pages 641-660
الموطأ
وهبٍ أيضًا رواه عن ابنٍ وهب، عن مالكِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ. وهذا لا التمهيد
يصِحُ عندَ أهلِ العلمِ بحديثٍ مالكِ، وإنما هذا الحديثُ لمالكِ ، عن أبی بکرِ
ابنِ نافعٍ، عن أبيه، عن ابنِ عمرَ. هذا هو الصحيحُ عن مالكٍ فى إسنادٍ هذا
الحديثِ، كما رواه يحيى وسائرُ الرّواةِ عن مالكِ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد
الهمدانىُّ، حدَّثنا ابنُّ وهبٍ ، قال : أخبرنى مالكٌ وعبدُ اللهِ ، عن نافع، عن ابنِ
عمرَ، أن رسولَ اللهِ وَ لَهقال: ((أحْفُوا الشواربَ، وأَعْفُوا اللِّحَى))(١).
وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدّثنا
محمدُ بنُّ قاسم، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ
عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا معنُ بنُ عيسى، ورَوْحُ بنُ عُبادةَ، وعبدُ اللهِ بنُ نافعٍ،
قالوا : حدَّثنا مالكٌ، عن أبى بكرِ بنِ نافعٍ، عن أبيه، عن ابنِ عمرَ، أن
النبيَّ وَّ أَمَر بإحفاءِ الشواربِ وإعفاءِ اللِّحَى(٢).
(*) وحدَّثنا سعيدٌ، حدَّثنا قاسمٌ، حدَّثنا محمدٌ، حدّثنا أبو بكرٍ، حدّثنا
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٣٠/٤ من طريق ابن وهب به .
(٢) أخرجه النسائى - كما فى تهذيب الكمال ١٤٧/٣٣ - عن هارون بن عبد الله به، وأخرجه
الترمذى (٢٧٦٤) من طريق معن وحده به .
(٥) من هنا إلى قوله : ((الأثرم وغيره) فى الصفحة التالية جاء مكانه فى ف: ((وأما قوله: أمر باحفاء
الشوارب. فقد تقدم فى باب سعيد بن أبى سعيد من هذا الكتاب ما للعلماء فى ذلك من التأويل
والتنازع والمذاهب».
٦٤١
( موسوعة شروح الموطأ ٤١/٢٢ )
الموطأ
التمهيد عَبْدةُ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال : قال رسولُ اللهِ
حَ: ((انھَكوا" الشواربَ، وأعفوا اللُّحى))(١).
(٣) وأما قولُه: أمَر بإخفاءِ الشواربٍ) . فقال أهلُ اللغةِ؛ أبو مُبيدٍ والأخفشُ
وجماعةٌ: الإحفاءُ الاستئصالُ، والإعفاءُ تركُ الشَّعَرِ لا يَخْلِقُه. وإلى هذا
ذهبت طائفةٌ من علماء المسلمين وفقهائهم من أصحابٍ أبى حنيفةً والشافعىِّ
وغيرِهم. ورُوِى عن أبى سعيد الخدرىِّ، وأبى أَسَيدِ الساعدىِّ، ورافعٍ بنِ
خَديجٍ، وسهلٍ() بنِ سعدٍ ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ، وأبى
هريرةَ، أنهم كانوا يُحفُون شواربَهم(٢) ، وكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ يَحلِقُه حتى
يبدوَ الجلدُ، وكان أحمدُ بنُ حنبل يُحفِی شاربَه إحفاءً شديدًا ویحلِقُه حتى
يبدوَ جلدُه، ويقولُ: السُّنةُ الإحفاءُ كما قال رسولُ اللهِ وَّه. حكَى(٦) ذلك
عنه الأثرمُ وغیرُه .
ولم يَختلِفْ قولُ مالكٍ وأصحابِه أن الذى يُحفَی من الشاربِ هو الإطارُ،
القبس
(١) فى م: ((أحفوا)).
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٧٧.
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م.
(٤) فى الأصل، م: ((قيس)). وينظر الاستيعاب ١٢٩٢/٣.
(٥) ينظر طبقات ابن سعد ٤٤٩/١، ٥٥٨/٣، ١٧٥/٤ - ١٧٨، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٧٧/٨ -
٣٧٩، وشرح معانى الآثار ٤/ ٢٣١، وسنن البيهقى ١/ ١٥١.
(٦) فى م: ((ولم يحك)).
٦٤٢
الموطأ
وهو طرّفُ الشَّفَةِ العُليا، وأصلُ الإطارِ جوانبُ الفم المحدِقةُ به مع طرفٍ التمهيد
الشاربِ المُحدِقِ بالفم، وكلُّ شىءٍ (" يُطِيفُ بشىءٍ ويُحدِقُ به ) فهو إطارُه .
وحجّةُ مَن ذهَب هذا المذهبَ قولُ رسولِ اللهِ وَّهِ: (( خمسٌ من الفطرة».
فذكَر منهن قصَّ الشاربٍ(١)، فقولُه: ((قصَّ الشاربِ)). يُفسّرُ قولَه: إحفاءُ
الشوارب. واللهُ أعلمُ(١) .
وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ، قال: حدَّثنا مَسلمةُ بنُ القاسم،
قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيّ، حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى المدائنىُّ، حدَّثنا شعيبُ
ابنُ حرپٍ، قال: حدثنا یوسفُ بنُ صُھیبٍ، عن حبیبٍ بنِ یسارٍ، عن زيد
ابنِ أرقمَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((مَن لم يأخُذْ من شاربِه فليس
منا))(٤).
وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، قال: حدّثنا أبى، قال: حدّثنا
محمدُ بنُّ قاسم ، قال : حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى ، حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ ، قال :
حدَّثنا جنادةُ بنُّ مروانَ الأزدىُّ، عن حَريزِ بنِ عثمانَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ بُشْرٍ قال:
القبس
(١ - ١) فى ف: ((محدق بشىء محيط به))، وفى ر: ((محيط)) ثم بياض بقدر كلمة، وفى ر١،
م: ((يحدق بشىء ويحيط به)).
(٢) تقدم تخريجه ص٢٦٨، ٢٦٩ .
(٣) بعده فى ف: ((وقد مضى ذكر القائلين من العلماء بأن إحفاء الشارب حلقه واستئصاله، منهم
أصحاب الشافعى وأصحاب أبى حنيفة وغيرهم فى باب سعيد بن أبى سعيد، وأفردنا هذا الباب
لمذهب مالك والحجة له، والله الموفق للصواب)).
(٤) تقدم تخريجه ص ٢٧٨.
٦٤٣
.
الموطأ
التمهيد كان شاربُ رسولِ اللهِ وَ لَ بِحِيالٍ شَفَتِه (١).
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُّ
إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ ، قال: حدَّثنا
مِشْعرٌ، عن جامعِ بنِ شدَّادٍ أبى صخرةً، عن المغيرةِ بنِ عبدِ اللهِ الثقفىِّ، عن
المغيرةِ بنِ شعبةً، قال: ضِفْتُ النبىَّ نَِّ ذاتَ ليلةٍ فأمَر لى بجَنْبٍ فشُوِى،
وأخَذ من شاربى على سِواكٍ(٢) .
وأما قولُه: وإعفاءِ اللَّحَى. فقال أبو عُبيدٍ(٣): يعنى: تُوقَّرُ وتُكَثَِّ، يقالُ
منه: عفا الشَّعَرُ. إذا كثُر، فهو عافٍ ، وقد عفوتُه وأعفيتُه، لغتان ، قال اللَّهُ:
﴿حَتَّى عَفَوْ﴾ [الأعراف: ٩٥]. يعنى: كثُرُوا، وهذه اللفظةُ مُتصرّفةٌ (٤)، يقالُ
فى غيرِ هذا: عفا الشىءُ. إذا دَرَس وامَّحَى. قال لَبِيدٌ(٥):
* عفَتِ الديارُ مَحَلُّها فمُقامُها »
هذا كلُّه قولُ أبى ◌ُبيدٍ. وقال ابنُ الأنبارىّ(١): يقالُ: عفا الشىءُ يعفو
القبس
... ..
(١) أخرجه الطبرانى فى مسند الشاميين (١٠٤٧) من طريق جنادة به .
(٢) أخرجه الطبرانى ٤٣٥/٢٠ (١٠٥٨) من طريق سفيان به، وأخرجه أحمد ١٥١/٣٠، ١٧٢
(١٨٢١٢، ١٨٢٣٦)، وأبو داود (١٨٨)، والترمذى فى الشمائل (١٥٩)، والطبرانى ٤٣٥/٢٠
(١٠٥٩) من طريق مسعر به .
(٣) غريب الحديث لأبى عبيد ١٤٧/١، ١٤٨.
(٤) فى ف، ر١: ((منصرفة).
(٥) شرح دیوانه ص ٢٩٧.
(٦) الأضداد ص ٨٧، ٨٨.
٦٤٤
٠
الموطأ
عقْوًا، إذا كثُر، وقد عفَوتُه أعفوه، وأعفَيْتُه أَعفيه إعفاءً، إذا كثَّرَتَه، وعفا التمهيد
القومُ، إذا كثُروا، وعفَوا، إذا قُلُّوا، وهو من الأضدادِ، والعافى(١) الطالبُ،
والعافى عن المجرمِ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ﴾ [النور: ٢٢]
قال أبو عمرَ: أما اللغةُ فى: ((أعْفُوا)). فمُحتمِلةٌ للشىءِ وضدِه كما قال
أهلُ اللغةِ .
واختلف أهلُ العلم فى الأخذِ من اللحيةِ؛ فكرِهِ ذلك قومٌ وأجازه
(٢)
آخرون(٢).
وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ فُطَيسٍ ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ ، قال : حدَّثنا أصبغُ، عن ابنِ
القاسم ، قال : سمِعتُ مالكًا يقولُ: لا بأسَ أن يؤخَذَ ما تطاير من اللحيةِ وشدَّ .
قال: فقيل لمالكٍ : فإذا طالت جدًّا، فإن من اللِّحى ما تطولُ؟ قال: أرى أن
يؤخَذَ منها وتُقْصِّرَ(٣) .
* وقد روَى سفيانُ، عن ابنِ عجلانَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه كان
يُعفِى لحيتَه إلا فى حجٍّ أو عُمرةٍ (٤٥).
القبس
(١) فى الأصل: ((العوافى)).
(٢) فى ر: ((قوم)).
(٣) فى ف: ((يقصّ)).
(٤ - ٤) سقط من : ف .
(٥) أخرجه ابن سعد ١٨١/٤ من طريق سفيان به .
٦٤٥
الموطأ
(١ وذكَّر الساجئُّ، حدَّثنَا بُندارٌ وابنُ المثنَّى، قالا: حدَّثنا عبدُ الوهابِ،
التمهيد
حدّثنا عُبیدُ اللهِ بنُ عمر ، عن نافع ، عن ابنِ عمر ، أنه كان إذا قصَّر من لحيته فى
حجّ أو عُمرةٍ، كان يَقبِضُ عليها ويأخُذُ من طرّفِها ما خرَج من القبضةِ .
قال أبو عمرَ: هذا ابنُ عمرَ روَى: ((أعفُوا اللِّحى)). وفهِم المعنى، فكان
يفعَلُ ما وصَفنا . وقال به جماعةٌ من العلماءِ فى الحجّ وغيرِ الحجّ .
وروى ابنُ وهپ ، قال : اخترنی أبو صخرٍ ، عن محمدِ بنِ كعبٍ فى قوله :
﴿لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]. قال: رمىُ الجِمارِ، وذبْعُ الذبيحةِ، وحلْقُ
الرأسِ، والأخذُ من الشاربِ واللِّحيةِ والأظفارِ، والطوافُ بالبيتِ وبالصفا
(٢)
والمروةٍ(١) .
و کان قتادةُ یکژهُ أن یأخُذَ من لحیتِه إلا فى حج أو عمرةٍ، و کان یأخُذُ من
عارضَيْه ، وكان الحسنُ يأخُذُ من طُولٍ لحيتهِ ، و كان ابنُ سيرينَ لا يَرى بذلك
بأسًا(٣) .
وروی الثوریُّ ، عن منصور ، عن عطاءٍ ، أنه کان یُعفِی لحیته إلا فی حے أو
عُمرةٍ. قال منصورٌ: فذكرتُ ذلك لإبراهيمَ، فقال: كانوا يأخذون من
جوانبِ اللِّحيةِ(٤)١).
القبس
(١ - ١) سقط من : ف .
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٥٢٦/١٦ من طريق ابن وهب به.
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٧٥/٨، ٣٧٦.
(٤) أخرجه البيهقى فى الشعب (٦٤٣٨) من طريق الثورى به. وينظر مصنف ابن أبى شيبة =
٦٤٦
الموطأ
١٨٣٢ - مالك، عن ابنِ شهابٍ ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ
عوفٍ، أنه سمِع معاويةً بنَ أبى سفيانَ عامَ حجَّ وهو على المنبرِ ،
وتناول قُصَّةً من شَعَرٍ كانت فى يدِ حَرَسِىٌّ ، يقولُ: يا أهلَ المدينةِ ،
أين علماؤكم؟ سمِعتُ رسولَ اللهِ نَّهِ ينهَى عن مثلِ هذه ويقولُ:
((إنما هلكتْ بنو إسرائيلَ حينَ اتَّخَذ هذه نساؤُهم)).
مالكٌ ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، أَنَّه سمِع معاويةَ بنَ التمهيد
أبى سفيانَ عامَ حجّ وهو على المنبرِ، وتناولَ قُصَّةٌ مِن شعرٍ كانت فى يد
خَرَسِىٌّ(١)، يقولُ: يا أهلَ المدينةِ، أين علماؤُكم؟ سمِعتُ رسولَ اللهِ وَه
يَنهى عن مثلِ هذه ويقولُ: ((إنَّما هلَكتْ بنو إسرائيلَ حينَ انَّخذَها
نساؤهم))(١).
فى هذا الحديثِ مِن الفقهِ ، صعودُ الإمامِ على المنبرِ للخطبةِ ، وتناولُه فى
الخطبةِ الشىءَ يَراه إذا كان فى تناولِه ذلك شىءٌ مِن أمرِ الدِّينِ، ليعلِّمَه مَن
جهِلَه. وفيه الحديثُ عن رسولِ اللهِ وَّهِ فى الخطبةِ وغيرِها، وتعليمُ
القبس
= ٣٧٤/٨، ٣٧٥.
وجاء بعده فى ر، ر ١: ((وقد مضى القول مستوعبا فى حلق الشارب وقصه فى باب سعيد بن
أبى سعيد والحمد لله)).
(١) الحرسى: واحد حرس السلطان، وهم الحراس. القاموس المحيط (ح ر س).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٠٧)، وبرواية أبى مصعب (١٩٩١). وأخرجه البخارى
(٣٤٦٨، ٥٩٣٢)، ومسلم (١٢٢/٢١٢٧)، وأبو داود (٤١٦٧)، وابن حبان (٥٥١٢) من
طريق مالك به .
(٣ - ٣) سقط من: م.
٠ ٠٠
٦٤٧
الموطأ
التمهيد الناس(١) ما جهلوه من أمرٍ دينهم فى الخطبة. وفيه إباحةُ الحديثِ عن بنی
إسرائيلَ فى الخطبةِ وغيرِها. وفيه دليلٌ على الاعتبارِ والتّنظيرِ والحكم
بالقياسِ(١) ، ألَا تَراه خافَ على هذه الأمَّةِ الهلاكَ إن ظهَر منهم (٢) مثلُ ذلك
العملِ الذى كان ظهَر فى بنى إسرائيلَ حينَ أُهلِكوا؟ ففى هذا دليلٌ واضحٌ على
أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ إذا أهلَكَ قومًا بعملٍ، وجب على كل مؤمنٍ اجتنابُ ذلك
العمل؛ دليلُ ذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَأَنَّهُمُ اَللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ
فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعَبَّ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُواْ يَتَأُوْلِ
اَلْأَبْصَرِ﴾ [الحشر: ٢]. يعنى، واللهُ أعلمُ، أَنَّ مَن فَعَل فعلَهم استحقَّ أن ينالَه ما
نالَهم أو يعفوَ(٤) اللهُ. كذلك قال أهلُ العلمِ، وهو صحيح .
ويحتمِلُ قولُهُ وَلِهِ: ((إنَّما هلكتْ بنو إسرائيلَ حين اتخذَها نساؤهم)).
أنه مِن الأمرِ الذى لم يفشُ فى بنى إسرائيلَ ، ولم يشتهِرْ فى نسائهم إلا حين
ارتكابهم الكبائرَ، وإعلانِهم المناكرَ، فكأنَّها علامةٌ لا تكادُ تظهر إلا فى أهلِ
الفسوقِ (٢) والمعاصى ، واللهُ أعلمُ، لا أنها فعلةٌ يستحقُّ مَن فعلها الهلاكَ عليها
دون أن يجامعها غيرها . وقد یحتملُ أن يكونَ بنو إسرائيلَ نُهوا عن ذلك فی
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) فى الأصل: ((والقياس)).
(٣) فى م: ((فيهم).
(٤) فى الأصل: ((يغفر)).
(٥) فى الأصل: ((الفسق)).
٦٤٨
الموطأ
كتابهم نهيًا مجرَّدًاً، ففعلوا ذلك مع علمِهم بتحريم) ذلك؛ استخفافًا، التمهيد
فاستحقُّوا العقوبةَ. والذى مُنِع مِن ذلك بنو إسرائيلَ، قد جاء عن نبيّنا وَه
مثلُه ، مِن كراهيةِ اتِّخاذِ النساءِ الشعورَ المستعارةَ، ووصلِهنَّ بذلك شعورَهنَّ.
وفيه ورَد الحديثُ بلعنِ الواصلةِ والمستوصلةِ ، والواصلةُ هى الفاعلةُ لذلك،
والمستوصلةُ الطَّالبةُ أن يُفعَلَ بها ذلك.
حدّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عیسی ، قال : حدّثنا عبيدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ
حَبَابةَ ، قال: حدَّثنا البغوىُّ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ الجعدِ ، قال: حدَّثنا شعبةُ ،
عن عمرو بنِ مرَّةً، قال: سمِعتُ الحسنَ بنَ مسلم بنِ ينَّاقٍ يحدِّثُ، عن صفيَّةً
ابنةِ شيبةً، عن عائشةَ قالت: تزوَّجَت امرأةٌ مِن الأنصارِ، فمرِضتْ، وتمرَّط (٤)
شعَرُها، فأرادوا أن يصِلوا فيه، فسئل رسولُ اللهِ وَ لَّ عن ذلك، فلعَن
رسولُ اللهِ وَّهِ الواصلةَ والمستوصلةَ(٥).
وروی عبد الژزَّاقِ وغيره(١) ، عن الثورئِّ، عن منصور ، عن إبراهيم، عن
القبس
(١) فى م: ((محرم)).
(٢ - ٢) فى م: ((عملهم تحريم)).
(٣) فى الأصل: ((عبد)). وينظر سير أعلام النبلاء ٥٤٨/١٦.
(٤) تمرّط: انتف وتقطع. مشارق الأنوار ١/ ٣٧٧.
(٥) البغوى فى الجعديات (١١٧). وأخرجه أحمد ٣١٢/٤١ (٢٤٨٠٥)، والبخارى (٥٩٣٤)،
ومسلم (١١٧/٢١٢٣)، والنسائى (٥١١٢) من طريق شعبة به .
(٦) عبد الرزاق (٥١٠٣). وأخرجه أحمد ١٩٧/٧، ٢٦٨ (٤١٢٩، ٤٢٣٠)، والبخارى
(٤٨٨٦، ٥٩٤٣، ٥٩٤٨)، ومسلم (١٥٠/٩٢)، (٢١٢٥)، وابن ماجه (١٩٨٩)، والنسائى
(٥١١٤) من طريق الثورى به .
٦٤٩
الموطأ
التمهيد علقمةً، قال: قال عبدُ اللهِ: لعَن اللهُ الواشماتِ والمستوشماتِ (١)،
والمتنمِّصاتٍ(١)، والمتفلِّجاتِ للحُسنِ(١) ، المغيراتِ خلقَ اللهِ. قال: فبلَغ
ذلك امرأةٌ مِن بنى أسدٍ يقالُ لها : أمّ يعقوبَ. فقالت: يا أبا عبد الرحمنِ ، بلغَنى
أنك لعَنتَ كيت وكيتَ . فقال: ومَا لى لا ألعنُ مَن لعَنه رسولُ اللهِ مَێِ ، ومن
هو فى كتابِ اللهِ؟ قالت : إنى لأقرأ ما بينَ اللَّوحينِ فما أجِدُه . قال: إن كنتِ
قرأتِه لقد وجدتِه، أمَا قرأتِ: ﴿وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنّهُ
فَانْتَهُواْ﴾؟ [الحشر: ٧]. قالت: بلى. قال: فإنَّه قد نهى عنه رسولُ اللهِ وَلِهِ .
قالت : إنى لأظُنُّ أهلَك يفعَلونَ بعضَ ذلك. قال: فاذهبى فانظُرى. قال :
فدخلَت فلم ترَ شيئًا . قال: فقال عبدُ اللهِ : لو كانت كذلك لم تجامعنا .
وقال ابنُ سيرينَ لرجلٍ سألَه، فقال: إنَّ أمِّى كانت تمشِّطُ النساءَ، أترى
لى أن آكُلَ مِن مالِها، وأرثَه عنها؟ فقال: إن كانت ( تصِلُ، فلا . و" هذا مِن
ورعِ ابنِ سیرینَ رحمه اللهُ .
القبس
(١) الوَشْم: أن يغرز الجلد بابرة، ثم يحشى بكحل فيزرق أثره أو يخضر، والواشمة هى الفاعلة
لذلك، والمستوشمة التى يفعل بها ذلك. النهاية ١٨٩/٥.
(٢) النماص: إزالة شعر الوجه بالمنقاش، ويسمى المنقاش منماصًا لذلك، ويقال: إن النماص
يختص بإزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما. والمتنمصة التى تطلب النماص، والنامصة التى
تفعله. فتح البارى ٣٧٧/١٠.
(٣) الفَلَج: فرجة ما بين الثنايا والرباعيات، والمتفلجات للحسن: أى النساء اللاتى يفعلن ذلك
بأسنانهن رغبة فى التحسين . النهاية ٤٦٨/٣.
(٤ - ٤) فى م: ((لا تصل فلا بأس)).
٦٥٠
الموطأ
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ شعرَ بَنى آدمَ طاهِرٌ، أَلَا تَرى إلى تناولِ التمهيد
معاويةً وهو فى الخطبةِ قُصَّةَ الشَّعَرِ ؟ وعلى هذا أكثرُ العلماءِ، وقد كان الشافعىُّ
رحِمه اللهُ يقولُ: إنَّ شَعرَ بنى آدمَ نجسٌ؛ لقولِهِ بَلّهِ: (( ما قطِعَ مِن حىٍّ فهو
ميتٌ)) (١). ثم رجَع عن ذلك؛ لهذا الحديثِ وأشباهِه، ولإجماعِهم على
الصُّوفِ مِن الحىِّ أَنَّه طاهرٌ، وأمَّا الصوفُ مِن الميتةِ فمختلَفٌ فيه .
وأمَّا الكلامُ فى الخطبةِ بالمواعظ والسننِ وما أشبه ذلك فمباح ، لا خلافَ
بينَ العلماءِ فى ذلك، واختلفوا فى سائرِ الكلامِ فى الخطبةِ للمأمومِ والإمامِ ،
نحوَ تشميتٍ العاطسِ، وردِّ السلامِ، وللكلامِ فى ذلك موضعٌ مِن كتابِنا غيرُ
هذا . وبالله توفیقُنا .
واحتجّ بهذا الحديثِ أيضًا مَن زَعَم أنَّ عملَ أهلِ المدينةِ لا حجّةً فيه،
وقال: ألا ترى أنَّ معاويةَ رضِى اللهُ عنه يقولُ: أين عُلماؤُكم؟ يريدُ : أين
علماؤُكم عن تغييرٍ مثلِ هذا، والحفظِ له، والعملِ به ونشرِه؟ يريدُ أنَّ المدينةَ
قد يظهرُ فيها ويُعمِلُ بينَ ظهرانَيْ أهلِها بما ليس بسُنَّةٍ ، وإنما هو بدعةٌ . واحتجُّ
قائلُ هذا القولِ بروايةِ مالكٍ(٢) ، عن عمِّه أبى سهيلٍ بنِ مالكِ، عن أبيه، عن
كبارِ التَّابعين، أَنَّه قال: ما أعْرِفُ شيئًا ممَّا أدركتُ الناسَ عليه إلَّ النِّداءَ
بالصلاةِ. وقد حكَى إسماعيلُ بنُ أبى أُوَيْسٍ، عن مالكِ ، أَنَّه سئلَ عمَّا يصنعُ
القبس
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٢١٧)، وابن عدى ١١٧١/٣ من حديث تميم الدارى.
(٢) تقدم فى الموطأ (١٥٣).
٦٥١
الموطأ
التمهيد أهلُ المدينةِ ومكةً من إخراج إمائِهم عراةً متَّزراتٍ، وأبدانُهنَّ ظاهرةٌ
وصدورُهنَّ، وعمَّا يصنعُ تجَّارُهم مِن عرضٍ جواريهم للبيعِ على تلك الحالِ ؟
فكرِهه كراهيةً شديدةً ، ونهى عنه، وقال: ليس ذلك مِن أمر مَن مضَى مِن أهلِ
الفقهِ والخيرِ، وأمرٍ مَن يُفتى مِن أهلِ الفقهِ والخيرِ، وإنما هذا (١) عملُ مَن لا
ورَع له مِن الناسِ. وقال أنسُ بنُّ عياضٍ (١) : سمِعتُ هشامَ بنَ مُروةَ يقولُ: لما
أَنَّخذَ عروةُ قصرَه بالعقيقِ، عوتِب فى ذلك، وقيلَ له : جفَوتَ عن مسجدٍ
رسولِ اللهِ وَلِّ. فقال عروةٌ(٢): إنِّى رأيتُ مساجدَكم لاهيةً، () وأسواقكم
لَاغِيةً )، والفاحشَةَ فى فجاحِكم عاليةً(٥) ، فكان فيما هنالكَ عمَّا أنتم فيه
عافيةٌ. ثم قال: ومَن بقِى إِنَّما بَقِى شامِتٌ بنكبةٍ، أو حاسدٌ بنعمَةٍ(١). قالوا:
فهذا عروةُ يُخپژ عن المدينة بما ذكرنا ، فکیف يُحتجُ بشىءٍ مِن عملٍ أهْلِها لا
دلیلَ عليه ؟
قال أبو عمرَ: والذى أقولُ به، أنَّ مالكًا رحمه اللهُ إِنَّما يحتجُّ فى ((موطئه))
القبس
(١) فى م: ((هو من)).
(٢) فى الأصل: ((مالك)). وينظر تهذيب الكمال ٣٤٩/٣.
(٣) سقط من: م.
(٤ - ٤) فى الأصل: ((وأمواتكم لاغية))، وعند أبى نعيم: ((وأسواقكم غالية)).
(٥) فى الأصل: ((غالية)).
(٦) فى م: ((على نعمة)).
والأثر أخرجه أبو نعيم فى الحلية ١٧٩/٢، ١٨٠، وابن عساكر ٢٨٠/٤٠ من طريق أنس بن
عياض به دون آخره .
=
٦٥٢
١٨٣٣ - مالكٌ، عن زيادِ بنِ سعدٍ، عن ابنٍ شهابٍ، أنه الموطأ
سمِعه يقولُ: سدَل رسولُ اللهِ مَّ ناصيتَه ما شاءَ اللهُ، ثم فرَق
بعدَ ذلك .
وغيرِهِ بعَمَلِ أهلِ المدينةِ ، يريدُ بذلكِ عَمَلَ العُلماءِ والخيارِ والفضلاءِ، لا عملَ التمهيد
العامَّةِ السَّوداءِ . وبالله التوفيقُ .
وقد ذكرنا هذا الخبرَ ومثلَه فى موضعِه من كتابنا (( كتابِ العلمِ))(١)
بإسنادِه، فأغنى عن إعادتِه ههنا .
مالكٌ، عن زِيَادٍ بن سعدٍ ، عن ابنِ شِهابٍ ، أَنَّ سَمِعه يقولُ: سَدَل رسولُ
اللهِ وَّ ناصِيتَه ما شاء اللهُ، ثم فَرَق بعدُ(٢) .
هكذا رَواه الرواةُ كلُّهم عن مالكٍ مُرسَلًا، إِلَّ حَمَّادَ بنَ خالدِ الخِيَاطَ ، فإنَّه
وَصَلَه وأُسنَدَه، وجعَلَه عن مالكِ، عن زِيَادِ بنِ سَعدٍ ، عن الزهرىِّ، عن أنسٍ .
فَأَخْطَأ فيه، والصوابُ فيه من روايةٍ مالكِ الإرسَالُ كما فى
(الموطأ))، والصوابُ فيه من غيرِ روايةِ مالكِ أنَّه من حديثٍ ابنٍ
عباس٣ٍ)، لا من حديثٍ أنسٍ، وهو الذى يُصَحِّحُه أهلُ الحديثِ.
القبس
(١) جامع بيان العلم (٢٣٩٨).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١١/١٧ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٩٩٢). وأخرجه
ابن سعد ١/ ٤٣٠، وابن أبى شيبة ٦٢٧/١، والنسائى فى الكبرى (٩٣٣٥) من طريق مالك به.
(٣ - ٣) سقط من: م.
٦٥٣
٠
الموطأ
التمهید
فَأَمَّا روايةُ حَمَّادِ بنِ خالدٍ ، عن مالكٍ، فحدَّثنى خَلَفُ بنُ قاسِمِ ، قال:
حدَّثنا محمدُ بنُّ إِبراهِيمَ بنِ إسحاقَ بنِ مِهْرَانَ السَّرَّاجُ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ
ابن حنبلٍ، حدَّثنا أبى، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ خالِدِ الخَيَّاطُ ، حدَّثنا مالكٌ ، عن زِیَادِ
ابنِ سعدٍ، عن الزهرىِّ، عن أنسٍ، قال: سَدَل رسولُ اللهِ وَّهِ ناصِيتَه ما شاء
اللهُ أن يسدُلَ، ثم فَرَق بعدُ(١).
وهکذا رواہ صالِئُ بنُ أحمد بن حنبل، عن أبيه - کما رواه أخوه عبدُ
اللهِ، عن أبيه - عن حَمَّادِ بنِ خالدٍ، عن مالكِ، عن زِيَادِ بنِ سَعدٍ، عن
الزهرىِّ ، عن أنسٍ (١).
ورواه إسحاقُ بنُ داود ، عن أحمد بن حنبل، عن حَمَّادٍ بن خالد ، عن
مالكٍ ، عن الزهرىِّ، عن أنسٍ، لم يَذْكُرْ زِيادَ بنَ سعدٍ (٢) ، فأخْطأ فيه أيضًا.
حدَّثنى أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ بنٍ علىٍّ، قال: حدَّثنى أبى، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ علىٍّ بنِ الجَارُودِ، قال :
حدَّثنى عبدُ اللهِ بنُّ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُّ
خالِدٍ ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، قال: حدَّثنا زيادُ بنُ سعدٍ، عن الزهرىِّ،
عن أنسٍ ، أنَّ النبيَّ وَ لَ سَدَل ناصِيتَه ما شاء اللهُ أَن يَسدُلَها، ثم فَرَق بعدُ. قال
القبس
(١) أخرجه الحاكم ٦٠٦/٢، وأبو نعيم فى الحلية ٣٧٦/٣، ٩/ ٢٢١، والرافعى فى التدوين ٢٤٢/١،
٢٤٣، ٣٠٣/٢، والخطيب ١٤٩/٨، ١٥٠. وهو عند أحمد ٤٥٧/٢٠ (١٣٢٥٤).
(٢) أخرجه ابن عساكر ٢٩٦/٢٣ من طريق صالح به .
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٣٣٦٢) من طريق إسحاق بن داود به.
٦٥٤
الموطأ
أحمدُ بنُ حنبلٍ: وهذا خَطَأْ، وإنَّما هو عن ابنِ عباسٍ.
التمهيد
قال أبو عمرَ : ما قاله أحمدُ فهو الصوابُ. كذلك رَواه ◌ُونُسُ بنُ یزیدَ
وإبراهيمُ بنُ سعدٍ ، عن ابنِ شِهَابٍ ، عن عبيدِ اللهِ، عن ابنِ عَبَّاسٍ .
حدّثنا أحمدُ بنُ فَتْح بنِ عبدِ اللهِ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ ز کریا
النيسَابُورِىُّ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ اللهِ الحسينُ بنُ محمدِ بنِ الضَّحَّاكِ،
قال: حدَّثنا أبو مَزْوانَ العُثمانيُ، قال١): حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ ، عن ابنٍ
شهابٍ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سَدَل رسولُ اللهِ وَه
ناصِيتَه ، ثم فَرَقَ بعدُ .
وحدَّثْنَا خَلَفُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدّثنا
أحمدُ بنُ خالِدٍ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ
عبدِ اللهِ بنِ يُونُسَ ، قال : حدثنا إبراهِیمُ بنُ سعدٍ ، قال : أخبرنا ابنُ شهابٍ ، عن
تُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ وَلَهِ يُحِبُّ مُوافَقةً
أهلِ الكتابِ فيما لم يُؤْمَرْ فيه، وكان أهلُ الكتابِ يَسدُلونَ شُعُورَهم، وكان
المشركون يَفْرُقونَ شُعورَهم، فسَدَل رسولُ اللهِ وَّلَهِ ناصِيتَه، ثم فَرَق بعدُ (١).
القبس
(١ - ١) سقط من: ص ٤.
(٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه البخارى (٥٩١٧)، والبيهقى فى الشعب (٦٤٧٦) من طريق أحمد بن يونس به،
وأخرجه أحمد ٨٦/٤، ١٩٤ (٢٢٠٩، ٢٣٦٤)، ومسلم (٩٠/٢٣٣٦)، وأبو داود (٤١٨٨)،
وابن ماجه (٣٦٣٢) من طريق إبراهيم بن سعد به .
٦٥٥
الموطأ
التمهيد
وحدَّثنا أحمدُ بنُّ قاسِمِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ،
قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ أَبِى أَسَامَةً ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جَعفرِ الوَرْ كانيُّ،
قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن مُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن
ابنِ عباسٍ، قال: كان أهلُ الكتابِ يَسدُلونَ شُعورَهم، وكان المشركون
يَفْرُقونَ رُءُوسَهم، وكان رسولُ اللهِ وَّلِ يُحِبُّ مُوافَقَةً أَهلِ الكتابِ فِيما لم يُؤْمَرْ
به ، فسَدَل رسولُ اللهِ وَِّ ناصِيتَه، ثم فَرَق بعدُ (١).
وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدّثنا
المطّلِبُ بنُ شُعَيْبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالِحٍ، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ
سعدٍ ، قال : حدَّثنى يُونُسُ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن ابنِ
عباسٍ. فذكره(٢).
وكذلك رواه ابنُّ وَهبٍ ، عن يُونُسَ ، عن الزهرىِّ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبد
اللهِ، عن ابنِ عباسٍ مثله مرفوعًا .
حدَّثناه عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا علىَّ بنُ محمدِ بنِ مسرورٍ ،
قال : حدَّثنا أحمدُ بنُّ داودَ ، قال: حدَّثنا سحْنُونُ بنُ سعيدٍ ، قال : أخبرنا ابنُ
وَهبٍ ، قال: أخبرنى يُونُسُ بنُّ يزيدَ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ
ابنِ عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِ كان يَسدُلُ شَعَرَه، وكان
القبس
(١) أخرجه مسلم (٩٠/٢٣٣٦)، وابن عساكر ١٥٩/٤ من طريق محمد بن جعفر به.
(٢) أخرجه البخارى (٣٥٥٨) من طريق الليث به .
٦٥٦
الموطأ
المشركون يَفرُقُونَ رُءُوسَهم، وكان أهلُ الكتابِ يَشْدُلُونَ رُءوسَهم، وكان التمهيد
رسولُ اللهِ وَّلَهِ يُحِبُّ مُوافَقةً أهلِ الكتابِ فيما لم يُؤْمَرْ فيه بشىءٍ، ثم فَرَق
رسولُ اللهِ وَهْ رَأْسَهُ(١).
ورواه معمرٌ ) وابنُ عیینةً، عن الزهرى، عن ◌ُبیدِ اللهِ مُرسَلًا ، لم یذ ◌ُرًا
ابنَ عباسٍ. قال محمدُ بنُ يحيى النَّيْسابورىُّ: والصحيحُ المحفوظُ ما رواه
يُونُسُ وإبراهيمُ بنُ سعدٍ. قال: وما أظُنُّ ابنَ عُبِينةَ سَمِعه من الزهرىِّ.
قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ من الفقهِ؛ تركُ حَلْقٍ شَعَرِ الَّأْسِ، وحبسُ
(٣)
الجُمَمِ().
وفيه دليلٌ على أنَّ حبسَ الجُمَّةِ أفضلُ من الحلقِ ؛ لأنَّ ما صنَعه رسولُ اللهِ
وَلَه فى خاصَّتِه أفضلُ ممَّا أَقَّ الناسَ عليه ولم يَنْهَهم عنه ؛ لأنَّه فى كلِّ أحوالِهِ
فى خاصةٍ نفسِه، على أفضلِ الأمورِ وأكمَلِها وأَرْفَعِها، وَّهِ.
وفيه أيضًا من الفِقْهِ؛ أنَّ الفَرْقَ فى الشَّعَرِ سُنَّةٌ ، وأنَّ أَوْلَى من السَّدْلِ ؛ لأنَّه
آخِرُ ما كان عليه رسولُ اللهِ ◌ِهِ، وهذا الفَرْقُ لا يكونُ إلَّ مع كثرةٍ شعَرِه
وطُولِه .
القبس
(١) أخرجه مسلم (٩٠/٢٣٣٦)، والنسائى (٥٢٥٣)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤٨٩/١،
وفى شرح المشكل (٣٦٣٤) من طريق ابن وهب به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٥١٨)، والحازمى فى الاعتبار ص١٩٤ من طريق معمر به.
(٣) الجمة: مجتمع شعر الرأس. القاموس المحيط (ج م م).
٦٥٧
( موسوعة شروح الموطأ ٤٢/٢٢ )
الموطأ
التمهيد
والنَّاصِيَةُ شَعَرُ مُقدَّم الرأسِ كُلُّه، وسَدلُه: تَرِكُه مُنْسدِلًا سائِلًا على هَيقَتِه،
والتَّفْرِيقُ: أَنْ يَقْسِمَ شَعَرَ ناصيَتِه يمينًا وشمالاً، فَتَظهَرَ جَبهتُه وجَبِينُه من
الجانبَيْنِ، والفرقُ سنةٌ مَشئونةٌ، وقد قيل: إنَّها من مِلَّةِ إبراهيمَ وسُنَّتِه
ذكَر الكلبىُّ، عن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَإِ
أَبْتَّ إِبْرَهِمَ رَبُُّ بِكَلِمَةٍ فَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]. قال : الكَلِماتُ عشرُ خِصالٍ؛
خَمسٌ منها١) فى الرأسِ، وخَمسٌ فى الجَسَدِ ؛ فأمَّا التى فى الرأسِ، ففَرْقُ
الشَّعَرِ، وقَصَّ الشَّارِبِ، والسّواكُ، والمضمضةُ، والاستنشاقُ. وأمّا التى فى
البَدَنِ ، فالخِتانُ، وحلقُ العانةِ ، والاستنجاءُ، ونَتْفُ الإِبْطِ، وتقليمُ الأظفارِ(١).
(٤)
وقولُه: ﴿فَأَتَمَّهُنّ
﴾. أى: عَمِل(١) بِهِنَ(٤).
قال أبو عمرَ: يُؤْكِّدُ هذا قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ أَتَّبِعْ
مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا﴾ الآية [النحل: ١٢٣]. وقولُه تبارك وتعالىَ: ﴿إِنَّ أَوْلَى
النَّاسِ بِإَِهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[آل عمران: ٦٨] .
حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسِم، قال: حدَّثنا أبو منصور محمدُ بنُّ سعدٍ
القبس
(١) فى ص ٤: ((منهن).
(٢) فى م: ((الأظافر)).
(٣) فى ص ٤: ((فعل)).
(٤) ينظر الدر المنثور ٥٧٩/١، ٥٨٢.
٦٥٨
الموطأ
الباوَزْدىُّ(١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ سلَّام ويحيى بنُ محمدِ بنِ التمهيد
صاعدٍ، قالا: حدَّثنا الجَرَّامحُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنَا قُرَيْشُ بنُ إسماعيلَ بنِ
زكريا الكوفىُ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ عِمرانَ، عن محمدِ بنِ سُوقةً، عن
نافعٍ، عن ابنٍ عُمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((اخْتَضِبُوا، وَفَرَّقُوا(١)،
وَخَالِفُوا الْيَهُودَ)) (١) . وهذا إسنادٌ حسنٌ، ثقاتٌ كلُّهم.
وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ، حدَّثنا أبى، حدَّثنا محمدُ بنُ
قُطيسٍ ، حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا عيسى بنُ دينارٍ ، عن ابنِ القاسِمِ، عن
مالِكِ ، قال : رأيتُ عامِرَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ، وربيعةَ بنَ أبى عبدِ الرحمنِ،
وهشامَ بنَ مُروةَ ، يَفْرُقُون شُعُورَهم، وكانت لهم شُعورٌ، وكانت لهشامٍ مُجمَّةٌ
إلی کَیِفَیه .
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، حدَّثنا علىٍّ، حدَّثنا أحمدُ، حدَّثنا سُحنونٌ، حدَّثنا
ابنُّ وهبٍ، قال : أخبرنى أسامةُ بنُ زِيدِ اللَِّئُ، أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كان إذا
انصرَف مِن الجُمُعةِ أقام على بابِ المسجدِ حَرَسًا يَجْزُّونَ كلَّ سِىٌ) الهيئةِ فى
شَعَرِه لم يَفْرُقْه .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ
القبس
(١) فى م: ((الماوردى)). وينظر تهذيب الكمال ٣١٣/٣١.
(٢) كذا فى النسخ، وفى مصدر التخريج: ((فرقوا)).
(٣) أخرجه ابن عدى ٦١٤/٢ عن ابن صاعد وحده به .
(٤) فى م: ((شين)).
٦٥٩
الموطأ
التمهيد أحمدَ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ - يعنى الأثرَمَ -
قال: سألتُ أبا عبدِ اللهِ - يعنى أحمدَ بنَ حنبل - عن صِفةٍ شَعَرِ النبيِِّهِ،
فقال: جاء فى الحدیثِ انَّه كان إلی شَخمَةِ أُذُنِیه ، وفى بعضِ الحديثِ : إلى
مَنْكِبَيه، وفى بعضِ الحديثِ أَنَّه فَرَقَ . قال : وإنَّما يكونُ الفَرْقُ إِذا كان له شَعَرٌ.
قال: وأحصَيتُ عن ثلاثةَ عَشَرَ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ بَّهِ أَنَّهم كان لهم
شَعَرٌ. فذكّر منهم أبا عُبَيدةَ بنَ الجرّاحِ، وعمَّارَ بنَ ياسرٍ، والحسنَ،
والحسينَ ، وعن ابنٍ مسعودٍ أَنَّ شَعَرَه كان يَبلُغُ تَرْقُوَتَه، وأَنَّه كان إذا صلَّى جعَله
وراءَ أُذُنَيه .
قال أبو عمرَ: فيما حكَاه أحمدُ بنُ حنبلٍ، رَحِمه اللهُ، أنَّه أحصَی من
الصحابةِ ثلاثةَ عَشَرَ رجلًا لهم شَعَرٌ، دليلٌ على أنَّ غيرَهم - وهم الأكثرُ - لم
يكن لهم شَعَرٌ على تلك الهيئةِ، والشَّعَرُ الذى يُشِيرُ إليه الجُمَّةُ والوَفْرةُ(١). وفى
هذا دليلٌ على إباحةِ الحَلْقِ، وعلى حَبْسِ الشَّعَرِ؛ لأَنَّ الهَيَتْنِ جميعًا قد أقرّ
عليهما رسولُ اللهِ وَ لَّ أصحابَه، ولم ينهَ عن شىءٍ منهما، فصار كلُّ ذلكَ
مُباحًا بالشُنَّةِ . وباللهِ التوفيقُ .
وأمَّا الحلقُ المعروفُ عندَهم، فِالجَلَمَيْنِ(١) ؛ لأنَّ الحلقَ بالمُوسَى لم يكنْ
القبس
(١) الوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن . ينظر القاموس المحيط (وف ر).
(٢) الجلم: الذى يُجزُّ به الشعر والصوف، والجلمان: شَفرتاه. وهكذا يقال، مثنَّى، كالمقص
والمقصين. اللسان (ج ل م).
٦٦٠