Indexed OCR Text

Pages 381-400

الموطأ
البابَ، وأَوْكِئُوا السّقاءَ، وحَمِّرُوا الإِناءَ، أو (١) أكْفِئُوا الإِناءَ، وأُطْفِئوا التمهيد
المصباح، فإن الشيطانَ لا يَفْتَحُ غَلَقًّا (٢)، ولا يَحُلُّ وِكَاءً، ولا يَكْشِفُ إناء،
وإن الفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ على الناسِ بيتَهم)) (١).
هكذا قال يحيى فى هذا الحديثِ: ((تُضْرِمُ على الناسِ بيتَهم)).
وتارةٌ يَعْلأُ الأُفُقَ، وتارةً يكونُ بَعُوضةٌ، وَلْطُفُ حتى لا يُحِسُ العبدُ(٤) القبس
بِمُحاربةٍ فيه، ولكنَّ هذا التَّصَرُّفَ كلَّه إنما هو خَلْقُ اللهِ تعالى فيه، فإنه تعالى
خالقُ كلِّ شيءٍ، وهو تعالى يَقْبِضُه ويَتسُطُه، فإذا أغلَقْتَ البابَ لم يَجِدِ
الشيطانُ مَنْفَذًا، ولو كانت الفُرْجةُ التى تحتَه ذراعًا فى عشَرَةٍ، وكذلك إذا
أو كَأْتَ السِّقَاءَ، ولو أن تَعْرُضَ عليه عُودًا، فإن ذلك العودَ يكونُ فى حقّه
كالقُفْلِ العظيمِ .
وأمَّا إِطفاءُ النارِ فلأنها عَدُوٌّ لنا ، حالَ اللهُ بيننا وبينَها ، وإنما أُعْطِينا منها فى الدنيا
بِمِقْدارِ الحاجةِ برَسْمِ التَّذْكِرةِ، كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً وَمَتَعًا
لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]. كأنه قال تعالى لنا: هذا عدوك فسخِّره واخْتَرِزْ منه . ومِن
أعوانِ هذا العدوِّ الفُسَّاقُ، كالفأرِ وغيرِهِ، فإذا أطفأتَ المِصْباحَ لم يَجِدِ الفاسقُ
سَبَبًا .
(١) فى النسخ: ((و)). والمثبت من الموطأ، وينظر كلام المصنف ص ٣٨٥.
(٢) الغلق: ما يغلق به الباب. الاقتضاب ٢/ ٤٦٨.
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٥٧)، وبرواية أبى مصعب (١٩٥٠). وأخرجه البخارى فى
الأدب المفرد (١٢٢١)، ومسلم (٣/١٥٩٤)، والترمذى (١٨١٢) من طريق مالك به.
(٤) فى ج، م: ((المرء)).
٣٨١
٢٠

الموطأ
التمهيد
وتابَعَه ابنُّ القاسم، وابنُ وهبٍ(٢). وقال ابنُ بكيرٍ ): ((ثيوتَهم)). وقال
القعنبىُ (٤): ((بيتَهم، أو بيوتَهم))٢١ . على الشَّكُّ.
والفُوَيْسِقَةُ الفأرةُ، سَمَّاها رسولُ اللهِ وَلِّ فاسِقَةً فى هذا الحديثِ وغيرِهِ،
وقال ◌َّهُ: ((خَمْسٌ فواسِقُ تُقْتَلُ فِى الحِلِّ والحَرَمِ)). فذكَر منهُنَّ الفأرةَ(٥).
وكلُّ مَن آذَى مسلمًا، إذا تابَع ذلك، وكَثُر منه، وعُرِف به، فهو فاسقٌ ،
والفأرةُ أَذَاها كثيرٌ، وأصلُ الفِسْقِ الخروج عن طاعةِ اللهِ، ومِن الخروجِ عن
طاعةِ اللهِ أَذَى المسلم، والفأرةُ مُؤْذِيَّةٌ، فلذلك سُمِّيَتْ فاسِقَةً وفُوَيْسِقَةٌ،
والرجلُ الظالِمُ الفاجِرُ فاسِقٌ، والمُؤْذِى بِيَدِه ولِسانِهِ وفِعْلِهِ وسَعِْهِ فاسِقٌ ، قال
اللهُ عز وجل: ﴿ وَاَلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ فَقَدٍ
احْتَمَلُواْ بُهْتَنَا وَإِنْمَا تُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
وقولُه: ((تُضْرِمُ)). أى: تُشعِلُ وتخرِقُ. وقال ابنُ وهبٍ: أمَّا قولُه :
((القُوَيْسِقَةُ تُضْرِمُ على الناسِ بيتَهم)). فإنَّها تَحْمِلُ الفَتِيلَةَ وهى تَتَّقِدُ حتى
تجْعَلَها فى السَّقْفِ . وقال أحمدُ بنُ عِمرانَ الأخفشُ : الفُوَيْسِقَةُ الفأرةُ . وقولُه :
· (( تُضْرِمُ على الناسِ بيتَهم)): تُشْعِلُ البيتَ عليهم بالنارٍ، وذلك أنَّها إذا تَناوَلتْ
-
القبس
(١ - ١) سقط من: ى.
(٢) أخرجه أبو عوانة (٨١٥٥) من طريق ابن وهب به.
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/١٧ و - مخطوط) بلفظ: ((بيتهم)).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٧٣٢) عن القعنبى به .
(٥) تقدم تخريجه فى ٤٦٣/١٠، ٤٦٤، ٤٦٩، ٤٧٠.
٣٨٢

الموطأ
طَرَفَ الفَتِيلَةِ وفيها النارُ، فَلَعَلَّهَا تَمُوُ بثيابٍ، أو بحَطَبٍ، فَتُشْعِلُ النارَ فيها ، التمهيد
فيَلْتَهِبُ البيتُ على أهلِه، وقد أصاب ذلك أهلَ بيتٍ بالمدينةِ ، فذُكِر ذلك
لرسولِ اللهِ وَ﴿ مِن الغَدِ، فقال: ((إن هذه النارَ عَدُوٌّ لكم، فإذا نِمْتُم فَأَطْفِئُوها
عنکم)). قال : حدثنا بذلك أبو أسامةً ، عن بُریدٍ ، عن٢ أبی بُودَةَ، عن أبى
موسى، عن النبيِّ وَ(١).
قال أبو عمرَ: ثبت عن النبيِّ بَّهِ مِن حديثِ ابنِ عمرَ وغيرِهِ أنَّه قال: ((لا
تَتُكوا النارَ فِى ◌ُوتِكُم حينَ تَنامُون». وكان رسولُ اللهِ مَلِّ بالمؤمنین رَءوفًا
رحيمًا .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ، حدَّثنی قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا الترمذىُّ ،
قال: حدَّثنا الحميدىُّ، وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا محمدُ بنُ بکرٍ ،
حدَّثنا أبو داودَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا
وهبُ بنُّ مسرةَ، حدَّثنا ابنُ وضاحٍ، حدَّثنا أبو بكرٍ بنُّ أبى شيبةَ ، قالوا : حدّثنا
سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن الزهرىِّ، عن سالم، عن أبيه، أن النبىَّ مَ لِّ قال: ((لا
تَتَرُّكوا النارَ فى بيوتِكُم حِينَ تَنَامُونَ »(٣).
وحدَّثنا سعيدُ بنُّ نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ،
القبس
(١ - ١) فى النسخ: ((يزيد بن)). وينظر تهذيب الكمال ٥٠/٤.
(٢) سیأتی تخريجه ص ٣٩٠.
(٣) الحميدى (٦١٨)، وأبو داود (٥٢٤٦)، وأحمد ١٤٨/٨ (٤٥٤٦)، وابن أبى شيبة ٤٨٠/٨-
وعنه مسلم (٢٠١٥)، وابن ماجه (٣٧٦٩). وأخرجه البخارى (٦٢٩٣)، والترمذى (١٨١٣)
من طريق سفيان به .
٣٨٣

الموطأ
التمهيد حدَّثنا ابنُّ وضاح، حدَّثنا أبو بكرٍ بنُّ أبى شيبةَ، حدَّثنا محمدُ بنُّ فُضيلٍ، عن
يزيدَ بنِ أبي زيادٍ ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبى نُعم، عن أبى سعيد الخدرىِّ ، أَنَّه
قال: الفأرةُ فُوَيْسِقَةٌ. قيل له: لِمَ قيل لها الفُويسقةُ؟ قال: لأن النبي وَله
استيقظ وقد أخذتْ فَتِيلَةً لتُخرِقَ بها البيتَ(١).
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدَّثنا أبو داودَ ، حدَّثنا
سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، حدَّثنا عمرُو بنُ طَلحةَ، حدَّثنا أسباطُ ، عن سِماكٍ ،
عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ، قال: جاءَتْ فأرةٌ فأخَذتْ تَجُرُّ الفَتِيلَةَ ، فجاءَتْ
بها، فألْقَتْها بينَ يَدَىْ رسولِ اللهِ وَلَه على الخُمْرَةِ التى كان قاعِدًا عليها،
فأخْرَقتْ منها مثلَ موضعِ الدرهمِ، فقال: ((إذا نِعْتُم فأُطْفِئُوا سُرُجَكم، فإن
الشيطانَ يَدُلُّ مثلَ هذه على هذا فتخْرِقَكم)) (١).
وأمَّا قولُه فى هذا الحديثِ: ((وأَوْ كِئوا السُّقاءَ)). فالسقاءُ القِرِبَةُ وشِبْهُها ،
والوٍ كاءُ الخيطُ الذى تُشَدُّ به، فكأنَّه قال عليه السلامُ: اربِطوا فمَ الإناءِ إِذا كان
مِمَّا يُرْبَطُ مثلُه، وشُدُّوه بالخيطِ .
وأمَّا قولُه: ((أْفِئوا الإِناءَ)). فإِنَّه يريدُ: اقْلُوه وكُبُوه وحَوَّلُوه إذا كان
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٥١٣/٥ (طبعة الرشد). وأخرجه ابن ماجه (٣٠٨٩) من طريق ابن فضيل به ، وأخرجه
البخارى فى الأدب المفرد (١٢٢٣)، وأبو يعلى (١١٧٠)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٦٦/٢ من
طریق یزید به .
(٢) أبو داود (٥٢٤٧). وأخرجه عبد بن حميد (٥٨٩)، والبخارى فى الأدب المفرد (١٢٢٢)،
وابن حبان (٥٥١٩)، والحاكم ٤/ ٢٨٤، ٢٨٥ من طريق عمرو بن طلحة به.
٣٨٤

الموطأ
فارِغًا، لا تَدَعُوهِ مَفْتُوحًا ضاحِيًا، يقالُ: كَفَأْتُ الإِناءَ، إذا قَبْتَه، وهى كلمةٌ التمهيد
مَهْمُوزَةٌ ، وأنا أَكْفَؤُه. قال ابنُ هَرْمَةً :
أَمْلَؤُها مَرَّةً وأكْفَؤُها
عندى لهذا الزَّمانِ آنِيَةٌ
وكذلك قولُه: ((أطْفِئُوا المصباحَ)). مَهْمُوزٌ أيضًا، قال الله عز وجل :
﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُوْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَلْفَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]. وقال الشاعرُ:
برزْتُ فى غايَتِى وشايَعَنِى
مُوقِدُ نارِ الوَغَى وَمُطْفِئُها
وقال غيره :
لنِيرَانِ شَوْقِی موقدٌ غيرُ مُطْفِئٍّ
وعاذِلَةٍ هَبَّتْ تلومُ ولَوْمُها
وأمّا قولُه: ((وحَمِّروا الإِنَاءَ)). فالتَّخْمِيرُ ههنا التَّغْطِيَةُ، وما خَمَّرْتَه فقد
غَطّْتَه، وإنَّما يُكْفَأُ مِن الأوَانِى ما لا يُمْكِنُ تَغْطِيْتُه وتَخْمِيرُه .
وقولُه فى حديثٍ مالكِ: ((خَمِّرُوا الإِناءَ، أو أكْفِئُوا الإناءَ)). يَحْتَمِلُ أن
يكونَ التَّخْيِيرُ فى تَخْمِيرِ الإناءِ وتَحْوِيلِه، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ شَكًا مِن
المحدِّثِ .
وفى هذا الحديثِ مِن العلم أيضًا ، أن الشيطانَ لم يُعْطَ مع ما به مِن القُوَّةِ ،
أن يَفْتَحَ غَلَقًا، ولا يَحُلَّ وِكَاءً، ولا يَكْشِفَ إِنَاءً، رَحْمَةً مِن اللهِ تعالى بعبادِه،
ورِفْقًا بهم.
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، حدَّثنا علىٍّ، حدَّثنا أحمدُ، حدَّثنا سُحنونٌ، حدَّثنا
القبس
٣٨٥
(موسوعة شروح الموطأ ٢٥/٢٢)

الموطأ
التمهيد ابنُّ وهب ، قال: أخبرنى ابنُ لَهِيعةَ والليثُ ، عن أبى الزبيرِ المكَىِّ ، عن جابرِ بنِ
عبدِ اللهِ، أن أبا حُميدِ السَّاعدىَّ أَتَّى رسولَ اللهِ بَ لّهِ بِقَدَحِ لبنٍ مِن البقِيعِ، لم
يُخَمِّره، فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((هَلَّا خَمَّرْتَه ولو بُعُودٍ تَعْرُضُه عليه؟)).
حدّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ عبدِ السلامِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ
سعيدٍ، عن ابنٍ جريج، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، عن النبيِّ وَ الإِ قال: ((أطْفِئْ
مِصْبَاحَك، واذكُرٍ اسمَ اللهِ ، وخَمِّرْ إِنَاءَكَ ولو بعُودٍ تَعْرُضُه عليه، واذكُرِ اسمَ
اللهِ، وأَوْكِ سِقَاءَكَ، واذكُرِ اسمَ اللهِ))(٣).
وبه عن يحيى، قال: حدَّثنا ابنُّ عَجْلانَ، عن القَعْقَاعِ بنِ حَكِيمٍ،
عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إِيَّكم والسَّمَرَ"
(٣)
بعدَ هَذْأَةِ الرجلِ، فإن أحَدَكم لا يَدْرِى ما يَبْثُّ اللهُ من خَلْقِه، وغَلَّقُوا
الأبوابَ، وأَوْكِتُوا(٤) السِّقَاءَ، وَخَمِّروا الإِناءَ، أو(٥) الآنيةَ، وَأَطْفِئُوا
المصباح)) ().
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤١/٨، وأحمد ٤٢/٢٢ (١٤١٣٧)، والنسائى فى الكبرى (٦٦٣٣)،
وأبو عوانة (٨١٤١ - ٨١٤٣)، والبيهقى فى شعب الإيمان (٦٠٦٠) من طريق أبى الزبير به.
(٢) أخرجه أحمد ٣٢١/٢٢ (١٤٤٣٤)، وأبو داود (٣٧٣١)، والنسائى فى الكبرى (١٠٥٨١)،
وابن خزيمة (١٣١) من طريق يحيى بن سعيد به .
(٣) فى ى: ((السير))، وأشار فى الحاشية إلى أنه فى نسخة: ((السمر)).
(٤) فى: ى: ((أو کوا)).
(٥) فى النسخ: ((و)).
(٦) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (١٢٣٠) من طريق يحيى بن سعيد به .
٣٨٦
آ

الموطأ
قال أبو عمرَ: ((هَدْأَةِ الرَّجْلِ )). مَهْمُوزَةٌ، قال الشاعر:
التمهيد
کآنِّی قد أقْسَمتُ فی تَزْدِ مَهْدئِی
يُؤَرِّقُنِى ذِكْراكِ فى كلِّ ليلةٍ
ولوعًا بشوقى فاتركِ العَذْلَ واهْدَئی
أعاذِلُ إنَّ العَذْلَ مِمَا يزِيدُنى
وأَنْشَد أبو زيدٍ (١):
بدارٍ ما أُرِيدُ بها مُقَامًا
ونارٍ قد حَضَأْتُ(٢) بُعَيْدَ هَدْءٍ
أُكَالِقُها مَخافَةً أَنْ تَنَامَا
سِوَى تَرْحيلِ(٣) راحِلَةٍ وعينٍ
وقال إبراهِيمُ بنُ هَزْمَةً(4) :
خَوْدِّ تُعاطيكَ بعدَ رَقْدَتِها
إذا يُلاقى العيونَ مَهدَؤُها
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، حدَّثنا عليٍّ، حدَّثنا أحمدُ، حدّثنا سُحْنُونٌ، حدّثنا
ابنُ وهبٍ ، أخبرنى حَيْوَةُ بنُّ شُرَيْحِ وابنُ لَهِيعَةً ، عن عُقِيلٍ ، عن ابنِ شهابٍ ، أنَّ
رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((إذا سَمِعْتُمُ النداءَ وأحَدُكم على فراشِه، أو أينما كان،
فاهْدَءُوا، فإن الشياطينَ إذا سَمِعتِ النداءَ اجْتَمَعوا وعَشَوا(٥)).
القبس
(١) فى النسخ: ((يزيد)). والبيتان فى نوادر أبى زيد ص ١٢٣، ونسبهما إلى شمير بن الحارث
الضبى .
(٢) حضأ النار يحضؤها حضاً: فتحها لتلتهب، وقيل: أوقدها. اللسان (ح ض أ).
(٣) فى نوادر أبى زيد: ((تحليل)).
(٤) شعر إبراهيم بن هرمة ص ٥٧.
(٥) فى ی: ((عشؤًا)).
٣٨٧

الموطأ
قال: وحدَّثنا حَيْوَةُ بنُّ شُريحٍ، عن عُقيلٍ، عن ابنِ شهابٍ، أن
التمهيد
رسولَ اللهِ وَ ◌ّه قال: ((إذا جنَح الليلُ فاخْبِسُوا أولادَكم، فإِنَّه يُبَثُّ فى الليلِ ما
لا يُمَثُّ فى النهارِ)). وقال عُقِيلٌ: يُتَّقَى على المرأةِ أن تتَوضَّأُ عندَ ذلك.
وروَى الليثُ بنُ سعدٍ ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أسامةَ بنِ الهادِى، عن
يحيى بن سعيدٍ ، عن جعفرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الحكم ، عن القَقَاعِ بنِ حَکیمٍ ،
عن جابرٍ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَّلِ قال: ((غَطُّوا الإناءَ، وأوكِثُوا السَّقاءَ،
فإِنَّ فى السَّنَةِ ليلةً يَنْزِلُ فيها وَبَاءٌ، لا يَمُرُّ بإناءٍ ليس عليه غِطاءٌ، أو سِقاءٍ ليس عليه
وكَاءٌ، إلَّا نزَل فيه ذلك الوباءُ، ووَقَع فيه من ذلك الدَّاءِ)). قال الليثُ :
والأعاجِمُ يَتَّقُون ذلك فى كانُونَ الأوَّلِ(٢) .
ورؤَى أبو عاصم النبيلُ، عن ("شَبِيبٍ بنِ بِشْرٍ)، عن عكرمةً، عن ابنِ
عباسٍ، قال: دَخَل رسولُ اللهِ وَ﴿ المخْرَجَ، ثم خرَج، فإذا بِتَوْرٍ(٤) مُغَطَّى،
فقال: ((مَن صنَع هذا؟)). فقال عبدُ اللهِ: أنا. فقال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((اللَّهُمَّ
القیس
(١) فى النسخ: ((يحيى)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٦٤/٥.
(٢) کانون الأول: هو شهر ديسمبر، و کانون الثانى: هو شهر يناير، وهما شهران فى قلب الشتاء بين
تَشْرين الثانى وشباط، ولا شهر بينهما، ويسميهما العرب: شهرى قماح. الوسيط (ك ن ن).
والحديث أخرجه أحمد ١٢٩/٢٣ (١٤٨٢٩)، وعبد بن حميد (١١٣٨)، ومسلم (٢٠١٤)
من طريق الليث به .
(٣ - ٣) فى ى: ((حبيب عن بكر)). وينظر تهذيب الكمال ٣٥٩/١٢.
(٤) التور: إناء من صفر أو حجارة كالإجانة. النهاية ١٩٩/١.
٣٨٨

الموطأ
التمهيد
عَلَّمْه تَأْوِيلَ القرآنِ))(١).
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال :
حدَّثنا الخضِرُ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ الأَثْرَمُ ، قال: سمِعتُ أحمدَ بنَ
حنبلٍ سُئِل عن الرجلِ يضَعُ الوَضُوءَ بالليلِ غيرَ مُخَمَّرٍ ، فقال: لا يُغْجِبُنِى إِلَّا أنْ
يُخَفِّرَ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((خَمِّرُوا الآنيةَ)).
وقال أبو داودَ : قلتُ لأحمدَ بن حنبل : الماءُ المكشوفُ يُوَضَّأُ به؟ قال :
إِنَّمَا أَمَر النبيُّ وَِّ أن يُغَطَّى الإناءُ، ولم يَقُلْ: لا تَتَوَضَّئوا به.
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قالا : حدَّثنا قاسمٌ، حدَّثنا
محمدٌ، حدَّثنا أبو بكرٍ، حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ عبدِ الأعلى، عن محمدِ بنِ
إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ ، عن جابرٍ بنٍ
عبدِ اللهِ ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَ لَه يقولُ: ((إذا سَمِعْتُم نُباح الكلاب ، أو
نُهاقَ الحميرِ ، فَتَعَوَّذُوا باللهِ من الشياطينِ(١) ، فإِنّهم يَرَوْن مَا لا تَرَوْن، وأقِلُّوا
الخُرُوجَ إذا هَدَأْتِ الرّجلُ ، فإنَّ اللهَ بَيْثُ مِن خَلْقِه فى ليلِه ما شاء، وأجِيفُوا
الأبوابَ، واذكروا اسمَ اللهِ عليها، فإن الشيطانَ لا يَفْتَحُ بابًا أُجِيفَ ، واذكُروا
اسمَ اللهِ عليه، وغَطُّوا الجِرارَ، وأَكْفُوا الآنيةَ، وأَوْكُوا الْقِرَبَ))(١).
القبس
(١) أخرجه الطبرانى (١٢٠٢٢)، والحاكم ٥٣٧/٣ من طريق أبى عاصم به .
(٢) فى ى: ((الشيطان)).
(٣) ابن أبى شيبة ٤٢٠/١٠ مختصرا - وعنه عبد بن حميد (١١٥٥) - وأخرجه ابن حبان
(٥٥١٧) من طريق عبد الأعلى به، وأخرجه أحمد ١٨٧/٢٢ (١٤٢٨٣)، والبخارى فى الأدب
المفرد (١٢٣٤)، وأبو داود (٥١٠٣) من طريق ابن إسحاق به .
٣٨٩

الموطأ
التمهيد
وحدَّثنا سعيدٌ وعبدُ الوارِثِ، قالا: حدَّثْنا قاسمٌ، حدَّثنا ابنُ وَضَّاح،
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ نُمَيْرٍ، حدَّثنا أبو (١) أَسَامَةَ، حدَّثنا أبو بُردةً(٢) بنُ أَبِی
بُرْدَةَ، "عن أبى بُرْدَةً)، عن أبى موسى، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((إن هذه
النارَ عَدُوٌّ لكم، فإذا نِمْثُم فَأَطْفِئُوها))(٤) .
حدَّثنا خلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ بنِ
مِهْرَانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ بَدْرِ بنِ النَّفَّاحِ أبو الحسنِ الباهِلِىُّ،
قال : حدثنا إسحاقُ بنُ اُبی إسرائیلَ ، قال: حدثنا حمادُ بنُ زیدٍ ، عن کثیرِ بنِ
شِنْظِيرٍ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((خَمِّرُوا الآنيةَ،
وَأَوْكِثُوا الأُسْقِيَةَ، وأجِيفُوا الأبوابَ، وكُفُوا صِبيانَكم عندَ المساءِ، فإِنَّ للجِنِّ
انتشارًا وخَطْفَةً))(٦).
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) فى النسخ: ((يزيد)).
(٣ - ٣) سقط من: ى.
(٤) أخرجه مسلم (٢٠١٦) من طريق ابن نمير به، وأخرجه البخارى (٦٢٩٤)، وفى الأدب المفرد
(١٢٢٧)، وأبو يعلى (٧٢٩٣)، وأبو عوانة (٨١٧١، ٨١٧٢)، وابن حبان (٥٥٢٠) من طريق
أبى أسامة به .
(٥) فى ى: ((التياح)). وينظر سير أعلام النبلاء ٢٩٥/١٤.
(٦) أخرجه محمد بن طاهر القيسرانى فى تذكرة الحفاظ ١٠٢٦/٣ من طريق المصنف به، وأخرجه
المزى فى تهذيب الكمال ١٢٦/٢٤ من طريق إسحاق بن إبراهيم به، وأخرجه أحمد ٣٥٧/٢٣
(١٥١٦٧)، والبخارى (٣٣١٦، ٦٢٩٥)، وأبو داود (٣٧٣٣)، والترمذى (٢٨٥٧) من طريق
حماد بن زيد به، وعند بعضهم مختصر.
٣٩٠

الموطأ
قال أبو عمرَ: فى مَعْنَى قولِه هذا: ((وخَطْفَةَ)). ما قد ذكره ابنُ أبى التمهيد
الدنيا (١) ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا خالِدُ بنُ الحارثِ
الهُجَيْمِىُ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أَبِى عَرُوبَةَ، عن قتادةَ، عن أبى نَضْرَةَ،
عن عبد الرحمنِ بنٍ أبى ليلى، أن رجلًا مِن قومِه خرَج ليُصَلَّىَ مع قومِه
صلاةَ العشاءِ، فَفُقِد، فانطَلَقَتِ امرَأَتُه إلى عمرَ بنِ الخطّابِ " فحدَّثتْه
بذلك٢)، فسأل عن ذلك قومَها فصَدَّقُوها، فأمَرِها أن تتَرَبَّصَ أربعَ سنينَ،
فتَرَبَّصَتْ، ثم أَتَتْ عمرَ فأخْبَرته بذلك، فسأل عن ذلك قومَها فصَدَّقُوها ،
فأمَرها أن تتَزَوَّجَ، ثم إن زَوْجَها الأَوَّلَ قدِم، فارتَفَعوا إلى عمرَ بنِ
الخَطَّابِ، فقال عمرُ: يَغِيبُ أحَدُكم الزمانَ الطويلَ لا يعلَمُ أهْلُه حياتَه؟
قال : إن لى عُذْرًا. قال: فما عُذْرُك؟ قال: خرَجتُ أصلِّى مع قومى صلاةَ
العشاءِ فسَبَتْنى الجنّ. أو قال: أصابتْنِى الجِنّ، فكنتُ فيهم زَمَانًا، فَغَزَاهم
جِنِّ مؤمنون فقَاتَلوهم، فظَهروا عليهم، وأصَابُوا لهم سَبَايَا، فكنتُ فيمَن
أصابوا، فقالوا: ما دِينُك؟ قلتُ: مسلمٌ. قالوا: أنت على ديننا، لا يَحِلُ
لنا سَبِئِكَ. فَخَيَّرُونى بينَ المُقَامِ وبينَ القُفُولِ، فاخْتَرْتُ القُفُولَ، فأقْبُلُوا
معى؛ بالليلِ (بشرٌ يُحَدِّثونى(٢)، وبالنَّهارِ إِنْصَارُ رِيحِ(٤) أَتَّبُعُها . قال: فما
كان طَعَامُكَ؟ قال: الفُولُ وما لم يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عليه. قال: فما كان
القبس
(١) ابن أبى الدنيا فى الهواتف (١١٣).
(٢ - ٢) سقط من: ى.
(٣ - ٣) فى ى: ((بسير يحدوا بى)، وفى م: ((يسير يحدو بى)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٤) فى ى: ((بريح)).
٣٩١

الموطأ
التمهيد شَرابُكَ؟ قال: الجَدَفُ. قال قتادةُ: الجَدَفُ ما لم يُخَمَّرْ مِن الشرابِ.
قال: فخَيَّره عمرُ بينَ المرأةِ والصَّدَاقِ .
قال أبو عمر : هذا خبر صحیح مِن رواية العراقتين والمگتِین مَشْهُورٌ، وقد
روَى مَعْناه المدَنْيُون فى المفْقُودِ ، إلا أنَّهم لم يذْكُروا مَعْنَى اخْتِطافِ الجِنِّ
للرجلِ ، ولا ذَكَرُوا تَخْبِيرَ المفقودِ بينَ المرأةِ والصَّدَاقِ ، وإنَّما ذكرناه هلهنا مِن
أجْلٍ تَخْمِيرٍ أوَانِى الشرابِ والطعامِ ، وهى لَفْظَةٌ لم أرَها فى(١) هذا الحديثِ فى
غير هذا الإسنادٍ ، وقد ذگونا هذا الخبرَ پاسْنَادِه مِن غیرٍ رواية قتادةً فی بابِ
صَيْفِىٌّ(٢). والحمدُ للهِ.
قال أبو عمر : یُزْوَى هذا الجَدَفُ فى هذا الحدیثِ الجَدَفُ بالدَّالِ ، وقال
أبو عبيدٍ(١) : هو كما جاء فى الحديث ما لا يُغَطّى مِن الشرابِ . قال : وقد قيل :
هو نباتٌ باليمنِ لا يَحْتَاجُ آكِلُه إلى شُرْبِ الماءِ. وَأَنْكَر ابنُ قتيبَةً() هذا، وزَعَم
أَنَّ زَبَدُ الشَّرَابِ، ورِغْوَةُ اللبنِ. قال: وسُمِّى جَدَفًا لأَنَّه يُقْطَغُ وُزْمَی عن
الشرابٍ. قال: وقد يجوزُ أن يُقالَ لِمَا لا يُغَطّى مِن الشرابِ: جَدَفٌ(٥)، كأنَّ
غِطَاءَه بجدِفَ ، أىْ : قُطِع .
القبس
(١) فى ى: ((من)).
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٨٩٧) من الموطأ .
(٣) غريب الحديث لأبى عبيد ٣/ ٣٨١، ٣٨٢.
(٤) غريب الحديث لابن قتيبة ٣٩/٣.
(٥) فى ى: ((جدنا)).
٣٩٢

الموطأ
١٧٩٤ - مالكٌ، عن سعيدٍ بن أبى سعيد المقبرىِّ، عن أبى
شُرِيحِ الكَغْبِىِّ، أن رسولَ اللهِ وَّه قال: ((مَن كان يُؤْمنُ باللهِ واليومِ
الآخرِ فليقلْ خيرًا أو ليَصمُتْ، ومَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ
فَلْيُكرم جارَه ، ومَن كان يُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فَلْيُكرِم ضيفَه ؛ جائزتُه
يوم وليلةٌ ، وضِيافتُه ثلاثةُ أيامٍ ، فما كان بعد ذلك فهو صدقةٌ ، ولا يحِلُّ
له أن يتوِیَ عندَه حتی یُحرجَه».
مالكٌ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيد المقبرئِّ(١)، عن أبى شُرِيحِ الكَغْبِىِّ، التمهيد
أن رسولَ اللهِ وَ له قال: ((مَن كان يُؤْمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فَلْيقُلْ خيرًا
القبس
(١) قال أبو عمر: ((يُكْتَى بأبى سعد، واسم أبيه أبى سعيد كيسان، وهو مولى لبنى جندع من
بنی لیث بن بكر بن عبد مناة، كان مكاتبا لرجل منهم، فأدَّى كتابته فى زمن عمر بن الخطاب
وتق، ولهما جميعا رواية عن أبى هريرة وغيره من الصحابة، ويقال: إنهما قد سمعا من سعد
ابن أبى وقاص، وسماعهما واحد ممن سمعا منه، أو قريب بعضه من بعض، وكانا ثقتين،
وسعيد فى الرواية أشهر من أبيه، روى عنه من الأئمة جماعة، منهم مالك، وابن أبى ذئب،
وابن عيينة، والليث. وقيل: إنه اختلط قبل وفاته بأربع سنين، وسماع ابن أبى ذئب منه قبل
الاختلاط، وكذلك مالك. واختلف فى وفاة سعيد بن أبى سعيد، فقيل: كانت وفاته بالمدينة،
وكان بها سكناه. قيل سنة ثلاث وعشرين ومائة فى خلافة هشام قبل موت الزهرى بعام ،
وقيل : سنة خمس وعشرين. وقيل: سنة ست وعشرين ومائة. وتوفى أبوه أبو سعيد فى خلافة
عمر بن عبد العزيز، وقيل: فى خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان يقال له: المقبرى. لأنه كان
يسكن على المقبرة، وفى المقبرة لغتان مَقْبُرةٌ ومَقْبَرةٌ بالضم والفتح. لمالك عن سعيد بن أبى سعيد
خمسة أحاديث؛ أحدها موقوف، يستند مرفوعا من وجوه ثابتة)). تهذيب الكمال ٤٦٦/١٠،
وسير أعلام النبلاء ٢١٦/٥.
٣٩٣

الموطأ
التمهيد أو لِيصمُتْ، ومَن كان يُؤْمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليُكْرِم جارَه، ومَن كان
يُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليُكّرِمُ ضِيفَه، جائزتُه يوم وليلةٌ، وضيافتُه ثلاثةُ
أيامٍ، فما كان بعدَ ذلك فهو صدقةٌ، ولا يَحِلُّ له أنْ يَثْوِىَ عندَه حتى
◌ُخرِجَه)»(١).
لم يَختلِفِ الرواةُ لـ ((الموطأً)) فى هذا الحديثِ عن مالكِ، وهو حديثٌ
صحيحٌ، وقد رواه عن سعيدٍ بنٍ أبى سعيدٍ جَماعةٌ، أجَلُّهم يحيى بنُ أبى
كثيرٍ (٢)؛ لأنه فى درجةٍ واحدةٍ(٣) مع سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ فى(٤) أبى سَلَمةَ وغيرِهِ،
وقد سمِع أبو سعيدٍ مِن أبى شُرِيحِ الكَغْبِىِّ هذا الحديثَ "وغيره).
وفى هذا الحديثِ آدابٌ وسننٌ؛ منها التأكيدُ فى لُزوم الصمتِ(٦)، وقولُ
الخيرِ أفضلُ مِن الصمتِ ؛ لأن قولَ الخيرِ غَنيمةٌ ، والسكوتَ سلامةٌ ، والغَنيمةُ
-
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٥٣)، وبرواية أبى مصعب (١٩٥١). وأخرجه أحمد ١٣٨/٤٥
(٢٧١٦١)، والبخارى (٦١٣٥)، وأبو داود (٣٧٤٨)، والنسائى فى الكبرى - كما فى تحفة الأشراف
٢٢٤/٩ (١٢٠٥٦) - من طريق مالك به.
(٢) أخرجه إبراهيم الحربى فى إكرام الضيف (٢٢ - ٢٦)، والطيرانى ١٨٣/٢٢، ١٨٤ (٤٧٩ -
٤٨٢) من طريق يحيى بن أبى كثير به . وهو عند الحربى مختصر.
(٣) ليس فى: الأصل، ص ١٧، ص ٢٧، م.
(٤) فى ص ١٦: ((و)).
(٥ - ٥) ليس فى: الأصل، ص ٢٧، م.
(٦) بعده فى ص ١٧: ((أو قول الخير)).
٣٩٤

الموطأ
أفضلُ من السلامةِ، وكذلك قالوا: قُلْ خيرًا تَغْتَمْ، و(١) اسْكُتْ عن شَرٌ تَسْلَمْ. التمهيد
.(٢)
....
قال عَمَّارُ الكَلْبئُّ(٢):
-
وقُلِ الحقَّ(٣) وإلَّا فاضمُتْ إِنَّه (٤) مَن لزِمِ الصمتَ سلِمْ
وقال آخر (٥):
بسوءِ اللفظِ مِن قالٍ وقيلٍ
ومَن لا يَمْلِكُ الشَّفَتَيْنْ يَسْخُو
ولقد أحسَن القائلُ(٦):
إذا ساسه الجهلُ ليثًا مُغيرًا
رأيتُ اللسانَ على أهلِه
(٧)
وقال آخر ():
لسانُ الفتى حَتْفُ الفتى حينَ يَجْهِلُ وكلَّ امرئُّ ما بينَ فَكْتِهِ مَفْتَلُ
فمَن كانت هذه حالَه هو المأمورُ بالصمتِ ، لا قائلَ الخيرِ وذاكرَ اللهِ،
وقد ذكّرْنا هذا المعنَى وكثيرًا مما قيل فيه مِن النَّظْم والنَّثْرِ فى كتابٍ
القبس
(١) فى ص ١٦: ((أو)).
(٢) بهجة المجالس ١/ ٨٤.
(٣) فى الأصل، ص ١٦، م: ((الخير)).
(٤) فى الأصل، ص ١٦، م: ((فإنه)).
(٥) فى ص ٢٧: ((الآخر)). والبيت فى بهجة المجالس ١/ ٨٨.
(٦) عيون الأخبار ١/ ٣٣٠، وبهجة المجالس ٨٣/١.
(٧) هو نصر بن أحمد، والبيت فى بهجة المجالس ٨٦/١، وجامع بيان العلم ١٦٧/١، وتاريخ
بغداد ٩٧/١٣.
٣٩٥

الموطأ
التمهيد ((العلم))، وتَقَصَّيتُه فى كتابٍ ((بهجة المجالس))، والحمدُ للهِ. وژُوِى
عن ابنٍ مسعودٍ أنه قال: ما الشُّؤْمُ إلا فى اللسانِ، وما شىءٌ أحَقَّ بطولٍ
السجنٍ منه (٣).
وحدَّثنا أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حامدٍ ،
قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الطيبٍ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ بلالٍ، قال: حدَّثنا
عبدُ السلامِ بنُ هاشمٍ، عن خالدِ بنِ فِزْرٍ ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ، قال: قال
رسولُ اللهِ وَهِ: ((مَن رَدَّ غَيظَه دَفَعَ اللهُ عنه عذابَه، ومَن حَفِظَ لسانَه سَتَرِ اللهُ
عَورتَه، ومَن اعتَذَر إلى اللـهِ قَبِل عُذْرَه))(٥) .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال : حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدثنا محمدُ بنُ
وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بِنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو الأحوصِ، عن أبى
مُحُصَينٍ، عن أبى صالح، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن كان
يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فَلْقُلْ خيرًا أو ليَسكُتْ))(٦) .
القبس
,٠
(١) جامع بيان العلم وفضله ٥٤٧/١ - ٥٥٣.
(٢) بهجة المجالس ٧٧/١ - ٨٨.
(٣) سيأتى تخريجه ص ٤٠٣,
(٤) فى م: ((فرز)). وينظر تهذيب الكمال ٨/ ١٥٠.
(٥) أخرجه العقيلى ٢/ ٤، والطبرانى فى الأوسط (١٣٢٠) من طريق عبد السلام، عن خالد بن
برد، عن قتادة، عن أنس، وأخرجه ابن أبى عاصم فى الزهد (٤٧) من طريق عبد السلام، عن
خالد بن برد، عن أبيه، عن أنس .
(٦) ابن أبى شيبة ٣٥٨/٨ - ومن طريقه مسلم (٧٥/٤٧)، وابن ماجه (٣٩٧١)، وابن أبى =
٣٩٦

الموطأ
حدَّثنا محمدُ بنُ خَليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: حدَّثنا أبو التمهيد
بكرِ بنُ أبى داودَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح المصرىُّ، قال: حدَّثنا ابنُ
وَهبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ لهيعةً وعمرُو بنُ الحارثِ، عن يزيدَ بنِ عمرٍو
المعافرىِّ، عن أبى عبدِ الرحمنِ الحُبُلِىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصى ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن صَمَتَ نَجا))(١).
وقال الحسنُ رحِمه اللـهُ: أربعٌ لا مثلَ لهن؛ الصَّمْتُ، وهو أولُ العبادةِ ،
والتَّواضُعُ، وذكْرُ اللهِ، وقلةُ الشىءٍ() .
وقد اختَلَف العلماءُ فيما يُكتَبُ على المرءِ من كلامِه ؛ فذكَرَ سُنَيْدٌ ، قال :
حدَّثْنَا مُعتمِرُ بنُ سليمانَ، عن طلحةً بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ فى قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ
مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِدٌ﴾ [ق: ١٨]. قال: يُكتَبُ كلُّ شىءٍ حتى مَا يُعَلِّلُ به
القبس
= الدنيا فى الصمت (٥٥٥)، وأبو عوانة (٩٦)، وأبو نعيم فى مستخرجه (١٧٠) - وأخرجه البخارى
(٦٠١٨، ٦١٣٦)، وابن أبى الدنيا فى الصمت (٥٥٣)، وابن حبان (٥٠٦) من طريق أبى الأحوص به ،
وعند ابن أبى شيبة بلفظ: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره)).
(١) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (١٩٣٣) من طريق أحمد بن صالح به، وأخرجه أحمد ١٩/١١، ٢٣٥
(٦٤٨١، ٦٦٥٤)، والدارمى (٢٧٥٥)، والترمذى (٢٥٠١)، وابن أبى الدنيا فى الصمت (١٠) من
طريق ابن لهيعة به .
(٢) فى م: ((المشى)).
والأثر أخرجه ابن حبان فى المجروحين ١٩٦/٢، والبيهقى فى الشعب (٤٩٨٢، ٨١٥٠) عن
الحسن، عن أنس مرفوعًا. وأخرجه ابن أبى الدنيا فى الصمت (٥٥٦)، وابن أبى عاصم فى الزهد
(٤٨)، عن الحسن، عن أنس موقوفًا. وينظر العلل لابن أبى حاتم (١٨٣٦).
٣٩٧

الموطأ
التمهيد الرجلُ صَبيَّه، والمرأةُ صَبيَّها .
قال: وحدَّثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قوله:
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَمِيدٌ﴾ [ق: ١٧]. قال: كاتِبُ الحسناتِ عن يمينِه،
وكاتِبُ السّيئاتِ عن شمالِهِ(١)؛ ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عِيدٌ﴾(١).
قال : وحدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبی سلیمانَ ، عن أبى
عُبَيدِ اللهِ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّ لَدَيْهِ رَقِبُ عَنِيِّدٌ﴾. قال:
يُكتبُ كلُّ شىءٍ حتى أنينُه فى مرضِه .
قال: وحدَّثنا مُعْتَمِرٌ(٢)، عن ليث، عن طلحةَ بنِ مُصَرّفٍ(٤) ، قال: ما
ظَفِرِتُ من أيوبَ بشىءٍ إِلَّا بِأَنْيِهِ . قال ليثّ: فحدَّثتُ به طاوسًا وهو مريضٌ،
فما أَنَّ حتى مات .
فقال بهذا قومٌ، وخالفهم آخرون فقالوا: لا يُكتَبُ إلَّ الخير والشر.
ذكَر أبو بكرٍ محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ المنذرٍ ، قال: حدّثنا أبو حاتم محمدُ بنُّ
إدريسَ الرَّازِىُّ، قال: حدَّثنا الأنصارىُّ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ حسانَ ، عن
عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عِيدٌ﴾. قال:
القبس
(١) بعده فى ص ١٦، ص ١٧: ((ملك))، وفى ص ٢٧: ((مالك)).
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤٢٤/٢١، ٤٢٦ من طريق سفيان به .
(٣) فى ص ٢٧: ((معمر)).
(٤) فى الأصل، م: ((مطرف)). وينظر تهذيب الكمال ٤٣٣/١٣.
(٥) فى ص ١٧: ((أبو هاشم)). وينظر تهذيب الكمال ١٨١/٣٠.
٣٩٨

الموطأ
التمهيد
يا غلامُ، اسقِنى الماءَ، وأَشْرِجِ الفَرسَ، لا يُكتَبُ إلا الخيرُ والشرطٍ().
قال: وحدَّثنا أبو سعيدِ الهَرَوىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ المجيدِ(١)،
قال : حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، قال: حدَّثنا
هشامُ بنُّ حسانَ ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يُحَدِّثُ ، عن ابنِ عباسٍ قال : يُكتَبُ
عن٢) الإنسان ما يتكلّمُ به مِن خيرٍ وشرّ، وما سوى ذلك فلا يُكتبُ .
قال: وحدَّثنا علىُ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أبو النُّعمانِ ، قال: حدَّثنا
حمادُ بنُ زيدٍ، عن يزيدَ بنِ حازمٍ"، عن عكرمةَ قال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا
لَدیِّ رَقِبُ عَیدٌ﴾ . قال: لا يُكتبُ علیه إلا ما يُؤْجَرُ فيه ويُؤْزَرُ فیه . قال: لو قال
رجلٌ لامرأتِه : تَعالَى حتى نَفعَلَ كذا وكذا . أكان يُكتَبُ عليه؟ قال حمادُ بنُ
شعيبٍ : وسمِعتُ الكلبىّ(٥) يقولُ: يُكتَبُ كلُّ شيءٍ، فإذا كان يومُ الاثنينِ
والخميسٍ ، أَلْقَى منه : أُطْعِمْنى واسْقِنِى، وكتَب البقيةَ.
وذگر عن الأخنفِ وجھًا رابعًا ، قال : صاحبُ الیمینِ يَكتُبُ الخيرَ ، وهو
أمينٌ على صاحبِ الشمالٍ، فإذا أصاب العبدُ الخَطيئةَ، قال: أمْسِكْ. فإنِ
القبس
(١) أخرجه الحاكم ٤٦٥/٢ من طريق أبى حاتم الرازى به .
(٢) فى ص ١٦، ص ١٧: ((الحميد).
(٣) فى ص ٢٧، ص ١٧: ((من)).
(٤ - ٤) فى الأصل، م: ((يزيد بن خازم))، وفى ص ١٧: ((زيد بن حازم)). وينظر التاريخ
الكبير ٣٢٥/٨.
(٥) فى ص ١٦: ((الشعبى)).
٣٩٩

الموطأ
التمهيد استَغْفَر اللهَ نهَاه أن يَكتُبَها، وإن أتى إلا أن يُصِرَّ عليها كتَبها(١).
وقال عطاء: كانوا يَكرّهون فُضولَ الكلام(١). وقال شُفَى الأصْبحىُّ: مَن
كثُر كلامُه، كثُر خَطاياه(٣).
:
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، حدَّثنا ابنُ
وضَّاحِ، حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبِى شَيْبةَ، حدَّثنا غُنْدَرّ، عن شعبةً، عن عمرٍو
ابنِ مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ ، عن أبى كثيرٍ، عن عبدِ الله بن عمرو،
عن النبيِّ بَ﴿َّ قال: ((إِيَّاكُم وَالظُّلِمَ، فَإِنَّ الظَّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القِيامةِ،
وإِيَّكم والفُحْشَ، فإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفُخْشَ والتَّفخُّشَ، وإِيَّاكم والشُّعَّ،
فإِنَّه أهلَكَ مَن كان قبلكم، أمَرهم بالقَطِيعةِ فَقَطَعوا، وأمَرهم بالبُخلِ
فبَخِلُوا، وبالفُجُورِ فَفَجَرُوا)). فقام رجلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ ، أىُّ الإسلامِ
أفضلُ؟ قال: ((أن يَسلَمَ المسلمون مِن لسانِك ويَدِك)). وذكر تمامَ
(٤)
الحديث (٤).
القبس
(١) ابن المنذر - كما فى الدر المنثور ٦٢٣/١٣.
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الصمت (٧٨)، وأبو نعيم فى الحلية ٣١٥/٣، ٣/٥.
(٣) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٨٤٢)، وابن أبى الدنيا فى الصمت (٨٩)، وابن أبى عاصم فى
الزهد (٢٩)، وأبو نعيم فى الحلية ١٦٧/٥.
(٤) ابن أبى شيبة ٩/ ٦٤، ٦٥، ٥١٢/١٣ - وعنه ابن أبى عاصم فى الزهد (١٢) - وأخرجه
أحمد ٤٢٨/١١ (٦٨٣٧)، والنسائى (٤١٧٦) من طريق غندر به، وعند النسائى مختصر.
وأخرجه الطيالسى (٢٣٨٦)، وأحمد ٢٦/١١ (٦٤٨٧)، والدارمى (٢٥٥٨)، وأبو داود
(١٦٩٨) من طريق شعبة به، وعند الدارمى وأبى داود مختصر.
٠
٤٠٠