Indexed OCR Text

Pages 441-460

الموطأ
ماءً، فعُلِّق فى نخلةٍ ، ثم أَتُّوا بذلك الطعام فأكّلوا منه ، وشرِبوا من ذلك الماءِ، التمهيد
فقال رسولُ اللهِ وَله: ((لتُسألُنَّ عن نعيم هذا اليومِ)) (١.
وهذا الحديثُ يستندُ من وجوهٍ صحاحٍ من حديثٍ أبى هريرةً وغيرِه (١) .
وفيه ما كان القومُ عليه فى أولِ الإسلامِ من ضيقِ الحالِ وشظف العيشِ،
وما زال الأنبياء والصالحون يجوعون مرّةً، ويشبَعون أخرى، وتُزْوَى عنهم
الدنيا .
رفيعةٌ لا تَتَأَتَّى لكلِّ أحدٍ ، وقد كان النبيُّ وَِّ أحقَّ الخلقِ بها، وأقدرَهم عليها القبس
وأَوْلَاهم ، الرفيعٍ مرتبيتِه بها ، وكذلك موسى عليه السلامُ، ولكنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أراد أن
يُعَزَّى(١) الخلقُ بهم، وأن يَسُنَّ ) السُّنَّةَ بهم؛ لِما علِم مِن ضَعْفٍ تَوَكُلِهِم، وقِلَّةِ
صبرهم .
والخروج عند الحاجةِ يكونُ علی وجھین؛ إمّا بالتَّعُضِ مِن غیرِ سؤالٍ، كما
فعَل أبو هريرةَ حينَ خرَج يَشْتقرِىُ القرآنَ " لعل يُعرَفُْ فى صوتِه الجويُ؛ صيانةً
لماءِ الوجهُ مع التَّوَسُلِ بالإعلام بالحاجة ، فلم يَفْهمْ أحدٌ ذلك منه ممَّن تعرّض له
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٤/١٧ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٩٥٧). وأخرجه
حماد بن إسحاق فى تركة النبى ( ص ٦٦ من طريق مالك به .
(٢) سيأتى تخريجه فى ص ٤٤٣ - ٤٤٨.
(٣) فى د: ((يقتدى)).
(٤) فى د: ((يبين)).
(٥ - ٥) فى ج، م: ((لعله يفهم)).
(٦) فى د: ((الوجنة)).
(٧) فى ج، م: ((بالأعمال)).
٤٤١

الموطأ
وفيه طلبُ الرزقِ ، والنزولُ على الصديقِ وأكلُ مالِه ، والسُّنةُ فى الضيافةِ،
التمهید
برُّ الضيفِ بكلِّ ما يُمكِنُ ويحضُرُ إذا كان مستحقًّا لذلك .
وفيه كراهيةُ ذَبْح ما يجرِى نفعُه مياومةٌ (١) ومداومةً كراهيةَ إرشادٍ ، لا
کراھیاً تحریم .
وفيه استعذابُ الماءِ وتخيُّرُه وتبريدُه للريح، وغير ذلك فى معناه .
القبسِ إلا رسولُ اللهِ وَّه(١). وإما أن يَخْرُجَ إلى شخصٍ معينٍ يَغْلِبُ على ظَنِّه أنه يرفَعُ
حاجته. وإِمَّا أن يَعرِضَ نفسَه على كلِّ أحدٍ ، وهى الغايةُ فى الكشفةِ، ولكنَّه ينبغِى
أن يَتَنزّلَ المرءُ فى هذه المنازلِ، ويأْخُذَها أوّلًا فأوَّلًا على هذا الترتيبِ، حتى يحكم
اللهُ عزَّ وجلَّ بإيقافِهِ حيثُ شاء منها. ولمَّا خرَج النبيُّ بَِّ فى أصحابِه إلى أبى
الهيثم، وخبّر لهم وذبَح واستَعذَبَ ، فبلَغوا ما أرادوا مِن ذلك، قال لهم النبيُّ بَيْهِ:
(الَتُشْأَلُنَّ عن نعيم هذا اليوم). إشارةً إلى أنهم لو وجَدوا كِشْرةً تُقِيمُ الصَّلْبَ وتَحْفَظُ
القوةً، لکان فى ذلك کفایةً ونغمةً ، و کیف وقد وجدوا الأُثَانِئ الثلاثة التى يقوم بها
قِدْرُ اللَّذَّةِ؛ وهى الخبزُ، واللحمُ، والماءُ الباردُ. وقد اختلفوا فى ضَبْطِ قوله:
(لَتُسْألُنَّ)). هل هو بالتاءِ على معنى خطابٍ النبيِّ وَّر للقومٍ، أو بالنون على معنى
الإخبارِ عنه وعنهم، والنبيُّ بَِّ لا شكُّ مسئولٌ، ولكن مضمونٌ عنه صحةُ ما
يقولُ، وسائرُ الخلقِ يَتفاوتون فى المَرْتبةِ، فَأَقْواهم حَُّةٌ أعظمُهم سلامةً،
وخصوصًا أبا بكرٍ وعمرَ رضِى اللهُ عنهما، ولهذا طُرِح لعمرَ صائحٌ مِن تَمْرٍ فأكّله
(١) فى ف: ((موائمة)). ومياومة: يوما بيوم. ينظر اللسان (ى وم).
(٢) البخارى (٦٤٥٢)، والترمذى (٢٤٧٧) .
٤٤٢

الموطأ
وفيه دليلٌ على أنَّ ما سَدَّ الجوعَ وستر العورةَ من خَشِنِ الطعامِ واللباسِ، التمهيد
لا يُسألُ عنه المرءُ فى القيامةِ، واللهُ أعلمُ، وإنما يُسألُ عن النعيم . هذا قاله
ابنُ عيينةَ، واحتجّ بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ لآدمَ: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُأْ فِيَهَا وَلَا
تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩]. وبقولِه: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ الَّعِيمِ﴾
[التكاثر: ٨]. وهذه المسألةُ فيها نظرٌ واختلافٌ، وليس هذا موضعَ ذکرٍ
ذلك . وبالله التوفيقُ .
وأما أبو الهيثم بنُ التّهانِ ، فاسمُه مالكُ بُ التيهانِ، وقد ذكرناه فى
((الصحابةِ))(١) . ونسبناه وذكّرنا خبرَه، فأغنَى عن ذكرِه ههنا .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ
وضَّاحِ، قال : حدّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال : حدَّثنا خلفُ بنُ خلیفةً ، عن
يزيدَ بنِ كَيسانَ، عن أبى حازمٍ، عن أبى هريرةَ، قال: خرج رسولُ اللهِ وِّل
ذات ليلةٍ ، فإذا هو بأبى بكر وعمر، فقال: « ما أخرجكما من بیوتكما فى هذه
الساعةٍ؟)). قالا: الجوعُ يا رسولَ اللهِ. قال: ((وأنا والذى نفسى بيدِه،
لأَخرجنى الذى أُخرَجَكما، فقوموا)). فقاموا معه، فأتَى رجلاً من الأنصارِ،
لحاجتِه إليه (١) ، ولو فَقَده لصبّر عنه، فقد صبرَ ما لم يَقْدِرْ أحدٌ عليه، وذلك أنه لم القبس
يَأْتِدِمْ طولَ ما أجدَب الناسُ حتى أخصَبوا (٣).
(١) الاستيعاب ١٧٧٣/٤.
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٨٠٢).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٨٠١).
٤٤٣
1
٠٢

الموطأ
التمهيد فإذا هو ليس فى بيتِه، فلما رأته المرأةُ قالت : مرحبًا وأهلًا. فقال رسولُ اللهِ
وَلِّ: ((أين فلانٌ؟)). قالت: انطلَق ليستعذِبَ لنا من الماءِ. إذ جاء
الأنصارىُّ، فنظَر إلى رسولِ اللهِ وَ له وصاحبَيْه فقال: الحمدُ للهِ، ما أحدٌ اليومَ
أكرَمَ أضيافًا منِّى. قال: فانطلَق فجاءَهم بعِذْقٍ فيه بُسرٌ وتمرّ ورُّطَبٌّ . فقال:
◌ُلوا من هذا. وأَخَذ المُدْيَةَ، فقال له رسولُ اللهِ وَهِ: ((إياك والحَلُوبَ)).
فذْبَح لهم شاةً، فأكلوا من الشاةِ ومن ذلك العِذقِ، وشرِبوا، فلمَّا أن شبِعوا
ورَوَوْا، قال رسولُ اللهِ نَّهِ لأبى بكرٍ وعمرَ: ((والذى نفسِى بيدِه، لتُسألُنَّ عن
هذا النعيم يومَ القيامةِ، أخرَجَكما من بيوتِكما الجوُ، ثم لم ترجعوا حتى
أصابكم هذا النعيم)»(١).
وقال عبدُ اللهِ بنُّ رواحةً فى هذه القصةِ يمدَحُ بها أبا الهيثم بنَ التَّهانِ(١):
ولا مثلَ أضيافِ الأَراشِيِّ معشَرًا
فلم أرَ كالإسلامِ عزَّا لِأُمّةٍ
وخيرُ بَنِى حَوَّاءَ فَرْعًا وعُنصُرَا
نبىٌّ وصِدِّيقٌ وفاروقُ أُمَّةٍ
وكان قضاءُ اللهِ قَدْرًا مُقدَّرًا
فوافَوْا لميقاتٍ وقدْرٍ قضيةٍ
شُموسَ الضُّحی مجودًا ومجدًا ومفخرًا
إلى رجلٍ تَجْدِ يُيارِى بجودِه
إذا لبس القومُ الحديدَ المُسَمَّرَا
وفارسٍ خلقِ اللهِ فى كلِّ غارةٍ
القبس
(١) أخرجه مسلم (٢٠٣٨)، وابن ماجه (٣١٨٠) عن ابن أبى شيبة به، وأخرجه أبو يعلى
(٦١٨١)، والطحاوى فى شرح المشكل (٤٧٤)، والطبرانى ٢٥٧/١٩ (٥٧١) من طريق خلف
ابن خليفة به .
(٢) ديوان عبد الله بن رواحة ص ١٥٦، ١٥٧.
٤٤٤

الموطأ
فَفَدَّى وحيًّا ثم أدنَى قراهُمُ فلم يَقْرِهم إلا سَمِينًا متمَّرَاً التمهيد
وقرأتُ على قاسم بنِ محمدٍ ، أن خالدَ بنَ سعدٍ حدَّثهم، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ فُطَيْسٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصائغُ بمكةَ ، قال: حدَّثنا
يحيى بنُ أبى بُكيرٍ، قال: حدَّثنا شَيبانُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ الملكِ بنِ
عُميرٍ ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هريرةَ ، قال : خرج رسولُ اللهِ
وَلَه فى ساعةٍ لا يخرجُ فيها(١) ولا يلقاه فيها أحدٌ، فأتاه أبو بكرٍ فقال: ((ما
أخرَجَك يا أبا بكرٍ؟)). قال: خرَجتُ للقاءِ رسولِ اللهِ بَلَه والنظرِ فى وجهِه.
قال: فلم يلبَتْ أن جاءَ عمرُ، فقال: (( ما أُخرَجَك يا عمرُ؟)). قال: الجوعُ.
قال: ((وأنا قد وجَدتُ بعضَ الذى تجِدُ ، انطلِقوا بنا إلى أبى الهيثمِ بنِ
التَّيُّهانِ)). وكان رجلًاً(١) كثيرَ النخلِ والشاءٍ(٤)، ولم يكن له خدَمٌ، فأتَوه فلم
يجِدوه، ووجَّدوا امرأته، فقالوا: أين صاحبُكِ؟ فقالت: ذهَب يستعذِبُ لنا
الماءَ من قناةٍ بَنى فلانٍ. فلم يلبَثْ أن جاء بقربةٍ تَزْعَبُها(٥) فوضَعها، ثم أَتَّى
رسولَ اللهِ وَ لّ فجعَل يلتزِمُه ويُقدِّيه بأبيه وأَمِّه، فانطلَق بهم إلى ظلِّ، وبسَط
لهم بساطًا، ثم انطلق إلى نخلِه، فجاء بقِنْرٍ فوضَعه، فقال رسولُ اللهِ وَليلةٍ :
القبس
(١) اللحم المتمر: المقطع. اللسان (ت م ر).
(٢) فى م: ( فيه )).
(٣) سقط من: ف، م.
(٤) فى م: ((الشاه)).
(٥) سقط من: ف، م. ويزعبها: أى يتدافع بها ويحملها لثقلها. وقيل: زعب بحمله، إذا
استقام. النهاية ٣٠٢/٢.
٤٤٥

الموطأ
التمهيد ((ألا تنقَّيْتَ لنا من رُطَبِه؟)). فقال: أردتُ أن تتخيَّرُوا من رُطَبِه وبُشْرِه . فأكلوا
ثم شرِبوا من الماءِ، فلما فرَغوا قال رسولُ اللهِ وَله: ((هذا والذى نفسِی بيدِه
من النعيم الذى أنتم عنه (١) مسؤولون؛ هذا ظِلٌّ باردٌ، والرّطَبُ الباردُ، عليه المَاءُ
الباردُ)). ثم انطلَق يصنَعُ لهم طعامًا، فقال رسولُ اللهِ وَلِهِ: (( لا تذبَحْ ذاتَ
دَرِّ)). قال: فذبَح لهم عَنَاقًا فأكلوا، فقال رسولُ اللهِ وَلَه: ((هل لك من
خادمٍ؟)). قال: لا. قال: ((فإذا أتانا(٢) شىءٍ(٣) - أو قال: سَبْىٌ - فَأْتِنَا)).
قال: فجاء رسولَ اللهِ وَ﴿ رأسان ليس لهما ثالثٌ ، فأتاه - يعنى أبا الهيثم -
فقال له رسولُ اللهِ وَهِ: ((اختَرْ أحدَهما)). فقال: يا رسولَ اللهِ ، خِزْلى. قال
رسولُ اللهِ وَّلَهِ: ((المستشارُ مُؤْتمَنٌ ، خُذْ هذا، فإنى رأيتُه يُصلّى، واستوصٍ
به معروفًا)). فأتَى به امرأتَه، فحدَّثها بحديثٍ رسولِ اللهِ وَّةِ، فقالت له
امرأتُه: ما أنت ببالغ ما قال رسولُ اللهِ وَلِّ فيه حتى تُعتِقَه. قال: هو عَتيقٌ.
فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((إنَّ اللهَ لم يبعَثْ نِيًّا ولا خليفةً إلَّا له بِطَانتان؛ بِطانةٌ
تأمُّرُه بالمعروفِ وتنهاه عن المنكرِ ، وبطانةٌ لا تألُوه خَبالًا ، ومَن يُوقَ بِطانةَ الشرّ
فقد ؤُقِى )) (٤).
القبس
(١) فى م: ((عليه)).
(٢) فى الأصل: ((أتانى)).
(٣) فى ر ١: ((سِبًّا)).
(٤) أخرجه أبو داود (٥١٢٨)، وابن جرير فى تفسيره ٦٠٦/٢٤ من طريق يحيى به مختصرًا،
وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٢٥٦)، والترمذى (٢٣٦٩)، والطبرانى ٢٥٦/١٩ (٥٧٠) من
طريق شيبان به .
٤٤٦

الموطأ
وروَى هذا الحديثَ بتمامِه عن عبد الملكِ بنِ عُمیر ؛ أبو عوانةَ (١) ، وأبو التمهيد
حمزةَ الشّكَّرِىُّ(٢)، كما رِوَاه شَيْبانُ. وقد رواه حسينٌ المَزْوَرُوذِىُّ(٢) ، عن
شيبانَ مختصرًا .
حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا جعفرٌ
ابنُّ محمدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ محمدِ المَرْوَرُوذِىُّ، قال: حدّثنا
شَيْبانُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، عن أبى سَلَمةً، عن أبى هريرةَ قال: أَتَّى
رسولُ اللهِ وَه، وأبو بكرٍ، وعمرُ، أبا الهيثم بنَ التَّهَانِ الأنصارىَّ، فأكّلوا مِن
رُطَبِهِ ويُشْرِهِ، وشرِبوا مِن الماءِ، فقال رسولُ اللهِ وَله: ((هذا والذى نفسِی
بيدِه النعيمُ الذى أنتم عنه مسئولُون يومَ القيامةِ، هذا الظُّلُّ الباردُ ، والؤُطَبُ
الباردُ، والماء الباردُ)). ثم قال رسولُ اللهِ وَ لير: ((هل لك من خادم؟)). فذكر
الحدیثَ إلى آخرِه سواءً .
ورُوِى من حديثٍ جابرٍ مختصَرًا، حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ ( محمدِ بنِ بكر٤ٍ) ، قال: حدَّثنا موسى بنُ هارونَ الحمالُ،
قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ الحجاج، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن عمارِ بنِ
القبس
(١) أخرجه الترمذى (٢٣٧٠)، وحماد بن إسحاق فى تركة النبى وَ لقر ص ٦٧ من طريق أبى
عوانة به مرسلًا، قال الترمذى: ((ولم يذكر فيه : عن أبى هريرة)).
(٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٦٩٧) من طريق أبى حمزة به .
(٣) فى ف: ((المرورى))، وفى م: ((المروزى)). وينظر الجرح والتعديل ٣/ ٦٤.
(٤ - ٤) فى الأصل، م: ((بن بكير))، وفى ف: ((بن محمد بن بکیر)).
٤٤٧

١٨٠١ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أن عمرَ بنَ الخطَّابِ كان
الموطأ
يأكُلُ خبزًا بسَمنٍ، فدعا رجلاً من أهلِ الباديةِ ، فجعَل يأكُلُ ويَتَّبِعُ
باللُّقمةِ وضَرَ الصَّحفةِ، فقال له عمرُ: كأنك مُقْفِرٌ! فقال: واللهِ ما
أكَلتُ سمنًا ولا رأيتُ آكلًا له منذُ كذا وكذا. فقال عمرُ: لا آكلُ
التمهيد أبى عمارٍ، عن جابرٍ بنِ عبدِ اللهِ، قال: جاءَنا رسولُ اللهِ وَلَه، وأبو بكرٍ،
وعمرُ، فأطعَمْناهم رُطَبًّا، وسقَيناهم مِن الماءِ، فقال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((هذا
من النعيم الذى تُسأَلون عنه))(١).
وقد رُوى هذا الحديثُ عن أبى بكرٍ(٢)، وعمرَ(٣)، وأبى الهيثم بنٍ
التَّهانِ(٤)، وأمّ سَلَمةَ(٥)، بأسانيدَ صالحةٍ ومعانٍ مُتقاربةٍ.
وذگر الفریاہیُ ، قال: حدثنا ورقاء، عن ابنِ أبی نجیح، عن مجاهدٍ فی قولِه :
﴿ثُمَّ لَتُتْثَلُنَّ بَؤْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. قال: كلُّ شىءٍ مِن لَدَّةٍ
(٦)
الدنيا
.
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، أَن عمرَ بنَ الخطابِ كان يأْكُلُ خبزًا بسمنٍ،
الاستذكار
القبس
(١) أخرجه أبو يعلى (١٧٩٠)، وابن حبان (٣٤١١)، والطبرانى ٢٥٨/١٩ (٥٧٢) من طريق
إبراهيم به .
(٢) أخرجه ابن ماجه (٨١٣١)، والمروزى فى مسنده (٥٥)، وأبو يعلى (٧٨).
(٣) أخرجه البزار فى مسنده (٢٠٥)، وأبو يعلى (٢٥٠)، والطيرانى ٢٥٣/١٩ (٥٦٨).
(٤) أخرجه ابن قانع فى معجم الصحابة ٣٣/٣.
(٥) أخرجه أبو يعلى (٦٩٤٢).
(٦) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٦١٠/٢٤ من طريق ورقاء به.
٤٤٨

السَّمنَ حتى يحيا الناسُ من أولٍ ما يَحيَوْنَ .
الموطأ
فدعا رجلًا مِن أهلِ الباديةِ، فجعَل يأكُلُ ويَتَّبِعُ باللُّقمةِ وَضَرَ الصَّحْفَةِ ، فقال له الاستذكار
عمرُ: كأنك مُقْفِرٌ! فقال: واللهِ ما أكَلتُ سمنًا ولا رأيتُ ((آكِلَا له) منذُ كذا
وكذا. فقال عمرُ: لا آكُلُ السمنَ حتى يَحيًا الناسُ مِن أولٍ ما يَخْيَون(٢).
قال أبو عمر : وُزْوَی : يُحتی الناسُ مِن أولٍ ما يُخيّون . وهذا الحديثُ قد
رواه غيرُ مالكٍ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن محمدٍ بنٍ يحيى بنِ حَبَّنَ .
ذكره أبو بكرِ بنُ أبى شيبةً(٢) ، قال: حدَّثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن يحيى بنِ
سعيدٍ، عن محمدٍ بنٍ يحيى بنِ حَبَّنَ، قال: كان بينَ يَدَیْ عمرَ صَحفةٌ فيها
خبزٌ مَفْتوتٌ بسمنٍ، فجاء رجلٌ كالبدوىِّ، فقال: كُلْ. فجعَل يَتَبِعُ وَضَرَ
الدَّسَمِ باللَّقْمةِ فى جنوبِ الصَّخْفةِ، فقال عمر: كأنك مُقْفِرٌ ! ثم ذكره إلى
آخرِه سواءً .
قال أبو عمرَ : فى هذا الخبرِ تواضعُ عمرَ ومؤاكلتُه الضعفاءَ مِن أهلِ الباديةِ
وغيرهم. وهذه القصةُ كانت، واللهُ أعلمُ، عامَ الرَّمَادةِ؛ فإنها كانت شدَّةً
شديدةً، ومَشْغَبةً(٤) عامَّةً، وكان ذلك عامين أو ثلاثةً، مُنِع أهلُ الحجازِ فيها
غيثَ السماءِ، فساءَتْ بهم الحالُ، وقيل لها: أعوامُ الرّمادةِ. لأن الأرضَ
القبس
(١ - ١) فى الأصل، ط ١، ط: ((آكلا به))، وفى ح، هـ: ((أسيلا له))، وفى م: ((أكلا به)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٢٩)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/١٧ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٩٥٩). وأخرجه البيهقى فى الشعب (٥٦٨٢) من طريق مالك به .
(٣) ابن أبى شيبة ٢٧١/١٣.
(٤) فى الأصل: ((مصابة))، وفى ط، و، ط ١: ((مصغبة)).
٤٤٩
( موسوعة شروح الموطأ ٢٩/٢٢ )

الموطأ
الاستذكار كانت قد اغبرَّت مِن شدةِ الجَدْبِ، فكان الغُبَارُ يرتفعُ بينَ السماءِ والأرضِ
كالرَّمادِ . ومَن قال: عامَ الرَّمادةِ. أشار إلى أشدِّها .
ورُوِى عن ثابتٍ ، عن أنسٍ ، قال: تَقْرْقرَ بطنُ عمرَ ، وكان يأكُلُ الزيتَ
عامَ الرمادةِ ، وكان قد حرَّم على نفسِه السمنَ . قال : فنقَر بطنه باصبعِه وقال :
قَرْقِرْ ما شئتَ أن تُقرقِرَ، إنه ليس لك عندَنا غيرُ هذا حتى يَحْيا الناسُ . رواه
عبدُ(١) اللهِ بنُ نُميرٍ، عن عبيدٍ(١) اللهِ بنِ عمرَ، عن ثابتٍ ، عن أنسٍ(١) .
وروَى حسينٌ الجُعْفِىُّ، عن زائدةً، عن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ، عن
عبد الرحمنِ بنِ أبى بكرةً(٤)، عن أبيه قال: إنى لآكُلُ مع عمرَ مِن خبزٍ وزيتٍ
وهو يقولُ: أما واللهِ لتَصْبِرَنَّ(٥) أيُّها البطنُ على الخبزِ والزيتِ ما دام السمنُ يُباعُ
بالأَوَاقِى(١).
وأمَّا وضَرُ الصَّحْفَةِ، فهو ما يتعلَّقُ بها مِن وَدَكِ الطعامِ. والمُقْفِرُ هو
كالمُؤْمِلِ، والمُؤْمِلُ الذى لا زادَ له ولا قُوتَ معه .
القبس
(١) فى الأصل، م: ((عبيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٢٥/١٦.
(٢) فى ح، هـ: ((عبد)). وينظر تهذيب الكمال ١٢٤/١٩.
(٣) أخرجه ابن سعد ٣١٣/٣، وأبو نعيم فى الحلية ٤٨/١ من طريق عبد الله بن نمير به.
(٤) فى الأصل، ح: ((بكر)). وينظر تهذيب الكمال ٥/١٧.
(٥) فى مصدرى التخريج: ((لتمرنن))، وفى البيهقى: ((لتمرين)).
(٦) أخرجه أحمد فى فضائل الصحابة (٤٧١) من طريق زائدة به، وأخرجه ابن سعد ٣١٣/٣،
والبيهقى ٢٦/٦ من طريق عبد الملك بن عمير به .
٤٥٠

الموطأ
وقولُه : حتى يُخْتِى الناسُ. فالروايةُ بضَمّ الياءِ، والمعنى: حتى يُصِيبَ الاستذكار .
الناسَ الحَيَا ( بالمطرِ، ويُغاثوا(١) ويُخْصِبوا، والحَيَا هو الخِصْبُ والغَيْثُ،
تقولُ العربُ : قد أحيا القومُ . إذا أصابَهم الحَيَا) بالمطرِ والخِصْبِ وصاروا مِن
أهلِه .
وكان عمرُ يكرّهُ أن يأْكُلَ شيئًا لا يدرِكُ الناسُ مثلَه؛ لئلا يستأثرَ على رعيته
ويُؤْثِرَ نفسَه عليهم. قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن اسْتَزْعاه اللهُ رعيَّةً، فلم
يُحِطْهِمْ(١) بالنصيحةِ وحُسْنِ الرّعايةِ، لم يَرَحْ رائحةَ الجنةِ))(٤) .
حدَّثنا أحمدُ ، حدَّثنا أبى، حدَّثنا عبدُ اللهِ، حدَّثنا بَقٌّ، حدَّثنا أبو بكرٍ،
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن سعيدِ بنِ أبی
بُؤْدةَ بن أبى موسى قال: كتَب عمرُ إلى أبى موسى: أما بعدُ، فإن أسعدَ
الرُّعاةِ مَن سَعِدت به رعيتُه، وإن أشقَى الرّعاةِ عندَ اللهِ مَن شقِيت به رعيتُه،
فإِيَّاك أن تَزِيغَ فِيَرِيغَ عُمَّالُك، ويكونَ مثلُك مثَلَ البهيمةِ نظرت إلى خضرةٍ مِن
الأرضِ فرعَتْ فيها تبتغِى بذلك السّمَنَ، وإنما حَتْفُها فى سِمَنِها،
(٥)
والسلامُ(٥).
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
(٢) فى م: ((يعانوا)).
(٣) فى ح: ((يخصهم))، وفى هـ: ((يحظهم)).
(٤) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٣٢) من الموطأ .
(٥) ابن أبى شيبة ٢٦٥/١٣ - ومن طريقه أبو نعيم فى الحلية ١/ ٥٠.
٤٥١

١٨٠٢ - مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةً ، عن أُنسِ
الموطأ
ابنِ مالكِ ، قال : رأيتُ عمرَ بنَ الخطابِ ، وهو يومئذٍ أميرُ المؤمنينَ ،
يُطرح له صاعْ من تمرٍ فيأكُلُه حتى يأْكُلَ حَشَفَها .
وقال عمرُ: لو ماتَتْ شاةٌ ضائعةٌ بالفُراتِ ، لقلتُ: إن اللهَ عزَّ وجلٌّ سائلِى
(١)
عنها (١) .
الاستذكار
مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ ( بن أبى) طلحةَ، عن أنسٍ بنِ مالك قال :
رأيتُ عمرَ بنَ الخطابٍ ، وهو يومَئذٍ أميرُ المؤمنين، يُطرَحُ له صاعٌ مِن تمرٍ
فيأكُلُه حتى يأْكُلَ حَشَفَه(٣) .
قال أبو عمرَ : هذا الخبرُ يَدُلَّ على اقتصارِه على أكلِ التَّمرِ دونَ غيرِهِ،
وعلى أنه كان جائعًا، وعلى أنه كان مُخْشوشِنًا فى طَعامِه لا يَنْتَقِيه ، ولا يقولُ
باللّينِ منه .
والخَشفُ ردىءُ التَّمرِ المُسَوَّسُ اليابسُ، وللعربِ مثَلّ تضرِبُه فيمَن باع
شيئًا رديئًا وكالَ كيلَ سُوءٍ، قالت: أحَشَفًا وسُوءَ كِيلَةٍ(٤)؟ ( بكسرِ الكافِ).
القيس
(١) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ١/ ٥٣.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((عن)).
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٢٦)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/١٧ ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٩٦٠). وأخرجه ابن سعد ٣١٨/٣، والبيهقى فى الشعب (٥٦٧٦) من
طريق مالك به .
(٤) مجمع الأمثال ٣٦٧/١.
(٥ - ٥) سقط من: ح، هـ، م.
٤٥٢

الموطأ
١٨٠٣ - مالك ، عن عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ ، عن عبد الله بن عمر ، أنه
قال : سُئل عمرُ بنُ الخطّابِ عن الجرادِ ، فقال: وَدِدْتُ أَن عندِى قَفْعَةً
نأكُلُ منه .
وروَى أحمدُ بنُ حنبلِ(١)، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: الاستذكار
أخبرنا ("إسماعيلُ بنُ أبى١) خالدٍ، عن مصعبِ بنِ سعدِ بنِ أبی وقَّاصٍ ، قال :
قالت حفصةُ بنتُ عمرَ لعمرَ: يا أميرَ المؤمنين، لو لبستَ ثوبًا هو أليَنُ مِن
ثوبِك ، وأكَلتَ طَعامًا هو أطيَبُ مِن طَعامِك، فقد وسَّع اللهُ عليك مِن الرزقِ ،
وأكثر مِن الخيرِ؟ قال : إنى سأُخاصِمُكِ إلى نفسِكِ؛ أمَا تذكُرِينَ ما كان يَلْقَى
رسولُ اللهِ وَلَّ مِن شدَّةِ العَيشِ؟ فما زال يُذكِّرُها حتى أبكاها ، وذكر أبا بكرٍ،
ثم قال: واللهِ لئن استطَعتُ لأشارِ كَنَّهما بمثلٍ عيشِهما الشديدِ؛ لَعلِّى أُدْرِكُ
(٣)
معهما الرّخاءً(٣) .
مالكٌ ، عن عبد الله بن دینارٍ ، عن عبد الله بن عمر ، أنه قال : سُئِل عمرُ بنُ
الخطابِ عن الجرادِ ، فقال: وددتُ أن عندى قَفْعةٌ نأكُلُ منه (٤) .
قال أبو عمرَ: قالوا (٥) : القَفْعَةُ عندَهم ظَرْفٌ يُعملُ مِن الخلفاء(٦) وشِئْهِها
القبس
(١) أحمد فى الزهد ص ١٢٥ .
(٢ - ٢) فى الأصل: ((يزيد بن)). وينظر تهذيب الكمال ٦٩/٣.
(٣) فى ط ١: ((الرضا)).
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٥٣)، وبرواية يحيى بن بكير (١٦/١٧ و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٩٦١). وأخرجه البيهقى ٢٥٨/٩ من طريق مالك به .
(٥) ليس فى: الأصل، ط .
(٦) الحلفاء: نبت أطرافه محددة كأنها أطراف سعف النخل والخوص. اللسان (ح ل ف).
٤٥٣

الموطأ
١٨٠٤ - مالكٌ، عن محمدِ بنِ عمرو بنِ حَلحَةَ، عن حميد
ابنِ مالكِ بنِ خُثيمٍ، أنه قال : كنتُ جالسًا مع أبى هريرةَ بأرضِه
بالعَقِيقِ، فأتاه قومٌ من أهلِ المدينةِ على دوابَّ فنزَلوا عندَه. قال
حميدٌ: فقال أبو هريرةَ: اذهَبْ إلى أمِّى فقُلْ: إن ابنَكِ يُقرئُكِ
السلامَ ويقولُ: أطعِمينا شيئًا. قال: فوضَعتْ ثلاثةَ أقراصٍ فى
صحفةٍ، وشيئًا من زيتٍ ومِلح، ثم وضَعتها على رأسى، وحمَلتُها
الاستذكار مستطيلٌ، كالذى يُحمَلُ فيه عندَنا الترابُ والزّبْلُ على الدوابٌ. والقُفَّةُ عندَهم
التى لها منها غِطاءٌ، وأما عندَنا فالقُفَّةُ مُدوَّرةٌ لا غطاءَ لها، ونحن فى غنّى عن
إعلام أهل بلدِنا بها .
وفى هذا الخبرِ أكلُ عمرَ للجرادِ ، وهو أمرٌ مُجتمَعٌ على جوازٍ أكلِه لمَن
شاء. واختلف العلماءُ هل يَحتاجُ إلى ذَكاةٍ أم لا؟ فكان مالكٌ يقولُ: لا يُؤْكلُ
حتی یُذَگی. وذگاُه عنده قتُه کیف امگن؛ بالدَّوسِ، أو قطع الُّءوسِ، أو
الطرحِ فى النارِ ، ونحوِ ذلك مما يُعالَجُ به موتُه، إذ لا حلْقَ له ولاَ لَكَةَ، فَيُذَكَّى
فيهما بنحرٍ أو ذبح. وقال الشافعىُّ، والكوفىُّ، وسائرُ أهلِ العلم : الجرادُ لا
یحتائج إلی ذکاةٍ . وحكمه عندهم حكمُ الحيتانِ ، يُؤْ كلُ الحىّ منه والميتُ ما
لم يُنْتِنْ.
مالكٌ، عن محمدِ بنِ عمرو بنٍ حَلْحَةَ، عن محميدِ بنِ مالكِ بنِ خُثَيم ، أنه
القبس
حديثُ أبى هريرةَ فى الأضيافِ والغَتَم ؛ لمَّا نزَل الأضيافُ بأبى هريرةَ أَرسَل إلى
٤٥٤

الموطأ
إليهم، فلمَّا وضَعتْها بينَ أيديهم كبّر أبو هريرةَ وقال: الحمدُ للهِ
الذى أشبَعَنا من الخبزِ بعدَ أن لم يكنْ طعامُنا إلا الأسودَينِ الماءَ
والتمرَ. فلم يُصبِ القومُ من الطعام شيئًا، فلمَّا انصرَفوا قال: يا بنّ
أخى، أحسِنْ إلى غنمِكَ، وامسَحِ الرُّعامَ عنها، وأطبْ مُراحَها،
وصَلَّ فى ناحيتها ؛ فإنها من دوابٌ الجنةِ، والذى نفسی بیدِه،
ليوشِكُ أن يأتىَ على الناسِ زمانٌ تكونُ الثَّّةُ من الغنمِ أحبَّ إلى
صاحبها من دارٍ مروانَ .
قال: كنتُ جالسًا مع أبى هريرةً ( بأرضِه بالعَقيق٢١ِ، فأتاه قومٌ مِن أهل المدينةِ الاستذكار
على دوابٌّ فنزَلوا عندَه . قال حميدٌ : فقال أبو هريرةَ : اذهَبْ إلى أمِّى فقُلْ: إنَّ
ابنك يُقرِتُكِ السلامَ ويقولُ: أطعِمينا شيئًا. قال: فوضَعت ثلاثةَ أقراصٍ فى
أمِّه فى أن تُرسِلَ إليه شيئًا. وهكذا سُنَّةُ الضيفِ "أن يُقدَّمَ" إليه نُزُلٌ يَتشاغلُ به القبس
حتى ينظُرَ فيما يَصْلُحُ له، وقد أخبر النبيُّ نَلِ أَن نُزُلَ أَهلِ الجنةِ الذى يُقَدَّمُ إليهم
أولَ دخولهم حتى يَسْتوفوا سائرَ نعيمِھم - ثَوْرٌ وَحشِىٌّ، وحوثٌ مَشْوِىٌّ، يْكُلُ
مِن زيادةٍ كَبِدِهما (١٢) سبعون ألفًا) ، وليس ذلك عن حاجةٍ ، وإنما هو مثالٌ تَجْرِى
عليه السنَّةُ(١) ، ولن تَجِدَ لشنَّةِ اللهِ تَبديلاً.
وأما قولُه: إنها وضّعت مِلْحًا وزيتًا وأقراصًا. فإنما وضَعت المِلْحَ؛ لأن أهلَ
(١ - ١) فى ط ١، ط: ((بأرض العقيق)).
(٢ - ٢) فى ج، م: ((المقدم)).
(٣) فى م: ((كبدها)).
(٤) مسلم (٢٧٢٩) .
(٥) فى ج، م ((الألسنة)).
٤٥٥

الموطأ
الاستذكار صَخْفةٍ، وشيئًا مِن زيتٍ ومِلح، ثم وضَعتها على رأسِى وحمَلتُها إليهم، فلمَّا
وضَعتُها بينَ أيدِيهم كبّر أبو هريرةَ وقال : الحمدُ للهِ الذى أشبَعنا مِن الخبزِ بعدَ
أن لم يكنْ طعامُنا إلا الأسودَيْن التمر والماءَ. فلم يُصِبِ القومُ مِن الطعام شيئًا ،
فلما انصرفوا قال: يابنَ أخى، أحسِنْ إلى غنمِك، وامْسَحِ الرُّعامَ عنها،
وأَطِبْ مُرَاحَها، وصَلٌّ فى ناحيتِها ، فإنها مِن دوابٌ الجنةِ ، والذى نفسی بيده،
ليُوشِكُ أن يأتىَ على الناسِ زمانٌ تكونُ الثَّلَّةُ(١) مِن الغنمِ أحبَّ إلى صاحبِها مِن
دارٍ مروانَ (٣).
القبس تلك البلادٍ لا يجعَلون فى خُبْزِهم مِلْحًا، لأنَّ إدخالَ الملح فيه يُفْسِدُ هيئتَه،
ويَنْقُصُ لذَّتَه، وإنما يأكُلونه بالملح، أو يُكْثِرِون الملحَ فى الإدامِ، فلما رآه
أبو هريرةَ كبّر وحمِد الله عزَّ وجلَّ على أن أشبعه مِن خبزٍ، وقد كان قبلَ ذلك لا
يقدِرُ عليه؛ تَذَكَّرًا على حقِّ النعمةِ بما سبق مِن فَقْدِها، وتَنْبِيهًا للأضْيافِ على
القَدْرِ الذى حضّر منها .
وقولُه: أحسِنْ إلى غَنَمِك. الإحسانُ إلى البهائم أصلّ فى الدينِ حتى فى
ذَبْحِها؛ قال النبيُّ وَلَّ: ((إذا قَتَلْتُم فأخْسِنوا القِتْلةَ، وإذا ذبَحْتُم فأخْسِنوا
الذّبْحةَ))(٤). ثم قال: وامسَحِ الرُّغامَ عنها. يُروَى بالعينِ والغَينِ، وهما سواءٌ، وهو ما
(١) فى ح، هـ، ط ١: ((الرغام)).
(٢) فى هـ، ط ١: ((الثلاثة))، وفى ط: ((الثلث)).
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٧٩)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/١٧ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٩٦٥). وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٥٧٢)، والمزى فى تهذيب
الكمال ٧/ ٣٩٠، ٣٩١، والذهبى فى سير أعلام النبلاء ٢/ ٦١٠، ٦١١ من طريق مالك به.
(٤) مسلم (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٥)، والترمذى (١٤٠٩)، والنسائى (٤٤١٧)، وابن
ماجه (٣١٧٠) .
٤٥٦

الموطأ
قال أبو عمرَ: فى هذا الخبرِ ما كانوا عليه مِن إتحافٍ الضيفِ النازلِ بهم الاستذكار
والقادِمِ عليهم والداخلِ إليهم بما يَسَر مِن الطعامِ، وهذا عندَ الجميعِ
منهم كان معهودًا كالسُّنَّةِ المعمولِ بها، (والمُقَدَّمُ إليه) بالخيارِ؛ إن
قدَر على الأكلِ أُكَل، وإلا فلا حرجَ. ومِن حسنِ الأُدبِ أن يأْكُلَ منه
ما قدَر عليه؛ لتطيبَ بذلك نفسُ الذى قدَّمه إليه .
يَسيلُ مِن الأنفِ، ويُسمَّى مِن ابنِ آدمَ الذَّنِينَ، وهذا يكونُ بقَدْرٍ منازل الحيوانِ فى القبس
الانتفاعِ، فقد كان النبيُّ وَلّهِ يَمْسَحُ بردائِه عن فرسِهُ، وذلك لعظيم منزلته،
وفضلٍ الانتفاع به .
وقولُه : إنها مِن دوابٌ الجنةِ . فأضافَها إلى الجنةِ تَكْرِمةً، كنَى به عن ضَعْفٍ
مُنَّةٍ(١) صاحبِها، حتى تَقِفَ به على شُغُلِه، وتحبِسَه على عبادته ، وتُضْعِفَ هِمَّتَه عن
المُصاولةِ والمُناضلةِ ، بخلافِ الإبلِ؛ فإن هِمَّةَ صاحبِها تتطاوَلُ إلى المقارعةِ (٤)،
وشَدِّ الرِّحالِ عليها إلى ما شاء اللهُ تعالى مِن المطالبِ والأغراضِ ، وفى الحديثِ
الصحيحِ عن النبىِّ بَ لِّ، أنه قال: ((الإبلُ عِزِّ لأهلِها، والغَتَمُ بَرَكةٌ، والخيلُ معقودٌ
فى نواصِيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ)(١).
(١ - ١) فى ح، هـ: ((القادم إليهم))، وفى م: ((المقدم إليهم)).
(٢) تقدم فى الموطأ (١٠٢٥) .
(٣) المنة : القوة . الوسيط (م ن ن) .
(٤) فى د: ((المنازعة)). والمثبت من ج، م ، ونسخة على حاشية د.
(٥) فى ج: ((الأعراض)).
(٦) ابن ماجه (٢٣٠٥).
٤٥٧

الموطأ
الاستذكار
وأما قولُه : أحسِنْ إلى غنمِك. فالإحسانُ إليها ارتيادُ الراعى الحائطِ (١) لها
ءِ
المُتَّبِعِ بها مواضعَ الكلاً وجيدَ المَرْعَى .
وقولُه: امْسَحِ الرُّعَامَ عنها. فالرُّعَامُ ما يَسِيلُ مِن أَنُوفِها مِن المُخَاطِ .
وقولُهُ : أَطِبْ مُرَاحَها . يريدُ: بالكَنسِ ، وإبعادِ الطّينِ منه، وإزاحةِ الوَسَخِ
عنه . والمُرَاحُ الموضِعُ الذى تأوى إليه ليلًا أو نهارًا.
وقولُه: صَلِّ فى ناحيتِها. فمأخوذٌ مِن قولِ النبيِّ نَّهِ: ((صَلُّوا فى
مُرَاحِ الغنم، (ولا تُصلَّوا فى أعطانِ الإبلِ))). وهذا أمرٌ معناه الإباحةُ
عندَ الجميع؛ لأن المساجدَ أوْلى مِن مُرَّاحِ الغنم بالصلاةِ، وفى إباحةٍ
الصلاةِ فى مُرَاحِها دليلٌ على طهارةِ بولِها وبَعْرِها. وقد ذكّرنا اختلافَ
العلماءِ فى ذلك، فى معنى النهي عن الصلاةِ فى أعطانِ الإبلِ فى كتابٍ
(٣)
الصلاةِ(٣) .
وتقولُ العربُ: مُرَائحُ الغنمِ، وعَطَنُ الإبلِ، ومَرابضُ البقرِ. كلُّ ذلك فى
الموضعِ الذى تأوى إليه . وقد قيل: إن عَطَنَ الإبلِ موضِعُ انْصِرافِها ومُنَاخِها
عندَ السَّقي .
والثَّلَّةُّ مِن الغنم، قيل: المائةُ ونحوُها. ودارُ مروان بن الحكم أشرفُ دارٍ
القبس
(١) حاطَه يحوطه: حفظه وتعهده، والحائط: الحافظ. ينظر اللسان (ح وط).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م.
والحديث تقدم تخريجه فى ١٢٦/٦.
(٣) تقدم فى ١٤٥/٦ - ١٤٧.
٤٥٨

الموطأ
١٨٠٥ - مالكٌ، عن أبى نعيمٍ وهبِ بنِ كَيسانَ قال: أُتِىَ رسولُ
اللهِ وَّه بطعام ومعه رَبِيبُه عمرُ بنُ أبى سلِمةً، فقال له رسولُ اللهِ
وَلَهُ: ((سمّ اللهَ، وكُلْ مًا يليكَ)).
الاستذكار
بالمدينة كانت، ولذلك ضرَبت بها العربُ المثَلَ، قال الشاعرُ(١):
ما بالمدينةِ دارٌ غيرُ واحدةٍ دارُ الخليفةِ(٢) إلَّا دارُ مروانًا
وفى هذا الخَبرِ دليلٌ على أن الحديثَ بالحَدَثانِ(١) مبامخ إذا صحَّ عندَ
المُخبِرِ به من أىّ وجهٍ كان، ودليلٌ أيضًا على أن المدنَ تكثُرُ فيها الفتنُ والتَّقاتلُ
على الدنيا حتى تفسُدَ وتهلِكَ، ويكونَ الفِرَارُ عنها(٤) إلى القِفَارِ والشِّعَابِ
بقطائع الغنم، كما قال ◌َ له: « يُوشِكُ أن يكونَ خیر مال المسلم غنم ینْتُ بها
شَعَفَ() الجبالِ ، ومواقِعَ القَطْرِ؛ يَفِرُ بدِينِه مِن الفتن ، ویقیمُ الصلاةَ ، ويُۇنى
(٧)
الزكاةَ))(٧).
مالكٌ، عن أبى نُعيم وهبٍ بنٍ كَيسانَ، قال: أَتِى رسولُ اللهِ وَلّ بطعامِ التمهيد
القبس
(١) تقدم فى ١٣٢/١٣.
(٢) فى و: ((الخلافة)).
(٣) الحدثان : نوائب الدهر وحوادثه. وينظر التاج (ح د ث).
(٤) فى ح، هـ، م: ((منها)).
(٥) فى ح، هـ، و: ((شعب))، وفى م: ((شغف)).
(٦) فى ط ١: ((مواضع)).
(٧) سيأتى فى الموطأ (١٨٨٠).
٤٥٩

الموطأ
التمهيد ومعه رَبِيبُه عمرُ بنُ أبى سلِمَةَ، فقال له رسولُ اللهِ وَّةِ: ((( سمّ اللهَ، وكُلْ
(٢)
مما يليك)) (٢) .
هذا الحديثُ عندَ مالكٍ ظاهرُه الانقطاعُ فى ((الموطأُ))، وقد رواه خالدٌ
ابنُّ مَخْلدٍ ، عن مالكِ ، عن أبى نُعيمٍ وهبِ بنِ كيسانَ، عن عمرَ بنِ أبى سلِمةً ،
أن رسولَ اللهِ وَ لَّه قال له: ((سمّ اللهَ، وكُلْ مما يَلِيك))(١). وهو حديثٌ مسنَدٌ
متَّصِلٌ؛ لأن أبا نُعيم سمِعه من عمرَ بنِ أبى سلمةً، وقد لقِى من الصحابةِ من هو
أكبرُ من عمرَ بنِ أبى سلمةً. قال يحيى بنُ مَعينٍ : وهبُّ بنُ كيسانَ أكبرُ من
الزهرىِّ، وقد سمع من ابنِ عمرَ وابنِ الزبيرِ .
قال أبو عمرَ: قد ذكرنا جماعةً من الصحابةِ سمِع منهم أبو نُعيم هذا،
منهم ابنُ عمرَ ، ومنھم سعدُ بنُ ابی وقّاصٍ و کان بدرًّا ، فکیف یُنگر سماعُه من
عمرَ بنِ أبى سلِمةً؟
حدَّثنا أحمدُ بنُ فَتْح، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشِيقٍ، قال: حدَّثنا أبو
العلاءِ محمدُ بنُّ أحمدَ بنِ جعفرِ الکوفیُّ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفیانَ ،
القبس
(١ - ١) فى الأصل، ف: ((كل بيمينك)).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٤/١٧ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٩٤٣). وأخرجه
البخارى (٥٣٧٨)، والنسائى فى الكبرى (١٠١١١)، والطحاوى فى شرح المشكل (١٥٦) من
طريق مالك به .
(٣) أخرجه الدارمى (٢٠٦٢، ٢٠٨٩)، والنسائى فى الكبرى (١٠١١٠)، والطحاوى فى شرح
المشكل (١٥٤) من طريق خالد بن مخلد به .
٤٦٠